«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

الحزب الفاشي الجديد... انتقل من بدايات انشقاقية متواضعة

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة
TT

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

ثمّة تعبير يعشقه الإيطاليون في لغتهم ويحلو لهم استخدامه في الأحاديث التي تدور حول سباق السيارات والمنافسات الرياضية، وصراعات الأحزاب في المشهد السياسي الذي يتبدّل وتتغيّر تحالفاته باستمرار. هذا التعبير هو «سورباسو» Sorpasso الذي يدلّل على تجاوز أحد المتبارين خصومه، والذي كان أيضاً عنواناً لأحد أشهر الأفلام السينمائية التي أخرجها دينو روسّي مطالع ستينات القرن الفائت ومرجعاً فنّياً لما يعرف بالكوميديا الإيطالية، وانتقل بصيغته الأصلية إلى اللغات اللاتينية الأخرى لشدة دلالته. منذ مطلع هذا الأسبوع يكثر استخدام هذا المصطلح لتوصيف المشهد السياسي اليميني في إيطاليا، بعد الانتخابات البلدية الأخيرة التي أجريت يوم الأحد الفائت وأسفرت، كما توقعت الاستطلاعات، عن فوز تحالف اليمين الوسط بفارق غير كبير عن الأحزاب التقدمية واليسارية. إلا أن الجديد اللافت كان تصدّر حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» الأحزاب اليمينية، متجاوزاً حزب «فورتسا إيطاليا» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلوسكوني، بل مضاعفاً نتائج حزب «الرابطة» الذي يرأسه ماتّيو سالفيني. وكان هذا الأخير لأشهر قليلة خلت يتزعّم التحالف اليميني، ويتطلّع للوصول إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات العامة في ربيع العام المقبل.
في نهاية العام 2012 قرّر وزير الدفاع الإيطالي الأسبق إيغناسيو دي لا روسّا، المنسّق العام لحزب «شعب الحرية»، الانشقاق عن الحزب الذي كان يتزّعمه سيلفيو برلوسكوني. وعقبه بعد أيام قليلة انشقاق آخر بقيادة جيورجيا ميلوني يضمّ الجناح اليميني الذي كان يجمع الأعضاء السابقين في حزب «الحلف الوطني»، الذي بدوره قام على أنقاض «الحركة الاجتماعية الإيطالية» الفاشية التي كانت تعتبر نفسها الوريثة الشرعية للحزب الفاشي الذي أسسه بنيتو موسوليني.
وقبل انقضاء أسبوع واحد على ذلك الانشقاق المزدوج - الذي تبيّن لاحقاً أنه حصل بتنسيق تام بين الطرفين - قرّر التيّاران المنشقّان تشكيل كتلة برلمانية واحدة تضمّ 10 أعضاء في مجلس الشيوخ، وخوض الانتخابات التشريعية في العام التالي تحت اسم «إخوان إيطاليا»، أو «فراتيلي ديتاليا». وهذا الاسم الذي اختارته ميلوني مقتبس من البيت الأول للنشيد الوطني الإيطالي الذي وُضع أواسط القرن التاسع عشر بعد توحيد إيطاليا على يد جيوزيبي غاريبالدي.

شعار حزب «إخوان إيطاليا»

- بداية متواضعة لـ«الإخوان»
في تلك الانتخابات التي فاز بها تحالف الأحزاب اليسارية بقيادة الحزب الديمقراطي بغالبية ساحقة، لم يحصل «إخوان إيطاليا» سوى على 9مقاعد في مجلس الشيوخ و11 مقعداً في مجلس النواب. وبالتالي، بقي لسنوات حزباً ثانوياً على هامش الائتلاف اليميني الذي كان يقوده برلوسكوني قبل أن ينضمّ إليه حزب «الرابطة» (الانفصالي سابقاً) الذي كان نشاطه يقتصر على مقاطعات الشمال، وكان قد أسس أصلاً بهدف المطالبة باستقلالها عن إيطاليا.
