الفوضى في صفوف القوات العراقية وليس قوة «داعش» وراء سقوط الرمادي

قادة عسكريون وجنود ومسؤولون يروون تفاصيل الانهيار

قوات أمنية عراقية خارج الرمادي بعد انسحابها في 17 مايو الحالي (أ.ب)
قوات أمنية عراقية خارج الرمادي بعد انسحابها في 17 مايو الحالي (أ.ب)
TT

الفوضى في صفوف القوات العراقية وليس قوة «داعش» وراء سقوط الرمادي

قوات أمنية عراقية خارج الرمادي بعد انسحابها في 17 مايو الحالي (أ.ب)
قوات أمنية عراقية خارج الرمادي بعد انسحابها في 17 مايو الحالي (أ.ب)

كانت الساعة التاسعة تقريبا، حين تطلع حميد شندوخ العقيد في الشرطة نحو مياه نهر الفرات المظلمة، ورأى القوارب الصغيرة التي كانت تحمل مقاتلي تنظيم داعش إلى الخطوط الأمامية في مدينة الرمادي. حشد القائد قواته، التي تتكون من مقاتلي العشائر والشرطة المحلية، من أجل الدفاع عن موقعهم على النهر الذي يمر عبر المدينة. مع ذلك بات من الواضح أن ذلك لم يكن هجوما اعتياديا.
ففي الوقت الذي كانت فيه قوات الأمن تستخدم أسلحتها في التصويب نحو النهر الذي أمامهم، جاءهم الهجوم من الخلف. وقال شندوخ: «لقد كانت حالة فوضى شاملة. لقد ظننا أنه تم تأمين المناطق التي تقع خلفنا»، لكن نشّط تنظيم داعش الخلايا النائمة التابعة له في المدينة.
وكان الهجوم على منطقة البوعلوان في 14 مايو (أيار) بمثابة بداية النهاية بالنسبة إلى القوات الموالية للحكومة العراقية في مدينة الرمادي التي تتسم بأهمية استراتيجية، وتمكنت من الصمود طوال 18 شهرًا منذ بداية هجمات تنظيم داعش. وشنّ المتمردون هجومًا متقدمًا شاملا على مدى أربعة أيام باستخدام 30 سيارة مفخخة. مع ذلك تشير روايات جديدة من مقاتلين في المدينة إلى أن سبب سقوط مدينة الرمادي الرئيسي هو ضعف القوات، والثغرات الموجودة في الاستراتيجية الأميركية، أكثر من كونه قوة تنظيم داعش.
وتحدث الجنود عن الارتباك وغياب التنسيق بين وحدات قوات الأمن المختلفة مع انهيار القيادة. وحتى الفرقة الذهبية العراقية، وهي وحدة قوات خاصة مدربة على أيدي الأميركيين، التي كانت تعد الأقوى في البلاد، انسحبت من مواقعها فجأة على حد قول مسؤولين في قوات الأمن. وقصفت طائرات تابعة لقوات التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، أطراف مدينة الرمادي، لكن لم تكن تلك الهجمات الجوية كافية على حد قول مسؤولين في الجيش العراقي.
وشكا مقاتلو العشائر من أنه في الوقت الذي كانت المدينة تتعرض فيه للهجوم كانوا هم لا يزالون يجمعون المال اللازم لشراء ذخيرة من السوق السوداء رغم أن برامج تدريب وتسليح قوات العشائر السنة كانت جزءا أساسيا من الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الجماعة المتطرفة.
وفاجأ مقاتلو تنظيم داعش قوات الأمن العراقية بهجومهم المنسق. وارتدى بعض أفراد الخلايا النائمة زي الشرطة، مما أربك المقاتلين الموالين للحكومة العراقية. وحقق المتطرفون مكاسب في مواجهة المقاتلين الذين أنهكتهم الحرب ونفدت مواردهم، وأخذت وحدات الجيش في التناقص.
