خبراء: تسريع الجهود لمحاربة «جدري القردة» لم تحدث إلا عندما وصل أوروبا

صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
TT

خبراء: تسريع الجهود لمحاربة «جدري القردة» لم تحدث إلا عندما وصل أوروبا

صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)

بينما تطرح السلطات الصحية في أوروبا وأماكن أخرى لقاحات وأدوية للقضاء على أكبر انتشار لجدري القردة خارج أفريقيا، يقر بعض الأطباء بواقع سيئ: لقد كانت الموارد لإبطاء انتشار المرض متاحة منذ فترة طويلة، لكن ليس للأفارقة الذين يحاربون المرض منذ عقود.
وأبلغت دول، من بينها بريطانيا، وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، وسويسرا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وأستراليا عن أكثر من 250 حالة إصابة بجدري القردة، العديد منها على ما يبدو مرتبط بنشاط جنسي في اثنين من بلدين أوروبيين. ولم يتم الإبلاغ عن أي وفيات.
تعرض السلطات في العديد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تحصين الناس وتفكر في استخدام الأدوية المضادة للفيروسات. ستعقد منظمة الصحة العالمية يوم الخميس اجتماعاً خاصاً لمناقشة أولويات أبحاث جدري القردة والقضايا ذات الصلة.
وفي الوقت نفسه، أبلغت القارة الأفريقية عن أكثر من خمسة أضعاف عدد الحالات هذا العام، حسبما أفاد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، اليوم (الأربعاء).
وذكر التقرير، أنه كان هناك أكثر من 1400 حالة إصابة بفيروس جدري القردة و63 حالة وفاة في أربعة بلدان يتفشى فيها المرض في أفريقيا، وهي الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو ونيجيريا - وفقاً للمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. ويقول مسؤولو الصحة، إن التسلسل حتى الآن لم يظهر أي صلة مباشرة بالتفشي خارج أفريقيا.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1528495853484269570
وينتمي جدري القردة إلى عائلة فيروسات الجدري، وتقدر فاعلية لقاحات الجدري بنحو 85 في المائة ضد جدري القردة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
ومنذ تحديد الحالات في وقت سابق من هذا الشهر، لقّحت بريطانيا أكثر من 1000 شخص معرّضين لخطر الإصابة بالفيروس واشترت 20 ألف جرعة إضافية، في حين يجري مسؤولو الاتحاد الأوروبي محادثات لشراء المزيد من لقاح الجدري من «بافاريا نورديك»، وهي الشركة المصنعة للقاح الوحيد من هذا النوع المرخص في أوروبا.
وأصدر مسؤولو الحكومة الأميركية نحو 700 جرعة من اللقاح للولايات التي تم الإبلاغ فيها عن حالات.
وتعد الشكوى من بعض الأطباء، أن مثل تلك الإجراءات السريعة في أوروبا لا تظهر في أفريقيا. وتقول الدكتورة أديسولا ينكا - أوغينلي، التي تقود مجموعة عمل مكافحة جدري القردة في نيجيريا، إنه لا يوجد حالياً لقاحات أو مضادات فيروسية تُستخدم ضد جدري القردة في بلدها. وقالت، إن الأشخاص المشتبه في إصابتهم بجدري القردة يتم عزلهم ومعالجتهم بطريقة تقليدية، بينما تتم مراقبة المخالطين لهم.
وفي السياق، يقول أحمد أوجويل، القائم بأعمال مدير مركز السيطرة على الأمراض في أفريقيا، إن أفريقيا بشكل عام لديها فقط «مخزونات صغيرة» من لقاح الجدري لتزويد العاملين الصحيين به عند تفشي مرض جدري القردة.
ومن جانبه، يقول الدكتور جيمي ويتوورث، أستاذ الصحة العامة الدولية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، إن محدودية إمدادات اللقاح والأولويات الصحية المتنافسة تعني أن التحصين ضد جدري القردة لم يتم اتباعه على نطاق واسع في أفريقيا.
اقرأ أيضا: لقاحات كورونا ليست السبب... أبرز الشائعات حول «جدري القردة»

