مهاجرون سوريون يعانون الأمرين في مركز احتجاز بقبرص

السوريون ينتظرون مصيراً مجهولاً في هجرتهم للخارج (رويترز)
السوريون ينتظرون مصيراً مجهولاً في هجرتهم للخارج (رويترز)
TT

مهاجرون سوريون يعانون الأمرين في مركز احتجاز بقبرص

السوريون ينتظرون مصيراً مجهولاً في هجرتهم للخارج (رويترز)
السوريون ينتظرون مصيراً مجهولاً في هجرتهم للخارج (رويترز)

يبدو المبنى أشبه بحصن، قلعة حديثة مبنية من الخرسانة والصلب تطل من أعلى قمة تل متصحر مغطى بشجيرات صغيرة. لونه رمادي كئيب ويبدو مظهره عمليا، وترحب بك اللافتة عند بوابة الدخول بأجرأ عبارة: «شرطة قبرص: مركز مينوغيا».
تشير سلطات قبرص إلى أن مينوغيا ليس سجنا في حقيقته، وإنما في شكله فقط. وبينما كنت أنتظر الحراس لفحص جواز سفري وإعطائي تصريح الزيارة عند بيت الحارس، سمعت إعلانا آتيا من نظام الصوت، نصه: إنه وقت التمارين في الحديقة المحاطة بالأسلاك الشائكة، وغير مسموح سوى بساعة واحدة فقط.
غير أن المحتجزين هناك ليسوا مجرمين، وإنما عمال مهاجرون ولاجئون وطالبو لجوء سياسي، جميعهم متهمون بخرق شروط تأشيراتهم، أو ببساطة أجبروا على البقاء هنا إلى أن تصدر السلطات الحكومية القبرصية قرارها بشأن أوضاع تأشيراتهم وطلبات اللجوء السياسي التي تقدموا بها، وبالتالي، مستقبلهم.
كانت ترتيبات زيارتي مركز مينوغيا سهلة لدرجة معقولة، اتصلت قبل يوم وقلت إنني أحد أصدقاء عبده، وهو واحد من عشرات السوريين المحتجزين في مينوغيا إلى أن تقرر السلطات القبرصية الإجراء الذي ستتخذه معهم. لكن الأشخاص الذين ساعدوني على التقديم للحصول على إذن الزيارة حذروني من ضرورة ألا أكشف للحراس أنني صحافية. فهم يقولون إن الحراس إذا ما راودهم شك في أنني من الصحافة، فسيرحلونني مباشرة. وفي طريقي، أخذ الحراس جواز سفري وفتشوني بحثا عن أسلحة، وطلبوا مني ترك كل متعلقاتي في صالة الاستقبال.
في يوليو (تموز)، حينما زرت مينوغيا، كان عبده محتجزا هناك بالفعل منذ أربعة أشهر. وطلب مني ألا أنشر قصته إلى أن يتم إطلاق سراحه، خوفا من احتمال الانتقام منه إذا ما علمت السلطات أنه قد تحدث لصحافي؛ وأخبرني بأنه شاهد محتجزين يتعرضون للضرب على أيدي حراس في مينوغيا. وحينما التقيته، كان 25 سوريا مضربين عن الطعام في المركز، احتجاجا على الأوضاع وعلى احتجازهم المستمر من دون محاكمة أو الوصول لمعلومات عن المساعدات القانونية.
وعلى غرار عبده، كان السواد الأعظم منهم محتجزا هنا منذ أربعة أشهر أو أكثر. وليس لدى أي منهم أدنى فكرة عن الوقت الذي سيطلق فيه سراحهم أو ماذا سيحدث لهم حينها. يحدثني عبده قائلا: «فقدت 15 كيلوغراما من وزني منذ أن جئت إلى هنا. فالطعام سيئ جدا. ولا يمكنك تحمل تناوله».
لطالما كانت جمهورية قبرص اليونانية مأوى لمجموعة من المهاجرين السوريين، منذ فترة طويلة قبل اندلاع الثورة والنزوح البشري الهائل الذي أحدثته. وعبده موجود هنا منذ خمس سنوات وكان لديه وظيفة ومنزل وحبيبة. لكنه فقد كل هذا حينما أتت السلطات تطرق بابه وأقتيد إلى مينوغيا بتهمة العمل من دون تصريح مناسب. يقول: «حبيبتي اعتبرتني مجرما وظنت أنني حتما ارتكبت جريمة بسبب احتجازي في السجن، وتركتني».
وبعض السوريين المحتجزين في مينوغيا، على غرار عبده، يعيشون في قبرص منذ عدة سنوات، ولكنهم متهمون بالفشل في العمل في إطار قواعد صارمة خاصة بالتأشيرات. وتعتمد حقوق الإقامة للعمال المهاجرين في قبرص على وضعهم في العمل – فإذا فقدوا وظيفتهم، يخسرون حقهم في البقاء هناك. وآخر من وصل إلى هناك لاجئون هربوا من النزاع الدموي في سوريا على بعد 200 ميل جهة الشرق. غير أن اللاجئين من المجموعتين، القادمين من سوريا والمقيمين أصلا في قبرص، يعتبرون قد انتهكوا القانون في ظل النظام القبرصي ومحتجزون في ظروف انتقدت بشدة من قبل منظمة العفو الدولية في تقرير صدر في العام الماضي.
