لوت ألتمان وستيفان زفايغ... الحب وحده ليس كافياً للرد على خراب العالم

دفعهما هتلر إلى الانتحار متعانقين قبل أن يواجه مع عشيقته المصير نفسه

زفايغ وزوجته لوت ألتمان
زفايغ وزوجته لوت ألتمان
TT

لوت ألتمان وستيفان زفايغ... الحب وحده ليس كافياً للرد على خراب العالم

زفايغ وزوجته لوت ألتمان
زفايغ وزوجته لوت ألتمان

ليس ثمة توصيف مناسب لشخصية الكاتب النمساوي الشهير ستيفان زفايغ سوى القول بأنه كان أشبه بعاصفة تمشي على قدمين. ذلك أن زفايغ لم يعرف الراحة أبداً على امتداد سني حياته الستين، ليس فقط بسبب قلقه الإبداعي وشغفه الدائم بالترحال، بل لأن أوروبا التي نعمت في طفولته وصباه، بشيء من السكينة والاستقرار، لم تلبث بفعل تضارب المصالح وحمّى العصبيات القومية، أن أغرقت نفسها عبر حربين عالميتين متتاليتين في دوامة من التطاحن الدموي، أدت إلى مقتل وإصابة وتشريد ملايين البشر. لكن ما أحدث في قلب الكاتب الإنساني ثلماً عصياً على الاندمال، لم ينحصر في الجانب المادي من الخسارات، ولا في تسوية مدن وقرى وصروح بكاملها بالتراب، بل في لجوء القارة التي أحبها بكل جوارحه إلى تدمير المعنى الحضاري والأخلاقي الذي جسدته في حقبة نهوضها السابقة، وإلى بيع نفسها للشيطان مقابل الإمساك بمفتاح المعرفة العقلية، تماماً كما كان غوته قد تنبأ لها في كتابه «فاوست» قبل قرن واحد من ذلك التاريخ.
لم يكن ستيفان زفايغ كاتباً هامشياً أو مغموراً لتظل حياته طي الخفاء أو التجاهل، بل كان بوصفه واحداً من ألمع كتّاب النصف الأول من القرن العشرين، محلّ متابعة واهتمام من النقاد والدارسين والمترجمين، كما ملايين القراء الموزعين بين رياح الأرض الأربع، إلا أن خوفه من انتصار الفاشية وتعرُّض وقائع حياته للتزوير، دفعه إلى كتابة سيرته بنفسه، بدءاً من طفولته المبكرة ووصولاً إلى الفترة التي سبقت انتحاره بقليل. ولهذا السبب بدا كتابه «عالم الأمس» إضافة إلى كونه مدونته الشخصية المفصلة، أقرب إلى وثيقة تاريخية وسياسية وثقافية هامة عن واقع القارة العجوز في زمن المنعطفات الكبرى، وإعادة ترسيم الخرائط والإمبراطوريات والحدود بين الدول، التي تشاء المصادفات أن تتكرر بنسخة جديدة في أيامنا الراهنة. والواقع أن زفايغ الذي ولد عام 1881 لأبوين يهوديين بالغي الثراء، لم يكن ليظن على الإطلاق أن الأرض الوادعة التي ولد في كنفها ستطحنها مرتين سنابك العنف الهمجي، وأن ما سماه «عصر الأمن الذهبي» في أوروبا، سيخلي مكانه لأعتى الحروب وأكثرها فتكاً بالبشر ومنجزاتهم. ففي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى كانت فيينا التي تسند ظهرها إلى تاريخ حافل بالإبداع، وإلى عبقريات هايدن وموزارت وبيتهوفن وشوبيرت وبرامز ويوهان شتراوس، تُلبس كبرياءها الوطني لبوس الثقافة والفن، وتبني على ضفتي الدانوب صروحاً للتقدم، بالغة الرهافة، ومترعة بالمتع الحسية والروحية.
يكشف صاحب «السر الحارق» في مذكراته عن السلوكيات المحافظة التي حكمت العلاقة بين الجنسين عند نهايات القرن التاسع عشر. وهو أمر لم تنحصر تجلياته في القوانين المتشددة والصارمة للعصر الفكتوري، بل تعداه إلى الأدب نفسه؛ حيث أدى النقص في الحرية إلى كبح التعبير عن الرغبات، وتقليص منسوب الجرأة والبوح في روايات ذلك القرن، إلى حد أن القضاء الفرنسي أصدر، بدعوى مكافحة التهتك والزنا، قراراً بحظر رواية فلوبير «مدام بوفاري». وقد ذهب زفايغ إلى القول بأن الخوف من كل ما هو جسدي ورغبي في تلك الفترة، هو الذي دفع المجتمع الأوروبي إلى إطلاق العنان لنزواته المكبوتة عبر تشجيع البغاء، وإنشاء دور مخصصة له. إلا أن الأمور راحت تنقلب تماماً في مطالع القرن العشرين؛ حيث بات الاختلاط متاحاً بين الجنسين، إضافة إلى ما تبعه من انتشار الملاهي والحانات وصيحات الموضة والفن الحديثين.