وتابع ويتوورث «إنه أمر غير مريح بعض الشيء أن يكون لدينا موقف مختلف تجاه أنواع الموارد التي ننشرها اعتماداً على مكان وجود الحالات». وأردف «إنه يكشف الفشل الأخلاقي عندما لا تكون هذه التدخلات متاحة لملايين الأشخاص في أفريقيا الذين يحتاجون إليها».
وتمتلك منظمة الصحة العالمية 31 مليون جرعة من لقاحات الجدري، معظمها محفوظة في البلدان المانحة وتهدف إلى الاستجابة السريعة لأي عودة ظهور للمرض، والذي تم الإعلان عن القضاء عليه في عام 1980. ولم يتم إطلاق جرعات من مخزون وكالة الصحة التابعة للأمم المتحدة لأي جدري قردة تفشي المرض في وسط أو غرب أفريقيا.
ويقول الدكتور مايك رايان، رئيس قسم الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن الوكالة تدرس السماح للدول الغنية باستخدام لقاحات الجدري لمحاولة الحد من انتشار مرض جدري القردة. وتدير منظمة الصحة العالمية آليات مماثلة لمساعدة البلدان الفقيرة في الحصول على لقاحات لأمراض، مثل الحمى الصفراء والتهاب السحايا، لكن هذه الجهود لم تُستخدم سابقاً في البلدان التي يمكنها تحمل تكاليف الحقن.
وقال أويويل توموري، عالم الفيروسات النيجيري الذي يشارك في العديد من المجالس الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية، إن إطلاق لقاحات الجدري من مخزون الوكالة لمنع مرض جدري القردة من أن يصبح وباءً في البلدان الأكثر ثراءً قد يكون له ما يبرره، لكنه أشار إلى وجود تناقض في استراتيجية منظمة الصحة العالمية.
وقال توموري «كان ينبغي تبني نهج مماثل منذ وقت طويل للتعامل مع الوضع في أفريقيا. هذا مثال آخر على الحالات التي تكون فيها بعض البلدان أكثر مساواة من غيرها».
اقرأ أيضا: 4 أسئلة رئيسية حول تفشي «جدري القردة»
ويعاني معظم الناس المصابين بجدري القردة من أعراض تشمل الحمى والقشعريرة والتعب. لكن أولئك الذين يعانون من مرض أكثر خطورة غالباً ما يصابون بطفح جلدي على وجوههم أو أيديهم ينتشر في مكان آخر.
نشر الدكتور هيو أدلر وزملاؤه مؤخراً ورقة بحثية تشير إلى أن عقار تيكوفيرمات المضاد للفيروسات يمكن أن يساعد في مكافحة جدري القردة. تم استخدام الدواء، الذي تمت الموافقة عليه في الولايات المتحدة لعلاج الجدري، في سبعة أشخاص مصابين بجدري القردة في المملكة المتحدة من 2018 إلى 2021، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من التفاصيل للحصول على الموافقة التنظيمية.
قال أدلر، زميل باحث في كلية ليفربول للطب الاستوائي «إذا فكرنا في الحصول على هذه البيانات من قبل، فلن نكون في هذا الموقف الآن حيث لدينا علاج محتمل من دون أدلة كافية».
وأشار أدلر إلى أن العديد من الأمراض لم تجتذب أموالاً كبيرة إلا بعد أن أصابت أشخاصاً من الدول الغنية، فعلى سبيل المثال، على الرغم من التفشي الكارثي لفيروس إيبولا في غرب أفريقيا في الفترة من 2014 إلى 2016، وأصاب ما يزيد على 28 ألف حالة في غرب أفريقيا، لم تنشط السلطات الأميركية في تسريع الأبحاث والبروتوكولات لترخيص لقاح ضد إيبولا إلا بعد أن أصيب العديد من الأميركيين.
ويأمل جاي تشودي، خبير التنمية الذي يعيش في ولاية إينوجو النيجيرية، والتي أبلغت عن حالات جدري القردة منذ عام 2017، أن الاهتمام المتزايد قد يساعد أخيراً في معالجة المشكلة. لكنه مع ذلك أعرب عن أسفه لأن الأمر يتطلب عدوى في البلدان الغنية حتى يبدو الأمر ممكناً.
وقال تشودي «قد تعتقد أن الحالات الجديدة أكثر فتكاً وخطورة مما لدينا في أفريقيا. نحن نرى الآن أنه يمكن أن ينتهي مرة واحدة وإلى الأبد، ولكن لأنه لم يعد في أفريقيا فقط. الجميع الآن قلقون».


مقالات ذات صلة

لماذا تظهر رائحة العرق الكريهة؟ وما أفضل طرق علاجها؟

صحتك معظم الناس يعانون من رائحة جسم مؤقتة بعد التعرق (بيكسلز)

لماذا تظهر رائحة العرق الكريهة؟ وما أفضل طرق علاجها؟

تظهر رائحة الجسم الكريهة عادةً بسبب بكتيريا موجودة على سطح الجلد تقوم بتحليل إفرازات الغدد العرقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)

«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

قد يقف البعض منا، خلال مرحلة من حياته، هو نفسه عائقاً في طريق نموه الشخصي بما قد يحول بينه وبين تحقيق النجاح في مهمة ما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)

علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

أظهرت دراسة حديثة فاعلية حقنة عين شائعة الاستخدام في علاج حالة مرضية نادرة من حالات «انخفاض ضغط العين»، كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ما أفضل الأطعمة والمشروبات التي تساعد على تهدئة أعراض الإنفلونزا؟ (بكسلز)

16 غذاءً ومشروباً لتعزيز المناعة وتسريع التعافي من الإنفلونزا

عند الإصابة بالإنفلونزا، يفقد الكثيرون الشهية، ويصبح الحفاظ على الترطيب والتغذية السليمة أمراً بالغ الأهمية لتعزيز جهاز المناعة والتعافي بسرعة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يروج البعض الآن لأدوية «جي إل بي 3» لإنقاص الوزن (د.ب.أ)

جيل جديد من حقن إنقاص الوزن... ماذا نعرف عن مركبات «جي إل بي 3»؟

خلال السنوات الأخيرة أصبح استخدام أدوية «جي إل بي 1» شائعاً بشكل كبير لإنقاص الوزن لكن البعض يروج الآن لأدوية «جي إل بي 3» فماذا نعرف عنها؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.