دوروس بوليكاربو هو ناشط محلي ورئيس مجموعة دعم المهاجرين «كيسا»، وهي مجموعة ضغط ترصد وضع العمال المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي في جمهورية قبرص اليونانية. وهو يرى أن شعور الاستياء السائد بالأساس في الجزيرة ضخمه النزاع السوري. «يرى الناس في قبرص أن طالبي اللجوء السياسي السوريين يحتشدون هنا، أو على وشك القدوم، إن لم يكونوا قد أتوا بالفعل»، هذا ما قاله لي في المدينة القديمة الجذابة. لا تنم المقاهي الموجودة على الأرصفة والجموع الشابة ذات المظهر الحسن بأي شكل من الأشكال عن الزلزال الذي هز اقتصاد قبرص بداية هذا العام وتداعيات التوتر الاجتماعي الذي أعقبه.
يقول بوليكاربو إن الجبهة الوطنية الشعبية المعروفة باسم «إلام»، الامتياز الممنوح من حزب الفجر الذهبي الفاشي في اليونان، تكتسب شعبية في الجزيرة مدعومة بالفوضى الاقتصادية التي سببها انهيار مصارف الدولة في مارس (آذار) والخوف من التأثير الذي سيخلفه آلاف اللاجئين السوريين بهذه الجزيرة الهشة اجتماعيا واقتصاديا.
غير أن هذه المخاوف لا تستند إلى حقائق. «لم يأت هنا فعليا سوى عدد محدود من السوريين منذ بدء النزاع»، هذا ما يقوله بوليكاربو. وتدعم أرقام البرلمان هذه المزاعم؛ إذ تشير إلى أنه لم يتقدم سوى 565 سوريا بطلب لجوء سياسي في قبرص خلال عام 2012 بأكمله؛ مثلما كان الحال بالنسبة للعامين والنصف الماضيين. فقد بحثت غالبية السوريين النازحين عن ملاذ في دول الجوار، أو في معسكرات النازحين داخليا الواقعة على طول الحدود. غير أن الصحافة المحلية القبرصية، وفي بعض الأحيان، الصحف الدولية – نشرت بشكل متكرر مقالات على مدار العامين المنصرمين عن السيل القادم الذي لم يحدث فعليا على أرض الواقع.
ويرى بوليكاربو أن إلقاء اللوم على طالبي اللجوء السياسي السوريين بمثابة وسيلة فعالة لكسب أصوات الناخبين في جمهورية قبرص، وأن ساسة الحكومة المغرمين بالانتقاد يحاولون استغلال المخاوف المتعلقة بالمهاجرين لتحقيق مكاسبهم السياسية.
إن احتجاز عامل مهاجر سوري مثل عبده، على الرغم من الإسهامات التي ظل يقدمها للحياة والاقتصاد في الجزيرة لمدة خمس سنوات، يعد جزءا فعليا من الدعاية. وعلى مدى العامين المنصرمين، ثبت أن الخوف من تدفق السوريين بمثابة وسيلة بارعة لإحراز نقاط سياسية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2012، تقدم المرشح الرئاسي نيكوس أناستاسياديس بمزاعم لا أساس لها مفادها أن الحكومة تستعد لاستقبال 5000 لاجئ، الأمر الذي أثار موجة من الغضب اجتاحت أنحاء الدولة.
في الوقت نفسه، في الضوء المعدني القوي بغرفة الزائرين، يأتي أفراد الأسرة والأصدقاء بالاحتياجات الأساسية اليومية كهدايا للأصدقاء والأقارب الذين يزورونهم. وتكشف أكوام لفات ورق التواليت وعبوات الحبوب في حقائب السوبر ماركت البلاستيكية أسفل الطاولات عما تفتقر إليه مينوغيا – وسائل الراحة في أرض الوطن، أو أي وسائل راحة على الإطلاق. بالاسم، ليس هذا سجنا، ولكن من جميع النواحي الأخرى، يعتبر سجنا. يقول عبده: «أرغب فقط في المغادرة، في أن أرحل من هنا. لا أرغب حتى في أن أمكث في قبرص لفترة إضافية؛ الأفضل لي أن أعود لوطني سوريا، مع كل ما يجري هناك».



