«الهجين التكتيكي» لغوارديولا وكلوب يهيمن الآن على كرة القدم الأوروبية

تغيرت عام 2008 والمديران الفنيان لمانشستر سيتي وليفربول قادا عملية التغيير

غوارديولا وكلوب قادا الطريق إلى كرة القدم الحديثة (غيتي)
غوارديولا وكلوب قادا الطريق إلى كرة القدم الحديثة (غيتي)
TT

«الهجين التكتيكي» لغوارديولا وكلوب يهيمن الآن على كرة القدم الأوروبية

غوارديولا وكلوب قادا الطريق إلى كرة القدم الحديثة (غيتي)
غوارديولا وكلوب قادا الطريق إلى كرة القدم الحديثة (غيتي)

ربما كان أكثر ما يثير الدهشة في هذا الموسم من وجهة النظر التكتيكية هو درجة الإجماع والتوافق. فمن الممكن أن تؤثر الإمكانيات المالية للأندية في نتائج بعض المباريات، وسيظل هناك دائماً لاعب بارع قادر على تغيير مسار المباريات بإمكانياته وقدراته الهائلة والقيام بأشياء استثنائية، لكن بالنسبة لتلك الأندية التي تتبع فلسفة معينة في اللعب، فمن الواضح تماماً أنها تلتزم بطريقة لعب معينة تعتمد على الدفاع المتقدم والضغط العالي على حامل الكرة والاستحواذ على الكرة لأطول فترة ممكنة.
وهناك ميل لتصوير الأمر وكأن هناك تعارض بين المدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا والمدير الفني لليفربول يورغن كلوب، من خلال القول بأن أحدهما يركز على الاحتفاظ بالكرة، في حين يركز الآخر على سرعة استعادتها من المنافس. ربما يكون هذا منطقياً ومعقولاً، رغم المنافسة الشرسة بينهما خلال الموسمين الماضيين، لكن ربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو أنه لا أحد يشكك حقاً في الطريقة التي يتم من خلالها الحكم عليهما. ومن الواضح تماماً الآن أن ما يمكن تسميته بـ«عصر الاستنزاف»، إن جاز التعبير، والذي شهد فوز اليونان ببطولة كأس الأمم الأوروبية، وكرة القدم التي كان يقدمها المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو، والمدير الفني الإسباني رافائيل بينيتيز، والمدير الفني الأسكوتلندي أليكس فيرغسون في سنوات المدرب البرتغالي كارلوس كويروز، قد مضى عليه وقت طويل للغاية.
لقد تغيرت كرة القدم في عام 2008. ولا يعود السبب في ذلك فقط إلى أن هذا هو العام الذي شهد تعيين غوارديولا على رأس القيادة الفنية لبرشلونة. فقبل ذلك الوقت، كانت مرحلة خروج المغلوب من دوري أبطال أوروبا قد شهدت تسجيل أكثر من ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة مرة واحدة فقط، لكن منذ ذلك الحين لم ينخفض المتوسط إلى أقل من ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة سوى مرة وحيدة. وقد حدث ذلك نتيجة اجتماع عدد من العوامل، من بينها بالطبع التحسينات الكبيرة التي طرأت على جودة الملاعب وأدوات التدريب والكرات التي تلعب بها المباريات، وهو ما يعني أن اللمسة الأولى يمكن أن تكون حاسمة في أعلى المستويات. كما أدى تحرير قانون التسلل إلى تراجع خطوط الدفاع، وتراجعت التدخلات العنيفة إلى حد كبير، وهو ما أدى إلى زيادة المساحات داخل الملعب، بالشكل الذي سمح للاعبي خط الوسط بالتقدم للأمام وتقديم مستويات أفضل بعدما كانوا يكتفون في السابق بالقيام ببعض الأدوار الخططية والتكتيكية ويتعرضون للكثير من الانتقادات.

