الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

سقط السويدي يوهانسون والكاميروني حياتو فهل تتغير موازين القوى ويخسر بلاتر

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»
TT

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

«أنا ابن ملك وشقيق ملك.. إن لم تكن لدي روح المبادرة والشجاعة للوقوف في وجه بلاتر (في انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم المقررة بعد غد الجمعة في زيوريخ السويسرية) فلا أستحق أن أكون موجودا في إدارة كرة القدم على مستوى فيفا.. لن أكون مخلصا وأنا أصمت وأكتفي بعضويتي التنفيذية في الاتحاد الدولي لكرة القدم أو الاتحاد الآسيوي في ظل الظروف التي تعيشها أسرة كرة القدم العالمية.. لا لا.. هذه ليست أخلاقياتي».
كانت هذه هي أهم جملة طويلة قالها الأمير علي بن الحسين خلال حديثه الخاص لـ«الشرق الأوسط» في الرابع من مايو (أيار) الماضي لكنها كانت حقيقة لمعرفة ما يجري في كواليس المؤسسة الكروية الأهم في العالم التي تجني سنويا مليارات الدولارات دون أن تكون هناك فائدة واضحة وملموسة لأكثر من 180 اتحادا وطنيا فقيرا من بين 209 اتحاد منضو تحت لواء فيفا.