وبعدها، في انتخابات العام 2018 فازت حركة «النجوم الخمس» بالمركز الأول، وتلاها حزب «الرابطة» بزعامة ماتّيو سالفيني الطامح إلى قيادة المعسكر اليميني الذي كان لواء زعامته معقوداً لبرلوسكوني منذ سنوات، بينما لم يحصل «إخوان إيطاليا» على أكثر من 4.3 في المائة من الأصوات. وهكذا، ظل لاعباً ثانوياً في المشهد السياسي الذي كان سالفيني يحدد أجندته اليمينية من موقعه وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الحكومة التي ولدت من الائتلاف بين «الرابطة» وحركة «النجوم الخمس»... التي كانت فرضت لرئاستها أستاذ الحقوق جيوزيبي كونتي، رغم عدم انتمائه للحركة، ولا عضويته في البرلمان.

جيورجيا ميلوني  -  ماتيو سالفيني

- حكومة ماريو دراغي
عندما سقطت حكومة كونتي الثانية بعد المناورة الفاشلة التي قام بها سالفيني، طارحاً الثقة بالوزارة - التي كان أحد أبرز أعضائها - بهدف فرض إجراء انتخابات مبكرة كانت الاستطلاعات ترجّح فوزه بها، ألقى رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا بكامل ثقله لإقناع الحاكم السابق للمصرف المركزي الأوروبي ماريو دراغي بقبول تشكيل حكومة ائتلافية واسعة. وكان هدف رئيس الجمهورية تحاشي إجراء انتخابات عامة في ذروة جائحة «كوفيد 19» والانقسامات السياسية الحادة التي كانت تنذر بخلافات عميقة بين الأحزاب يمكن أن تحرم إيطاليا من الاستفادة من حصة الأسد التي حصلت عليها من صندوق الإنعاش، الذي كان أقره الاتحاد الأوروبي لمساعدة الدول الأعضاء على النهوض من تداعيات الجائحة.
وعندما فرض دراغي شروطه لتأليف الحكومة الائتلافية بمشاركة جميع أطياف الكتل البرلمانية وتعهدها بتأييد البرنامج الحكومي، وقبلت «الرابطة» الانضمام إلى الوزارة الجديدة والتعهد بألا تعرقل أعمالها، أدركت جيورجيا ميلوني، زعيمة «إخوان إيطاليا» أنها أمام فرصة توسيع قاعدتها الشعبية بين الناقمين الكثيرين على فشل الأحزاب السياسية التقليدية في التوافق على تكليف رئيس للحكومة من داخل البرلمان، واللجوء - للمرة الثالثة على التوالي - إلى اختيار شخصية لم يسبق لها أن خاضت انتخابات أو تولّت مناصب عامة.
- قيادة المعارضة اليمينية
لذا رفضت ميلوني الانضمام إلى الحكومة الائتلافية التي ضمّت جميع الأطياف الممثلة في البرلمان. وبقي حزبها «إخوان إيطاليا» وحده في المعارضة متفرّداً بانتقاد الحكومة، التي حظيت بتأييد واسع في المرحلة الأولى بعد تأليفها، لكنها سرعان ما بدأت شعبيتها تتراجع بفعل التناقضات العميقة والتضارب في مصالح الأحزاب التي تشكّلها.
في موازاة ذلك، كانت شعبية «إخوان إيطاليا» تصعد باطّراد في استطلاعات الرأي، وتتقدّم ميلوني على زعماء الأحزاب الأخرى، وبالأخص، على حساب سالفيني الذي فشل غير مرة في محاولاته إنشاء اتحاد للقوى والأحزاب اليمينية يستثني ميلوني. إذ كان يدرك أنها تشكّل وحدها الخطر الداهم على شعبيته وزعامته للمشهد اليميني المتقدّم بخطى ثابتة للفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة.