وقال صباح كرحوت، رئيس مجلس محافظة الأنبار: «لم تكن هناك سوى بعض الهجمات الجوية الضعيفة الخجولة على أطراف المدينة». وذكر الرئيس باراك أوباما في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي أن سبب خسارة مدينة الرمادي هو القصور في تدريب وتطوير أداء قوات الأمن العراقية. وقال مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن القوات العراقية انسحبت من مدينة الرمادي لأنها افترضت خطأ أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لا يستطيع شنّ هجمات جوية أثناء وجود عاصفة رملية. وصرح الكولونيل ستيف وارين، المتحدث باسم وزارة الدفاع، لصحافيين الخميس الماضي بأنه «لم يؤثر الطقس على قدرتنا على تنفيذ هجمات جوية».
وقال عمر شيهان العلوني أحد مقاتلي العشائر في المنطقة: «عندما انسحبت القوات العسكرية، التي كان من المفترض أن تكون تعزيزات لنا، انهارت روحنا المعنوية تمامًا». وجاء انسحاب الفرقة الذهبية ليكون بمثابة نقطة تحول أخرى في المعركة.
وقال الرائد عمر خميس الدحل، شرطي يبلغ من العمر 31 سنة، إنه انسحب إلى شارع 60 وهو أحد الطرق الرئيسية، التي كان من المتوقع أن يجد بها مقاتلي قوات خاصة من الفرقة الذهبية. وأوضح قائلا: «لقد بوغتنا حين وجدنا (داعش) بدلا منهم». وانسحب فاضل برواري، قائد الفرقة الذهبية، من المدينة برفقة مجموعة من رجاله في صباح ذلك اليوم، بحسب مسؤول أمني رفيع المستوى رفض ذكر اسمه في المقال بسبب حساسية الأمر. وأضاف المسؤول: «عندما انسحب برواري مع مجموعته عمت الفوضى وانسحب الجميع بدون أي نظام».
ومع الانسحاب المفاجئ لقوات مكافحة الإرهاب، بدأ انهيار القوات المتبقية المحدودة في المدينة على حد قول كرحوت. وأضاف كرحوت قائلا: «لم تكن هناك قيادة مركزية، ولم يكن هناك قادة ينسقون بين تلك القوات على الأرض». وأصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أمرا بفتح تحقيق في أسباب هذا الفشل العسكري.
وسلطت المعركة الضوء على العداء وغياب الثقة بين الجيش وقوات الشرطة المحلية، حيث شكت قوات الشرطة من مصادرة أسلحتهم من قبل الجنود في نقاط التفتيش في خضم الفوضى التي شهدتها المدينة، وذكرت أنه لم يتم السماح لهم بالانسحاب من المدينة معهم رغم قول ضباط إنهم كانوا ينتقلون من حي إلى آخر.
وقال الدحل: «لقد كان انعدام الثقة كبيرا. وكانوا ينظرون إلى أي شخص في مدينة الرمادي كمتعاطف مع تنظيم داعش. وكان أفراد تنظيم داعش يرتدون ملابس عسكرية في الكثير من العمليات التي كانوا ينفذونها، لذا لا نثق في أشخاص نراهم يرتدون زي جيش». ومع انهيار دفاعات المدينة، تم حصار نحو ألف شخص داخل مقرات الجيش، ومركز عمليات الأنبار، وتعرضوا لقذائف هاون ثقيلة وقذائف صاروخية من جانب المتمردين.
وتفاخر مقاتلو تنظيم داعش على مواقع التواصل الاجتماعي بما حققوه من نصر، ونشروا صورا للأسلحة والذخائر التي استولوا عليها، وبدا أن معدات عسكرية أميركية بملايين الدولارات من بينها عشرات الدبابات والمدرعات قد تركت في المدينة. وكان انتشار صور الذخيرة المخبأة على مواقع التواصل الاجتماعي أمرًا مثيرا للغضب بالنسبة إلى الدحل ومقاتلين محليين آخرين، خاصة في وقت يجاهدون فيه من أجل الحصول على رصاصات. وقال: «كان أبناء الرمادي يقاتلون دفاعا عن مدينتهم، وكان كل ما يريدونه هو الذخيرة».