إن التأمل ملياً في مجريات الأمور لا بد أن يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان هناك شيء من الازدواجية والتناقض بين مواقف زفايغ النظرية المتقدمة، وبين سلوكه الفعلي على أرض الواقع. إذ ثمة في حياة صاحب «لاعب الشطرنج»، وهو الصديق الأثير لفرويد، ما يشير إلى عناصر وترسبات محتبسة في تكوينه الشخصي والنفسي، كانت تفوق وعيه النظري والمعرفي، وتجعله كائناً محكوماً بكثير من التناقضات. فالبعد الإنساني والأخلاقي في أدبه لم يكن ليحجب أثرته المقابلة والتفافه الواضح حول ذاته الفردية. وهو ما أكد عليه صديقه الأثير توماس مان، الذي علّق على انتحاره اللاحق بالقول: «إنه أناني، لم يفكر لحظة انتحاره إلا في نفسه. ألا يعرف أن جميع الكتاب الألمان الذين شردهم هتلر بوحشيته وهمجيته في سائر أنحاء الأرض، أصبحوا أذلاء يقفون على أبواب الناس، فيما ظل هو معززاً مكرّماً يعيش حياة الملوك؟!». كما أن ولاء زفايغ العاطفي لبلده الأم لم يمنعه من النجاة بنفسه حين تمت مداهمة منزله في سالزبورغ، والفرار من بلد إلى بلد، طلباً للأمان ومجانبة المخاطر.
على أن مواقف زفايغ الخجولة من البطش الهتلري الدموي، لا تعني بأي حال تواطؤاً مع العنصرية النازية، بقدر ما تعكس هشاشة وخوفاً من المواجهة متأصلين في تكوينه الشخصي. ولن تفوتنا الإشارة هنا إلى أن زفايغ لم يتحرج من القول بأن سلاح الكاتب الأهم في مقارعة الاستبداد يتمثل في إبداعه الأدبي، قبل أي شيء آخر. ومع ذلك، فإن جزءاً من الثمن الباهظ الذي دفعه الكاتب في لحظات يأسه القصوى، كان متصلاً بعقد الذنب والتقصير، في مواجهة العتو الظلامي الذي ظل يلاحقه من كتاب إلى كتاب، ومن منفى إلى منفى.
وبالعودة إلى علاقاته العاطفية، يُظهر زفايغ في أدبه اهتماماً غير قليل بالمرأة، ينعكس بشكل جلي في أعماله «رسالة من امرأة مجهولة» و«ماري ستيوارت» و«ماري أنطوانيت» وغيرها. لكن هذا الاهتمام الأدبي يقابله في الحياة الفعلية قدرٌ غير مبرر من التجاهل والتغييب لعلاقاته العاطفية بزوجتيه، وبالنساء بشكل عام. والأرجح أن العراك الذي كان يدور في أعماقه بين تربيته اليهودية المحافظة ووعيه المتنور، جعله شديد الحذر في الكشف عن فتوحاته العاطفية ومكنونات قلبه. كما أن اغتباطه المفرط أثناء إقامته الباريسية «بتفاني زوجات أصدقائه الشعراء في إدارة منازلهن والقيام بالطبخ والعناية بالأطفال، مقابل حق الأزواج في الحرية، والمغامرة في عالم الفن» لا بد أنه يعكس شيئاً من قناعاته المتصلة بدور المرأة وفاعليتها الاجتماعية والإنسانية. كما لن يغيب عن البال من ناحية أخرى أن مذكرات زفايغ قد كُتبت تحت وطأة الانهيار المريع لجبهات الحلفاء، وبحضور زوجته لوت وتحت أنظارها. الأمر الذي دفع بحياته العاطفية إلى مكان خلفي من السيرة.
أما بشأن حياته العاطفية، فقد تزوج زفايغ للمرة الأولى من فريدريكا ونترنتز، التي التقاها عام 1908، وكانت في ذلك الوقت امرأة متزوجة وأماً لابنتين اثنتين. وإذ أغرم كل منهما بالآخر، لم يتحقق ارتباطهما الشرعي إلا عام 1920، أي بعد حصول فريدريكا على الطلاق من زوجها الأول. وفي حين أن الكاتب لم يأتِ على ذكر فريدريكا مطلقاً في مذكراته، يُجمع كثير من كتّاب سيرته على القول بأن نجومية زفايغ ونمط حياته المترحلة وكثرة المعجبات من حوله، هي التي أثارت مجتمعة غيرة الزوجة، وأوصلت علاقتهما إلى نهايتها المحتومة بعد عقد ونيف من الزمن. وهذا النزوع إلى المغامرة تؤكده الكاتبة الفرنسية دومينيك بونا في كتابها «ستيفان زفايغ... الصديق الجريح»؛ حيث تشير إلى أن الكاتب الذي حرص على الظهور أمام قرائه بمظهر الرجل الزاهد والجديّ، ظل يجد متعته القصوى في المغامرات الحياتية والعاطفية، حتى نهاية حياته.