المغرب: وزراء يحافظون على حقائبهم في الحكومة الجديدة... وحضور وازن للنساء

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
TT

المغرب: وزراء يحافظون على حقائبهم في الحكومة الجديدة... وحضور وازن للنساء

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال ترؤسه اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة (ماب)

ترأس العاهل المغربي الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، بالقصر الملكي بالرباط، مراسم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة، في خطوة تفتح مرحلة جديدة أمام السلطة التنفيذية، تتركز على تسريع الإصلاحات وتحسين أداء المرافق العمومية، وبهذه المناسبة، أدى أعضاء الحكومة الجدد القسم بين يدي الملك.

وتضم الحكومة الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عدداً من الوجوه التي تتولى حقائب مرتبطة مباشرة بالملفات ذات الأولوية، إلى جانب استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم، بما يعكس توجهاً نحو الجمع بين الاستمرارية وتجديد المسؤوليات الحكومية.

وشهدت الحكومة الجديدة بروز عدد من الأسماء التي تخوض تجربة الاستوزار لأول مرة، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 من سبتمبر (أيلول) الماضي. وتضم الحكومة الجديدة 32 وزيراً، تجمع تشكيلتها بين قيادات حزبية وأطر سياسية وتكنوقراط، في إطار صيغة حكومية جديدة تراهن على توزيع المسؤوليات بين مكونات الأغلبية، والاستعانة بكفاءات في عدد من القطاعات.

وكما توقع عدد من المراقبين، فقد جدد الملك محمد السادس الثقة في فوزي لقجع بتعيينه وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في الحكومة الجديدة، في خطوة تعكس استمرار الاعتماد على تجربته في تدبير المالية العمومية، ومواكبة الأوراش الاقتصادية للمملكة.

ويأتي هذا التعيين بعد سنوات من اشتغال لقجع في منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، حيث راكم تجربة في إعداد قوانين المالية وتتبع تنفيذها، فضلاً عن مساهمته في تدبير الملفات المرتبطة بالتوازنات المالية والإصلاحات الميزانياتية.

وينظر إلى استمرار لقجع في المسؤولية الحكومية باعتباره امتداداً لمساره في تدبير الملفات المالية، في مرحلة تواجه فيها الحكومة الجديدة تحديات تتعلق بتعبئة الموارد، وتحفيز الاستثمار، وتمويل البرامج الاجتماعية، والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.

وتنتظر الوزير الجديد ملفات مالية واقتصادية مهمة، في مقدمتها إعداد وتنفيذ التوجهات المالية للحكومة، ومواكبة الإصلاحات الاقتصادية، بما يضمن التوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

كما يلاحظ في التشكيلة الحكومية الجديدة، احتفاظ تسعة وزراء بمناصبهم الحكومية، وفق البلاغ الديوان الملكي المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة الجديدة،

ويتعلق الأمر بكل من عبد الوافي لفتيت، الذي احتفظ بحقيبة وزارة الداخلية، وناصر بوريطة على رأس وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبد اللطيف وهبي وزيراً للعدل، وأحمد التوفيق وزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب نزار بركة الذي واصل مهامه على رأس قطاع التجهيز والماء، مع إدراج الغابات ضمن التسمية الجديدة للوزارة بعدما كانت خاضعة لوزارة الفلاحة.

