أحمد الشويخات: أكتب لأواجه هشاشة الحياة وقلق الفناء

دعا لتحويل مشروع «الموسوعة العربية العالمية» إلى النشر الرقمي التفاعلي

د.أحمد الشويخات
د.أحمد الشويخات
TT

أحمد الشويخات: أكتب لأواجه هشاشة الحياة وقلق الفناء

د.أحمد الشويخات
د.أحمد الشويخات

في روايته «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، تطلق والدة بطل الرواية الأم «صوفيا بوكاشيو» تحذيرها قائلة: «لا تصدقوا أحياناً ما يقوله ويكتبه المؤرخون». وجاءت هذه الرواية كما يقول كاتبها د. أحمد الشويخات لـ«إثارة أسئلة تتصل بالفن ودوره في الوعي والحياة مقابل صعوبات الواقع وغربة المثقف كشخص له فرادته».
لكنها أيضاً جاءت محمّلة بالرغبة في التعبير عمّا يختلج في النفس، فهي أقرب للسيرة الذاتية، يجمع بين مؤلفها وشخوصها حب الفنون والترجمة، والمغامرة، والعمل في شركة «أرامكو» في الظهران بالسعودية. وربما ليست صدفة أن بطل الرواية الأول كان يعملُ مترجماً، وبطلها الثاني «سمعان» كان محباً للترجمة! وهو ما يتشاركه معهما كاتب النص.
ورواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، هي الثانية للشويخات، وجاءت بعد أكثر من عقدين من إصدار أول عمل روائي له كان بعنوان «نبع الرمان». وتغوص الرواية في الميثالوجيا العراقية لتستلهم روح «جلجامش» وإباءه وحزنه العميق الممتد في المخيال العام لشعب الرافدين. كما أنها تستوحي عوالم «ملحمة جلجامش»، لتقديم تجارب شخوص من ثقافات مختلفة سواء تلك التي جاءت من الولايات المتحدة أو العراق أو السعودية، لإبراز بعض المشتركات والقيم الإنسانية التي تجمع البشر وتوحدهم.
يحمل الدكتور أحمد الشويخات شهادة الدكتوراه في التربية وعلم اللغة الاجتماعي وتدريس اللغة الإنجليزية من جامعة ستانفورد، كاليفورنيا، وعمل أستاذاً جامعياً ومترجماً ومدير مشروعات ثقافية في السعودية أبرزها حين أصبح مديراً عاماً لمشروع (الموسوعة العربية العالمية)، خلال الفترة من 1990 - 2012، ورئيساً لتحرير الطبعة التأسيسية الورقية الأولى من الموسوعة 1990 – 1996، والنسخة الإلكترونية من الموسوعة 2000 – 2005، وعمل مستشاراً للمحتوى المعرفي بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، في شركة «أرامكو السعودية» 2011، وعضو مجلس الشورى السعودي خلال الفترة من 2013 - 2020. هنا حوار معه:

