من يرفع الحصار عن تعز؟

غضب مجتمعي ضد الإصرار الحوثي على المزيد من خنقها... ومعايير دولية «مزدوجة»

متظاهر يحمل لافتة ضمن حشود خرجت تنادي برفع حصار تعز أمس (أ.ف.ب)
متظاهر يحمل لافتة ضمن حشود خرجت تنادي برفع حصار تعز أمس (أ.ف.ب)
TT

من يرفع الحصار عن تعز؟

متظاهر يحمل لافتة ضمن حشود خرجت تنادي برفع حصار تعز أمس (أ.ف.ب)
متظاهر يحمل لافتة ضمن حشود خرجت تنادي برفع حصار تعز أمس (أ.ف.ب)

(تحليل إخباري)
تتخذ الأطراف المعنية بفتح الطرقات والمنافذ الرئيسية من وإلى مدينة تعز مسارات طويلة ومعقدة، تشبه كثيراً الطرقات البديلة التي لجأ إليها أهالي مدينة ومحافظة تعز بسبب الحصار، فبينما توشك الهدنة الإنسانية المعلنة لمدة شهرين على الانتهاء؛ يبقى رفع الحصار عن المدينة عملاً متعثراً، ويمر بالكثير من المناورات والحسابات.
وفي الوقت نفسه، تتواصل معاناة أهالي تعز المحاصرة، حيث ما زالوا يسلكون طرقاً طويلة ضيقة وأغلبها غير معبّدة تلتف حول المدينة والجبال المحيطة بها هرباً من الحصار، وتختنق يومياً بمئات السيارات والشاحنات والحافلات، وتقع فيها حوادث سقوط وتعثر؛ ما يؤدي إلى مزيد من الاختناق.
وعند أهم منافذ المدينة، وهو منفذ الحوبان شرق المدينة المغلق من قِبل ميليشيات الحوثي منذ سبع سنوات؛ يقف المئات من أهالي المدينة احتجاجاً على تباطؤ إجراءات ومساعي المجتمع الدولي والأمم المتحدة في فتح المنافذ والطرقات، وهم يعلمون يقيناً أن لا نوايا لدى الميليشيات لإنهاء هذه المعاناة، وبحسب صلاح أحمد غالب، المحامي والناشط وأحد المشاركين في الوقفات اليومية؛ فإن المعني بالمناشدة والخطاب هو مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة هانس غروندبيرغ الذي بذل كل جهوده لتسهيل تشغيل مطار صنعاء، ولم يقدم لتعز سوى الكلام والاجتماعات.
يتابع صلاح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، هذه الوقفات كما يُلاحظ من خلال اللافتات والشعارات التي يرفعها المشاركون فيها؛ تخاطب المبعوث الأممي والمجتمع الدولي للوفاء بالتزاماتهم برفع الحصار عن تعز، وتنفيذ كامل بنود وشروط الهدنة الإنسانية المعلنة، ولأننا نعرف أيضاً أن جهودهم لن تكون مجدية؛ لكن ما يستحق هذه الوقفات هو التذكير بالمجرم الحقيقي الذي يحاصر المدينة، ويلقي بالاتهامات على غيره، ويتنصل من كل التزاماته؛ ما يؤكد أنه لن يقدم أي تنازل في هذا الشأن.
يتفق الكاتب والباحث وسام محمد مع صلاح، حيث يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن حصار تعز لن ينتهي عما قريب، حيث يرى أنه وفي حال اضطر الحوثي إلى فتح إحدى الطرق؛ فستكون مخصصة للناس العاديين وخاضعة لإجراءات معقدة وستمارس فيها انتهاكات شتى بحق السكان الذين يمرون منها، وربما بشكل مضاعف عما هو حادث اليوم في الطرق الفرعية البديلة.
يتساءل محمد: ما الذي سيفعله الحوثي لإنهاء حصار تعز إذا ما استجاب للضغوط؟، ويجيب على نفسه: سيفتح إحدى الطرق، وهذا لن يكون بمثابة إنهاء فعلي للحصار؛ ولذا أعتقد أن حصار تعز يمكن أن ينتهي بناءً على تفاهمات الهدنة الأخيرة، حتى وإن جرى تجديد هذه الهدنة لاعتبارات عدة متعلقة بالواقع القائم وبالأطراف المختلفة.
بالنسبة لجماعة الحوثي؛ فإن إنهاء حصار تعز يعني أن المحافظة التي تمتلك أكبر كتلة سكانية، سوف تعود وتتوحد من جديد؛ الأمر الذي سيجعلها قادرة على استعادة تأثيرها وابتكار أساليب نضالية جديدة في مقاومة الحوثي، وهذه الأساليب متعذرة اليوم بسبب تشرذم المحافظة وانقسامها وشلّ قدرتها بفعل الحصار.
