أقلية «حديدية» تدير البرلمان في مواجهة أكثريات متناثرة

في تقويم لجلسة انتخاب رئيس المجلس النيابي ونائبه

TT

أقلية «حديدية» تدير البرلمان في مواجهة أكثريات متناثرة

تبين من خلال القراءة الأولية للمشهد السياسي الذي طغى على أول جلسة نيابية للبرلمان اللبناني المنتخب التي خُصصت لانتخاب رئيس البرلمان ونائبه وأعضاء مكتب المجلس بأن الركون إلى انقسام النواب بين أكثرية وأقلية كما في السابق ليس دقيقاً، وكما دل انتخاب النائب في «التيار الوطني الحر» إلياس بوصعب نائباً لرئيس المجلس النيابي بدلاً من منافسه الدكتور غسان سكاف وبعدد من أصوات النواب جاء متطابقاً لعدد النواب (65 نائباً) الذي أمن فوز الرئيس نبيه بري بولاية سابعة وأيضاً للنائب العوني آلان عون لمنصب أمين السر في هيئة مكتب البرلمان.
فالمفاجأة لم تكن في انتخاب بري في الدورة الأولى بعد أن اقترع له النواب الأعضاء في «اللقاء الديمقراطي»، وإنما في تأمين «تهريب» العدد المطلوب من أصوات النواب المحسوبين افتراضياً على الأكثرية لضمان فوز بوصعب وعون، وهذا ما يفتح الباب أمام السؤال عن أي أكثرية نيابية يجري الحديث عنها، ما دام أنها تحولت في أول جلسة للبرلمان إلى أكثرية افتراضية تفرعت عنها مجموعة من الأكثريات المتناثرة كانت وراء تشتت أصواتها التي ظهرت في انتخاب النائبين العضوين في تكتل «لبنان القوي»، فيما حرصت القوى التغييرية على تقديم نفسها على أنها قوة معارضة بالمطلق خرقته في اقتراعها في دورة الانتخاب الثانية لمصلحة النائب سكاف.
والتساوي في أصوات المقترعين لبري وعضوي هيئة مكتب المجلس بوصعب وعون ليس وليد الصدفة، وإنما بفضل رافعة «حزب الله» الذي تولى هندسة توزيع الأصوات ولعب دوراً في استمالة النواب المحسوبين على الأكثريات لتأييد النائبين المنتمين إلى تكتل «لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل ونجح في تأمين التواصل بين الأخير وبري مروراً بقيادة «المردة» بزعامة النائب السابق سليمان فرنجية.
لذلك فإن ما يسمى بالأقلية في البرلمان تحولت برعاية «حزب الله» إلى قوة «حديدية» متراصة تمكنت من اختراق مجموعة من النواب المستقلين المصنفين على خانة انتماءاتهم للأكثريات المتناثرة، وإن كان هؤلاء اقترعوا بملء إرادتهم للرئيس بري ولا يعود الفضل للحزب في إقناعهم بالتجديد له لولاية سابعة مختلفة عن الولايات السابقة التي حصد فيها العدد الأكبر من النواب تخطى بالعشرات الرقم الذي ناله هذه المرة بحصوله على 65 نائباً أي نصف عدد النواب زائدَ واحدٍ.
وفي المقابل فإن الأكثريات المتناثرة في البرلمان تحولت إلى شاهد تراقب ما يدور من حولها من دون أن تتوحد في جبهة واحدة تمنع الأقلية من السيطرة على هيئة مكتب البرلمان، باستثناء إعادة انتخاب النائب في «اللقاء الديمقراطي» هادي أبو الحسن بالتزكية أميناً للسر للمرة الثانية على التوالي.
ولعل توزع الأكثرية الافتراضية على أكثريات متناثرة طرح أكثر من سؤال حول غياب الدور السني عن الجلسة والذي اقتصر على ملء المقاعد النيابية المخصصة للطائفة السنية من دون أن يسجل لهم الحضور النيابي في جلسة الانتخاب على غرار الدورات الانتخابية السابقة.
فدور النواب السنة قبل انعقاد جلسة الانتخاب وفي خلالها كاد يقتصر على حضور إعلامي - استعراضي من دون أن يترجم بتدخل فاعل يؤدي إلى تبدل النتائج وتحديداً بالنسبة إلى انتخاب نائب رئيس البرلمان، وكأن بعضهم بغياب المرجعيات السنية أراد أن يقدم أوراق اعتماده للأقلية لعلهم يتنافسون على كسب رضاها للترشح لرئاسة الحكومة، خصوصاً أن من بينهم عددا من المغمورين الذين يتطلعون لخلافة الرئيس نجيب ميقاتي لتولي تشكيل آخر حكومات «العهد القوي»، في حال كانت الطريق سالكة لإنهاء خدمات حكومة تصريف الأعمال لمصلحة قيام حكومة كاملة الصلاحيات.