وبالنسبة لحضور العنصر النسائي في الحكومة الجديدة، ضمت التشكيلة الحكومية التي عينها، اليوم الجمعة الملك، سبع نساء، بمن فيهن رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في حضور نسائي يتوزع بين رئاسة الجهاز التنفيذي وحقائب وزارية ومناصب وزيرة منتدبة، بما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تمثيلية المرأة في مراكز القرار السياسي والتدبيري بالمغرب.

وتتولى فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، فيما تضم اللائحة ست نساء أخريات يشغلن مناصب وزارية، أو مهام منتدبة داخل الحكومة.

وتشمل الأسماء النسائية الواردة في التشكيلة شرفات أفيلال، التي أسندت إليها حقيبة وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ونجوى كوكوس، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، وقلوب فيطح، الوزيرة المنتدبة لدى رئيسة الحكومة المكلفة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني.

كما تضم اللائحة مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة التكوين المهني والتأهيل، وفاطمة السعدي، الوزيرة المنتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلفة الإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب عائشة كلاع، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، المكلفة إصلاح الإدارة.

وبذلك، يتوزع الحضور النسائي بين رئاسة الحكومة وقطاع الطاقة والمعادن، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والتكوين المهني والتأهيل، والإسكان وسياسة المدينة، وإصلاح الإدارة.


قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
TT

قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)

اصطدمت محاولات الجماعة الحوثية توسيع حملات التعبئة والتجنيد في محيط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء برفض قبلي متزايد، بعد إخفاقها في حشد أبناء عدد من المديريات لتنظيم وقفات مسلحة مؤيدة لتصعيدها العسكري، وسط ضغوط متصاعدة تمارسها على مشايخ القبائل لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال، وتعويض خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن قيادات حوثية كثّفت، منذ مطلع الشهر الحالي، اتصالاتها وتحركاتها في ريف صنعاء، مطالبة مشايخ القبائل برفع جاهزية ما تسميه «التحشيد القبلي»، وتنظيم وقفات مسلحة وتوفير دفعات جديدة من المقاتلين لرفد الجبهات، في مسعى لتوسيع التجنيد بالتزامن مع ازدياد خسائر الجماعة في المواجهات المسلحة.

وجهاء موالون للحوثيين لدى مشاركتهم في وقفة تعبوية غرب صنعاء (إكس)

وشملت التحركات مديريات بني مطر، وسنحان وبني بهلول، وبلاد الروس، وخولان، وجحانة، وهمدان، وأرحب، ونهم، وصعفان، ومناخة، غير أن هذه المساعي واجهت، وفق المصادر، إحجاماً من عدد من المشايخ والوجهاء عن الاستجابة للمطالب الحوثية، وسط استياء متزايد من استمرار استنزاف أبناء القبائل في معارك تتحمل الأسر والمجتمعات المحلية تكلفتها البشرية والمعيشية.

وأضافت المصادر أن بعض زعماء القبائل أبدوا عجزهم عن توفير مقاتلين جدد، في ظل تراجع الاستجابة لدعوات التجنيد واتساع المخاوف من إرسال مزيد من الشباب إلى الجبهات، حيث تتكبد الجماعة خسائر متلاحقة.

تهديدات وامتيازات

لم تقتصر تحركات الجماعة على الاتصالات والدعوات التعبوية، إذ لجأت، وفق المصادر، إلى ممارسة ضغوط على مشايخ القبائل لدفعهم إلى الاستجابة، شملت التلويح بسحب امتيازات وفرض غرامات مالية على المتخلفين عن تنفيذ مطالبها، مقابل تقديم إغراءات مالية وعينية لمن يوافقون على رفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأساليب، إلى تحميل مشايخ القبائل مسؤولية توفير المقاتلين، وتوظيف نفوذهم الاجتماعي لاستقطاب أبناء مناطقهم، في وقت تزداد فيه الخسائر البشرية على جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع.