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
TT

بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)

كشفت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في اليمن عن تلقيها عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني، تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، نُسبت إلى مسؤولين وضباط إماراتيين، وعناصر تابعة لدولة الإمارات من الجنسية اليمنية، إضافة إلى مرتزقة أجانب، في تطور وصفته الوزارة بأنه بالغ الخطورة، ويمس جوهر سيادة القانون وحقوق المواطنين.

وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي أن الانتهاكات المبلغ عنها شملت الاغتيالات، والاختطاف، والإخفاء القسري، والاحتجاز في سجون سرية، إلى جانب ممارسات تعذيب قاسية، مؤكدة أنها تابعت هذه الوقائع «ببالغ الاستنكار والأسى»، لما تنطوي عليه من خروقات جسيمة للقانون الوطني والمواثيق الدولية.

الحكومة اليمنية اتهمت قوات «الانتقالي الجنوبي» المنحل بارتكاب انتهاكات جسيمة (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن ما كُشف عنه من انتهاكات ارتُكب خلال الفترة الماضية من قبل دولة الإمارات وأفراد وقوات وأجهزة تابعة لها، في وقت «كان يُفترض بدولة الإمارات احترام التزاماتها، واحترام سيادة الدولة اليمنية وأمن وسلامة مواطنيها، والمبادئ التي قام عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والتي كانت جزءاً منه».

وشدّدت الوزارة في الوقت ذاته على أن الجهات والأفراد اليمنيين المعنيين يتحملون مسؤولية مباشرة في حماية المواطنين وصون أمنهم وترسيخ النظام وسيادة القانون.

اغتيالات وسجون وتعذيب

وحسب البيان، تلقت الوزارة اليمنية شكاوى وبلاغات متعددة من مواطنين يمنيين ومنظمات محلية بشأن جرائم خطيرة، شملت الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية والتعذيب، ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون، إلى جانب عناصر يمنية تابعة للإمارات ومرتزقة أجانب.

كما أشارت الوزارة إلى أنها اطلعت على تقارير إعلامية وأخرى صادرة عن منظمات يمنية وإقليمية ودولية، كشفت جانباً من هذه الانتهاكات، بما في ذلك ما ورد في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في 30 يناير (كانون الثاني) 2026، بشأن السجون ومراكز الاحتجاز السرية التي كانت تديرها الإمارات في اليمن.

وأفادت الوزارة بأنها باشرت عمليات الرصد والتوثيق والتحقيق في هذه الانتهاكات، والتقت عدداً من الضحايا وذويهم والشهود، كما قامت بزيارة مواقع وصفتها بأنها «سجون سرية»، قالت إنها تمثل معتقلات تعذيب قاسية لا توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية، وتتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ الأخلاق والدين.

جنود جنوبيون يقفون حراساً خلال مسيرة مؤيدة لانفصال جنوب اليمن في مدينة عدن (إ.ب.أ)

وقال البيان اليمني إن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً صريحاً للدستور والقوانين الوطنية النافذة، فضلاً عن تعارضها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وشدّدت وزارة حقوق الإنسان في اليمن على أن دولة الإمارات ومسؤوليها وكل من تورط في ارتكاب هذه الجرائم «لا يمكن أن يكونوا فوق القانون أو بمنأى عن المساءلة»، مؤكدة عزمها استخدام جميع الأدوات والآليات التي يكفلها النظام القانوني اليمني.

وفي إطار مهامها، أعلنت الوزارة مواصلة جهودها في رصد وتوثيق الانتهاكات، واستقبال الشكاوى من الضحايا وذويهم عبر الآليات المعتمدة، بما في ذلك الخطوط الساخنة ومكاتبها في المحافظات، لتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة.

وختمت بيانها بالتأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة أو التجزئة.


العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
TT

العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن حرية الصحافة، وحماية الصحافيين ستظلان التزاماً أصيلاً لقيادة الدولة، والحكومة، وركيزة أساسية من ركائز سيادة القانون، وبناء المؤسسات الوطنية الحديثة التي يتطلع إليها اليمنيون، محذراً من محاولات استنساخ انتهاكات الحوثيين التي حولت أجزاء واسعة من البلاد إلى واحدة من أسوأ البيئات لعمل الصحافيين في العالم.

وشدد العليمي على أن الكلمة الحرة تمثل جزءاً لا يتجزأ من حق المجتمع في المعرفة، وعنصراً محورياً في أي مسار جاد نحو الاستقرار، والسلام، مؤكداً التزام الدولة بتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي، وحماية المؤسسات الإعلامية من أي تهديد، أو ابتزاز، وردع الممارسات التي تسعى إلى فرض الرأي بالقوة، أو تقويض الحريات العامة، بما يتعارض مع الدستور، والقوانين الوطنية، والدولية.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، رئيس تحرير صحيفة «عدن الغد» فتحي بن لزرق، عقب تعرض مقر الصحيفة في العاصمة المؤقتة عدن لاعتداء مسلح، واقتحام عنيف، في حادثة أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، وأعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه العمل الصحافي في المناطق اليمنية.