الأمير علي بن الحسين ولد يوم الـ23 من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1975 ودرس في الكلية العلمية الإسلامية في عمان ثم درس في «سلسبيري» بكنتاكي في أميركا عام 1993 ثم التحق بكلية ساند هيرست العسكرية الملكية وعين فور انتهاء دراسته في القوات المسلحة الملكية الأردنية ويشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم ورئيس اتحاد غرب آسيا لكرة القدم فضلا عن منصبه كنائب رئيس للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي فاز به في يناير (كانون الثاني) من عام 2011 الماضي.
تزوج الجزائرية ريم الإبراهيمي ابنة الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي لتلقب بعد ذلك بالأميرة ريم علي ولهما من الأبناء الأميرة الجليلة «2005» والأمير عبد الله «2007».
يبدو الأمير علي بن الحسين عاشقا لروح التحدي وهو الأمر الذي جعله محط أنظار الآسيويين والعالم خلال يناير 2011 الماضي حينما نافس الكوري المخضرم تشونغ مونغ جون على منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم عن قارة آسيا حيث كان الأخير يهيمن عليه لأكثر من عقد من الزمان لكن الأمير علي بن الحسين وسط ارتفاع وتزايد طموحاته في المناصب الكروية بهدف الارتقاء باللعبة كان يريد الوصول إلى فيفا من خلال هذا المنصب.
لم يصل الأمير علي بن الحسين إلى كرسي «نائب رئيس فيفا عن قارة آسيا» إلا من خلال حرب انتخابية كان لها وقعها على مستوى القارة حيث بدأت الانقسامات في آسيا عقب ذلك اليوم حيث كان يدعمه في تلك الفترة الشيخ أحمد الفهد الصباح الذي يشغل منصب رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي وهو المعروف بقدرته على إدارة التكتلات واللوبيات في عالم كرة القدم وكذلك في الرياضة بشكل عام.
وقف الشيخ أحمد الفهد الصباح إلى جانب الأمير علي بن الحسين ضد الكوري تشونغ الذي كان يدعمه في تلك الفترة للبقاء في المنصب القطري الشهير محمد بن همام لكن الأمير الأردني نجح في الفوز بالمنصب عقب معركة انتخابية كبرى شهدتها الدوحة في يناير 2011 لينجح في كسب 25 صوتا مقابل 20 صوتا للكوري تشونغ.
دخل الأمير علي بن الحسين دهاليز فيفا لكن طموحاته لم تكن تتوقف عند منصب «نائب رئيس فيفا» إذ واصل العمل على إضفاء المزيد من الأفكار في اللعبة إذ قاتل وناضل من أجل السماح للسيدات بارتداء الحجاب في مباريات كرة القدم الخاصة بالسيدات ونجح في ذلك من خلال تمرير مقترحه الذي قدمه للجمعية العمومية في الاتحاد الدولي لكرة القدم وتم التصويت عليه بالموافقة بغالبية كاسحة ليحقق في تلك الفترة نصرا كبيرا له على الصعيد الشخصي وللسيدات الراغبات في استخدام الحجاب في اللعبة دون الخضوع لقانون فيفا الذي كان يرفض ذلك قبل عام من الآن.
كانت علاقة الأمير علي بن الحسين بالسويسري جوزيف سيب بلاتر جيدة في السنوات الأولى من انتخابه لكن فوز الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة بمنصب رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم غير الكثير من المفاهيم لدى الأمير علي بن الحسين إذ أراد آل خليفة أن يكون المنصب الذي يجلس عليه الأمير الأردني مرتبطا بمقعد رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم وهي الفكرة التي كان يريد تمريرها القطري محمد بن همام لكن الظروف لم تشأ في أن تتشكل في عام 2010 الماضي ليأتي آل خليفة ويعمل عليها ثم يضعها كمقترح للتصويت في كونغرس ساوباولو الذي عقد على هامش كأس العالم 2010 التي جرت في البرازيل لتجد موافقة حاسمة من الاتحادات الوطنية الآسيوية الأعضاء في الاتحاد القاري.
ولم يجد الأمير علي بن الحسين وقتها سوى الهجوم الكاسح على الشيخ سلمان آل خليفة بسبب الدمج المتوقع لمنصب رئاسة الاتحاد القاري مع منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي في عام 2015.
وقال الأمير علي بن الحسين وقتها: «تعقيبًا على الأحداث الأخيرة المتعلقة بموقف الاتحاد الآسيوي من منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي، أخاطبكم في ضوء وجود جهود مكثفة لدمج رئاسة الاتحاد الآسيوي مع منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي في عام 2015 وبالتالي إلغاء المنصب الذي تم انتخابي لأمثله على الصعيدين الآسيوي والعالمي فور انتهاء مدة الخدمة».