أما زوجة زفايغ الثانية لوت التمان، التي ارتبط بها الكاتب أثناء إقامته في بريطانيا عام 1939 بعد أن عملت سكرتيرة ومساعدة له، فقد اعتبرتها كاتبة سيرته (بونا) معجبته الأبدية، «والمرأة التي أسهم قربها من كل ما يحبه في إيقاظ غريزة الحب في أعماقه». وحين قرر الزوجان المتحابان الانطلاق نحو الولايات المتحدة، ومنها إلى البرازيل، شرعا بتعلم اللغة البرتغالية على متن السفينة التي قادتهما باتجاه البلد النائي، الذي وصفه زفايغ لاحقاً بالجنة الموعودة التي لا يتقن أهلها سوى الحب والرقص والإخاء الإنساني. وما لبث زفايغ أن وضع كتاباً عن الدولة المضيفة يشيد فيه بالبرازيل بوصفها نموذجاً زاهياً لأرض المستقبل، مقابل النموذج الأوروبي الغارق في وحول الماضي. وهو ما أثار استهجان المثقفين البرازيليين الناقمين آنذاك على سلطتهم الاستبدادية الحاكمة، كما اعتبره الكاتب الأميركي جورج بروكنيك، في كتاب له عن زفايغ بعنوان «المنفى المستحيل»، عملاً مخيباً للأمل ودلالة على «سذاجة» مفرطة في وعي الكاتب السياسي.
الحب الغامر الذي وفّر لزفايغ وزوجته بعض أسباب التفاؤل لم يستطع الصمود طويلاً أمام ما واجهه الطرفان من وطأة اليأس وكوابيس المنفى. وهو ما عكسته الرسائل المتلاحقة التي بعث بها زفايغ إلى عدد من أقاربه وأصدقائه ومحبيه؛ حيث كان الشعور بالذنب وعقدة الفرار من المواجهة هما سيدي الموقف. تضاف إليهما بالطبع قراءة الكاتب المتشائمة لمستقبل الكوكب الأرضي. وإذ تمكن الكاتب «المهيض» من إقناع زوجته الشابة بالانتحار، بعد أن بذلت جهوداً مضنية لثنيه عن قراره، عمد كل منهما إلى تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة، ثم تمددا جنباً إلى جنب، في مشهد عناق أبدي بات مع الزمن، أحد أكثر المشاهد الإنسانية تعبيراً عن اتحاد الحب والموت في حسرة واحدة.
وفي رسالته الأخيرة إلى العالم، كتب زفايغ قبيل انتحاره بلحظات: «إن الذي بلغ الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير عادية ليبدأ بداية جديدة. وما لديّ من طاقات قد استنزفتْها أعوام التشرد المديدة. لذلك من الأفضل في اعتقادي أن أختم في الوقت المناسب، وأنا منتصب القامة، حياة كان العمل الفكري فيها يعني الفرح الأصفى، والخير الأسمى على الأرض».
ورغم أن رسالة زفايغ المؤثرة تبدو أشبه بمضبطة اتهام دامغة، ضد الهجوم العنصري المروع الذي شنّه موسوليني وهتلر على الجانب الجميل والمضيء من الكوكب الأرضي، فإن الكاتب النمساوي الذي قتله نفاد صبره، ويأسه من المصير البشري، لم يكن يعلم أن للتاريخ ميزان عدالته المترع بالمفارقات. فبعد 3 سنوات ونيف من انتحار الزوجين الطريدين، سيتم إعدام موسوليني وعشيقته كلارا بيتاتشي، رمياً بالرصاص في العام 1945. أما أدولف هتلر فسيلجأ بعد ذلك بأيام، وتجنباً لمصير حليفه المذل، إلى إنهاء حياته الدامية برصاصة في الرأس، فيما اختارت حبيبته إيفا براون، التي أصرت على إقامة مراسيم زواجه منها قبيل انتحارهما بقليل، أن تنهي حياتها بسمّ السيانيد القاتل، وهي بعد في الثالثة والثلاثين، أي في العمر نفسه الذي قضت لوت ألتمان نحبها فيه. كأن القدر الذي قدّم للعالم نُسخاً مزيدة ومنقحة من التراجيديا الشكسبيرية روميو وجولييت، كانت له هو الآخر رسالة، مفادها أنه في مكان ما من اللجج السوداء للنفس الإنسانية، ثمة مكان للحب، يتشابه فيه الجلادون والضحايا إلى حدود التطابق التام. مكان يمكن له أن ينقلب تماماً على معناه، كما يحدث لأوروبا الراهنة في لحظة من التدمير الهستيري للذات، بقدر ما يمكنه أن يكون في لحظات أخرى، بقعة الزيت المؤسسة التي استرشد بهدْيها قبل قرنين اثنين كلّ من بوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وآخرين غيرهم، ممن اعتبرهم ستيفان زفايغ ذات يوم «بناة العالم» ومناراته وينابيعه الملهِمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».


