أحمد الشويخات: أكتب لأواجه هشاشة الحياة وقلق الفناء

دعا لتحويل مشروع «الموسوعة العربية العالمية» إلى النشر الرقمي التفاعلي

د.أحمد الشويخات
د.أحمد الشويخات
TT

أحمد الشويخات: أكتب لأواجه هشاشة الحياة وقلق الفناء

د.أحمد الشويخات
د.أحمد الشويخات

في روايته «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، تطلق والدة بطل الرواية الأم «صوفيا بوكاشيو» تحذيرها قائلة: «لا تصدقوا أحياناً ما يقوله ويكتبه المؤرخون». وجاءت هذه الرواية كما يقول كاتبها د. أحمد الشويخات لـ«إثارة أسئلة تتصل بالفن ودوره في الوعي والحياة مقابل صعوبات الواقع وغربة المثقف كشخص له فرادته».
لكنها أيضاً جاءت محمّلة بالرغبة في التعبير عمّا يختلج في النفس، فهي أقرب للسيرة الذاتية، يجمع بين مؤلفها وشخوصها حب الفنون والترجمة، والمغامرة، والعمل في شركة «أرامكو» في الظهران بالسعودية. وربما ليست صدفة أن بطل الرواية الأول كان يعملُ مترجماً، وبطلها الثاني «سمعان» كان محباً للترجمة! وهو ما يتشاركه معهما كاتب النص.
ورواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، هي الثانية للشويخات، وجاءت بعد أكثر من عقدين من إصدار أول عمل روائي له كان بعنوان «نبع الرمان». وتغوص الرواية في الميثالوجيا العراقية لتستلهم روح «جلجامش» وإباءه وحزنه العميق الممتد في المخيال العام لشعب الرافدين. كما أنها تستوحي عوالم «ملحمة جلجامش»، لتقديم تجارب شخوص من ثقافات مختلفة سواء تلك التي جاءت من الولايات المتحدة أو العراق أو السعودية، لإبراز بعض المشتركات والقيم الإنسانية التي تجمع البشر وتوحدهم.
يحمل الدكتور أحمد الشويخات شهادة الدكتوراه في التربية وعلم اللغة الاجتماعي وتدريس اللغة الإنجليزية من جامعة ستانفورد، كاليفورنيا، وعمل أستاذاً جامعياً ومترجماً ومدير مشروعات ثقافية في السعودية أبرزها حين أصبح مديراً عاماً لمشروع (الموسوعة العربية العالمية)، خلال الفترة من 1990 - 2012، ورئيساً لتحرير الطبعة التأسيسية الورقية الأولى من الموسوعة 1990 – 1996، والنسخة الإلكترونية من الموسوعة 2000 – 2005، وعمل مستشاراً للمحتوى المعرفي بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، في شركة «أرامكو السعودية» 2011، وعضو مجلس الشورى السعودي خلال الفترة من 2013 - 2020. هنا حوار معه:

> لماذا يلجأ الكاتب إلى السرد، قصة أو رواية...؟ ماذا يوفرّ هذا الفضاء له؟
- هناك أسباب كثيرة تدفع الكاتب نحو السرد؛ من هذه الأسباب: مواجهة صعوبات الحياة وهشاشتها، والتعامل مع قلق الفناء كما في ملحمة جلجامش نفسها، وكذلك الرغبة في الإبداع وتحقيق الدهشة وتقديم المبهج والجميل في حوارية ثقافية كما عند باختين وغولدمر، إضافة للتأمل المعرفي والكشف عن الأبعاد والمعاني الإنسانية النبيلة بما في ذلك التأكيد الروحي للإنسان كما يعبر جيمس جويس. ومن الأسباب الأخرى، طرح الحوار الاجتماعي والتاريخي بصورة أدبية كما في الروايات الاجتماعية عند نجيب محفوظ وعبده خال، أو التنقيب الجمالي والفكري في الشخصيات التاريخية كما عند أمين معلوف ومحمد علوان، أو «البحث عن الزمن الضائع واستعادته بمعنى من المعاني كما عند مارسيل بروست، أو الرغبة في تحقيق الذات وجودياً كما عند سارتر. ومن دوافع الكتابة عند آخرين نقد السائد كما عند غازي القصيبي وتركي الحمد وكولن ولسون، أو خلف ذلك أسباب اجتماعية ونفسية ومعرفية أخلاقية كما عند تولستوي وديستويفسكي، وتقديم المعرفة والحكمة بطريقة ساخرة كما عند سرفانتيس وكازنتازاكي.
> بعضهم يتحدث عن «رسالية» تقودهم نحو السرد؟
- المبدأ الأخلاقي والوعظي دافع قديم، كانت الرواية تفتخر به لقرون قبل حلول عهد ما تُسمى «الرواية الجديدة» وفي الستينات من القرن الماضي تلاشت هذه الرسالية على يد الناقد الآن غروبييه في فرنسا، حيث انتهى عنده زمن المواعظ والبطولات الفردية في الرواية، وحلّ محلها التعبير عن غرابة الحياة والأحداث ومآزق الفرد والمجتمع كما في روايات كافكا مثلاً. وهذا لا يعني أن السرد في عالم اليوم قد تخلى عن تقديم المعرفة وتأكيد القيم الأخلاقية.
> هل يمكن أن تولد رواية خارج سياقها الزمني والمكاني؟
- يمكننا أن نقول إن الظروف والسياقات هي ما يحيط بالعمل ويتفاعل معه ويسهم في تشكيله من عوامل الزمان والمكان، والتجربة والثقافة، ودوافع الكتابة، أي ما يمكن إجماله تحت عنوان: المؤثرات الفردية والاجتماعية والفنية للكتابة.
وبهذا يكون مفهوم الظروف أو السياقات واسعاً جداً. والكاتب قد يكون واعياً ببعضها وغير واعٍ بالبعض الآخر. والتحليل العميق لظروف وسياقات كتابة عمل ما بهذا المفهوم المتشظي والمتعدد والمتداخل هو من عمل النقاد والباحثين، وليس من مسؤولية الكاتب.
> ماذا بشأن هذه الرواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش»، متى بدأت الاهتمام بهذه الملحمة؟
- ربما تكون البداية المناسبة هي الحديث عن اهتمامي المبكر بملحمة جلجامش في فترة دراستي بالجامعة حين قرأتها أول مرة باللغة العربية في أواخر السبعينات الميلادية، من ترجمة طه باقر. ثم قرأتها عدة مرات باللغة العربية (ترجمة فراس السياح وترجمة عبد الله صالح جمعة)، وبالإنجليزية (ترجمة صموئيل كريمر، الصادرة في الستينات، ثم عمل جورج أندرو الصادر في الثمانينات من القرن العشرين).