> لماذا يلجأ الكاتب إلى السرد، قصة أو رواية...؟ ماذا يوفرّ هذا الفضاء له؟
- هناك أسباب كثيرة تدفع الكاتب نحو السرد؛ من هذه الأسباب: مواجهة صعوبات الحياة وهشاشتها، والتعامل مع قلق الفناء كما في ملحمة جلجامش نفسها، وكذلك الرغبة في الإبداع وتحقيق الدهشة وتقديم المبهج والجميل في حوارية ثقافية كما عند باختين وغولدمر، إضافة للتأمل المعرفي والكشف عن الأبعاد والمعاني الإنسانية النبيلة بما في ذلك التأكيد الروحي للإنسان كما يعبر جيمس جويس. ومن الأسباب الأخرى، طرح الحوار الاجتماعي والتاريخي بصورة أدبية كما في الروايات الاجتماعية عند نجيب محفوظ وعبده خال، أو التنقيب الجمالي والفكري في الشخصيات التاريخية كما عند أمين معلوف ومحمد علوان، أو «البحث عن الزمن الضائع واستعادته بمعنى من المعاني كما عند مارسيل بروست، أو الرغبة في تحقيق الذات وجودياً كما عند سارتر. ومن دوافع الكتابة عند آخرين نقد السائد كما عند غازي القصيبي وتركي الحمد وكولن ولسون، أو خلف ذلك أسباب اجتماعية ونفسية ومعرفية أخلاقية كما عند تولستوي وديستويفسكي، وتقديم المعرفة والحكمة بطريقة ساخرة كما عند سرفانتيس وكازنتازاكي.
> بعضهم يتحدث عن «رسالية» تقودهم نحو السرد؟
- المبدأ الأخلاقي والوعظي دافع قديم، كانت الرواية تفتخر به لقرون قبل حلول عهد ما تُسمى «الرواية الجديدة» وفي الستينات من القرن الماضي تلاشت هذه الرسالية على يد الناقد الآن غروبييه في فرنسا، حيث انتهى عنده زمن المواعظ والبطولات الفردية في الرواية، وحلّ محلها التعبير عن غرابة الحياة والأحداث ومآزق الفرد والمجتمع كما في روايات كافكا مثلاً. وهذا لا يعني أن السرد في عالم اليوم قد تخلى عن تقديم المعرفة وتأكيد القيم الأخلاقية.
> هل يمكن أن تولد رواية خارج سياقها الزمني والمكاني؟
- يمكننا أن نقول إن الظروف والسياقات هي ما يحيط بالعمل ويتفاعل معه ويسهم في تشكيله من عوامل الزمان والمكان، والتجربة والثقافة، ودوافع الكتابة، أي ما يمكن إجماله تحت عنوان: المؤثرات الفردية والاجتماعية والفنية للكتابة.
وبهذا يكون مفهوم الظروف أو السياقات واسعاً جداً. والكاتب قد يكون واعياً ببعضها وغير واعٍ بالبعض الآخر. والتحليل العميق لظروف وسياقات كتابة عمل ما بهذا المفهوم المتشظي والمتعدد والمتداخل هو من عمل النقاد والباحثين، وليس من مسؤولية الكاتب.
> ماذا بشأن هذه الرواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، متى بدأت الاهتمام بهذه الملحمة؟
- ربما تكون البداية المناسبة هي الحديث عن اهتمامي المبكر بملحمة جلجامش في فترة دراستي بالجامعة حين قرأتها أول مرة باللغة العربية في أواخر السبعينات الميلادية، من ترجمة طه باقر. ثم قرأتها عدة مرات باللغة العربية (ترجمة فراس السياح وترجمة عبد الله صالح جمعة)، وبالإنجليزية (ترجمة صموئيل كريمر، الصادرة في الستينات، ثم عمل جورج أندرو الصادر في الثمانينات من القرن العشرين).