إحدى صالات التحرير في مقر مؤسسة «عدن الغد» بعد تعرضها للتخريب (فيسبوك)

واستمع العليمي -بحسب الإعلام الرسمي- إلى تفاصيل حادثة الاقتحام، وما رافقها من اعتداءات أسفرت عن إصابة عدد من العاملين، وتدمير ونهب محتويات المقر، فيما اعتُبر انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة، والعمل الإعلامي، واستهدافاً مباشراً لحق المجتمع في المعرفة، والحصول على المعلومات.

مطالب بالمحاسبة

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالإجراءات الفورية التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء وقيادة السلطة المحلية في عدن، مشدداً على ضرورة الإسراع في القبض على الجناة، وجميع المتورطين دون استثناء، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون، إلى جانب اتخاذ الترتيبات اللازمة لتوفير الحماية للمؤسسات الإعلامية والصحافيين، وجبر ضرر صحيفة «عدن الغد»، وتمكينها من استئناف نشاطها، وممارسة رسالتها المهنية بحرية، ومسؤولية.

وأكد العليمي أن احترام حرية الصحافة يمثل مؤشراً جوهرياً على جدية الدولة في استعادة الاستقرار، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية والدولية، مشيراً إلى أن الدولة ستظل منحازة للكلمة الحرة باعتبارها شريكاً في معركة استعادة مؤسساتها الوطنية، لا خصماً لها.

آثار من التخريب الذي تعرض له مقر مؤسسة إعلامية أهلية في عدن (فيسبوك)

وأشار إلى أن قيادة الدولة لم تصدر خلال السنوات الأخيرة أي إجراءات بحق الصحافيين، بل شددت على منع اعتقالهم، أو احتجازهم على خلفية الرأي، أو النشر، مؤكداً أن أي مساءلة قانونية يجب أن تتم حصراً عبر القضاء المستقل، ووفقاً للقانون، وضمانات المحاكمة العادلة، مع رفض قاطع لاستخدام السلاح أو القوة لإسكات الأصوات الإعلامية.

وكان مقر صحيفة «عدن الغد» في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قد تعرض، الأحد، لهجوم مسلح، واقتحام عنيف نُسب إلى عناصر تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، حيث أفاد رئيس تحرير الصحيفة بأن ما بين 40 إلى 50 مسلحاً اقتحموا المبنى الواقع في حي التقنية بمديرية المنصورة.

وقام المهاجمون بتحطيم كامل محتويات المقر، بما في ذلك المكاتب، وأجهزة الحاسوب، والطابعات، والماسحات الضوئية، إلى جانب نهب معدات تقنية، وأرشيفية خاصة بالعمل الصحافي.

وأدانت نقابة الصحافيين اليمنيين ونقابة الصحافيين الجنوبيين الحادثة، ووصفتها بأنها «جريمة مكتملة الأركان»، وانتهاك صارخ لحرية الرأي والتعبير. كما وجّه رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف الجناة، ومحاسبتهم، مؤكداً رفض الحكومة لأي محاولات لترهيب الكوادر الإعلامية.


نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)

تشهد محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجة متصاعدة من الاستيلاء القسري على أراضي وممتلكات السكان، في سلوك ممنهج أشعل غضباً واسعاً ضد الجماعة الانقلابية وسط دعوات حقوقية لحماية الحقوق ومواجهة الانتهاكات ضد المدنيين.

وتتصدر صنعاء وإب وصعدة خريطة هذه الانتهاكات، وسط اتهامات للجماعة بتحويل الأراضي المنهوبة إلى مشروعات استثمارية تدر أرباحاً على قيادات نافذة ومشرفين محليين، مستغلين القوة المسلحة، ونفوذ القضاء المُسيّس لفرض الأمر الواقع.

مصادر مطلعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن نافذين حوثيين كثفوا خلال الأسابيع الماضية حملات منظمة لمصادرة أراضٍ تعود لمواطنين وأوقاف عامة وخاصة، مستخدمين آليات ثقيلة، ومرافقة مسلحة، وأوامر قضائية تُشرعن النهب، وتُغلق أي نافذة إنصاف أمام المتضررين.

وتؤكد المصادر أن هذه الحملات لا تقتصر على أراضٍ شاغرة، بل تمتد إلى منازل قائمة، ومزارع منتجة، ومواقع ذات طابع ديني واجتماعي.

الحوثيون يعتمدون سياسة البطش بالسكان لإجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم (إكس)

في صنعاء، فجّرت حادثة هدم منزل امرأة مسنّة في قرية «الظفير» بمديرية بني مطر غرب العاصمة المختطفة موجة غضب شعبي واسعة، حيث أقدم مشرف حوثي «أبو طارق» على تنفيذ عملية الهدم بالقوة، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد مباشر لنزع ملكية الأرض والاستحواذ عليها.

