«جميل بثينة»... مسرحية لكركلا تنطلق من الرياض

جانب من المسرحية الاستعراضية الغنائية «جميل بثينة» (وزارة الثقافة)
جانب من المسرحية الاستعراضية الغنائية «جميل بثينة» (وزارة الثقافة)
TT

«جميل بثينة»... مسرحية لكركلا تنطلق من الرياض

جانب من المسرحية الاستعراضية الغنائية «جميل بثينة» (وزارة الثقافة)
جانب من المسرحية الاستعراضية الغنائية «جميل بثينة» (وزارة الثقافة)

انطلقت عروض المسرحية الاستعراضية الغنائية «جميل بثينة» لفرقة كركلا لفنون المسرح، أمس، على مسرح جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بمدينة الرياض، بتنظيم من وزارة الثقافة السعودية بالتعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية.
يستمر العرض5 أيام ويشارك فيه أكثر من 300 من طواقم المعدين والكتاب والشعراء إضافة الى مواهب سعودية تؤدي أدواراً رئيسية وثانوية، إلى جانب أعضاء مسرح كركلا العالمي الذي يضم أهم نجوم المسرح والغناء.
... المزيد


مقالات ذات صلة

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لقاء لإطلاق مشروع حماية وصون الأراجوز (وزارة الثقافة المصرية)

«اليونسكو» تدشن مشروعاً لحماية وصيانة فن الأراجوز في مصر

أطلقت مصر مشروع «صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز للدمى اليدوية التقليدية في مصر»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

محمد الكفراوي (القاهرة )

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.


فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
TT

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب حول الهجرة والإسلام. وبينما يحرص «الإليزيه» (مقر الرئاسة الفرنسية) على الحفاظ على خطاب «التهدئة» والدفاع عن الشرعية الدولية، فإنَّ أجهزة الدولة تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أيضاً محفِّزاً ممكناً لتوترات داخلية، سواء عبر مخاطر الإرهاب أو عبر إعادة تسييس «ملف الضواحي» والهجرة ذات الأغلبية المسلمة. وحقاً، منذ اللحظات الأولى للنزاع، وجَّه وزير الداخلية لوران نونييز برقيةً عاجلةً إلى الموقّعين في الدولة (المحافظين، قيادة الشرطة والدرك، والاستخبارات الداخلية) يأمر فيها برفع درجة اليقظة إلى «حالة إنذار» تحسّباً لأي «عمل يمكن أن يخلَّ بالنظام العام» داخل فرنسا. وتضمَّنت التعليمات التركيز على حماية المصالح الدبلوماسية للطرفَين المتحاربَين، ومراقبة التجمّعات والاحتجاجات المرتبطة بالجاليات المعنية، خصوصاً المظاهرات التي ينظّمها إيرانيون ومعارضون للنظام في طهران على الأراضي الفرنسية.

في خلفية الوضع الراهن في فرنسا، تستحضر وزارة الداخلية مساراً طويلاً من التهديدات المرتبطة بإيران، من محاولة تفجير مؤتمر «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018 التي اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني، إلى محاكمات حديثة لناشطة ومترجمة إيرانية و4 رجال أدينوا بالتحريض على الإرهاب ونشر «خطابات كراهية» ودعوات لعنف ضد اليهود في فرنسا أمام خلفية الحرب على غزة.

لذلك تَعُدُّ الحكومة الحالية وجهاز الأمن الداخلي الحربَ الحالية عاملاً مضاعِفاً لمخاطر «العمليات بالوكالة» على الأرض الفرنسية، سواء عبر شبكات مرتبطة بإيران مباشرة، أو عبر أفراد يستثمرون المناخ المشحون لصالح «أجندات» جهادية أو معادية لليهود.

الخوف من انتقال الصراع

للعلم، تضمّ فرنسا واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، يصل تعدادها إلى 6 ملايين، بل 7 ملايين نسمة، حسب بعض الدراسات. وضمن هؤلاء جالية إيرانية تقدّر بنحو 25 ألف شخص معظمهم من المعارضة الناشطة سياسياً وإعلامياً، ولكن بينهم أيضاً كثير من الطلبة والباحثين، ما يجعل أي ارتجاج في الشرق الأوسط يُقرأ داخل الحدود الفرنسية عبر عدَسة الهوية والانتماء.