غلاف «الأمريكي الذي قرأ جلجامش»  -  غلاف الموسوعة

> لماذا اخترت ملحمة جلجامش موضوعاً لروايتك؟
- بالنسبة لي، كتبت رواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش» مدفوعاً بإلحاح التعبير عن مشاعر ورؤى تتصل بالمكان والحوار مع جلجامش بموازاة الحرب، ولإثارة أسئلة تتصل بالفن ودوره في الوعي والحياة مقابل صعوبات الواقع وغربة المثقف كشخص له فرادته الذاتية مهما كان البلد الذي نشأ فيه. إلى ذلك، كانت الرواية مساحة لإثارة أسئلة تتصل بموقع الترجمة وطبيعتها الأنطولوجية (الوجودية). ومن خلال العمل، صنعت الرواية منطقها الخاص بها، وقد كان هذا مبهجاً لي. واستتبع ذلك انبثاق وحضور شخصيات مُهمشة ومنسية عربية وأميركية هي من ضحايا الحرب مع احتفاء معرفي، كما أرجو، بالفنون من شعر وفن تشكيلي وموسيقى.
> كيف تمكّن الأميركي أن يقرأ ملحمة جلجامش؟
- تقدم الرواية قصة أميركي بلغ الستين من العمر، وهو من أصول إيطالية اسمه «ديفيد بوكاشيو»، وهو مثقف غريب الأطوار مغرم منذ صباه بفنون العالم وباللغة العربية، وملحمة جلجامش، وثقافات العالم، وتاريخ العرب والمسلمين. ويقوده سفره المتواصل وقلقه المعرفي وفضوله إلى الانضمام عام 2005 إلى الجيش الأميركي في العراق ليعمل مترجماً. وهناك يطوفُ شبحُ «جلجامش»، كشخص ونص، حيث يتعرض «ديفيد» للارتياب من قبل زملائه الذين شكّوا في ولائه، بسبب تعاطفه مع العراقيين. وبعد نحو عام من وجوده في العراق، يطلب العودة إلى مدينته سان فرنسيسكو من أجل زوجته المثقلة بالأعباء (لورا)، ووالدته المريضة (صوفيا) التي أُصيبت بالشلل، فصمتت بعد أن كانت تروي القصص عن سلالة «آل بوكاشيو». يظل «ديفيد» عالقاً في العراق تتأجّلُ عودته باستمرار بسبب تأخر التوقيع النهائي على إخلاء طرفه وبسبب تكليفه بمهمات ميدانية وسط الشكوك المتزايدة في ولائه ووسط ويلات الحرب. خلال المعاناة، تتكشف له جوانب من ملحمة جلجامش، كأنها تتحدث عمّا يعيشه الآن، وكأنه يقرأها أول مرة. تستعيد الرواية في السياق التشابه بين «ديفيد» وصديقه العربي «رجب سمعان»، المولع بالفنون والترجمة كذلك، وقد التقيا في شركة «أرامكو» في الظهران بالسعودية قبل عقود حين كانا شابين متحمّسين. الآن في العراق، سيُكلَّفُ «ديفيد» بمهمة أخيرة قبل عودته المنتظرة، هي مرافقة دورية استطلاعية قتالية بمحاذاة نهر الفرات...
> متى بدأت كتابة هذه الرواية؟
- كتبتُ مسودات لمشاهد وأحداث من الرواية على مدى سنوات منذ عام 2003، لكن انشغالي بمشروع الموسوعة العربية العالمية لأكثر من عقد من الزمان ثم بعضوية مجلس الشورى لثماني سنوات لم يتح لي الوقت والمزاج الكافيين لإكمال العمل، فتأجل المشروع دائماً.
وحين انتهت عضويتي في مجلس الشورى عام 2020، قررتُ أن أعود إلى بعض المسودات وأعيد الكتابة متفرغاً هذه المرة ومعتكفاً لإكمال العمل. وتفرغت للعمل مدة عامين (2020 و2021)، وساعد على ذلك فترة الحجر بسبب «كورونا».
> حدّثنا عن مشروعك الطموح «الموسوعة العربية العالمية»... أليس لديكم تصور لتقديمه عبر النشر الإلكتروني ليصبح متاحاً أكثر...؟
- في الحقيقة أنتظر مصير هذا المشروع الذي عملتُ عليه نحو عشرين عاماً، فمشروع «الموسوعة العربية العالمية»، تم تخزين مواده رقمياً، وحان الوقت للانتفاع المجتمعي والثقافي منها، وفي انتظار تطوير محتواها وتحديثه في عصر النشر الرقمي التفاعلي والذكاء الصناعي والإثراء المعرفي. وقد تقدمتُ باقتراحات محددة إلى أكثر من جهة في بلادنا بخصوص الانتفاع من محتوى الموسوعة المتعطلة أعمالها، ولا أظن أن أياً من المقترحات قد وصل إلى صانع القرار الفعلي، وربما ظلت الأفكار والمقترحات التي قُدمت في أدراج البيروقراطيين والتقنيين الذين لا ينظرون إلى تطوير المحتوى المعرفي كأولويات تنموية مجتمعية تعني الملايين من شبابنا في حوارهم وتفاعلهم مع تراثهم وثقافتهم ومع علوم وفنون وثقافات العالم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
TT

العيد في السعودية... فرائحية سنوية بطعم الماضي ونكهة حضارية

الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)
الأطفال أكثر افراد المجتمع فرائحية بالعيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

حافظ السعوديون على العادات التي كانت سائدة في الماضي بخصوص الاحتفاء بعيد الفطر، وما زالت الصورة التي رسمها الآباء والأجداد حاضرة في المشهد، ولا تكاد تختلف عن الماضي القريب باستثناء بعض الأمور الشكلية، بما تمليه المستجدات الحضارية. كما يحرص المقيمون في البلاد من المسلمين على الاحتفال بهذه المناسبة السنوية وفق عاداتهم وتقاليدهم في بلدانهم، أو مشاركة السكان في احتفالاتهم بهذه المناسبة السنوية، علماً بأن السعودية تحتضن مقيمين من نحو 100 جنسية مختلفة.

