كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

«أحداث ومواقف» لمولاي المهدي العلوي في ندوة بمعرض الرباط للكتاب

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري
TT

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

كتابة المذكرات ما بين تاريخ متاح وآخر سري

كانت إشكالية كتابة المذكرات والسيرة الذاتية، من لدن الشخصيات الدبلوماسية والسياسية، حول التاريخ السياسي والدبلوماسي للمغرب الحديث بأسلوب مغاير موضوع لقاء فكري بمناسبة تقديم وقراءة مؤلف «أحداث ومواقف» للسياسي والدبلوماسي المغربي مولاي المهدي العلوي.
وأجمع المشاركون في هذا اللقاء، الذي جاء ضمن فعاليات الدورة الـ27 للمعرض الدولي للنشر والكتاب التي تحتضنها العاصمة المغربية الرباط، على أن الكاتب استطاع في هذا الإصدار الجديد، أن يتجاوز إلى حد ما مقولة أن «تكتب سيرة ذاتية، كأن تسير على بيض تخشى أن يتهشم أسفل قدميك»، في بلد مثل المغرب تصعب فيه «السياقة» بحنكة في منعرجات السياسة والدبلوماسية.
من هكذا منطلق يبدو أن المؤلف عمل جهد المستطاع والمتاح تجاوز بقدر ما القراءة الانتقائية للماضي، كما هو معروف في الكتابة التقليدية؛ وذلك لأن تجربة الكتابة التاريخية في الوقت الراهن تعرف تجديداً، وتطوراً على مستوى الممارسة المنهجية والمفاهيم، خاصة بالرجوع إلى الأسئلة المطروحة، إلى نقط الاهتمام وتأويل المعلومات.
مؤلف مولاي المهدي العلوي «أحداث ومواقف» كانت له «القدرة الإيجابية على تدوير الحقيقة التاريخية»، كما كتبها البعض، وإعادة إنتاجها من زاوية مختلفة تماماً عن الطرح الآيديولوجي لأوجه الصراع المختلف، من خلال استحضاره الكثير من التفاصيل والشهادات والأحداث التاريخية منذ استقلال المغرب سنة 1956 إلى نهاية الألفية الثانية، وهي مرحلة فارقة طبعت تاريخ المغرب المعاصر.
فالمؤلف يسرد هذه الأحداث والوقائع بـ«خطاب هادئ وخالٍ من التحيز والانفعال، وبالتالي فمتنه يعد وصفة منضبطة وواعية، فيها الكثير من الاتزان والنقد الموضوعي»، حسب ما قاله الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالمغرب في بدية اللقاء الذي اعتبر أن هذا الكتاب «قراءة جديدة للتاريخ النضالي والسياسي، قراءة فيها من الواقعية والكياسة ما يمد جسور التواصل، ويغلب لغة الحوار، ويكرّس مبدأ الشفافية؛ مما يجعل هذه السيرة، تتجاوز الكثير من مثيلاتها من المذكرات والشهادات إلى تنحو منحى المواجهة والصراع».
يقول الدكتور سعيد منتسب، معد الكتاب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مذكرات (مولاي المهدي العدوي... أحداث ومواقف) لا تتعلق بالتمييز بين تاريخين: تاريخ متاح وتاريخ سري أو على الأقل مختلف، ولا بتثبيت الأصلي على حساب الحقيقي، ولا بالتحيز للحظي على حساب الكلي»، مبرزاً أن المؤلف «يقدم إلينا ذاكرة في غاية الحيوية، لا يعوزها ذلك الألق التي يمنحها أسباب الوجود، ذاكرة رجل متعدد المراكز، وله دور في صنع المغرب الراهن، وفي ضبط تحولاته الكبرى، من موقف الفاعل المشارك جنباً إلى جنب مع أهم السياسيين الذين عرفهم المغرب المعاصر».
لقد وضع المؤلف، كما يضيف «مسافة صريحة بين التاريخ والنزعة الشُطَّارية (أو البيكارسكية) التي تتحلى بها الشخصية المصارعة والمتمردة وغير المنصاعة للقواعد. فنحن لا نقتفي أي (أسطورة) تتطور بنظرة تبتعد عن الالتزام بـ(الحقيقة) بمعناها الأخلاقي، خارج الإشكالات الفلسفية التي يمكن أن يثيرها مفهوم الحقيقة في علاقته بالذاكرة والتاريخ».