ورأى الأمير علي أنه تقلد المنصب بعد انتخابات ديمقراطية في يناير 2011 «والذي حمل مهامه من سبقني أكثر من خمسة عشر عاما».
وتابع: «تقدمت الاتحادات الوطنية التالية بطلب الدمج: اتحادات أفغانستان وكوريا الشمالية وإندونيسيا وباكستان والبحرين وقطر واليمن وسريلانكا، ومن المقرر أن يتم طرح اقتراحهم على كونغرس الاتحاد الآسيوي الذي سيقام في البرازيل في يونيو (حزيران) المقبل».
ورأى الأمير علي أنه «مع بالغ احترامي وتقديري لهذه الاتحادات إلا أنني أتحفظ وبشدة على قرارهم، هذا للأسباب التالية التي ناقشتها مع زملائي في اللجنتين التنفيذيتين في كل من الاتحادين الدولي والآسيوي: هذا الاقتراح قد تم طرحه في كونغرس الاتحاد الآسيوي في مايو الماضي بناء على طلب الاتحادات الباكستانية والنيبالية والسريلانكية، وقوبل بالرفض من الأغلبية العظمى حيث صوت 98 في المائة من الدول الأعضاء ضد الدمج مما يعني أن الكونغرس ذاته الذي انتخب الرئيس الحالي للاتحاد قد اتخذ قراره بشأن الاقتراح قبل سنة مضت. ثانيًا، أقف أمامكم مؤمنا بالأهمية الفائقة لفصل السياسة عن الرياضات كافة ومنها كرة القدم وانطلاقًا من قناعتي التامة بضرورة خلو اللعبة من المصالح الشخصية واستغلال المناصب، وإن هذه لقاعدة أساسية عملت بها طوال خمسة عشر عاما من خدمتي الكروية».
وأضاف: «ثالثًا، لقد فوجئنا بظهور هذا الاقتراح خلال الأشهر الماضية تحت قيادة الرئيس الحالي للاتحاد الآسيوي ونيل هذا المطلب على حصة الأسد من أجندته للقارة الآسيوية، ويؤسفنا اتخاذه وعدد من مسؤولي الكرة في الاتحاد لهذا المسار السياسي عوضًا عن تركيز الطاقات على تطوير اللعبة في قارتنا ومواجهة التحديات التي تحتاج تكاتفنا في كافة المجالات كالتسويق وقطاع الناشئين والكرة النسوية والشفافية واللعب النظيف والقائمة تطول، كما يؤسفنا أن يكرس الرئيس جزءًا كبيرًا من وقته وجهده في الأيام الماضية في محاولة استمالة أصوات الاتحادات بدل العمل يدًا بيد لما فيه خير لكرة القدم في آسيا».
ورأى نائب رئيس الاتحاد الدولي أنه «بمقدور رئيس الاتحاد الآسيوي أن يترشح لمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي أو كعضو ممثل عن آسيا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي حيث يضمن له القانون هذا الحق بطريقة ديمقراطية وعادلة».
وأضاف: «أجد في استمرار فصل المنصبين حكمة ونفعًا لكرة القدم في القارة حيث يسمح ذلك لنائب رئيس الاتحاد الدولي أن يرعى شؤون الكرة الآسيوية ضمن الاتحاد الدولي، ويمكن رئيس الاتحاد الآسيوي من التركيز على واجبه الضخم أمام التحديات التي تواجهها الكرة الآسيوية وتنمية اللعبة وتطويرها. وإن الاتحاد الآسيوي ليس متفردا في تطبيق هذا النظام كما أن هناك اتحادًا قاريا يمثل عنه أكثر من نائب واحد لرئيس الاتحاد الدولي».
هذا الهجوم الكبير الذي مارسه الأمير علي بن الحسين في هذه القضية تحديدا كان رسالة واضحة لكل متابعي الكرة الآسيوية أن فجوة الخلاف ستزداد وهو ما جعله يفكر في اتخاذ خطوة أبعد طالما أن منصبه سيكون في مهب الريح وأنه سيغادر مركزه الحالي كنائب لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ومع تزايد فجوة الخلاف الدائرة بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وبين بلاتر من جهة.. وبين الاتحادات الكروية الكبرى في العالم مثل الاتحاد الإنجليزي والألماني والأسترالي والأميركي والهولندي والبرتغالي مع السويسري جوزيف بلاتر كان الحديث عن شخصية يتم تجهيزها من قبل «يويفا» والمعارضين لبلاتر في الانتخابات المقبلة المقررة نهاية مايو الحالي لتسارع الأيام دورتها وتتسرب حينها إمكانية ترشح الأمير علي بن الحسين لرئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم ضد بلاتر.
كان شهر يناير من العام الحالي تاريخيا في مسيرة الأمير علي بن الحسين حيث شهد ترشحه لرئاسة فيفا التي تعد الأعلى على مستوى اللعبة لكن كثيرين كانوا يقولون إن الأمير الأردني يلعب بالنار على اعتبار أنه يواجه خصما لا يمكن لأحد أن ينافسه لا سيما أن مسؤولا كبيرا مثل الفرنسي ميشال بلاتيني فضل عدم الزج باسمه في معركة يراها خاسرة أمام شخصية مخضرمة تجيد لعبة الانتخابات والتكتلات على مستوى العالم وهي الممثلة بالسويسري جوزيف بلاتر الذي لم يقف أحد في وجهه حيث سقط أمامه السويدي لينارت يوهانسون في يونيو 1998 حيث نال بلاتر 111 صوتا مقابل 80 ليوهانسون.