زكاة الفطر

ويستعد السكان لهذه المناسبة قبل أيام من حلول عيد الفطر، من خلال تجهيز «زكاة الفطر»، وهي شعيرة يستحب استخراجها قبل حلول العيد بيوم أو يومين، ويتم ذلك بشرائها مباشرة من محال بيع المواد الغذائية أو الباعة الجائلين، الذين ينتشرون في الأسواق أو على الطرقات ويفترشون الأرض أمام أكياس معبأة من الحبوب من قوت البلد بمقياس الصاع النبوي، الذي كان لا يتعدى القمح والزبيب، ولكن في العصر الحالي دخل الأرز كقوت وحيد لاستخراج الزكاة، التي يتم منحها لمستحقيها مناولة أو عن طريق منصة «إحسان» الحكومية.

أب يلتقط صورة لطفل العيد الماضي (تصوير: سعد الدوسري)

موائد العيد

ويحرص بعض السكان على إحياء المظاهر الاحتفالية من خلال موائد العيد بمشاركة جميع سكان الحي، وتتمثل هذه المظاهر في تخصيص أماكن بالقرب من المساجد أو الأراضي الفضاء ونصب الخيام داخلها وفرشها بالسجاد ليبدأ سكان الأحياء بُعيد الصلاة بالتجمع في هذه الأماكن وتبادل التهنئة بالعيد، ثم تناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، بعدها يتم إحضار الوجبات من المنازل أو المطابخ، التي لا تتعدى الكبسة السعودية والأكلات الشعبية الأخرى المصنوعة من القمح المحلي، وأبرزها الجريش والمرقوق والمطازيز، علماً بأن ربات البيوت يحرصن على التنسيق بينهن فيما يتعلق بهذه الأطباق لتحقيق التنوع في مائدة العيد وعدم طغيان طبق على آخر.

«الحوامة» من مظاهر العيد القديمة (تصوير: تركي العقيلي)

العيدية

ويمثل العيد لدى الأطفال مناسبة خاصة ينتظرونها لجمع ما يستطيعون من «عيديات»، لصرفها بعد ذلك في متاجر الألعاب وغيرها، في الوقت الذي تتصدر فيه أطباق الشوكولاته طاولات المجالس خلال استقبال الضيوف، بينما تحرص كثير من ربات البيوت على إعداد حلويات تقليدية، مثل الكعك، لتقديمها كذلك للزوار خلال المعايدة، في حين يفضل بعض سكان المدن العودة إلى منزل الأسرة في أول أيام العيد؛ للمشاركة في زيارات منزلية جماعية وفي التجمعات الاحتفالية بالساحات العامة، خصوصاً في المساء.

أطفال يجمعون الحلوى في يوم العيد – أرشيفية (تصوير: سعد الدوسري)

وفي الوقت الذي اختفت فيه بعض مظاهر العيد القديمة عادت هذه الأجواء التي تسبق يوم عيد الفطر المبارك بيوم أو يومين للظهور مجدداً في بعض المدن والقرى بعد أن اختفت منذ خمسة عقود والمتمثلة في المناسبة الفرحية المعروفة باسم العيدية، التي تحمل أسماء مختلفة في مناطق السعودية، منها «الحوامة» أو «الخبازة» أو «الحقاقة» أو «القرقيعان» في المنطقة الشرقية ودول الخليج.

الاحتفالات قديماً

يشار إلى أن المظاهر الاحتفالية لعيدية رمضان قديماً كانت تتمثل في قيام الأطفال بطرق الأبواب صباح آخر يوم من أيام رمضان وطلب العيدية التي كانت لا تتعدى البيض المسلوق أو القمح المشوي مع سنابله والمعروف باسم «السهو»، ثم تطور الأمر إلى تقديم المكسرات والحلوى، خصوصاً القريض وحب القرع وحب الشمام، وحلّت محلها هدايا كألعاب الأطفال أو أجهزة الجوال أو النقود.


ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.