إذن، ليس هناك، في هذه المذكرات، أي انجرار أمام المنطق التخييلي الذي يمكن أن يطرحه استدعاء الذاكرة، كما ليس هناك أي اندفاع وراء خلق «الأوديسا الشخصية» الذي لاحظناه في الكثير من مذكرات المغاربة والأجانب، سواء أكانوا أدباء أم سياسيين أم مفكرين أم فنانين. إن هذا الإغراء الذي تمارسه علينا الذاكرة يخفت بوضوح في هذا الكتاب، رغم أن «حياة صاحبها بحر مضطرب»، كما يوضح معدّ الكتاب، الذي أعرب فيه عن اعتقاده بأن «ما منح حرارة لهذه المذكرات، وجعلها ملتزمة بحقيقتها التي تتجاوز حتى صاحبها، بل جعلها تنجح في تجاهل الترابط الممكن بين البيوغرافي والخيالي، لصالح (التاريخ المشترك)، تاريخ جيل صنع الاستقلال، وتقلب على نحو تراجيدي في صراعاته، وقاسى من تجاذبات كل السلط التي أفرزها».
الشهادة التاريخية التي يسعى الكتاب إلى تدوينها لا ترتبط بالماضي على نحو يمجد الذات ويعطل الحاضر، بل على العكس تماماً، هناك طموح واضح، لا يخفيه صاحبه، إلى تحرير هذا الماضي من أساطيره المؤسسة، لإعلاء المستقبل عبر القراءة الجيدة لما عاشه المغرب، دون أي تحيز لهذا الطرف أو ذاك.
لذا؛ يرى منتسب أن هذا الكتاب يضع نفسه بوضوح تام ضد الموقف التقليدي «الذي يمجد الصراع ويؤبده أو يؤصله؛ سعياً إلى بناء الذات على نقيض ما هو أصلي».
يتوقف الكتاب «المرفق بملاحق وبصور فوتوغرافية» عند تسع محطات، هي «البئر الأولى» و«بداية الوعي الوطني»، و«ميلاد الاتحاد» و«المهدي بن بركة: الرجل والقضية» و«ثورة الطلاب (1968 والقضية الفلسطينية)» و«المحاولتان الانقلابيتان» و«عمر بن جلون الشهادة والاستشهاد» و«تستمر محن الاتحاد» و«بين الحزب والدفاع عن القضية الوطنية في الأمم المتحدة» و«مغادرة الحزب والمهام الدبلوماسية» و«حكايتي مع العراق» و«سفير المغرب بالأردن» و«مستشار دبلوماسي في وكالة بيت مال القدس».
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استعرض الدبلوماسي السابق محمد بنمبارك، الذي يعود إليه الفضل في إقناع صاحبه بخوض هذه «المغامرة»، لـ«ما يحمله في جعبته حول تاريخ المغرب المعاصر في غاية الأهمية بالنسبة للأجيال الحاضرة والقادمة»، موضحاً أن الفكرة التي تداول معه فيها أسفرت في الأخير عن ميلاد هذا الكتاب الذي يعرض ما عايشه العلوي من أحداث سياسية ودبلوماسية بـ«إيقاع حيادي يستند كل شيء إلى الحقيقة، بعيداً عن التحيز والتحامل والحسابات الباردة المتجنبة للنزق السياسي، ولا يميل إلى الكلام بالألغاز واللعب بالألفاظ والعبارات التي كثيرا ما تفقد الكلام معناه».
ويمكن هنا التساؤل مع عبد الله العروي، ما هو دور الماضي في فهم الحاضر؟ ودور الحاضر في فهم الماضي؟ يقول معد الكتاب «لا يمكننا النظر إلى هذه المذكرات إلا باعتبارها استرجاعاً لهوية أصبحت قابلة للطمس، بفعل انحياز العديد من الفاعلين الذين رحلوا إلى الصمت، أو إلى النسيان، أو إلى المراجعة السياسية للمواقف السابقة، على ضوء الامتيازات المحصل عليها. ولهذا يتكئ الكاتب، على ركيزتين أساسيتين هما: (العقلانية) و(الواقعية) كمدخل استراتيجي لقراءة التاريخ، بدل القراءة من داخل النسق الإيديولوجي الحزبي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأربعاء، الكشف عن 13 ألف أوستراكا بموقع «أتريبس» الأثري بمحافظة سوهاج (صعيد مصر)، من بينها إيصالات ضريبية تعود للقرن الثالث الميلادي.