جائزة «الشيخ زايد» تختار نجاة الصغيرة شخصية العام الثقافية

الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على فيسبوك)
الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على فيسبوك)
TT

جائزة «الشيخ زايد» تختار نجاة الصغيرة شخصية العام الثقافية

الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على فيسبوك)
الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على فيسبوك)

أعلنت جائزة «الشيخ زايد للكتاب» عن اختيار الفنانة المصرية نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية»، في دورتها الـ20.

وعبر حساباتها الرسمية بـ«السوشيال ميديا»، هنأت الجائزة نجاة الصغيرة، وكتبت: «نُهنئ الفنانة المصرية نجاة الصغيرة لفوزها بجائزة (الشيخ زايد للكتاب)، في دورتها العشرين، فرع (شخصية العام الثقافية)، تقديراً لمسيرتها الثرية التي قدمت خلالها عدداً كبيراً من القصائد المغناة التي أسهمت في تعزيز حضور اللغة العربية في الوجدان، وترسيخ محبتها لدى الأجيال المتعاقبة».​

وقدم «اتحاد النقابات الفنية في مصر»، ويضم «نقابة المهن التمثيلية»، و«السينمائية»، و«الموسيقية»، برئاسة المخرج المصري عمر عبد العزيز، التهنئة للفنانة نجاة الصغيرة، ووصفها البيان الصحافي للاتحاد بـ«الأيقونة»، لفوزها بجائزة «الشيخ زايد للكتاب».