ولم تكن هذه المعركة الانتخابية هي الأولى لبلاتر بل خاض بعدها بأربعة أعوام وتحديدا عام 2002 معركة أقوى لكنها أكثر حسما حينما أطاح بالكاميروني عيسى حياتو بفوزه عليه بـ139 صوتا مقابل 56 صوتا لحياتو ليتكرس في ذهنية كل الراغبين في كرسي فيفا أن إسقاط رجل مثل بلاتر يبدو أمرا مستحيلا في عالم الانتخابات.
هل ستكون المعركة الثالثة بالنسبة لبلاتر ثابتة أم تتغير لمصلحة الأمير علي بن الحسين الذي حول أصوات نحو 50 اتحادا على مستوى العالم في الأسبوع الماضي لمصلحته بعد محاولات إقناع مارسها مع الهولندي فان براغ والبرتغالي لويس فيغو اللذين انسحبا لمصلحة الأمير الأردني..!؟
كثيرون يرون أنه مهما كانت الرغبة حاضرة بالنسبة للاتحادات الكبرى والعريقة على مستوى العالم مثل «اليويفا» كاتحاد قاري واتحادات وطنية مثل الإنجليزي والإيطالي والهولندي والألماني والفرنسي والأميركي والأسترالي لتغيير منصب رئيس فيفا فإنهم لن يقدروا على ذلك على اعتبار أن المتحكمين في هذا المنصب هي الاتحادات الغنية الحاضرة في آسيا ويقودها في ذلك المجلس الأولمبي الآسيوي بقيادة الشيخ أحمد الفهد والتي بلا شك هي التي تحدد وجهة «رئيس أعلى سلطة كروية في العالم»..؟!
خبراء الانتخابات الكروية دائما كانوا يرددون أن الفائز بمنصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم لا بد أن يحظى أولا بموافقة آسيا وأفريقيا أما أوروبا فتاريخها منذ أكثر من 5 عقود يؤكد أنها غير قادرة على اختيار من تريد.
الأمير علي بن الحسين يخوض بعد غد الجمعة أعتى وأشرس انتخابات في مسيرته الإدارية الكروية ويؤكد ذلك بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «أعرف أن خطوتي بالترشح لرئاسة فيفا تشير لي إما بالبقاء على رأس السلطة الكروية الأعلى في العالم أو المغادرة نهائيا عن واجهة اللعبة عالميا والاكتفاء برئاسة اتحاد غرب آسيا والاتحاد الأردني».
نزاهة فيفا التي يعول عليها الأمير علي بن الحسين في برنامجه الانتخابي والرغبة في مضاعفة إيرادات الاتحادات الوطنية لا سيما الفقيرة هي هدفه الرئيسي كمرشح وتغيير نظرة العالم لهذه المؤسسة لتكون مؤسسة واضحة وشفافة هي الهدف بالنسبة له فضلا عن أنه يريد أن يطلع كافة الاتحادات الوطنية الـ209 فضلا عن الأعضاء التنفيذيين الـ24 على كافة مصروفات وإيرادات وعقود فيفا التي أكد فيها لـ«الشرق الأوسط» أنها سر عظيم لا يمكن معرفته مع بلاتر حاليا وهو ما يثير الشكوك حول الكثير من ملفات فيفا السرية التي تعب الأعضاء في الحديث عنها بلا فائدة.
الخبراء يتساءلون.. كم سيحقق الأمير علي بن الحسين من أصوات في الانتخابات المقررة الجمعة؟.. هل ينجح في تجاوز رقم يوهانسون الذي حقق 80 صوتا وهو الرقم الأعلى من الأصوات التي حصدها الكاميروني حياتو والبالغة 56 صوتا.. هل سيكون العدد لا يتجاوز الـ45 صوتا بحسب ما يتردد من حلفاء بلاتر..؟ أم ينجح بلاتر في الفوز للمرة الثالثة في تاريخه بفوز كاسح من خلال دعم المجلس الأولمبي الآسيوي الذي بدا واضحا تدخلاته في إدارة لعبة كرة القدم عالميا خاصة بعد ترشح الشيخ أحمد الفهد لعضوية تنفيذية فيفا وكأنه يقول لبلاتر هي لك الآن وسأمسك بزمام إدارة فيفا بدءا من مايو 2019 ليقطع الطريق ويبدد أحلام الفرنسي ميشال بلاتيني الذي فضل عدم الزج باسمه في انتخابات خاسرة أمام نظيره بلاتر.

* تاريخ رئاسة {الفيفا}
منذ عام 1904 وحتى الآن تولى مسؤولية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ثمانية رؤساء، وفيما يلي أسماء جميع

* رؤساء الفيفا وفترات توليهم المنصب:
الفرنسي روبرت جيران - بين عامي 1904 و1906
الإنجليزي دانييل بري وولفال - بين عامي 1906 و1918
الفرنسي جول ريميه - بين عامي 1921 و1954
البلجيكي رودولف ويليام سيلدريرز - بين عامي 1954 و1955
الإنجليزي آرثر دروري - بين عامي 1955 و1961
الإنجليزي ستانلي روس - بين عامي 1961 و1974
البرازيلي جواو هافيلانغ - بين عامي 1974 و1998
السويسري جوزيف بلاتر - منذ عام 1998 وحتى الآن.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.