عيد الموسيقى في «مكتبة بيروت»... اختزال عودة الحياة

عيد الموسيقى في «مكتبة بيروت»... اختزال عودة الحياة

الخميس - 24 ذو القعدة 1443 هـ - 23 يونيو 2022 مـ رقم العدد [ 15913]
نسرين حميدان تتمسك بالزمن الجميل

كانت الوجوه بحاجة إلى مَن يرسم الفرح. نلمح في العينين إشارات الرغبة في الحياة. المكان ضيق بالمساحة، يتسع بالدفء؛ إنها مكتبة بلدية بيروت بإدارة «جمعية السبيل» المصرة على تفكيك اليأس. يكتمل العدد، وأمام كرسي الفنانة نسرين حميدان بجانب كرسي عازف الإيقاع ناجي العريضي، يجلس متذوقو الطرب. تدخل المطربة الحاصلة على «جائزة أفضل صوت في مهرجان دول حوض البحر الأبيض المتوسط» عام 2006... وغيرها، معانِقة العود مُحلي الأمسية. وفي يوم «عيد الموسيقى» تُطرب بأغنيات الكبار. «الزمن الجميل» لساعة من المتعة.

في الخلفية، تصطف الكتب كأنها تذعن لاستراحة، فيما صخب الشارع يتسلل إلى الأذن. من دون حاجته إلى «ميكروفون»، يرحب مقدم الأمسية بالمطربة وشريك العزف، ويؤكد خصوصية «عيد الموسيقى» بالنسبة إلى «مكتبة بيروت» و«جمعية السبيل» الساعيتين بلا كلل إلى تعميم مجانية الثقافة. يعلو التصفيق وهو يقول بلسان الجميع: «إننا مشتاقون للفن الأصيل والتراث الطربي الشعبي». تتخذ المطربة مقعدها والعود في حضنها، فتُكمل عذوبة أوتاره وحنان صوتها، جمال المساء.

كيف مرت الأعوام الأخيرة بمنتهى الفجاجة؟ تأمل الحضور قبل العزف على الوتر وإطلاق شجن الحنجرة، يُظهرهم جميعاً بلا كمامات، والكراسي تكاد تتلاصق. ومَن لا يزالون يصطحبون الكمامة، يعلقونها في أيديهم كسوار. الوجوه والأنوف، حرة طليقة، تبحث كالنفس والقلب وخلجات الروح عن بهجات. ولا ضير إطلاقاً في كون المشهد بسيطاً إلى هذا الحد. كرسيان و«ميكروفونان» ومطربة برفقة عودها مع زميلها العازف على الدف، تكفي للشعور بعودة الحياة.

تتساءل بلسان نصري شمس الدين: «كيف حالهن كيف حبايبنا؟ عم يبعدوا والبُعد تعبنا»، ويصدح الموال. نسرين حميدان الواقفة على مسارح دور أوبرا، والمتنقلة بصوتها وعودها في دول عربية؛ منها مصر وتونس، تطارد الهم الثقافي؛ أكان النشاط أمام جمهور عريض في مكان واسع، أم أمام جمهور من عشرات الأشخاص في مكتبة بيروت. المهم هي ابتسامات الوجوه، وقد كانت هي العريضة. وبينما تغني، تتفحص الناظرين إليها فرداً فرداً. القرب من الناس لا يُقاس بالأمتار فقط؛ بل بالحب. كانت أمسية مسرحها القلب.

تختار لصباح «أخدوا الريح وأخدوا الليل»، وتطلب من الحاضرين التحول إلى «كورال». بكل سرور؛ تجاوب جماعي. وكم كانت «الشحرورة» برقة نسمات أثناء غناء الألم: «أنا هالدمعة عَالخدين محيوها ونسيوها... سرقوا عيوني مدري لوين طفيوها وتركوها... ما عرفت نهاري من الليل وأحبابي نسيوني»، ولفرط صدق تفاعل الناس وعفويته، تطلب نسرين حميدان الإعادة، لسعادتها بالوَقْع والتأثر.

لا فرقة، صوت وإحساس وحُسن اختيار الباقة. ومطربة تُشعر جمهورها بأنها بعض منه، وكلما لمحت التردد على وجه، شجعت: «ما تستحوا، غنوا». وبين الـ«آه» و«آه»، تنجرح المواويل وتُطفأ قناديل الليل و«أحبابي نسيوني»، فيمتلئ الحيز الصغير بفرح أكبر.

تُذكر بالمناسبة: «عيد الموسيقى ولن أغني بمفردي». ومن حدائق زكي ناصيف، تقطف «نقيلي أحلى زهرة»، والعود يختال كملك. في بعض الأغنيات بلاغة قصيدة عبقرية. كيف يكون «الثلج ختياراً» في هذه الأغنية؟ وكيف يتغزل الشعر بـ«عنفوان الغار»؟ و«لو بعرف أوصف أكتر ما بقلك نقيلي»... يا لتواضع مدعي العجز عن الأوصاف!

الهواتف تصور، كأن الفرح لا يكتمل بلا أيدٍ مرفوعة تحول الأنظار عن «نقاء» اللحظة، لتصبح «أسيرة» عدسة. من لبنان إلى مصر، و«شط بحر الهوى»، حيث ترسو المراكب ويجمع الشوق العاشق بالمعشوق. وبدل «اللي يزور حينا يدعي ويتمنى»، تدخل من وحي المكان: «اللي يزور مكتبتنا يفرح ويسعد»! على الوجوه حقيقة تعديل الكلام.

تغني «الليل يا ليلى» لوديع الصافي و«ليلة لو باقي ليلة» لعبد الرب إدريس. «يا الله يا الله ويش كثر إنتِ جميلة». ولفريد الأطرش «يا بو ضحكة جنان» كأنها مهداة للضحكات حولها؛ وللرجال قهاري النساء «تندم وحياة عيوني بتندم»، علماً بأنه يوم «عيد الأب» أيضاً، فتُلطف أجواء الآباء. وتختم الطربي مع «الورد جميل» لأم كلثوم، تاركة لحماسات الوطن أغنية «مهما يتجرح بلدنا»، فيسقط دمعها على رائعة زكي ناصيف وتقشعر الأبدان.

يؤلمها وطنها ويؤلمنا، ومَن يحبس غصة في العين يحررها في القلب. بعد تهاني المعجبين والتقاط الصور، تقف بجوار كنبة لحوار سريع مع «الشرق الأوسط». تقول وكلها أمل، إنها بعد الغناء تصبح شخصاً آخر: «الموسيقى (تشحن) طاقة الإنسان لتجعله قادراً على مواجهة الغضب والزعل بطريقة مختلفة. بعد كل غناء أشعر بأن روحي تُغسل فتنعكس نظافتها على الحاضرين لنكون بمثابة يد واحدة، نتشارك الفرح ونتساعد».

يقاطع معجبون لشكرها على الطرب الأصيل الذي قدمت، فنسألها عن امتحان التمسك بالأصالة في زمن السقوط. تنادي صديقة حضرت الأمسية لتُشهدها على أنه لا يصح إلا الصحيح. تسألها عن عمر ابنها، فتجيبها «8 سنوات»، لتقول إنه في جلسة طرب أحيتها بين الأصدقاء، نادى الفتى أباه وأسره إعجابَه بالصوت والأغنية: «الطفل يتفاعل مع الحقيقي. وجميع المنافسات التلفزيونية تختار الأصالة. الطفولة لم تتشوه بالمُكتسب فتلمس الجمال. هذا أملنا بالأجيال الشابة».


لبنان لبنان أخبار

اختيارات المحرر

فيديو