ولقد كانت صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر يوم 2 مارس (آذار) الحالي قد كشفت عن أنّ السلطات الفرنسية قرَّرت توفير حماية خاصة لبعض المعارضين الإيرانيين المقيمين في فرنسا، خشية تحوّلهم إلى أهداف لعمليات انتقامية «رسالية» تُنسب إلى طهران. وأيضاً وضعت عدداً من الناشطين الأكراد الإيرانيين تحت مراقبة لصيقة في ضواحٍ مثل الفال - دواز، حيث تتركّز جالية إيرانية كردية ناشطة.

هذه الإجراءات، التي ثبّتها وزير الداخلية لوران نونييز خلال اجتماع أمني في باريس، تتضمَّن دوريات شرطية مُعزَّزة حول مقارّ الجمعيات والهيئات المعارضة للنظام الإيراني، فضلاً عن رفع مستوى اليقظة حول أماكن وجود الجالية الكردية الإيرانية ومكاتبها. كل هذا في سياق مقاربة أمنية ترى في الحرب الراهنة مع إيران لحظة عالية الخطورة لاحتمال انتقال الصراع إلى الأراضي الفرنسية عبر عمليات انتقامية أو هجمات بالوكالة.

وزير الداخلية نونييز، تطرّق في اجتماعاته مع المحافظين وقادة الشرطة، إلى هذا «السجلّ»، مؤكّداً أنّ فرنسا «ليست هدفاً مباشراً» للصواريخ الإيرانية بيد أنها قد تغدو مسرحاً لـ«النتائج غير المباشرة للصراع»، في إشارة واضحة إلى التهديد الذي تمثّله «عمليات بالوكالة» أو هجمات انتقامية ضد المعارضين واليهود.

الخلفية التاريخية

هذه الهواجس لم تولد من فراغ، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، ومع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تحوَّلت فرنسا إلى أحد الملاذات الرئيسية للمعارضة الإيرانية بشقّيها العلماني والإسلامي المعارض، واستقبلت شخصيات وحركات نُظر إليها في طهران بوصفها تهديداً مباشر للنظام.

غير أن هذا «المنفى» أو «الملاذ الآمن» تعرَّض لاختبارات متكرّرة أبرزها: إحباط محاولة تفجير مؤتمر لمنظمة «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018، اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني معتمد في العاصمة النمساوية فيينا، ثم سلسلة هجمات استهدفت يوم 31 مايو (أيار) 2023 مركز جمعية «سيماي أزادي» المرتبطة بالمعارضة الإيرانية في ضاحية سانت وان لومون القريبة من باريس، حيث أطلق النار وأُلقيت زجاجات حارقة على المبنى، الذي كان يضم أيضاً قناة إخبارية، قبل أن تُحبط الأجهزة الفرنسية استمرار هذه الاعتداءات.

هذه السوابق رسَّخت لدى أجهزة الأمن الفرنسية الاقتناع بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام الأراضي الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، لتصفية حساباتها مع خصومها في الخارج، سواء عبر شبكات منظمة أو عبر «مجرمين صغار» يُستأجَرون لتنفيذ عمليات لا تظهر صلتها السياسية إلا لاحقاً.

لذا، حين اندلعت «حرب إيران» في مطلع 2026، كان منطقياً - في نظر وزارة الداخلية - النظر إلى المعارضة الإيرانية في فرنسا بوصفها هدفاً محتملاً لعمليات مثل الاغتيال، أو الخطف، أو الترهيب، وهو ما يفسِّر درجة الاستنفار الحالية حولها.