يذكر أن الأوستراكا عبارة عن قطع من كسر الفخار استخدمها المصري القديم في تدوين معاملاته اليومية من إيصالات ومراسلات وأنشطة دينية.

جاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية-الألمانية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة توبنجن الألمانية بموقع «أتريبس». وأوضح رئيس البعثة من الجانب الألماني الدكتور كريستيان ليتز، في بيان صحافي، أن «الأوستراكات المكتشفة تحمل نصوصاً مكتوبة بعدة لغات وخطوط مختلفة تمتد عبر فترة زمنية تزيد على ألف عام».

من جانبه، أشار مدير الموقع الأثري الدكتور ماركوس مولر، في البيان، إلى أن «معظم النصوص المكتوبة على أوستراكات أتريبس تتضمن كتابات توثيقية متعددة اللغات والخطوط، مثل الحسابات والقوائم وإيصالات الضرائب وأوامر التسليم، بالإضافة إلى تمارين كتابية للتلاميذ». كما «تتضمن بعض النصوص أيضاً كتابات مرتبطة بالأنشطة الكهنوتية، مثل الترانيم والصلوات الدينية ونصوص التكريس وبيانات سلامة الأضاحي»، وفق مولر.

وتُعد أقدم النصوص المكتشفة إيصالات ضريبية مكتوبة بالخط الديموطيقي من القرن الثالث قبل الميلاد، بينما تعود أحدثها إلى بطاقات أوانٍ مكتوبة باللغة العربية ترجع إلى القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين، بحسب البيان.

أوستراكا أثرية اكتشفت بموقع «أتريبس» بسوهاج (وزارة السياحة والآثار)

ويرى عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير أن «الكشف يعد خطوة علمية بالغة الأهمية في فهم جوانب الحياة اليومية في مصر القديمة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأوستراكا تُعد من أهم المصادر التي يعتمد عليها علماء المصريات في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، لأنها تعكس تفاصيل الحياة العادية للناس أكثر مما تعكسه النصوص الرسمية المنقوشة على المعابد والآثار الكبرى».

وأضاف أن «قيمة هذه الأوستراكات تكمن في أنها تُسجل معاملات يومية مثل إيصالات الضرائب، وقوائم الحسابات، ومن خلال هذه النصوص يمكن للباحثين تتبع أنماط الإدارة والاقتصاد والتعليم والدين، وكذلك فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والبيروقراطية في المجتمع المصري عبر فترات زمنية مختلفة».

ومنذ موسم حفائر 2018-2019، تتولى مجموعة البحث العلمي متعددة التخصصات «Ostraca d’Athribis»، التي تنظمها البروفسور ساندرا ليبرت بباريس، دراسة وتحليل هذه المواد المتنوعة. وتضم المجموعة حالياً أكثر من اثني عشر متخصصاً في مختلف الكتابات واللغات وأنواع النصوص، بالإضافة إلى متخصص في الفخار. ومن المتوقع أن «تسهم نتائج دراسة هذه الأوستراكات في كتابة تاريخ اجتماعي واقتصادي وديني أكثر تفصيلاً لموقع أتريبس»، بحسب البيان.