وربما يراهن بعض النواب السنة بعزوف ميقاتي ورؤساء الحكومات السابقين سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام عن خوض الانتخابات على أن الفرصة باتت متاحة أمامهم لملء الفراغ بتوليهم تشكيل الحكومة العتيدة مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهذا ما يفسر إحجامهم عن الدخول في اشتباك سياسي مع الأقلية التي تحولت إلى أكثرية في جلسة إعادة تكوين البيت التشريعي.
كما أن النواب الذين يصنفون أنفسهم على خانة التغيير لم يكن بإمكانهم التفاهم في جلسة الانتخاب مع النواب المنتمين إلى المعارضة التقليدية ومعهم عدد لا بأس بهم من المستقلين بما يعيد التوازن إلى المعادلة السياسية، وأثبتوا في تعاطيهم مع أول استحقاق على جدول أعمال المجلس المنتخب أنهم لا يميزون بين الأقلية وبين الأكثريات المتناثرة وتعاطوا معها بنفس الطريقة، برغم أن المنتفضين على المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية أوكلوا إليهم إعادة التوازن إلى الحياة السياسية بدءاً بالبرلمان وإنما ليس على الطريقة التي كانت الأكثرية التقليدية تتعاطى فيها مع الأقلية قبل انطلاق الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر 2019.
وما ينطبق على القوى التغييرية ينسحب على العلاقة المأزومة بين حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، وهذا ما يفسر قطع الطريق على انتخاب زياد حواط المقرب من «القوات» أميناً للسر في هيئة مكتب المجلس ضد منافسه ألان عون بعد أن امتنعت القوى التغييرية و«الكتائب» وعدد من المستقلين عن التصويت له.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن حواط حظي بتأييد نواب «القوات» و«اللقاء الديمقراطي» وكتلة أشرف ريفي وعدد من المستقلين وأن رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل امتنع عن التصويت له، بحسب المصادر القواتية، وأنه تواصل مع عضو «اللقاء الديمقراطي» وائل أبو فاعور طالباً منه تأييد الكتائبي إلياس حنكش بذريعة أنه الأوفر حظاً بدلاً من حواط وأن النواب التغييريين سيقترعون له، لكن أبو فاعور أكد التزام «اللقاء» بتأييد حواط.
وتؤكد المصادر نفسها أن القوى التغييرية أخرجت نفسها من تأمين التوازن داخل الجلسة وكان في مقدورها التنسيق مع القوى الأخرى في المعارضة، خصوصاً أن نقاط التفاهم بين هذه القوى مجتمعة تبقى أكثر من نقاط الاختلاف، وهذا يستدعي من الجميع تقديم التسهيلات المطلوبة لإعادة الانتظام للمؤسسات الدستورية كأساس لمنع محور الممانعة بقيادة «حزب الله» من السيطرة على الدولة وإمساكه بمفاصلها الرئيسية.
وعليه، تأخذ الأكثريات ومعها القوى التغييرية العبر للتعويض عن التقصير في أولى جلسات البرلمان والذهاب بموقف موحد إلى الجلسة المقبلة المخصصة لانتخاب أعضاء اللجان النيابية، كي لا تبقى مشلولة بقرار منها، ما يتيح للأقلية «الحديدية» إكمال سيطرتها على المجلس النيابي مستفيدة من تشرذم الأكثرية الافتراضية الذي يدفع باتجاه تعطيل دورها في مواجهة محور الممانعة الذي وضع خلافاته جانبا وسلم أمره لـ«حزب الله» الذي تصرف على أنه «المايسترو» بغياب الدور الضاغط للنواب السنة مع انصراف بعضهم إلى ترتيب أوضاعه، ظناً منه بأن الفرصة مواتية لتولي رئاسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