موضع مزدوج

يُضاف إلى هذه الأبعاد الأمنية - السياسية بعدٌ آخر هو ملف الهجرة واللجوء. إذ إنّ نسبة مهمّة من المعارضين الإيرانيين والكرد - الإيرانيين موجودون في فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين أو طالبي لجوء، ما يجعل مسؤولية الدولة عن أمنهم مضاعفة. ذلك أنه من الناحية القانونية والأخلاقية، حين تمنح فرنسا حقّ اللجوء، فهي لا تمنح فقط ترخيص الإقامة، بل تقدّم وعداً ضمنياً بالحماية من الاضطهاد. وحين يثبت أنّ أجهزة النظام المُهدِّد قادرة على الوصول إلى اللاجئ في منفاه، يتعرّض هذا الوعد للاهتزاز.

في السياق الفرنسي، يتشابك هذا الملف مع الجدل العام حول الهجرة واللاجئين الذي ازدادت حدّته منذ موجة 2015 الأوروبية، وتصاعد «الإسلاموفوبيا» والقلق من العقيدة الإسلامية في ضوء هجمات 2015 - 2016 في باريس ومدينة نيس وغيرهما. وهنا تبرز مفارقة: فالمعارضون الإيرانيون والكرد - الإيرانيون، الذين يُنظر إليهم غالباً في باريس بوصفهم «حلفاء» ضد «التهديد الإيراني»، هم في الوقت نفسه جزء من كتلة مهاجرة أوسع تشمل مسلمين من المغرب العربي والشرق الأوسط، غالباً ما يختزلها خطاب اليمين المتطرف في صورة «كتلة مشبوهة» تشكِّل في ذاتها تهديداً أمنياً وثقافياً.

إشكاليات التعايش بين المسلمين واليهود

في الوقت عينه، تخشى باريس الرسمية من أن تتحوّل أي تعبئة تضامنية مع الشعب الإيراني أو مع الفلسطينيين إلى منبِر لخطابات متطرفة أو معادية لليهود. وهو ما يدفع وزارة الداخلية إلى مطالبة المحافظين بـ«إبلاغ فوري» عن أي مؤشرات «تأثير أو زعزعة استقرار» مرتبطة بهذا النزاع، خصوصاً إذا أخذت طابعاً عنيفاً.

هذا المنطق الوقائي يعكس رؤيةً أمنيةً ترى في بعض شوارع الضواحي ذات الكثافة المسلمة العالية، فضاءات يمكن أن تنتقل إليها عدوى الصراع الرمزي بين «المعسكر الغربي» و«العالم الإسلامي»، ولو على مستوى الشعارات والاحتجاجات، بما ينعكس سلباً على العلاقات بين المسلمين واليهود، وعلى شعور الانتماء الوطني نفسه.

وفي السياق ذاته، أضحت عمليات حماية الكُنُس (جمع كنيس) والمدارس والمراكز الثقافية اليهودية في فرنسا واقعاً ملموساً منذ سنوات، خصوصاً بعد هجوم «هيبر كاشر» عام 2015. ويومذاك، أعلن الرئيس فرانسوا هولاند عن «تأمين» جميع المواقع اليهودية (794 موقعاً حسب تقرير برلماني لعام 2016)، بمشاركة 66 في المائة من قوات «سنتينيل» العسكرية و34 في المائة من الشرطة والدرك.

ومع تصاعد الأعمال التي توصف بأنها «معادية للسامية»، تحوَّلت الحراسة الديناميكية (دوريات منتظمة بدلاً من حراسة ثابتة منذ 2016) إلى جزء من «المنظر اليومي» في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون وستراسبورغ، حيث تُشاهد سيارات الشرطة أمام المدارس اليهودية في أثناء دخول الطلاب وخروجهم. أمّا النُّخب اليهودية الفرنسية، ممثّلة بمنظمات مثل «الكريف»، و«خدمة حماية الجالية اليهودية (SPCJ)» - التي أُسست عام 1980 بعد تفجير شارع كوبرنيك الباريسي - فهي تدفع بقوة نحو تشديد التشريعات ضد «معاداة السامية»، كما في دعوات فرانسيس كاليفات (رئيس «الكريف» سابقاً) لإعادة الحراسة الثابتة أمام المدارس لتهدئة «الإحساس بالقلق».