بعض قطع الآثار المكتشفة في سوهاج عليها رسوم (وزارة السياحة والآثار)

ووفق ليتز، فإن ما بين 60 في المائة إلى 75 في المائة من الأوستراكات المكتشفة تحمل كتابات بالخط الديموطيقي، في حين أن 15 في المائة إلى 30 في المائة منها مكتوبة باليونانية، بينما تتراوح نسبة الأوستراكات التي تحمل رسومات تصويرية وهندسية بين 4 و5 في المائة، كما أن نحو 1.5 في المائة منها يحمل كتابات بالخط الهيراطيقي، و0.25 في المائة بالخط الهيروغليفي، في حين تحمل 0.2 في المائة كتابات باللغة القبطية، ونحو 0.1 في المائة كتابات باللغة العربية.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي إلى أن «إجمالي ما تم العثور عليه من أوستراكات بموقع أتريبس منذ بدء أعمال الحفائر به عام 2005 بلغ نحو 43 ألف أوستراكا». وقال: «هذا رقم قياسي عالمي لعدد الأوستراكات المكتشفة في موقع أثري واحد»، مضيفاً أن «هذا العدد يفوق ما تم العثور عليه في قرية العمال والفنانين بدير المدينة بغرب الأقصر، كما يتجاوز ما تم اكتشافه في أي موقع آخر في مصر على مدار أكثر من 200 عام من أعمال الحفائر الأثرية».

وقال رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار محمد عبد البديع إن «البعثة الأثرية العاملة بالموقع نجحت خلال السنوات الثماني الماضية، منذ عام 2018، في الكشف عن أكثر من 42 ألف قطعة أوستراكا»، وقال عبد البديع إن «أتريبس تُعد أغنى موقع في مصر بالأوستراكات المرتبطة بالأبراج الفلكية، حيث تم العثور على أكثر من 130 أوستراكا تتناول هذا الموضوع، كُتب معظمها بالخطين الديموطيقي والهيراطيقي».

القطع المكتشفة تضمنت تدوينات بلغات متنوعة (وزارة السياحة والآثار)

وتقع منطقة أتريبس في نجع الشيخ حمد على بُعد نحو 7 كيلومترات غرب مدينة سوهاج، وكانت في العصور القديمة مدينة تابعة للإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، وعاصمته أخميم الواقعة على بُعد نحو 10 كيلومترات شرق النيل. وكانت المدينة مركزاً لعبادة المعبودة «ربيت»، التي كانت تُصوَّر في هيئة أنثى الأسد وتُعرف بعين إله الشمس، وشكّلت ثالوثاً محلياً مع المعبود «مين» رب أخميم، والمعبود الطفل «كولنثيس».

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف «إضافةً علميةً مهمةً لفهم تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي عبر العصور»، مشيراً إلى أن «ما تشهده المواقع الأثرية المصرية من اكتشافات متتابعة يعكس ثراء التراث الحضاري المصري ويعزز مكانة مصر كمركز عالمي للدراسات الأثرية».

ولفت عبد البصير إلى أن «تنوع اللغات والخطوط في أوستراكات أتريبس يعكس الاستمرارية الحضارية لمصر عبر أكثر من ألف عام، ويكشف عن التحولات الثقافية والإدارية التي مرت بها البلاد من العصر البطلمي مروراً بالعصرين الروماني والبيزنطي وصولاً إلى العصور الإسلامية المبكرة».

وقال إن «هذا الكشف لا يضيف فقط عدداً كبيراً من النصوص الأثرية، بل يفتح آفاقاً جديدة لكتابة تاريخ أكثر دقة وتفصيلاً للحياة اليومية في صعيد مصر، ويؤكد مرة أخرى أن المواقع الأثرية المصرية لا تزال تحمل في باطنها مادة علمية هائلة قادرة على إعادة إحياء تفاصيل الماضي المصري بكل ثرائه وتعقيده».


أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
TT

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)
أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)

تحدث الفنان المصري أحمد أمين عن أسباب تقديمه الجزء الثاني من مسلسل «النص» خلال موسم دراما رمضان الحالي، بدلاً من تقديم «الصفارة 2». وأكد، خلال حواره مع «الشرق الأوسط»، استمتاعه برحلته الفنية مع «النص». كما تحدث عن أبرز ملامح الجزء الثاني، وكواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً درامياً. إلى جانب ذلك، كشف أمين عن رأيه في الأعمال الإذاعية ودراما السير الذاتية، فضلاً عن مشروعاته السينمائية والمسرحية الجديدة.

