مجري القحطاني لـ«الشرق الأوسط»: الإعلام الخليجي يحمل لواء المنافسة لمماثلة الإعلام العالمي

رئيس الجهاز الخليجي للإذاعة والتلفزيون يرى أن الساحة الإعلامية تنافسية وليست تكاملية

مجري بن مبارك القحطاني  -    شعار المهرجان
مجري بن مبارك القحطاني - شعار المهرجان
TT

مجري القحطاني لـ«الشرق الأوسط»: الإعلام الخليجي يحمل لواء المنافسة لمماثلة الإعلام العالمي

مجري بن مبارك القحطاني  -    شعار المهرجان
مجري بن مبارك القحطاني - شعار المهرجان

صرح مجري بن مبارك القحطاني، مدير عام جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن لدى الجهاز «رؤية لتحويل دوره وهويته، إلى اتحاد إعلامي خليجي يؤطر العمل الإعلامي، ويواكب المنظمات المهنية المشابهة على المستوى الإقليمي والعالمي». واعتبر «أن الساحة الإعلامية ساحة تنافس وليست ساحة تكامل، وأن مواثيق الشرف الإعلامي لا يمكن تطبيقها، وتتوقف عند تحديد أطر التنافس فقط، مع مراعاة الخطوط العامة وهموم المنطقة».
القحطاني أشار في الحوار إلى أن الإعلام الخليجي مؤثر على مستوى المنطقة، ويحمل لواء المنافسة لمماثلة الإعلام العالمي. كما قال إن الدعايات السلبية الممنهجة والموجهة ضد دول مجلس التعاون لن تتوقف، وهي محفز لرؤية كامل الصورة المتعلقة بنا، مع الإبقاء على فرص الحوار الذي يلتزم الاحترام والموضوعية».
وعلى مشارف انطلاق النسخة الخامسة عشر من مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون، الذي تستضيفه مملكة البحرين بنهاية الشهر الجاري، قال القحطاني، إن «المهرجان الخليجي من المهرجانات القليلة التي تتطور من نسخة إلى أخرى، وأن طيفاً كاملاً من الجهد يبذل للتحفيز والتطوير والاهتمام بكل المبدعين»، لافتاً إلى أن جوائز المهرجان «كانت بطاقة عبور بالنسبة لمعظم نجوم الخليج، في تاريخهم الفني وسيرهم الشخصية».
كذلك لفت القحطاني إلى أن منطقة الخليج «تتميز بثراء المواهب، وقوة البنية التحتية، مع وجود بعض التحديات والفرص»، معبراً عن اهتمام المهرجان بالإعلام الرقمي، وبتنمية قدرات أبناء دول مجلس التعاون، والمؤسسات والهيئات الحكومية، وتحفيزها لتبني لغة العصر، باعتباره واجهة المستقبل.
وفيما يلي نص الحوار:
> ما أبرز ما ستركز عليه الدورة الخامسة عشر من مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون؟
- «المهرجان الخليجي للإذاعة والتلفزيون، مهرجان تاريخي، بدأ عام 1980 في الكويت، واستمر فيها لثلاث دورات قبل انتقاله عام 1994 إلى البحرين واستمر فيها. وكان قد توقف لظروف مختلفة، من ضمنها غزو الكويت، وجائحة كوفيد - 19، وبعض المسببات في المنطقة... ولكن أبرز ما تركز عليه هذه النسخة من المهرجان، هي الإبقاء على تميزه وحضوره، كما كان طوال دوراته الماضية، بوصفه أكبر تجمع للإعلاميين والفنانين والمنتجين والمشاركين في الأعمال الإذاعية والتلفزيونية في العالم العربي.
أما الجديد في هذه النسخة، فهو التوسع في إتاحة الفرصة للصحافة الإلكترونية، التي لديها إنتاجات مرئية، للمشاركة في هذا المهرجان والمنافسة بأعمالها، كنوع من التحفيز، سيما وأن أعداد الصحف الإلكترونية الآن كبير في منطقة الخليج، ونستشرف فيها مستقبل الإعلام الرقمي والذكي، وتستحق بذلك مكافأة على هذا الجهد والتميز، استعداداً للمستقبل.
أيضاً قمنا بإبدال أسماء الجوائز الذهبية والفضية في المهرجان، إلى قيمة رمزية، وأصبحت باسم جائزة الشراع الذهبي والفضي، بهدف تعميق الهوية الخليجية والخصوصية التي يتمتع بها الإنسان وثقافته المحلية».