إسرائيل تستعد لـ«معركة طويلة» في لبنان

دبابات إسرائيلية تنتشر على الحدود مع لبنان بالجليل الأعلى في ظل الحرب مع «حزب الله» (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تنتشر على الحدود مع لبنان بالجليل الأعلى في ظل الحرب مع «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعد لـ«معركة طويلة» في لبنان

دبابات إسرائيلية تنتشر على الحدود مع لبنان بالجليل الأعلى في ظل الحرب مع «حزب الله» (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تنتشر على الحدود مع لبنان بالجليل الأعلى في ظل الحرب مع «حزب الله» (أ.ف.ب)

تستعد إسرائيل لحرب طويلة في لبنان، وذلك عبر التقدم البطيء لقواتها داخل الأراضي اللبناني. وبحسب تسريبات أوردتها «فاينانشال تايمز»، فإن إسرائيل تتوقع أن يستمر هجومها على لبنان مدة أطول من الصراع الجاري مع إيران.

وبعد أسبوع على بدء التوغل البري، يختبر الجيش الإسرائيلي دفاعات «حزب الله» في جنوب لبنان، حيث يتوغل على مسافات قصيرة، رغم حشوده الكبيرة على الحدود. وبينما حقق تقدماً يناهز الكيلومتر الواحد في أطراف بلدة رب ثلاثين، فشل هجوم على بلدة الخيام.

وفيما اتهمت إيران، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، إسرائيل بقتل أربعة من دبلوماسييها في ضربة استهدفت نهاية الأسبوع الفائت فندقاً في بيروت، يجتمع مجلس الأمن، اليوم (الأربعاء)، للمرة الأولى منذ تجدد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» بدعوة من فرنسا التي أعربت عن «بالغ قلقها» إزاء تصاعد أعمال العنف في لبنان، داعية «حزب الله» إلى «نزع السلاح» وإسرائيل إلى «الامتناع عن أي تدخل واسع النطاق».

وأدانت باريس «الخيار غير المسؤول» الذي اتخذه الحزب بالانضمام إلى الهجمات الإيرانية على إسرائيل، ودعته إلى «وضع حدٍّ لعملياته».


أوسع تنفيذ لاتفاق دمشق و«قسد»

سيبان حمو (حساب «قوات سوريا الديمقراطية»)
سيبان حمو (حساب «قوات سوريا الديمقراطية»)
TT

أوسع تنفيذ لاتفاق دمشق و«قسد»

سيبان حمو (حساب «قوات سوريا الديمقراطية»)
سيبان حمو (حساب «قوات سوريا الديمقراطية»)

شهدت سوريا أمس أوسع تقدم في ملف اتفاق اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، بموجب تنفيذ ‌الاتفاقية المُوقَّعة بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي في ‌29 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وأفاد مدير إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع بأنه جرى «تعيين سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية» في البلاد، علماً أن حمو يُعدُّ من أبرز القادة العسكريين الأكراد، وشارك في التفاوض مع دمشق.

كذلك، عادت أمس نحو 400 عائلة كانت تقيم في محافظة الحسكة، إلى أراضيها في منطقة عفرين بريف حلب، بعد سنوات من النزوح. كما افتُتحت الطريق الدولية «الحسكة - حلب» أمام حركة المدنيين، بعد إغلاق خلال معظم سنوات الحرب.


مرسوم رئاسي لتنظيم الاستثمار في شركات الحماية والحراسة الأمنية في سوريا

المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا في مؤتمر صحافي في دمشق
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا في مؤتمر صحافي في دمشق
TT

مرسوم رئاسي لتنظيم الاستثمار في شركات الحماية والحراسة الأمنية في سوريا

المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا في مؤتمر صحافي في دمشق
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا في مؤتمر صحافي في دمشق

أعلنت دمشق فتح الباب أمام الاستثمار في الأمن عبر المرسوم «55» لعام 2026 المتعلق بترخيصِ شركات الحماية، والحراسة، والتدريبِ الأمني.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، إن «التنظيم الجديد فرصة لفتح باب استثماري مشروع في سوريا، يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، ويوفر فرص عمل للشباب»، باعتبار «الأمن قطاعاً خدمياً واقتصادياً منظماً بالقانون»، مع التأكيد على عدم السماح بأن يتحول هذا القطاع إلى بديل عن مؤسسات الدولة؛ لأن «سيادة الدولة ووحدة المجتمع خط أحمر لا يقبل المساومة».

وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، الثلاثاء، مرسوماً ناظماً لترخيص وعمل شركات خدمات الحماية والحراسة الخاصة وشركات التدريب المرتبطة بها، ويعزز المرسوم الذي حمل رقم 55 لعام 2026 الرقابة الحكومية على عمل شركات الخدمات الأمنية، من خلال تحديد عدد من المحظورات، أبرزها منع تعامل الشركات الأمنية مع شركات خارجية من دون موافقة من وزير الداخلية السوري.

تعبيرية لإعلان يروج لشركة أمنية في الخليج

وحظر المرسوم أن تكون الشركة فرعاً لشركة عربية أو أجنبية، ومنع حصول الشركة على الأسلحة من أي مصدر آخر غير المصادر المحددة في أحكامه، كما يحظر عليها القيام بأي أعمال تحرٍّ أو جمع معلومات.