وعن سبب تقديمه «النص 2» هذا العام، رغم المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي بتقديم جزء ثانٍ من «الصفارة»، قال أحمد أمين: «أحب (الصفارة) كثيراً، لكن تقديم جزء ثانٍ دائماً يعتمد على وجود قصة أقوى من الموسم الأول. فمن الضروري أن يتطور الفنان من عمل إلى آخر. ولا أزال أفكر في فكرة جديدة لـ(الصفارة)؛ لأن الجزء الأول كان يقوم على لعبة تتضمن سؤالاً: ماذا لو غيّرت جزءاً من حياتك؟ وكيف سيكون مصيرك في المستقبل؟ لذلك أحتاج إلى رسالة وحبكة درامية لا تقل جودة عن الأولى، بل تتفوق عليها».

وأضاف أمين أن «قصة مسلسل (النص)، الذي يشارك في بطولته نخبة من الفنانين، كانت مبنية منذ البداية على جزأين. وكان الجزء الأول بعنوان (ملحمة الصعاليك)، وهدفه تقديم شخصيات (النص) وفريقه، بينما يأتي الجزء الآخر استكمالاً لهذه الملحمة».

ورغم استمتاعه برحلة «النص»، كشف أحمد أمين عن أن الشخصية أرهقته في التقمص واختيار الملابس وغيرها من التفاصيل، موضحاً: «كل شخصية تحتاج إلى تحضير ومذاكرة وبروفات كثيرة، لكن تقديم عمل تدور أحداثه في زمن قديم يتطلب مجهوداً أكبر من فريق الديكور والملابس والإكسسوارات. فلا يمكن لأي شخصية استخدام أشياء من الزمن الحالي، وهنا يبرز الدور المهم لفريق البحث والتدقيق التاريخي».

أحمد أمين (صفحته على فيسبوك)

وعن كواليس اختياره كتاب «مذكرات نشّال» لتحويله عملاً فنياً تشويقياً كوميدياً، قال أحمد أمين: «أسرتني شخصية (النص) منذ قراءتي للمذكرات، وقد عملنا على معالجتها درامياً لمدة 3 سنوات، مستفيدين من هذه المذكرات التي تضمنت مواقف يومية في الشارع المصري خلال تلك الفترة، وصولاً إلى معالجة درامية متماسكة أسهمت في تشكيل شخصيات مسلسل (النص) حالياً».

وأوضح أمين أن «الكتاب لم يكن رواية بالمعنى التقليدي، بل كان تجميعاً لمواقف أو يوميات نشّال في تلك الحقبة المميزة من تاريخ مصر. لذلك كانت القصة هي البطل الرئيسي، وكان بناء نسيج درامي محكم هو الأولوية الأولى في العمل».

وعن أبرز أحداث «النص 2»، قال أمين إن «شخصيات الجزء الأول كانت لا تزال في مرحلة البحث ومحاولة فهم العالم، وكانت طموحاتها بسيطة. أما في الجزء الثاني، فتجد هذه الشخصيات نفسها مضطرة إلى تحمّل اختياراتها ونتائجها». وأضاف: «حرص صُنّاع العمل على الاقتراب أكثر من فكرة كيف يمكن للإنسان العادي أن يصبح جزءاً من لحظة تاريخية أكبر منه؛ فالبطل أصبح لديه أسرة يسعى لحمايتها، لكن الأحداث التي تدور في زمن الحرب العالمية الثانية تدفعه هو وفريقه إلى الانخراط في سلسلة من مهام الجاسوسية».

وعن إمكانية تقديم «النص 3» في موسم رمضان 2027، قال أحمد أمين: «أتمنى أن يحقق الجزء الثاني النجاح وأن ينال إعجاب الجمهور، لكن ما يحكمنا دائماً هو جودة القصة، وليس الحسابات التجارية. فالقرار يجب أن يأتي من داخل صُنّاع العمل وبشكل صادق».