> يقدم المهرجان جوائز في الإعلام الرقمي... كيف يجري تصنيف وتقييم المواد المتعلقة بهذه الفئة؟
- «يفتح باب المشاركة في هذه المسابقة للأعمال التي ينتجها أبناء دول الخليج، وتشمل مواد تعتمد على المشاهد التمثيلية أو الرسوم المتحركة، والمؤثرات الصوتية والحركية، وتتناول المواضيع الاجتماعية والثقافية والرياضية والترفيهية... ويجري تقييم تلك المواد حسب شروط المسابقة، ومن ذلك أن تكون مقدمة باللغة العربية، والالتزام بالآداب العامة.
ثم إننا مهتمون عبر هذا الفرع من المسابقة، بتنمية قدرات الأفراد من أبناء دول مجلس التعاون، وكذلك المؤسسات والهيئات الحكومية التي لديها إنتاجات تصنف كإعلام رقمي، وتتطلب تحفيزاً للغة العصر، وتتعاطى مع جهاز ذكي ومتلقي أذكى. ونحن نتعامل الآن مع الإعلام الرقمي باعتباره واجهة المستقبل... ولذلك خصصت له عدة جوائز».
> هل ساهم جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج في بلورة ميثاق إعلامي ورؤية موحدة، تخدم المشترك الخليجي بين دوله وشعوبه؟
«الساحة الإعلامية ساحة تنافس وليست ساحة تكامل. ونحن نعتقد بوجود التقارب وتوحيد الرؤى فيما يتعلق بأن يكون التنافس في أطر محددة. ولدى الجهاز الخليجي رؤية لتحويل دوره ومسماه وهويته ورسالته إلى مؤسسة أو هيئة خليجية أو اتحاد إعلامي خليجي، يؤطر العمل الإعلامي، ويواكب لكل المنظمات المهنية المشابهة على المستوى الإقليمي والعالمي... ولدينا اليوم أعضاء فاعلون من دول مجلس التعاون في تلك الاتحادات العالمية. ومن هنا نرى من الأولى أن يكون ذلك نواة للعمل الإعلامي الخليجي، وأن ينبثق من نفس هذه الطبيعة والمكانة. ومنطقة الخليج تتميز بثراء المواهب وقوة البنية التحتية، مع وجود بعض التحديات والفرص. ولهذا أنا ضد وجود ميثاق إعلامي، لأنه جهد مبذول مؤطر لا يحقق أي معايير أو يمكن تطبيقه، لكون الساحة الإعلامية تنافسية وليست تكاملية، مع وجود خطوط رئيسة للشعوب والقيادات وهموم للمنطقة، تعزز هوية المنطقة وريادتها... ينبغي مراعاتها وإبرازها والاهتمام بها».
> ما هو سبب الانقطاعات المتكررة للمهرجان، قبل استئنافه مجدداً هذا العام؟
- «عندما نعود لفترة توقف المهرجان من عام 1984 حتى عام 1994، ومرة أخرى خلال السنوات القليلة الماضية بسبب جائحة كوفيد - 19 التي شلت الحياة العامة في مجمل دول العالم، والخليج جزء من العالم. لقد تأثرت دول الخليج بالجائحة التي لا تزال بعض آثارها مستمرة، وقبل ذلك مرت بعض الظروف الأخرى التي شهدتها المنطقة... ونلاحظ أن الأسباب دائماً خارج إرادتنا. الأحداث الطارئة هي التي كانت تؤدي إما إلى غياب أو تأجيل تنظيم دورات المهرجان، والتأثير على مردوده، إلا أننا نحرص دائماً على تطبيق والتزام أعلى محددات ومعايير النجاح عند تنفيذه».
> انطلق المهرجان قبل 40 سنة... هل تلمس آثار منتجة لدورات المهرجان، وهل هناك رؤية لتطويره خلال السنوات المقبلة؟
- «أعتقد أن مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون من المهرجانات القليلة التي تتطور من نسخة إلى أخرى. فقد بدأ باسم ملتقى الخليج للتلفزيون، ثم أضيفت الإذاعة، وتغير اسمه بعد مدة من ملتقى إلى مهرجان. وهذا يتجاوز المسميات إلى المعايير المتخذة والأساليب المتبعة، وطبيعة الجوائز وفئاتها، التي توسعت لاستهداف 40 حقلا في مجالات الإذاعة والتلفزيون والصحافة والإعلام الرقمي وخريجي الجامعات، وطيف كامل من الجهد يبذل للتحفيز والتطوير والاهتمام بكل المبدعين. ويكفي أن جوائز المهرجان كانت بطاقة عبور بالنسبة لمعظم نجوم الخليج، في تاريخهم الفني وسيرهم الشخصية... وهو علامة تميز في مسيرة كثرة من النجوم. ولدينا في هذه النسخة برنامج باسم «مروا من هنا» نركز من خلاله على نجوم العالم العربي الذين حصدوا جوائز في المهرجان، وتلقوا دعم وتشجيع خلال دوراته المختلفة».