غلاف «الأمريكي الذي قرأ جلجامش»  -  غلاف الموسوعة

> لماذا اخترت ملحمة جلجامش موضوعاً لروايتك؟
- بالنسبة لي، كتبت رواية «الأميركي الذي قرأ جلجامش» مدفوعاً بإلحاح التعبير عن مشاعر ورؤى تتصل بالمكان والحوار مع جلجامش بموازاة الحرب، ولإثارة أسئلة تتصل بالفن ودوره في الوعي والحياة مقابل صعوبات الواقع وغربة المثقف كشخص له فرادته الذاتية مهما كان البلد الذي نشأ فيه. إلى ذلك، كانت الرواية مساحة لإثارة أسئلة تتصل بموقع الترجمة وطبيعتها الأنطولوجية (الوجودية). ومن خلال العمل، صنعت الرواية منطقها الخاص بها، وقد كان هذا مبهجاً لي. واستتبع ذلك انبثاق وحضور شخصيات مُهمشة ومنسية عربية وأميركية هي من ضحايا الحرب مع احتفاء معرفي، كما أرجو، بالفنون من شعر وفن تشكيلي وموسيقى.
> كيف تمكّن الأميركي أن يقرأ ملحمة جلجامش؟
- تقدم الرواية قصة أميركي بلغ الستين من العمر، وهو من أصول إيطالية اسمه «ديفيد بوكاشيو»، وهو مثقف غريب الأطوار مغرم منذ صباه بفنون العالم وباللغة العربية، وملحمة جلجامش، وثقافات العالم، وتاريخ العرب والمسلمين. ويقوده سفره المتواصل وقلقه المعرفي وفضوله إلى الانضمام عام 2005 إلى الجيش الأميركي في العراق ليعمل مترجماً. وهناك يطوفُ شبحُ «جلجامش»، كشخص ونص، حيث يتعرض «ديفيد» للارتياب من قبل زملائه الذين شكّوا في ولائه، بسبب تعاطفه مع العراقيين. وبعد نحو عام من وجوده في العراق، يطلب العودة إلى مدينته سان فرنسيسكو من أجل زوجته المثقلة بالأعباء (لورا)، ووالدته المريضة (صوفيا) التي أُصيبت بالشلل، فصمتت بعد أن كانت تروي القصص عن سلالة «آل بوكاشيو». يظل «ديفيد» عالقاً في العراق تتأجّلُ عودته باستمرار بسبب تأخر التوقيع النهائي على إخلاء طرفه وبسبب تكليفه بمهمات ميدانية وسط الشكوك المتزايدة في ولائه ووسط ويلات الحرب. خلال المعاناة، تتكشف له جوانب من ملحمة جلجامش، كأنها تتحدث عمّا يعيشه الآن، وكأنه يقرأها أول مرة. تستعيد الرواية في السياق التشابه بين «ديفيد» وصديقه العربي «رجب سمعان»، المولع بالفنون والترجمة كذلك، وقد التقيا في شركة «أرامكو» في الظهران بالسعودية قبل عقود حين كانا شابين متحمّسين. الآن في العراق، سيُكلَّفُ «ديفيد» بمهمة أخيرة قبل عودته المنتظرة، هي مرافقة دورية استطلاعية قتالية بمحاذاة نهر الفرات...
> متى بدأت كتابة هذه الرواية؟
- كتبتُ مسودات لمشاهد وأحداث من الرواية على مدى سنوات منذ عام 2003، لكن انشغالي بمشروع الموسوعة العربية العالمية لأكثر من عقد من الزمان ثم بعضوية مجلس الشورى لثماني سنوات لم يتح لي الوقت والمزاج الكافيين لإكمال العمل، فتأجل المشروع دائماً.
وحين انتهت عضويتي في مجلس الشورى عام 2020، قررتُ أن أعود إلى بعض المسودات وأعيد الكتابة متفرغاً هذه المرة ومعتكفاً لإكمال العمل. وتفرغت للعمل مدة عامين (2020 و2021)، وساعد على ذلك فترة الحجر بسبب «كورونا».
> حدّثنا عن مشروعك الطموح «الموسوعة العربية العالمية»... أليس لديكم تصور لتقديمه عبر النشر الإلكتروني ليصبح متاحاً أكثر...؟
- في الحقيقة أنتظر مصير هذا المشروع الذي عملتُ عليه نحو عشرين عاماً، فمشروع «الموسوعة العربية العالمية»، تم تخزين مواده رقمياً، وحان الوقت للانتفاع المجتمعي والثقافي منها، وفي انتظار تطوير محتواها وتحديثه في عصر النشر الرقمي التفاعلي والذكاء الصناعي والإثراء المعرفي. وقد تقدمتُ باقتراحات محددة إلى أكثر من جهة في بلادنا بخصوص الانتفاع من محتوى الموسوعة المتعطلة أعمالها، ولا أظن أن أياً من المقترحات قد وصل إلى صانع القرار الفعلي، وربما ظلت الأفكار والمقترحات التي قُدمت في أدراج البيروقراطيين والتقنيين الذين لا ينظرون إلى تطوير المحتوى المعرفي كأولويات تنموية مجتمعية تعني الملايين من شبابنا في حوارهم وتفاعلهم مع تراثهم وثقافتهم ومع علوم وفنون وثقافات العالم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«تدريب الفضول»: طريقة بسيطة لإدارة القلق الاجتماعي

اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
TT

«تدريب الفضول»: طريقة بسيطة لإدارة القلق الاجتماعي

اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)

في عالم تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية ويعاني فيه كثيرون من التوتر في المواقف اليومية، تبرز الحاجة إلى أساليب عملية تساعد على التعامل مع القلق بطرق فعّالة. ومن بين هذه الأساليب الحديثة نسبياً، يبرز «تدريب الفضول» بوصفه إحدى تقنيات اليقظة الذهنية التي تُستخدم ضمن العلاج السلوكي المعرفي، بهدف التخفيف من القلق الاجتماعي وتحسين التفاعل مع الآخرين، وفقاً لما أورده موقع «هيلث لاين».

يُعرَّف اضطراب القلق الاجتماعي بأنه حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية. وقد تظهر أعراضه في صور متعددة، مثل احمرار الوجه، والغثيان، والتعرّق، والدوار، وتسارع ضربات القلب. وغالباً ما يُثير لقاء أشخاص جدد، أو التحدث أمام الآخرين، أو حضور التجمعات، مخاوف من التعرض للنقد أو المراقبة الدقيقة.

وعند مواجهة هذه المواقف، ينشغل الشخص المصاب بالقلق الاجتماعي بمراقبة ذاته بشكل مفرط؛ فيبدأ بتقييم أدائه، والتخطيط لما سيقوله، وتوقّع أحكام الآخرين، والقلق بشأن مجريات التفاعل، مع استحضار السيناريوهات السلبية المحتملة. وتنشأ هذه الحالة من مزيج من المراقبة الذاتية القلِقة وسلوكيات البحث عن الأمان، التي تهدف ظاهرياً إلى تحسين الأداء الاجتماعي، لكنها في الواقع تُسهم في استمرار دائرة القلق وتفاقمها.

ما هو «تدريب الفضول»؟

يُعدّ تدريب الفضول من ممارسات اليقظة الذهنية المستخدمة في إطار العلاج السلوكي المعرفي، وهو من الأساليب العلاجية الأكثر توصية للتعامل مع القلق الاجتماعي. ويقوم هذا التدريب، ببساطة، على تحويل الانتباه من التركيز الداخلي المتمثل في الأفكار السلبية وانعدام الأمان، إلى الملاحظة الخارجية لما يحدث في البيئة المحيطة.

ورغم أن جزءاً كبيراً من العلاج السلوكي المعرفي يعتمد على تمارين تركّز على الداخل، مثل التأمل والانتباه إلى الأفكار، فإن ما يميّز تدريب الفضول هو تركيزه على توجيه الانتباه نحو الخارج، مما يجعله مكمّلاً مهماً لهذه الممارسات.

وبحسب لاري كوهين، الشريك المؤسس للمركز الوطني للقلق الاجتماعي، والحاصل على ترخيص في الخدمة الاجتماعية السريرية وشهادة في العلاج السلوكي المعرفي، فإن الهدف من هذا التدريب يتمثل في تبنّي موقف قائم على الفضول بدلاً من إصدار الأحكام في المواقف الاجتماعية، مع ملاحظة الأفكار والمشاعر دون الانغماس فيها أو التفاعل معها بشكل مفرط.

كيف يُمارس «تدريب الفضول»؟

إذا كنت تعاني من القلق الاجتماعي، فقد يكون من المفيد مناقشة فكرة «تدريب الفضول» مع معالجك النفسي. ومن المهم التمييز هنا بين القلق الاجتماعي والخجل؛ فالخجل يُعد سمة شخصية طبيعية، بينما يُصنّف القلق الاجتماعي كأحد اضطرابات القلق التي قد تتطلب تدخلاً علاجياً.

يُعدّ التركيز أحد الأهداف الأساسية في هذا النوع من التدريب. وقد يطلب منك المعالج النفسي أداء تمارين عملية لتعزيز هذه المهارة. على سبيل المثال، قد تُكلّف بمشاهدة سلسلة من مقاطع الفيديو، مع محاولة نقل انتباهك تدريجياً من عنصر إلى آخر داخل المشهد، مع إبقاء أفكارك الداخلية في الخلفية.