                                                    غوارديولا وهنري ولقب دوري الأبطال 2009 (غيتي)
وفجأة أصبح من الممكن للفرق الأكبر، التي أصبحت أكبر نسبياً مما كانت عليه من قبل، أن تمارس سيطرة أكبر على المباريات أكثر من أي وقت مضى، وأن تفكر في أفضل طريقة لاستغلال المساحات داخل المستطيل الأخضر والاستحواذ على الكرة، بدلاً من تعطيل اللعب في خط الوسط. وقد أدى ذلك بدوره إلى الشعور بانزعاج كبير عندما تقابل الأندية القوية بعضها بعضاً وتجد صعوبات في الاستحواذ على الكرة. وكانت هذه أحد الأسباب التي جعلت لاعبي مانشستر يونايتد يفقدون الانضباط الخططي والتكتيكي في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2009 ويشعرون بالإهانة لأنهم لم يستحوذوا على الكرة سوى 40 في المائة فقط.
وفي العام التالي، أظهر إنتر ميلان الإيطالي بقيادة مورينيو أنه من الممكن الفوز (أو على الأقل الخسارة بفارق ضئيل بما يكفي للفوز في مجموع المباراتين) رغم استحواذك على الكرة بنسبة 19 في المائة فقط! لقد أصبح التكتل الدفاعي في الخلف، والتمركز الصحيح، والسماح للمنافس بالاستحواذ على الكرة كما يشاء لكن على بُعد 30 ياردة فقط أو أكثر من المرمى، طريقة قابلة للتطبيق للتفوق على الأندية التي تعتمد على طريقة الاستحواذ على الكرة. وبدأت كرة القدم تبدو في بعض الأوقات مثل كرة اليد. لكن كانت هناك طريقة أخرى، وهي تلك الطريقة التي يعتمد عليها كلوب، الذي لا يحب الاستحواذ السلبي على الكرة، ويفضل الضغط المتواصل والقوي على حامل الكرة بشكل جماعي مدروس بعناية، ثم التحول السريع من الدفاع للهجوم بمجرد الحصول على الكرة.
صحيح أن الأندية التي تلعب تحت قيادة غوارديولا تضغط على المنافس، لكن ليس بنفس الشراسة أو بنفس الرؤية المباشرة في كيفية استغلال الهجمات المرتدة السريعة. سوف يحصل الفريق على الراحة المناسبة إذا أتيحت له الفرصة لذلك، لكن إذا لم تكن هناك فرصة، فإن غوارديولا يكون سعيداً بإعادة تشكيل فريقه داخل الملعب وبدء العملية من مرة أخرى، وهو الأمر الذي قال إنه قد يستغرق 15 تمريرة. يركز غوارديولا على الاستحواذ على الكرة، بينما يعتمد كلوب على التلقائية وتفكير كل لاعب في الموقف الذي يواجهه داخل الملعب.
لكن مع تراجع آمال غوارديولا في دوري أبطال أوروبا وخسارته أمام المنافسين الذين يعتمدون على الهجمات المرتدة السريعة، أصبح يتعين عليه أن يغير طريقة اللعب بعض الشيء لمواجهة ذلك. وفي بعض المباريات، يبدو أنه كانت هناك نية واضحة من جانب غوارديولا للإبقاء على خمسة لاعبين خلف الكرة في جميع الأوقات، لكن في مباريات أخرى كان يتم التركيز بشكل أكبر على الضغط على المنافس بقوة، وهو الأمر الذي كان يمثل تهديداً كبيراً على مانشستر سيتي من خلال الهجمات المرتدة السريعة. في غضون ذلك، رأى كلوب الإرهاق المتراكم - الجسدي والذهني - لكرة القدم التي تعتمد على الضغط المتواصل على المنافس، واتخذ خطوات من أجل التحكم في وتيرة المباريات بشكل أكبر، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء تعاقده مع تياغو ألكانتارا، الذي ربما يكون أكثر اللاعبين تميزاً في السابق تحت قيادة غوارديولا.
علاوة على ذلك، فإن توماس توخيل، وأنطونيو كونتي، وستيفانو بيولي، وتشافي، وجوليان ناغيلسمان، وتوماس فرانك، وبريندان رودجرز، وجيان بييرو غاسبريني، والغالبية العظمى من المديرين الفنيين المعاصرين يعتمدون بدرجات متفاوتة على الطريقة نفسها في اللعب. وتكون الاستثناءات، بين الأندية الكبرى، نادرة للغاية وتكون نتيجة الانبهار باللاعبين البارزين أصحاب الأسماء الكبيرة واللامعة، وغالباً ما يكون مصحوباً بسوء إدارة بشع! وحتى لو كان المدير الفني الألماني رالف رانغنيك يتمتع بسلطة أكبر، فمن الواضح أنه كان سيعاني بشدة لقيادة فريق يجد صعوبة في استيعاب كريستيانو رونالدو، الذي كان وجوده المزعزع للاستقرار في يوفنتوس أحد الأسباب التي أدت إلى العودة إلى المدير الفني الإيطالي ماكس أليغري مرة أخرى.
ويُعد ريال مدريد، حتى الآن، مثالاً رائعاً على الكيفية التي يمكن من خلالها للاعبين العظماء أن يحولوا نتائج المباريات فجأة لصالح أنديتهم بعدما كانت الأمور تسير ضدهم، لكن باريس سان جيرمان يعد المثال الأكثر إثارة للاهتمام لثقافة الاعتماد على اللاعبين المشاهير أصحاب الأسماء اللامعة، والاعتماد على ثلاثي هجومي مهاري للغاية يستلزم الدفع بخط وسط قوي للغاية من أجل القيام بالأدواء الدفاعية بأفضل طريقة ممكنة لتعويض عدم قيام هذا الثلاثي الأمامي بواجباته الدفاعية. أما الفلسفة الحقيقية الوحيدة الخارجة عن المألوف فتتمثل في الطريقة التي يلعب بها دييغو سيميوني مع أتليتكو مدريد، رغم أنه مع كل موسم يمر، يزداد الإحساس بأن هذا المشروع يتراجع بشكل ملحوظ.
من النادر في كرة القدم الحديثة أن تكون الخطوط واضحة للغاية. لقد طبق غوارديولا أسلوب اللعب الذي يستفيد من الظروف المتغيرة، ووجد كلوب طريقة للتغلب عليه من خلال الهجمات المرتدة السريعة، ثم غير غوارديولا خطته للتغلب على ذلك من خلال الجمع بين الاستحواذ على الكرة والتأمين الدفاعي تجنباً للهجمات المرتدة، وبالتالي فمن الواضح أن هذين المديرين الفنيين الرائعين قد استفادا كثيراً من وجودهما في الفترة نفسها من أجل تطوير أفكارهما التي ساعدت في تغيير شكل كرة القدم الحديثة.


مقالات ذات صلة


حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.