- تغيرات خريطة الحصار
حصار تعز أحد أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة اليمنية؛ فهو مفروض من جهات عدة، ويعزل المدينة عن محيطها الريفي، ويقطع اتصالها المباشر بباقي البلاد.
وبحسب شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» من أهالي المدينة؛ تمترس الحوثيون بداية الحرب شرقاً في عقبة منيف ومحطة سيارات النقل إلى صنعاء أسفل القصر الجمهوري، وكلابة، وزيد الموشكي، والكثير من شوارع مديرية صالة، وشمالاً في منافذ عدة، وأهمها منفذ عصيفرة الرمدة، وغرباً في المطار القديم ومفرق شرعب، ونشروا في هذه المناطق قناصتهم وزرعوا الألغام، وبعد تحرير هذه الأجزاء من المدينة، تحول الحصار على مديريتي القاهرة والمظفر بالكامل، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من مديرية صالة، والتي يطوقها الحوثيون بمسلحيهم وقناصتهم من جهات الشرق والشمال والغرب، أما في الجنوب، فتقع المديريات الريفية المحررة: صبر الموادم، صبر المسراخ، صبر مشرعة وحدنان، والتي أصبحت المنفذ الإجباري المؤدي إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثي عبر طرق طويلة وملتفة تصل حتى منطقة دمنة خدير.
في جهة الشرق، تم إغلاق الطريق إلى ضاحية الحوبان، وهي أهم ضواحي المدينة وأكبرها، بل إن مساحتها تفوق مساحة المدينة بكثير، وتعد الحوبان من أكثر مناطق اليمن البلاد عموماً في الحركة الاقتصادية حيث تضم منطقة صناعية واسعة وأنشطة تجارية متعددة، وكانت قبل الحصار هي الرئة الاقتصادية للمدينة، وشهدت نشاطاً عمرانياً مكثفاً، وفي هذه الضاحية تتفرع الطريق القادمة من طرف مدينة تعز شمالاً باتجاه العاصمة صنعاء مروراً بمحافظتي إب وذمار، وجنوباً باتجاه مدينة عدن الساحلية الجنوبية التي تضم أكبر موانئ البلاد، مروراً بمحافظة لحج.
ومن جهة الغرب، قطع الحصار الطريق إلى ميناء المخأ، وهو المتنفس البحري المباشر الوحيد لتعز والذي تم تحريره قبل خمسة أعوام، إضافة إلى ميناء الحديدة الذي لا يزال تحت سيطرة الميليشيات، أما من جهة الشمال فاستمر إغلاق جميع الطرق التي تؤدي إلى عدد من مديريات المحافظة.
ومن الجنوب، حيث يقف جبل صبر بارتفاعاته ووعورته وطرقه الضيقة والملتوية، وتمر عبره طرق متفرعة في تضاريس وعرة ضمن مديرية سامع، واستخدمت هذه الطرق في فترة سيطرة الميليشيات على الجزء الغربي والجنوبي الغربي من تعز.
وهكذا، فإن أي مواطن داخل المدينة يريد الوصول إلى الحوبان، وبدلاً عن التوجه شرقاً عبر شوارع المدينة للوصول إليها في أقل من نصف ساعة؛ يضطر إلى التوجه شمالاً، للمرور عبر طرق جبلية ضيقة في مديريات صبر، للوصول إلى منطقة دمنة خدير ومنها إلى الحوبان، ويعود إلى المدينة من الطريق نفسها، ليقضي في الرحلة الواحدة أكثر من ثماني ساعات، يكون خلالها عرضة للإيقاف والابتزاز في نقاط التفتيش، أو الاختطاف أو حتى انفجار الألغام المزروعة في الطرقات.
لمدينة تعز طريق واحدة تربطها بالعالم من ناحية الجنوب الغربي، وتمر عبر مساحة واسعة من ريف المحافظة، والذي يمر عبر منطقة شديدة الوعورة تعرف بـ«هيجة العبد»، واكتسب شهرة واسعة نظراً لحيوية الدور الذي يؤديه في خدمة المدينة المحاصرة؛ ولكثرة الحوادث التي وقعت فيه وأعداد الضحايا الذين سقطوا فيه والخسائر المادية والاقتصادية عند إغلاقه بفعل تلك الحوادث؛ أو بفعل الخراب الذي تحدثه فيه سيول الأمطار.