وفي مؤشر على تعثر مساعي الحشد، شهدت مناطق في بني مطر وسنحان ونهم بمحافظة صنعاء، قبل أيام، وقفات قبلية منفصلة دعت إليها الجماعة، لكنها اتسمت بمشاركة محدودة، وفق المصادر المحلية.

إجبار أبناء قبائل ريف صنعاء على ترديد الشعارات الحوثية (فيسبوك)

وسخّرت الجماعة وسائل إعلامها لتغطية تلك الفعاليات وإظهارها بوصفها تعبيراً عن التأييد القبلي، في محاولة لتعزيز صورتها وتبرير استمرار تحركاتها العسكرية، بالتزامن مع مساعيها لاستقطاب مقاتلين جدد.

وتشير محدودية المشاركة في هذه الفعاليات، وفق المصادر، إلى صعوبة تحويل الدعوات الحوثية إلى حشد قبلي واسع، خصوصاً في ظل تنامي الاعتراضات على استنزاف الشباب، وتوظيف الروابط القبلية لخدمة الأهداف العسكرية للجماعة.

وتتزامن حملات التعبئة مع استمرار القيود والضغوط المفروضة على سكان مناطق ريف صنعاء، وسط اتهامات للجماعة بالتضييق على المعارضين ومواصلة الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات خاصة، بما يزيد من حدة الاحتقان في أوساط السكان.

وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في تلك المناطق، تواجه الأسر أعباءً اقتصادية متزايدة، بينما تواصل الجماعة توجيه جهودها نحو الفعاليات التعبوية والتحركات العسكرية، بدلاً من معالجة احتياجات السكان الأساسية.

مخاوف أسرية

تأتي هذه التحركات في ظل مساعٍ حوثية متواصلة لرفد الجبهات بالمقاتلين، بالتزامن مع تصاعد مخاوف الأسر من فقدان أبنائها أو عودتهم بإصابات دائمة، في وقت تزداد فيه الأعباء المعيشية، وتتراجع الخدمات الأساسية في مناطق سيطرة الجماعة.

وفي المقابل، يطالب سكان المناطق المستهدفة في ريف صنعاء بوقف حملات التجنيد والتحشيد، وتوجيه الجهود نحو معالجة الأزمات المعيشية، وتحسين الخدمات، بدلاً من دفع أبنائهم إلى جبهات القتال.

الحوثيون يستخدمون القتل والتهجير والخطف لإخضاع القبائل (فيسبوك)

وكانت الحكومة اليمنية قد دعت مشايخ القبائل والآباء والأمهات في تلك المناطق إلى منع إلحاق أبنائهم بصفوف الحوثيين، محذرة من الزج بهم في معارك تخدم، وفق موقفها، المشروع الإيراني وأجنداته الإقليمية على حساب أرواح اليمنيين ومستقبلهم.

وتتهم الحكومة الجماعة باستغلال النفوذ الاجتماعي والظروف الاقتصادية، إلى جانب أساليب الترهيب والإغراء، لاستدراج الشباب إلى معسكرات التعبئة والجبهات، بدلاً من توفير الظروف التي تساعدهم على العمل والحياة بعيداً عن الحرب.


تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
TT

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي من تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 600 ألف شخص في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، جراء استمرار التصعيد الحوثي وإغلاق الطرق، في وقت بدأت فيه السلطات المحلية بمحافظة لحج المجاورة إنشاء مخيم جديد لاستقبال الأسر الفارة من المواجهات، وسط مخاوف من اتساع موجة النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وقال البرنامج إن من بين الأشخاص الذين بات الوصول إليهم متعذراً أكثر من 200 ألف امرأة وطفل يعتمدون على المساعدات الإنسانية، موضحاً أن انقطاع الوصول إلى المجتمعات المتضررة في الساحل الغربي منذ أوائل سبتمبر (أيلول) الماضي رفع إجمالي عدد المستفيدين الذين يتعذر الوصول إليهم إلى نحو 800 ألف شخص.