> يواجه الخليج دعايات سلبية ممنهجة ضد دوله ومجتمعاته، فهل ستتبنى جلسات المهرجان عناوين لبلورة عمل ورسالة تتعامل مع هذه الدعاية الموجهة ضد الخليج؟
- «فيما يتعلق بالتعامل مع الدعايات السلبية ضد دول مجلس التعاون، نعتقد أنها لن تتوقف، بل نجدها محفزاً لرؤية كامل الصورة المتعلقة بنا، مع الإبقاء على فرص الحوار الذي يلتزم بالاحترام والموضوعية. وفي هذه الدورة من المهرجان، خصوصاً، نولي اهتمام بالهوية الخليجية... وخصصنا جوائز للبرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون حول إبراز الهوية والمكانة التاريخية الخليجية، وجوانب الحضارة والسياحة والثقافة والطموحات لدى الإنسان الخليجي، وتسليط الضوء على التطور الكبير في هذه الجوانب.
وهنا نحن نواكب في ذلك بعض المبادرات الخليجية المركزية، مثل مبادرة السعودية الخضراء، والشرق الأوسط الأخضر... إذ خصصنا جائزة للبيئة باسم خليجنا أخضر، دعماً لهذا التوجه، وتثبيتاً لشراكتنا كخليجيين مع العالم في حماية الكرة الأرضية والكون وصون حياة البشرية.
وفي سياق متصل، نحن نشجب كل الدعايات المذهبية والعنصرية والآيديولوجية السلبية. وتجمعنا في المهرجان مهني وإعلامي، ولدينا دورات وورش عمل تتعلق بمستقبل الإعلام الخليجي، وتجارب شبابية في الإعلام حول النجومية والمسؤولية من مشاهير الإعلام الجديد، وثمة نقاش حول دور المرأة في الإعلام الخليجي، وإعادة النظر في انخراط غير المهنيين في مجالات الإعلام، كما نبحث وضع أطر تحدد المجال حتى لا يكون تجارة سوداء».
> تخوض دول الخليج تحدياً تنموياً كبيراً، وتستضيف مناسبات عالمية... كيف تقيم أداء مؤسسات الإعلام الخليجي، وهل تواكبت مع النقلات التنموية التي يشهدها الخليج اليوم؟
- «إننا نناقش باستمرار، وعلى مستوى القيادات، مستقبل الإعلام الخليجي. والجهاز له دور كبير في هذا الموضوع، ولدينا لجان عاملة في العمل الإذاعي والتلفزيوني والتوثيق الإعلامي والتدريب والمنتجات والفعاليات الكبرى التي تنظم على مستوى الخليج... وطبعاً الأداء متفاوت بسبب تغير المراحل، والآن نجد أن القدرات الشبابية والمرأة الخليجية يحتاجون إلى دعم وتمكين مستمرين، مع تمازج الخبرات لإنتاج إعلام خليجي مؤثر.
لا شك أن الإعلام الخليجي مؤثر على مستوى المنطقة، ويحمل لواء المنافسة لمماثلة الإعلام العالمي. وأعتقد أن لدينا نماذج إعلامية قادرة على الوصول إلى كل مكان في العالم، ولكن التحدي قائم ومستمر... ما يحتم أن يتوافر لدينا الطموح للنظر إلى الأمام، وتبني مشروع يتجاوز مجرد تسيير الأعمال في مداها القصير، ونأتي في ذلك بمثال رؤية السعودية 2030 التي وضعت ملامح العمل لآجال بعيدة. ومن هنا لا بد من وضع مشروع إعلامي يحاكي مكانة السعودية وبقية دول الخليج وتأثيرها في العالم.
علينا أن نستثمر البنية التحتية والمواهب الخليجية، والاعتماد على أبناء الخليج وضمان تمكينهم، وفهم السوق الإعلامي والإعلاني، والمتلقي الذي تطورت وظيفته، وفحص المستقبل والتوجهات الإعلامية الجديدة. ولقد حرصنا في الجهاز الخليجي على مجالات إدارة الأزمات، واستخدامات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحققنا أرقام قياسية في تدريب شباب وشابات الخليج، وشعارنا الآن البناء للمستقبل واستشرافه، آملين أن نحقق كل طموحاتنا».