في المقابل، يشعر قطاع كبير من المسلمين بغياب موازٍ صارمٍ لمكافحة ظاهرة العداء للمسلمين «الإسلاموفوبيا»، إذ لا تُلاحظ حملات مماثلة أو تمويل أمني مكثّف للمساجد (1047 موقعاً محمياً عام 2016 دون تغطية مماثلة)، ما يُغذّي سردية «الكيل بمكيالين» ويزيد من التوتر بين الجاليتين، حيث يرى البعض في التركيز الرسمي على اليهود دليلاً على تحيّز بنيوي.

هذا الإطار يُنتج أثراً مزدوجاً على الجالية اليهودية: فمن جهة يعزِّز إحساساً عميقاً بالهشاشة وبضرورة الاحتماء بالدولة وأجهزتها الأمنية - بل وأحياناً بإسرائيل كأفق حماية بديل -، ومن جهة أخرى يغذّي لدى جزء من المسلمين انطباعاً بأن الدولة تنحاز «بصورة بنيوية» لليهود ضدهم... وبهذا المعنى، يتحوّل كل توتر في الشرق الأوسط إلى لحظة اختبار حادة للعلاقات الإسلامية اليهودية في فرنسا، حيث يتهدّد شعور الانتماء الوطني ذاته، عندما يخشى بعض اليهود أن يكونوا غير آمنين كمواطنين فرنسيين، ويخشى بعض المسلمين أن يظلوا دائماً مواطنين مشكوكاً في ولائهم. وهكذا صار كل شعار في مظاهرة، وكل حادثة اعتداء أو شتيمة، تطوراً يُقرأ في عيون جزء من اليهود دليلاً إضافياً على تصاعد الكراهية ضدهم، وفي عيون جزء من المسلمين قمعا لصوتهم السياسي وتضامنهم مع ضحايا الحروب في غزة أو إيران.

استثمار اليمين المتطرف لورقة الهجرة والإسلام

على المستوى السياسي، أعادت الحرب على إيران فتح معركة السرديات الداخلية حول الهجرة والإسلام في فرنسا، ووفّرت ذخيرة جديدة للتيارات اليمينية المتطرّفة. فرئيس حزب «التجمّع الوطني» جوردان بارديلا دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى جمع قادة الأحزاب الممثَّلة في البرلمان «لتوضيح دور فرنسا»، لكن خلف خطاب «الوحدة الوطنية» يواصل حزبه رسم خط مستقيم بين «التهديد الخارجي» و«الخلل الداخلي» الذي يُحمَّل جزء منه إلى الهجرة والمسلمين.

وهنا، يجد الخطاب التقليدي لـ«اليمين المتطرف» فرصته لتجديد معادلاته، فكل اشتعال في الشرق الأوسط يُقدِّم دليلاً إضافياً على أن فرنسا «تستورد النزاعات» عبر الهجرة، وأن وجود جاليات كبيرة من أصول مغاربية أو شرق أوسطية يحمل في ذاته مخاطر «بَلقنة» الساحة الداخلية. وحتى لو لم تُقَل هذه العبارات دائماً بشكل صريح، ثمة إشارات متكرّرة إلى «خطر التآكل الهوياتي» و«الغيتوهات الإسلامية» و«المد الإسلاموي العالمي» تظهر في خطاب قيادات يمينية ترى أن الحرب مع إيران تبرهن على ضرورة تشديد سياسة الهجرة واللجوء، وعلى أن أي تخلخل إقليمي يمكن أن يُترجم بموجة جديدة من اللاجئين أو بتصعيد في الخطاب الديني المتشدّد في الضواحي.

أجهزة الأمن الفرنسية مقتنعة بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام أراضي أوروبا لتصفية حساباتها مع خصومها

إشكالية موقف اليسار

في الضفة المقابلة، تحاول قوى اليسار الراديكالي والاشتراكي - البيئي تفكيك الربط التلقائي بين الحرب على إيران وبين المسلمين في فرنسا. ولقد طالبت النائبة ماتيلد بانو، زعيمة كتلة «فرنسا الأبية» البرلمانية، بمناقشة برلمانية وبتصويت حول الموقف من الشرق الأوسط، وحذّرت من أن استمرار منطق «الحرب الدائمة» يغذّي كل أشكال التطرّف. أما جان - لوك ميلانشون، زعيم كتلة «فرنسا الأبية»، فعدَّ أنّ ما يجري «حرب بلا أخيار» أطرافها «لا نحبّها»، واضعاً واشنطن وتل أبيب وطهران في سلّة واحدة.