طفل يمني مع عائلته تحت شجرة شمال عدن بعد فرار أسرته من هجمات الحوثيين (أ.ب)

وأشار إلى أن مديريات تعز تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين داخلياً منذ اندلاع الأزمة، محذراً من أن استمرار المواجهات العسكرية واحتمال إغلاق مزيد من الطرق المحيطة بالمحافظة يزيدان صعوبة إيصال الإمدادات إلى السكان، في واحدة من أكثر المناطق اليمنية اكتظاظاً بالسكان.

تدهور معيشي

تتزامن هذه القيود الحوثية على تعز مع تدهور الأوضاع المعيشية في المحافظة، التي تسجل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وذكر البرنامج أن 10 مديريات من أصل 16 في تعز سبق تصنيفها ضمن المرحلة الرابعة، أو مستوى الطوارئ، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وفي مؤشر على اتساع المخاطر، أفاد البرنامج بأن أحدث عمليات الرصد أظهرت اقتراب مخزونات دقيق القمح من النفاد، محذراً من أن الكميات المتبقية من المواد الغذائية في الأسواق المحلية قد لا تكفي إلا لفترة محدودة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

مخيم قرب عدن للنازحين الفارين من جحيم الحوثيين (أ.ب)

ويزيد تعطل الطرق من صعوبة الاستجابة للاحتياجات المتنامية، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين يعتمدون على المساعدات لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدهور إضافي للأوضاع الإنسانية إذا اتسعت رقعة المواجهات أو أُغلقت طرق إمداد أخرى.

مخيم جديد في لحج

في محافظة لحج، دفعت التطورات الميدانية في مديرية رأس العارة أسراً إلى مغادرة منازلها ومناطقها، هرباً من تداعيات التصعيد الحوثي، وفق مصادر محلية. وتأتي هذه التحركات في ظل المواجهات المرتبطة بمرتفعات كهبوب، التي تتحكم بمواقع عسكرية في ذو باب ومحيط مضيق باب المندب.

وباشرت لجنة الطوارئ في المحافظة، بالتنسيق مع السلطة المحلية في رأس العارة وممثل العمليات المشتركة، تحركات ميدانية لتنفيذ خطة عاجلة لتوفير المأوى للنازحين، بتوجيهات من محافظ لحج مراد الحالمي.

مسؤولون يشرفون على إقامة مخيم جديد للنازحين في محافظة لحج (إعلام حكومي)

وضم الوفد رئيس لجنة الطوارئ ووكيل المحافظة أحمد إبراهيم، ومدير عام الشؤون الاجتماعية صائب عبد العزيز، والمستشار عادل اليزيدي، ممثل محافظ عدن عبد الرحمن شيخ عن العمليات المشتركة وعضو لجنة عدن. وكان في استقبالهم مدير عام مديرية رأس العارة مراد جوبح، وأعضاء لجنة الطوارئ المحلية.

وخلال النزول الميداني، حُدّد موقع في منطقة خور عميرة لإقامة مخيم إيواء يتسع لأكثر من ألف خيمة، في حين بدأت الفرق الميدانية تركيب الدفعة الأولى، التي تضم 100 خيمة؛ تمهيداً لتجهيزها بصورة عاجلة لاستقبال الأسر التي اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها.

ولا تقتصر احتياجات النازحين على توفير المأوى، بل تشمل الغذاء ومياه الشرب وسائر المستلزمات الأساسية، في ظل ظروف معيشية تزداد صعوبة على النساء والأطفال، الذين يجدون أنفسهم بعيداً عن منازلهم وبيئتهم المعتادة، وفي حاجة إلى الحماية والرعاية والمساندة الإنسانية.

وأكد رئيس لجنة الطوارئ أحمد إبراهيم أن السلطة المحلية واللجنة تعملان على تسريع توفير المأوى الآمن والسلال الغذائية والإغاثية للأسر النازحة، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال والفئات الأكثر احتياجاً، مشدداً على أهمية مساندة المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المديرية.

ودعا إبراهيم المنظمات الإنسانية والإغاثية المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتقديم الدعم اللازم، وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، بما يضمن توفير الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الأساسية، ويحول دون تفاقم معاناة الأسر التي دفعتها المواجهات إلى النزوح.