وكان أمين قد قدم سابقاً برامج عدّة، منها «البلاتوه»، و«الفاميليا». وأشار إلى أن فكرة تقديم برامج مشابهة خلال الفترة المقبلة «تظل متاحة في أي وقت، لكن المحرك الأساسي دائماً هو الفكرة الجيدة التي تقدم شيئاً جديداً يمتع الجمهور».

وعن علاقته بالإذاعة، وما إذا كان التعبير الصوتي يختلف عن الأداء أمام الكاميرا، وأيهما أصعب، قال أحمد أمين: «للإذاعة مكانة خاصة وجمهور مميز. فالتمثيل هو التمثيل في النهاية، لكن الأدوات تختلف بين التلفزيون والإذاعة، في حين يظل الهدف واحداً، وهو إشراك الجمهور في الأحداث وجعلهم يعيشون القصة بطريقة ممتعة».

الملصق الترويجي لمسلسل «النص» (الشركة المنتجة)

وعن رأيه في دراما «السير الذاتية»، بعد أن قدّم دور الطبيب المعالج وزوج السيدة أم كلثوم في فيلم «الست»، الذي عُرض قبل أشهر في دور السينما وحصد عن دوره إشادات نقدية وجماهيرية واسعة، قال أحمد أمين: «لن أقول عن أعمال السيرة الذاتية أكثر مما قاله أساتذتنا من الفنانين؛ فهي ممتعة ومليئة بالتفاصيل الواقعية، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على قدر من المخاطرة. فصناعة الدراما قد تضطر أحياناً إلى تغيير بعض الوقائع، وقد لا يوفق صناع العمل دائماً في ذلك، لأنهم يحاولون إرضاء نوعين من الجمهور: محبي الشخصية الحقيقية التي تُقدَّم، ومحبي العمل الفني بشكل مطلق».

وعما إذا كانت هناك شخصية يطمح إلى تقديم سيرتها الذاتية فنياً، قال أحمد أمين: «لا توجد في ذهني شخصية محددة، لكنني أحب أن أقدم شخصية يعرف الناس عنها مجرد عنوان، ولا يعرفون حقيقتها الإنسانية».

وعن ظهوره «ضيف شرف» في بعض الأعمال الفنية، وما إذا كان يُعدّ ذلك إضافة إلى رصيده الفني أم مجرد مجاملة لصُنّاع العمل وزملاء المهنة، أكد أحمد أمين أنه يستمتع بهذه الفكرة، موضحاً: «غالباً ما تكون مشاركة ضيف الشرف مغامرة قصيرة وظهوراً خاصاً، وأتمنى أن يكون كل ظهور قدمته قد أضاف شيئاً إلى العمل».

وأشار أمين إلى أن انشغاله بالدراما التلفزيونية ربما أبعده إلى حد ما عن السينما والمسرح، لافتاً إلى أنه يعمل حالياً على التحضير لمشروعات سينمائية عدّة يأمل أن ترى النور خلال العام الحالي. كما أكد أنه أطلق مشروعاً «شبه مسرحي»، يتمثل في جولة لعروض «ستاند أب كوميدي»، كان قد بدأها العام الماضي ويواصلها هذا العام، وهي تجربة شخصية وإنسانية يروي خلالها قصته منذ ما قبل تخرجه في الجامعة وحتى اتجاهه إلى التمثيل.


رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
TT

رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)

رصد علماء الفلك، وللمرة الأولى ولادة نجم مغناطيسي أو كما يعرف علمياً بالنجم النيوتروني الدوار ذي المغناطيسية الفائقة، مؤكدين أنه مصدر الطاقة وراء بعض ألمع النجوم المتفجرة في الكون.

ويؤكد هذا الاكتشاف نظرية طرحها فيزيائي من جامعة كاليفورنيا الأميركية في بيركلي قبل 16 عاماً، ويؤسس لظاهرة جديدة في النجوم المتفجرة: المستعرات العظمى التي تتميز بـ«تذبذب» في منحنى ضوئها، وهو ما يُعزى إلى افتراضات نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين.