ويأتي هذا التكريم تقديراً لدورها الريادي في إثراء المشهد الثقافي والموسيقي العربي؛ إذ استطاعت عبر مسيرة فنية امتدت لعقود، أن توازن بين «عذوبة الأداء»، و«رقي الكلمة»، مساهمةً بشكل فاعل في نشر «القصيدة العربية المغنّاة»، و«ترسيخها في ذاكرة الأجيال»، وفق بيان الاتحاد.

ونوه البيان بأن الفوز يعد اعترافاً بمساهماتها البارزة في «رعاية الإبداع الفكري»، و«إثراء المشهد الثقافي»، على المستويين العربي والعالمي، ومسيرتها التي حققت خلالها الكثير من الإنجازات «الثقافية والفنية»، فأثرت المشهد الموسيقي والغنائي والسينمائي، وكانت ولا تزال «أيقونة إبداعية»، متفردة.

وحسب بيان الاتحاد، فإن نجاة الصغيرة سيتم تكريمها بـ«ميدالية ذهبية»، و«شهادة تقدير»، إضافةً إلى «مكافأة مالية»، قدرها «مليون درهم» إماراتي (الدولار يساوي نحو 3.67 درهم إماراتي).

من جهتهم، أكد النقباء الثلاثة، أشرف زكي، ومسعد فودة، ومصطفى كامل، أن فوز نجاة الصغيرة بالجائزة يعد تكريماً للفن المصري، وتأكيداً لعمق العلاقات بين البلدين الشقيقين مصر والإمارات، وهي العلاقة التي رسخ دعائمها الشيخ زايد.

الفائزون بجائزة الشيخ زايد للكتاب (حساب الجائزة على فيسبوك)

وأكد الناقد الموسيقي المصري أمجد مصطفى أن تكريم نجاة الصغيرة في هذا المحفل الثقافي الكبير تكريم مستحق، وتقدير يحسب للجائزة في هذا التوقيت من دولة الإمارات.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «التكريم يعد تقديراً لمسيرتها الثرية، وإسهامها في تعزيز حضور اللغة العربية على الساحة، حيث غنت قصائد عدة، وأسهمت في تعليمها ونشرها»، مشيراً إلى أنها «مدرسة غنائية عريقة ما زالت حاضرة».

وعدّ الناقد الفني المصري «اختيار عدد من نجوم الغناء تقديم قصائد باللغة العربية مثل نجاة وأيضاً أم كلثوم، وفيروز، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وعدم الاكتفاء بالعامية، انتصاراً للغة العربية»، مؤكداً «أن تكريم نجاة هو تكريم لكل فنان مجتهد أثرى الساحة الثقافية العربية، سواء بالغناء أو بأي لون فني آخر».

وكانت نجاة نالت قبل عامين تكريماً خاصاً من المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، خلال حفل «جوي أووردز»، في العاصمة الرياض.

ومن بين القصائد التي تغنت بها نجاة الصغيرة خلال مسيرتها، «أيظن»، و«لا تكذبي»، و«أسألك الرحيل»، كما قدمت مجموعة من الأفلام السينمائية الغنائية، من بينها، «الشموع السوداء»، و«شاطئ المرح»، و«ابنتي العزيزة»، و«جفت الدموع».

وإلى جانب نجاة الصغيرة، فاز بالدورة الـ20 من جائزة «الشيخ زايد للكتاب»، فرع «الآداب»، أشرف العشماوي من مصر، وفي فرع «الترجمة»، نوال نصر الله، العراق/ أميركا، وفي فرع «الثقافة العربية» في اللغات الأخرى، فاز شتيفان فايدنر من ألمانيا، وفي فرع «المخطوطات والموسوعات والمعاجم»، الدكتور محمد الخشت من مصر، وبفرع «المؤلف الشاب»، مصطفى رجوان من المغرب، وبفرع «الفنون والدراسات النقدية» زهير توفيق، من الأردن، وفي فرع «النشر والتقنيات الثقافية»، فازت «مؤسسة الإمارات للآداب».