أما ميلوني، فبعدما تيقّنت من صعود شعبية حزبها، وتجاوزها «الرابطة» في جميع الاستطلاعات، قررت أن تخوض منفردة الانتخابات البلدية التي أجريت دورتها الأولى يوم الأحد الفائت، رافضة التحالف مع القوى اليمينية الأخرى حتى في المعاقل التي كان مضموناً فيها فوز التحالف. وجاءت النتائج لتؤكد صواب خيار «إخوان إيطاليا» الذي فاز وحده بما يعادل نتائج الأحزاب اليمينية الأخرى مجتمعة. وبالتالي، رسّخ موقعه في صدارة المشهد اليميني، واضعاً جيورجيا ميلوني على أبواب رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة... لتكون أول امرأة تتولاها في تاريخ إيطاليا.
- المزاج الشعبي... وأوكرانيا
تكمن أهمية هذه الانتخابات البلدية التي تجري قبل سنة تقريباً من الانتخابات العامة، في أنها تحدد المزاج السياسي الشعبي، وغالباً ما تطابق نتائجها تلك التي تسفر عنها الانتخابات التشريعية اللاحقة. وفي حين استوعبت كل الأحزاب السياسية أن الفاشيين الجدد بزعامة ميلوني أصبحوا قاب قوسين من رئاسة حكومة الجمهورية التي قامت على أنقاض النظام الفاشي - الذي يحظره الدستور الإيطالي ويمنع الدفاع عنه - يحاول سالفيني الآن تجاهل هذا الواقع الجديد. وهذا، مع أن حزب «إخوان إيطاليا» زادت شعبيته في جميع معاقل الرابطة، ولم يعد مستبعداً انكفاؤه إلى المقاطعات الشمالية، كما تطالب القيادات التقليدية التي كان سالفيني أبعدها بعد تولّيه زعامة الحزب... وقراره التمدد في جميع المناطق الإيطالية.
الواقع أنه بعد هذه الانتخابات، بات هامش المناورة أمام زعيم «الرابطة» محدوداً جداً، ولا سيما أن ميلوني تنشط في الملعب نفسه وبالأدوات ذاتها التي وفّرت لسالفيني شعبيته وصعوده في السنوات المنصرمة... مثل الشعارات المناهضة للهجرة والتنظيمات الإسلامية وحقوق المثليين، ورفض الانصياع لمشيئة المؤسسات الأوروبية والنظام المالي العالمي.
يضاف إلى ما سبق أن ميلوني أصابت في اختيار موقعها من الحرب الروسية الأوكرانية. إذ أيدت موقف الحلفاء الغربيين، ودعت إلى تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من الأسلحة لمواجهة الغزو الروسي، في حين يدفع سالفيني ثمن علاقاته الوطيدة مع موسكو، وتصريحاته التي كان يعرب فيها عن إعجابه الشديد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وللعلم، دخل سالفيني مرة مبنى البرلمان الأوروبي وهو يرتدي قميصاً عليه صورة زعيم الكرملين، ولقد ذكّره بها المتظاهرون الذين كانوا يحتجون على زيارته أخيراً أحد مراكز استقبال النازحين الأوكرانيين في بولندا.
ولا شك في أن موقف ميلوني من الحرب الأوكرانية كان الدافع وراء اختيار الحزب الجمهوري الأميركي لها ودعوتها لحضور مهرجانه الانتخابي الأخير وإلقاء كلمة فيه، على حساب سالفيني الذي كان يجهر إعجابه بالرئيس السابق دونالد ترمب وكان قد أعلن دعمه لإعادة انتخابه.
- تساؤلات... وهواجس
في أي حال، السؤال المطروح اليوم في الدوائر الأوروبية التي تراقب بقلق صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة، وتتوجّس من احتمال وصول الفاشيين الجدد إلى الحكم في إيطاليا هو التالي؛ ما هو المنسوب الحقيقي للموروث الفاشي في برنامج «إخوان إيطاليا»... وقدرة هذا الحزب - أو استعداده - على ضرب دعائم المشروع الأوروبي من الداخل في دولة وازنة مثل إيطاليا؟
إذ تواجه المجتمعات الديمقراطية صعوبة متزايدة في التعامل مع الطفرات الفاشية، أو «الفاشية الجديدة»، لأن هذه تتغذّى من التصادم بين الحق في حرية التعبير والحق المشروع أيضاً في أن يحمي المجتمع نفسه من الحركات المتعصبّة والعنيفة التي تهدف، في نهاية المطاف، إلى تقويض النظام الديمقراطي لتسود على أنقاضه.