وأظهرت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي صرخات المرأة في موقع الحادثة، في مشهد لخص حجم القهر الذي يعيشه السكان تحت وطأة هذه الممارسات.

وتزامنت الحادثة مع تركيز الجماعة على ما تُسميه «الأراضي البيضاء» في أطراف صنعاء ومحيطها، حيث يُمنع المالكون من التصرف بأراضيهم، أو يُطردون منها قسراً، قبل أن تُمنح لاحقاً لمستثمرين موالين، أو تُحوّل إلى مشاريع تجارية وسكنية.

ويقول حقوقيون إن هذا النمط يعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الملكية العقارية بما يخدم شبكة المصالح الحوثية.

استهداف المقابر

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اتخذت الانتهاكات بُعداً صادماً باستهداف المقابر، إذ شرع مشرف حوثي، حسب مصادر محلية، في الاعتداء على مقبرة قرية «السايبة» بمديرية النادرة شرق المحافظة، مستخدماً معدات حفر، وباشر بناء قواعد أسمنتية تمهيداً لتشييد «قاعة أعراس».

واتهم الأهالي قيادات حوثية محلية بالتواطؤ وتسهيل عملية الاستيلاء، في ظل صمت سلطات الجماعة رغم البلاغات المتكررة.

وسبقت ذلك حادثة أخرى تمثلت بسطو القيادي عبد الكريم الشامي على أرضية مملوكة للمواطن بشير الدلالي في مديرية المشنة وسط المدينة. وأفاد بلاغ متداول بأن الشامي، مدعوماً بمسلحين وآليات، هدم غرفة حراسة ودفن الطابق الأرضي لمبنى تكلّف إنشاؤه ملايين الريالات اليمنية.

سكان في إب اليمنية يتهمون الجماعة الحوثية بمواصلة بنهب أراضيهم (فيسبوك)

وأكد الدلالي امتلاكه وثائق ملكية تعود لأكثر من 35 عاماً، غير أن النافذ الحوثي سعى إلى مصادرة الأرض بزعم وثيقة مزورة صادرة في 2018. وتحدثت المصادر عن اعتداء جسدي وتهديد بالقتل والسجن تعرض له المواطن أثناء محاولته الدفاع عن ملكيته.

تجريف شامل في صعدة

أما في صعدة، معقل الجماعة الرئيسي، فقد اتخذت عمليات الاستيلاء طابعاً أوسع وأشد قسوة، شمل ذلك أراضي زراعية وممتلكات خاصة، وترافق مع تهجير قسري وترهيب ممنهج يمنع أي اعتراض أو لجوء فعلي للقضاء.

وكان أحدث هذه الوقائع قيام المشرف حسين مسفر الشاعر باستقدام جرافات ومسلحين لتطويق مساحات أراضٍ تعود لقبائل «وائلة» شرق المدينة، سبق الاستيلاء على أجزاء منها.

وجاءت هذه الاعتداءات رغم شكاوى متكررة رفعها الأهالي إلى مكتب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الذي كان قد وجّه بتشكيل لجان للنظر في القضية دون أن تُسفر عن نتائج ملموسة. وعلى وقع ذلك، دعا المتضررون وجهاء القبائل إلى موقف موحد للضغط، ووقف ما يصفونه بـ«العبث المنظم» بأراضيهم.

جرافة بجوار مبنى مكتب الأشغال الخاضع لسيطرة الحوثيين في صعدة (فيسبوك)

وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن مصادرة الممتلكات في صعدة وما جاورها تتم بوتيرة متسارعة، وغالباً ما تُمنح لمشرفين أو تُستخدم في مشاريع استثمارية وأمنية، في ظل غياب تام لأي مساءلة.

ويرى حقوقيون أن هذه الانتهاكات تُعد خرقاً صارخاً لحق الملكية الخاصة، وتُعمّق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي عبر تكريس شعور واسع بالظلم والاحتقان.

ويطالب ناشطون ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي بالتحرك الجاد للضغط من أجل وقف هذه الممارسات، وفتح تحقيقات مستقلة، وضمان حماية ممتلكات المدنيين، محذرين من أن تحويل الأراضي المنهوبة إلى مصادر تمويل للجماعة يزيد من إطالة أمد الانقلاب.