ووفق الورقة البحثية التي نُشرت اليوم (الأربعاء) في دورية «نيتشر» العلمية الشهيرة، لطالما حيّرت المستعرات العظمى فائقة اللمعان علماء الفلك منذ اكتشافها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ كان يُعتقد أنها ناتجة عن انفجار نجوم ضخمة جداً، ربما تعادل كتلتها 25 ضعف كتلة شمسنا، لكنها ظلت ساطعة لفترة أطول بكثير مما هو متوقع عند انهيار النواة الحديدية للنجم وانفصال طبقاته الخارجية.

كان دان كاسن، عالم الفيزياء الفلكية النظرية وأستاذ الفيزياء الحالي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أول مَن اقترح في عام 2010، أن النجم المغناطيسي هو مصدر التوهج طويل الأمد. ووفقاً لهذه النظرية، فعندما ينهار نجم ضخم في نهاية عمره، فإنه يسحق جزءاً كبيراً من كتلته متحولاً لنجم نيوتروني شديد الكثافة - وهو مصير قريب جداً من الانهيار إلى ثقب أسود.

وتفيد النظرية بأنه إذا كان للنجم مجال مغناطيسي قوي، فإنه سيتضخم أثناء تكوين النجم المغناطيسي، مما ينتج عنه مجال أقوى من 100 إلى ألف مرة مقارنة بمجال النجوم النيوترونية الدوارة العادية – أو ما يسمى «النجوم النابضة».

ووفق الدراسة، يبلغ قطر النجوم النابضة وأشباهها الأكبر حجماً ذات المغناطيسية العالية، أو ما يُعرف بالنجوم المغناطيسية، نحو 10 أميال فقط، ويمكنها الدوران في فترات شبابها أكثر من ألف مرة في الثانية.

ومع دوران النجم المغناطيسي، يُسرع المجال المغناطيسي له الجسيمات المشحونة التي تصطدم بحطام المستعر الأعظم، مما يزيد من سطوعه.

وأكد جوزيف فرح، طالب الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، العلاقة بين النجوم المغناطيسية والمستعرات العظمى فائقة اللمعان بعد تحليل بيانات مستعر أعظم من عام 2024 أُطلق عليه اسم «SN 2024afav»، في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» أيضاً.

قال أليكس فيليبينكو، أستاذ علم الفلك المتميز بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمؤلف المشارك في الورقة البحثية، وأحد المشرفين على فرح: «الأمر المثير حقاً هو أن هذا دليل قاطع على تكوّن نجم مغناطيسي نتيجة انهيار نواة مستعر أعظم فائق اللمعان».

وأضاف: «يرتكز هذا النموذج على أن كل ما نحتاجه هو طاقة النجم المغناطيسي الكامنة في أعماق المستعر الأعظم، إذ يتم امتصاص جزء كبير منها، وهذا ما يفسر سبب سطوعه الفائق».

اكتشاف بعيد

بعد اكتشاف المستعر الأعظم «SN 2024afav» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قام مرصد لاس كومبريس - وهو شبكة تضم 27 تلسكوباً حول العالم - بتتبعه وقياس سطوعه لأكثر من 200 يوم.

كما استخدم علماء الفلك بيانات رصدية لتقدير فترة دوران النجم النيوتروني - 4.2 مللي ثانية - ومجاله المغناطيسي، الذي يُعادل نحو 300 تريليون ضعف المجال المغناطيسي للأرض. وكلاهما من السمات المميزة للنجم المغناطيسي.

ويتوقع فرح العثور على عشرات أخرى من هذه المستعرات العظمى مع استعداد مرصد «فيرا سي روبين» لبدء تشغيله وعمل أشمل مسح للسماء الليلية حتى الآن.

وقال فرح: «هذا أكثر شيءٍ مثيرٍ حظيتُ بشرف المشاركة فيه. هذا هو العلم الذي حلمتُ به منذ صغري. إنه الكون يُخبرنا بصوتٍ عالٍ ومباشر أننا لا نفهمه تماماً بعد، ويُحفّزنا على تفسير ألغازه».