وفعلاً تشهد بلدان أوروبية كثيرة منذ سنوات «صحوة» لهذه الحركات والتيارات التي تستغلّ الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تنشأ عن الأزمات، مثل الانهيار المالي في العام 2008 وجائحة «كوفيد 19»، وغالباً ما تنخرط في المظاهرات الاحتجاجية متماهية مع مطالبها. جدير بالذكر أن الدستور الإيطالي ينصّ في مادته الـ12 على حظر إعادة بناء الحزب الفاشي، الذي أسسه بنيتو موسوليني عام 1921 ولا يزال إرثه من أبشع الصفحات في التاريخ الإيطالي. وليست هذه المادة الدستورية مجرد «إعلان نيات» يهدف إلى طي صفحة الماضي الفاشي، بل هي وسيلة للدفاع عن النظام الديمقراطي الذي قام في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، تضع خارج إطار الشرعية كل حزب يستخدم العنف، أو يهدد باستخدامه، لتحقيق أهدافه السياسية، كما يمنع استخدام أي شعارات فاشية.
- الفاشية وليدة الأزمات
طبعاً، العالم اليوم يختلف عما كان عليه في العقود الثلاثة الأولى من القرن الماضي الذي شهد قيام الحركات الفاشية وازدهارها من «إيطاليا موسوليني» إلى «ألمانيا هتلر» و«إسبانيا فرنكو» و«برتغال سالازار». لكن كثيرين لا ينسون أن تلك الحركات إنما تولّدت من رحم الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تشبه إلى حد كبير الظروف الراهنة التي نشأت عن أزمات متلاحقة توّجتها جائحة «كوفيد 19» قبل أن تنشب الحرب في أوكرانيا. وكانت هذه الظروف الأرض الخصبة التي نمت فيها الحركات اليمينية المتطرفة لتصل إلى الحكم وتبدأ بتنفيذ برامجها وخططها العنصرية بتأييد شعبي واسع. ويضاف إلى ذلك أن أزمة الهجرة التي تتعاقب على أوروبا منذ سنوات ساهمت بنسبة كبيرة في صعود شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي كانت هامشية جداً قبلها، وأوصلت بعضها إلى السلطة في حكومات ائتلافية.
«إخوان إيطاليا» يدركون جيداً أن الذي كان ممكناً في أوروبا مطالع القرن الماضي بات اليوم مستحيلاً تسويقه لبلوغ سدّة الحكم في بلدان الاتحاد الأوروبي، الذي تحدد معاهداته شروطاً ملزمة للعمل السياسي واحترام حقوق الإنسان وصلاحيات الأجهزة القضائية. وهو الأمر الذي دفع الحزب اليميني خلال الأشهر الأخيرة إلى الجنوح نحو برنامج معتدل - في الداخل والخارج - عندما تيقّن أنه بات قاب قوسين من قيادة المشهد السياسي اليميني والوصول إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات العامة المقبلة. وفي هذا السياق، كان سالفيني قد حاول في الفترة الأخيرة إقصاء «إخوان إيطاليا» عن مشروع لتشكيل تحالف يضمّ الأحزاب والقوى المحافظة، بحجة أنه الحزب الوحيد خارج الحكومة وهو ما يتيح للتحالف اتخاذ مواقف موحّدة من الأداء الحكومي، والاتفاق على أن يتولّى الحزب الذي يفوز بأعلى نسبة في الانتخابات المقبلة رئاسة الحكومة.
غير أن برلوسكوني، الذي ما زال يرفض مجرد التفكير بخلف له، تباطأ في التجاوب مع دعوة سالفيني، فيما كانت شعبية ميلوني تصعد في استطلاعات الرأي، وبخاصة على حساب زعيم «الرابطة»، إلى أن أصبح وجودها حتمياً داخل التحالف، وحظوظها راجحة في قيادته بعد الانتخابات.