مقالات ذات صلة

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

يوميات الشرق منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، منع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع، حيث يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ غرفة جيمس إس. برادي للإحاطة الصحافية في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«العدل الأميركية» تجيز منع ترمب وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض

خلصت وزارة العدل الأميركية إلى جواز منع البيت الأبيض شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من التغطية الإعلامية في المقر الرئاسي بناءً على طلب ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا سانتياغو سيري مبتكر منصة «إل بريمير فيكا» El Primer Feca الإخبارية المنتَجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي يعرضها خلال مقابلة في بوينس آيرس (أ.ف.ب)

برنامج أخبار بالذكاء الاصطناعي يثير غضب الأوساط الإعلامية في الأرجنتين

أثار برنامج إخباري أُعدّ بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من محتواه إلى الصور الرمزية للصحافيين، استياء الأوساط الإعلامية الأرجنتينية التي حذّرت من تهديد للمهنة.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟


الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
TT

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

«لجنة الاتحاد الأوروبي» المعنية بحماية البيانات، فرضت الأسبوع الماضي غرامة على «غوغل» تقدر بنحو 403 ملايين يورو (463 مليون دولار) بحجة «خرق قواعد الخصوصية الصارمة الخاصة بالاتحاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين».

ووفق تحقيقات «مفوضية حماية البيانات في آيرلندا» التي بدأت في فبراير (شباط) 2020، فإن «غوغل انتهكت النظام الأوروبي فيما يتعلق بمشروعية وعدالة معالجتها بيانات المواقع الجغرافية ضمن نشاط الويب والتطبيقات وسجل المواقع... ولم تعالج بشكل قانوني أو نزيه البيانات الشخصية للمستخدمين».

للعلم، تعد آيرلندا المفاوِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظلِّ وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهذه رابع أكبر غرامة أوروبية بسبب الخصوصية تصدرها «مفوضية حماية البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقاً غرامة على شركة «ميتا» بقيمة 1.2 مليار يورو.

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، يرى أن «الغرامات التي قد تؤدي إلى تغيير جذري بقواعد الخصوصية؛ لا بد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مسارها وتراجع خطواتها قبل اتخاذ أي قرار». وأردف غزيل خلال حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُرضت أخيراً على (غوغل)، وعلى الرغم من أنها تعدّ من أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جداً من الأرباح الصافية لشركة (ألفابت) مالكة منصة (غوغل)، ولا تتجاوز 0.5 في المائة»، عادّاً هذا النوع من الغرامات «بمثابة حافز اقتصادي وقانوني، وتراه بعض الشركات بمثابة أضرار جانبية من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضدها... بل إن التغييرات غالباً ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم».

وأوضح الخبير اللبناني: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشارةً تحذيريةً للشركات التي تعمل بالنموذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تؤكد أن الحوار التنظيمي وليس الغرامات فقط، هو مَن يدفع الشركات إلى تعديلات استباقية لتجنب عقوبات أكبر أو غرامات يومية». ولفت إلى أن «التجارب السابقة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم السوق، وفي دول أخرى تتبنى قوانين مستوحاة من القانون الأوروبي للخصوصية والأمن».

وبحسب غزيل فإن «النظام التعاضدي والارتباط القانوني والحقوقي في أوروبا أكثر صرامة وتماسكاً من اتحادات أخرى حول العالم، ما يُشكِّل سوقاً مشتركة قوية للمنصات والشركات الكبرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبي يُعدُّ الأقوى عالمياً مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات.

.. وهنا لا يمكن غض النظر عن نظرة الأوروبيين إلى الخصوصية بوصفها حقاً أساسياً، يرفعون شعاراتها ويعملون على تطبيقها على الدوام، ما يجعلهم أكثر حساسية للانتهاكات مقارنة بالولايات المتحدة التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبي يؤكد دائماً اهتمامه بقواعد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون 6 أشهر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل.

بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبدى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، اعتقاده بأن الغرامات «ستجبر شركات التكنولوجيا على تغيير قواعدها إلى حد ما». وأضاف أن «التغيير لن يكون بسبب قيمة الغرامة وحدها؛ فالغرامة بالنسبة لشركة بحجم (غوغل) قد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها».

ثم تابع: «الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بفرض الأموال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفي حالة (غوغل) مثلاً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فعلية في نتائج البحث وسياسات أخرى داخل السوق الأوروبية».


تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.