في بداية الحرب، كان منفذ المدينة إلى هذه الطريق مغلقة بسبب سيطرة ميليشيات الحوثي على الجزء الغربي من المدينة، إلا أن طريق هيجة العبد كانت تقدم خدمات محدودة للمدينة، حيث تصل المواد الأساسية والمساعدات الإغاثية للسكان عبرها إلى آخر نقطة محررة، ومن هناك يتم حملها ونقلها على ظهور المواطنين والحمير والجمال في طرق جبلية طويلة ولمدة أيام، حتى الوصول إلى طرق صغيرة للسيارات في جبل صبر شمال المدينة.
- تحرير جزئي ونتائج عكسية
يرى الكاتب والباحث مصطفى ناجي الجبزي، أن استمرار حصار تعز يعود إلى مبررات عدة؛ فعدم استكمال تحرير المدينة قاد إلى نتيجة عكسية، وهي استمرار ميليشيات الحوثي في فرض الحصار كانتقام وعقاب جماعيين على شكل حقد أعمى لا علاقة له بالمكاسب العسكرية التي يمكن تحقيقها؛ فالحصار تحول قنصاً للأطفال واستهدافاً يومياً للأحياء السكنية بالقذائف، لكن ثمة مبررات اقتصادية للميليشيات في استمرار حصارها المفروض على تعز، ومن ذلك استمرار سيطرتها على أهم مناطق الإنتاج الصناعي في تعز، وهي الحوبان؛ ما يعود عليها بأموال ضخمة تأتي من الضرائب والإتاوات التي يفرضها.
ويشير الجبزي وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن فتح الحصار عن تعز سيؤدي إلى نشوء عمليات تجارية كبيرة، وتبادل للسلع والمنتجات على نطاق واسع، بينما يقوم اقتصاد الميليشيات على المحافظة على فارق سعر العملة المحلية في مناطق سيطرتها، مقابل تدهور سعر هذه العملة في المناطق المحررة.
ويؤكد الباحث الجبزي، أنه، وباستثناء باب المندب والساحل الغربي؛ فإن تحرير مناطق الداخل في محافظة تعز تم بإرادة محلية للمجتمع وبإمكانات بسيطة؛ وهو ما يعني إمكانية استكمال تحرير المحافظة، وتوجيه خطاب شحذ الهمم نحو ذلك، وعدم الاكتفاء بلوم المجتمع الدولي لتقاعسه في رفع الحصار، فلا بد من التذكير المستمر أن المجرم الحقيقي هو الحوثي، وهو من ينبغي أن توجه المعركة ضده.
وبالعودة إلى الكاتب والصحافي وسام محمد، الذي يحذر القيادة الشرعية للبلاد من المبالغة في التمسك بالتسوية السلمية، ويستغرب كيف لا تدرك أو لا تفهم طبيعة الحوثي ومشروعه؛ مفسراً ذلك بعدم وجود استعداد لكسر الحصار عسكرياً.
ويقول، إن هذا الوضع يتعزز بالنظر إلى طبيعة القوى العسكرية المهيمنة في تعز؛ فهي خاضعة لتوجهات طرف لم يعد يرى نفسه معنياً بمواصلة الحرب، كما أن بعض القوى العسكرية تدين بالولاء لدول في الإقليم موالية لإيران ومنحازة للحوثي، في حين انسحبت القوى السياسية المحلية من المشهد بشكل مبكر، وأصبحت تتبنى بشكل معلن وضمني السلام مع الحوثي، لكن دون أن توضح ماهية هذا السلام.
ويأمل وسام محمد، أن تكون هناك فرصة وحيدة تلوح في الأفق، فهذا الغضب الشعبي المتنامي بعد تسهيل حركة دخول السلع إلى ميناء الحديدة وتشغيل الرحلات إلى مطار صنعاء، جعل المجتمع يستشعر المعايير المزدوجة التي يتبعها المجتمع الدولي عند تعامله مع الأزمة اليمنية. ويشدد على أن هذا الغضب المتنامي من الممكن أن تتمخض عنه حركات احتجاجية تغامر بتنظيم مسيرات سلمية، والمرور من الطرق المغلقة وتحمّل أي كلفة، فإذا لم يحدث هذا شعور الناس بخيبة الأمل؛ سيجعلهم يفكرون على المدى الطويل في بناء حركة شعبية لمواجهة الوضع الجديد، حسب رأيه.
يصرخ أحد أهالي المدينة في الوقفة الاحتجاجية أمام المتاريس في طريق الحوبان شرقاً: فتحوا الموانئ والمطارات من خلال اتفاقات تمت عبر الهاتف، أما وهم ذاهبون إلى مشاورات وتشكيل لجان من أجل طرقات تعز؛ فهذا يعني أنهم لن يفتحوها.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».