كما يمكن ممارسة هذا التدريب في الحياة اليومية، من خلال الذهاب إلى مكان عام وملاحظة ما يدور حولك لمدة 10 دقائق. حاول الانتباه لما تراه وتسمعه، وحرّك تركيزك ببطء بين المشاهد والأصوات المختلفة. وعندما تظهر أفكار أو مشاعر، تعامل معها باعتبارها «ضجيجاً في الخلفية» دون الانخراط فيها.

وقد يكون من المفيد أيضاً تدوين الملاحظات اليومية حول هذه التجارب، إذ يساعد ذلك على تتبّع التقدّم وتعزيز الوعي الذاتي بمرور الوقت.


تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
TT

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي القائمة على التصفح الخوارزمي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بمنصات تركز على التواصل المباشر مثل «فيسبوك» و«واتساب».

وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد أوضح «تقرير السعادة العالمي»، الصادر عن مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أكسفورد، أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم، مع أن التأثير كان أشدّ وطأةً في الدول الناطقة بالإنجليزية وأوروبا الغربية.

وبيَّنت الدراسة أن نوع المنصة ومدة الاستخدام يؤثران بشكلٍ كبير على رفاهية المستخدم.

ففي دراسة شملت 17 دولة في أميركا اللاتينية، ارتبط الاستخدام المتكرِّر لـ«واتساب» و«فيسبوك» بارتفاع الرضا عن الحياة، بينما أدى استخدام منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» - التي تخضع بشكلٍ كبير للخوارزميات ومحتوى المؤثرين - إلى انخفاض مستويات السعادة وزيادة المشكلات النفسية.

كما أظهرت دراسة أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن التطبيقات ذات الطابع البصري والاستهلاكي، المليئة بمحتوى المؤثرين، كانت أكثر ارتباطاً بالتأثيرات السلبية.

وقال البروفسور جان-إيمانويل دي نيف، مدير مركز أبحاث الرفاهية: «يشير هذا إلى ضرورة إعادة البُعد الاجتماعي إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وحثّ كلٍّ من المسؤولين عن هذه المنصات ومستخدميها على الاستفادة من هذه الأدوات لأغراض اجتماعية، والتواصل الحقيقي مع الآخرين».

وأشار التقرير إلى أن استخدام وسائل التواصل لمدة ساعة واحدة يومياً أو أقل يرتبط برضا أعلى عن الحياة مقارنة بعدم استخدامها مطلقاً.

وقال دي نيف: «هناك توازن دقيق هنا - لا إفراط ولا تفريط. يبدو أن الاستخدام المعتدل الإيجابي هو الأمثل».

وتضمن التقرير تصنيفاً للدول حسب مستوى السعادة، وشهد عام 2026 العام الثاني على التوالي الذي لم تشهد فيه قائمة الدول الـ10 الأولى أي دولة ناطقة باللغة الإنجليزية.

وحافظت فنلندا على المركز الأول للعام التاسع على التوالي، وجاءت آيسلندا في المركز الثاني، تلتها الدنمارك في المرتبة الثالثة، في استمرار لهيمنة الدول الإسكندنافية على صدارة التصنيف.

وسجّلت كوستاريكا حضوراً لافتاً باحتلالها المركز الرابع، مع السويد والنرويج في المركزَين الخامس والسادس على التوالي.


ما الذي حدث في سماء أميركا؟ دويّ غامض وكرة نارية يثيران تساؤلات

لقطة مأخوذة من فيديو تُظهر نيزكاً مشتبهاً به يسقط في سماء ولاية بنسلفانيا الأميركية (أ.ب)
لقطة مأخوذة من فيديو تُظهر نيزكاً مشتبهاً به يسقط في سماء ولاية بنسلفانيا الأميركية (أ.ب)
TT

ما الذي حدث في سماء أميركا؟ دويّ غامض وكرة نارية يثيران تساؤلات

لقطة مأخوذة من فيديو تُظهر نيزكاً مشتبهاً به يسقط في سماء ولاية بنسلفانيا الأميركية (أ.ب)
لقطة مأخوذة من فيديو تُظهر نيزكاً مشتبهاً به يسقط في سماء ولاية بنسلفانيا الأميركية (أ.ب)