وحدد المرسوم صلاحيات الجهات المختصة في الإشراف والرقابة على عمل شركات الحماية وألزمها باستخدام أحدث التقنيات وأنظمة المراقبة وربطها شبكياً مع وزارة الداخلية، وتزويد الوزارة بكل ما تطلبه من بيانات ومعلومات، ومنع تعديل أو حذف البيانات المرفوعة والمحفوظة على مخدمات الشركة المرتبطة مع مخدمات الوزارة، إلا بموافقة الوزارة.

المرسوم يحظر استخدام حراس قبل الحصول على موافقة من الوزارة، ويمنع نقل ملكية الشركة أو التنازل عن الترخيص الممنوح لها كلياً أو جزئياً إلا بموافقة مسبقة من الوزير. وشدد المرسوم على منع إفشاء الأسرار والمعلومات التي تصل إلى الشركة بحكم عملها.

المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، أكد أن هذا القطاع سيبقى «قطاعاً خدمياً واقتصادياً منظماً بالقانون، ولن يُسمَح له بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة، أو إلى أدوات نفوذ خارجي تعبث بأمن الوطن واستقراره، أو إلى بؤر تُغذي النزعات الانعزالية والتفرقة داخل المجتمع السوري، لأن «سيادة الدولة ووحدة المجتمع خط أحمر لا يقبل المساومة».

يشار إلى أن عدداً من الشركات الأمنية كانت تنشط في سوريا في عهد النظام السابق، بموجب مرسوم ناظم لعملها صدر عام 2013 وجرى تعديله عام 2023. وغالبية تلك الشركات كانت تدار بشكل مباشر من قبل أجهزة المخابرات والقوات الروسية في سوريا وأمراء الحرب المقربين من النظام، بإشراف من مكتب «الأمن الوطني»، واختفى معظمها لدى سقوط النظام.

إلا أن مجموعة Emerald Solutions الأمنية الإماراتية ومقرها دبي، كانت أول شركة أمنية تعمل في دمشق فور الإطاحة بنظام بشار الأسد عبر فرعها المسجل بدمشق باسم «إيميرالد سوريا المحدودة» الذي يديره الخبير في أسواق الأمن في الشرق الأوسط، سايمون روتون، الجندي البريطاني السابق الذي سبق له العمل في العراق لصالح شركتي Aegis وAKE للحماية والحلول الأمنية، بحسب تقرير نشرته مجلة «إنتلجنس أونلاين» الفرنسية المعنية بالشؤون الاستخباراتية في أبريل (نيسان) العام الماضي.

واعتبر نور الدين البابا، أن المرسوم الجديد يأتي في إطار «تصحيح الاختلالات التي نتجت عن مراسيم سابقة في عهد النظام البائد، والتي أخرجت بعض الشركات الأمنية عن دورها الطبيعي لتتحول في بعض الحالات إلى أدوات تشبيح، أو واجهات لغسل الأموال». وقال إن المرسوم يضبط عمل هذه الشركات بهدف تعزيز تقديم الأمن باعتباره «خدمية مجتمعية»، ويفتح فرصة لباب استثماري في سوريا يوفر فرص عمل للشباب السوري بما يعزز الواقع الأمني. وأشار إلى أن مفهوم شركات الأمن والحماية والحراسة كان «مرتبطاً بالتشبيح الذي مارسه النظام المخلوع ضد الشعب»، وشدد على أنه: «اليوم يتم وضع إطار قانوني واضح يعيد هذا القطاع إلى دوره الصحيح تحت مظلة القانون والرقابة».

وفيما يتعلق بعمل الشركات المرخصة بموجب المرسوم «55» لعام 2023، قال نور الدين البابا إنه سيتم منح تلك الشركات مهلة ستين يوماً لتسوية أوضاعها وفق المرسوم الجديد، مبرراً عدم حلّ تلك الشركات بتجنب تسريح أعداد كبيرة من العاملين فيها.

ويتضمن المرسوم الجديد الذي يشكل إطاراً تشريعياً ناظماً، أحكاماً تفصيلية تتعلق بشروط تأسيس الشركات وإدارتها، وضوابط استخدام الأسلحة والمعدات الأمنية، والعلاقة التعاقدية مع الجهات المستفيدة من خدمات الحماية، إلى جانب تحديد واجبات الشركات والعاملين فيها والمحظورات المفروضة عليهم، إضافة إلى وضع نظام واضح للعقوبات والغرامات والإجراءات القانونية في حال مخالفة أحكامه.

وحددت المادة الثانية من المرسوم تصنيف الشركات بثلاث فئات بحسب عدد حراسها. الحد الأعلى 1500 حارس والحد الأدنى 300 حارس. ورأس مال حسب كل فئة، الأعلى 600 مليون ليرة سورية والأدنى 200 مليون ليرة (الدولار الأميركي يعادل 11600 ليرة).