هذا الخطاب، وإن تعرَّض لانتقادات عنيفة من اليمين، يلتقي مع حساسية واسعة في أوساط الشباب المسلمين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية، ويرفض تحويل الحرب على إيران إلى ذريعة لمزيد من الرقابة الأمنية على الجاليات العربية والمسلمة أو لإعادة إنتاج خطاب «الانفصالية الإسلامية».

القانون الدولي... وضبط الشارع

وأما في الطيف الوسطي واليسار المعتدل، فثمة محاولة لصياغة موقف مزدوج:

- دعم القانون الدولي والتحذير من التوسُّع الإقليمي للحرب.

- والتأكيد على رفض أي وصم جماعي للمسلمين في فرنسا.

النائب الأوروبي الاشتراكي الحليف رافاييل غلوكسمان شدّد، قائلاً: «لا يمكن أن نتبع ترمب ونتنياهو بلا شروط»، داعياً إلى مسار انتقال سياسي بإشراف الأمم المتحدة «لمنع الفوضى من أن تحلّ محلّ الاستبداد». وذكّر أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، بأن «البوصلة الوحيدة المتبقية في هذا العالم هي القانون الدولي»، في تلميح واضح إلى رفض أي منطق «حرب صليبية» أو «صدام حضارات» تكون له تداعيات مُدمِّرة على التعايش داخل فرنسا.

ومن جهتها، ربطت زعيمة «الخضر» مارين توندلييه، في تصريح تلفزيوني، بين ضرورة الدفاع عن الأمن الداخلي وبين معايير الشرعية الدولية. ورأت أن انتهاك هذه المعايير في الخارج يضعف حجة فرنسا في محاربة التطرّف داخلياً، لأن الشباب المعنيين يرون في ذلك «ازدواجية معايير» تغذّي سرديّات الضحية في بعض الأوساط المسلمة.

وبهذا المعنى، تصبح كيفية تعاطي فرنسا مع الحرب على إيران جزءاً من معركتها السردية داخل أحيائها الشعبية ومدارسها ومساجدها؛ فإما تثبت أن القانون واحد للجميع، أو تُتَّهم بأنها تُطبِّق معايير مختلفة حين يتعلق الأمر بالعالمَين العربي والإسلامي.

لتأثير الانتخابي وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الفرنسية

تأتي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قبل أسابيع من الانتخابات البلدية الفرنسية، ما يمنحها وزناً انتخابياً خاصاً. هذا الواقع يقلق «الإليزيه» من أن تتحوّل أي حادثة أمنية، ولو محدودة، إلى وقود لصعود خطاب «الاستبدال الكبير» و«الخطر الإسلامي» في خطاب اليمين المتطرف، وأن يستثمر خصوم الرئيس إيمانويل ماكرون أي تردّد أو تناقض في موقفه لتصويره كرئيس «عاجز» عن حماية الفرنسيين أو «متذبذب» بين واشنطن وطهران. في المقابل، يراهن جزءٌ من اليسار على تعبئة الشباب والناخبين من أصول عربية ومسلمة عبر خطاب مناهض للحرب والتبعية، على قاعدة الدفاع عن الفلسطينيين والإيرانيين في آن، تحت شعار «لا لهذا النظام ولا لتلك الحروب». لكن هذا الاستقطاب قد يعمّق انقسام المشهد الحزبي إلى معسكرين: الأول يرى في الحرب فرصة لتشديد القبضة الأمنية والهجرة، والثاني يرى فيها مناسبة لإعادة النظر جذرياً في علاقة فرنسا بالولايات المتحدة وبالشرق الأوسط، وفي مكانة المسلمين داخل الجمهورية.