أثار دويّ قوي ومفاجئ سُمع في عدد من الولايات الأميركية حالة من القلق والفضول، بعدما دوّى صوته في السماء بشكل غير مألوف، ما دفع السكان والخبراء على حد سواء إلى البحث عن تفسير لهذه الظاهرة. وبينما تعددت الروايات والتكهنات، رجّح مختصون في الأرصاد الجوية أن يكون هذا الصوت ناجماً عن نيزك اخترق الغلاف الجوي للأرض.

ووفقاً لما أفاد به خبراء، فقد سُمع دويّ الانفجار فوق مناطق من غرب ولاية بنسلفانيا وشمال شرق ولاية أوهايو، حيث عبّر عدد من السكان عن دهشتهم وقلقهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ووصف أحد مستخدمي منصة «إكس» ما سمعه بأنه «أعلى دويّ انفجار» في شمال شرق أوهايو، بينما شبّه آخر الصوت بـ«رعد قوي» أو «خلل في محرك طائرة نفاثة».

ومع تزايد البلاغات، باشر خبراء الأرصاد الجوية في مكتب هيئة الأرصاد الجوية الوطنية في كليفلاند التحقيق في الحادثة، حيث أشارت تحليلاتهم الأولية إلى أن دويّ الانفجار قد يكون ناجماً عن نيزك. كما نشر خبراء الأرصاد في بيتسبرغ تحليلات إضافية، مرفقة بمقطع فيديو يُظهر النيزك، التقطه أحد الموظفين.

وجاء في بيان لمكتب الهيئة في بيتسبرغ عبر منصة «إكس»: «تلقينا بلاغات من مختلف أنحاء غرب بنسلفانيا وشرق أوهايو عن دويّ هائل وكرة نارية شوهدت في السماء. وتشير بيانات الأقمار الاصطناعية إلى أنه ربما كان نيزكاً يدخل الغلاف الجوي».

لقطة من مقطع فيديو التقطته كاميرا مراقبة يُظهر نيزكاً مشتبهاً به يسقط في السماء بولاية أوهايو (أ.ب)

وفي تصريح لصحيفة «إندبندنت»، قال برايان ميتشل، رئيس برنامج الرصد في مكتب الهيئة في كليفلاند، إن الدويّ سُمع نحو الساعة التاسعة صباحاً بالتوقيت المحلي. وأوضح أن الخبراء استخدموا تقنية «رسم خرائط البرق الثابتة بالنسبة للأرض»، وهي تقنية قادرة على رصد الومضات السريعة في الغلاف الجوي، وفقاً للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.

وأضاف ميتشل: «رصدنا ومضة ظهرت على الخريطة بشكل مشابه لوميض البرق». وتابع موضحاً أن سرعة مثل هذا الجسم قد تكون مماثلة لسرعة طائرة عسكرية تحلق بسرعة تفوق سرعة الصوت، وهو ما يفسّر الدويّ الهائل الذي سُمع في المنطقة.

ورغم أن التقديرات تشير إلى أن النيزك احترق أثناء دخوله الغلاف الجوي، فإن احتمال العثور على شظايا منه لا يزال قائماً. وقال ميتشل: «قد تكون هناك بعض الشظايا في أماكن متفرقة، لكن لا يمكننا الجزم بذلك في الوقت الحالي».

وفي السياق ذاته، أفاد عدد من الشهود في شمال شرق ولاية أوهايو بأن دويّ الانفجار كان قوياً لدرجة أنه تسبب في اهتزاز منازلهم. وأوضح أحد سكان مدينة ليكوود، وهي إحدى ضواحي كليفلاند، أن الصوت كان «مرتفعاً للغاية وشبيهاً بانفجار قوي»، بينما وصفه شاهد آخر في مدينة سترونغسفيل المجاورة بأنه «انفجار ممتد» بدا وكأن صداه استمر لنحو 30 ثانية أو أكثر.