ومع جنوح سالفيني نحو مزيد من التطرف لاستعادة شعبيته المتراجعة، كانت ميلوني تميل أكثر إلى الاعتدال مستقطبة مزيداً من الدعم بين أنصار حركة «النجوم الخمس» التي أخذت تتصدّع تحت وطأة الخلافات، والنزاعات بين التيارات الكثيرة داخلها. ثم إن ميلوني تقترب الآن حالياً بثبات من مراكز القرار الاقتصادي والمالي التي لم تشعر أبداً بالارتياح للمواقف العدائية التي كان سالفيني يجهر بها ضد الاتحاد الأوروبي ومؤسساته... التي لا غنى للاقتصاد الإيطالي عن مساعداتها.
رمزية ميلانو الخاصة... في حسابات جيورجيا ميلوني
> اختارت جيورجيا ميلوني «تقديم بطاقة التعريف الجديدة» لحزبها في المؤتمر الأخير، الذي عقده مطالع الشهر الفائت، في مدينة ميلانو.
وراء هذا الاختيار رمزية شديدة الوضوح والتحدي، ليس فقط لكونها العاصمة الاقتصادية لإيطاليا، بل هي أيضاً مسقط رأس كل من ماتيو سالفيني وسيلفيو برلوسكوني ومعقلهما السياسي. وفي هذه المدينة سجّلت شعبية «إخوان إيطاليا» صعوداً كبيراً في الفترة الأخيرة، مع أن منبَته كان في روما وجذوره في وسط إيطاليا وجنوبها. وأمام الانهيار المتواصل الذي يعاني منها حزب «فورتسا إيطاليا»، الممتنع زعيمه برلوسكوني عن اختيار خلف له رغم تجاوزه الخامسة والثمانين من العمر، والانحدار السريع لـ«الرابطة» وافتقاره لوجهة عقائدية واضحة بعد الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها سالفيني، ظهرت ميلوني وحدها القادرة على قيادة المشهد اليميني. وهي عملياً تقول لحليفيها إنهما إذا كانا يريدان الوصول إلى الحكم عن طريق التحالف، لا بد لهما من مواكبتها... وهي وحدها في موقع القيادة.
لكن المشكلة هنا أن العلاقات تدهورت كثيراً خلال الأشهر المنصرمة بين أطراف التحالف اليميني، وبالأخص، بعد تضارب مواقفهم خلال انتخاب رئيس الجمهورية، وتباعدها إزاء الحرب في أوكرانيا ومواصلة تزويد كييف بالأسلحة. ومن المرجّح أن يتعمّق الخلاف أكثر بعد قرار موسكو استخدام سلاح الغاز الذي يعتمد عليه الاقتصاد الإيطالي بنسبة عالية، ولا سيّما أن «الرابطة» كانت ألمحت مراراً إلى ضرورة وقف مسلسل العقوبات الأوروبية ضد روسيا، بل عرض سالفيني الذهاب إلى موسكو للوساطة.
لذا يسعى برلوسكوني منذ أيام إلى التخفيف من حدة الخلافات داخل التحالف، لأن تماسكه ووحدة صفه وتقديمه لوائح مشتركة خطوة أساسية في الانتخابات المقبلة، بحكم القانون الانتخابي الذي يعتمد نظام الغالبية، والذي يجازي الأحزاب والتحالفات الكبرى على حساب الأحزاب الصغيرة واللوائح المنفردة.
ولأن ميلوني مهتمة بترسيخ تجاوزها لحزب «الرابطة»، بقدر ما هي مهتمة بتجاوز الحزب الديمقراطي (أقوى مكونات اليسار)، ليصبح «إخوان إيطاليا» الكتلة الأولى في البرلمان، فإنها تسعى منذ فترة إلى إقصاء الجيوب المتطرفة التي ما زالت تحنّ إلى جذورها الفاشية، أو إلى عزلها. وكانت قد قررت للمرة الأولى في تاريخ «الفاشيين الجدد» المشاركة في العيد الوطني الذي تحتفل به إيطاليا في 25 أبريل (نيسان) بمناسبة تحرير البلاد من الفاشية والنازية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.