برنده: قرار استبعاد روسيا صائب... و70 مليون شخص مهددون بالفقر المدقع هذا العام

رئيس «منتدى دافوس» أشاد في حديث لـ «الشرق الأوسط» بالإرادة الإصلاحية في السعودية

بورغه برنده (إ.ب.أ)
بورغه برنده (إ.ب.أ)
TT

برنده: قرار استبعاد روسيا صائب... و70 مليون شخص مهددون بالفقر المدقع هذا العام

بورغه برنده (إ.ب.أ)
بورغه برنده (إ.ب.أ)

يأمل بورغه برنده أن ينجح المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يرأسه، في تسليط الضوء على أهمية العولمة والتبادل التجاري الحر والتعاون بين القطاعين العام والخاص في دفع النمو.
وأعرب برنده، في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال «منتدى دافوس»، عن قلقه من تراجع معدلات النمو الاقتصادي والازدهار الذي حققه العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، محذّراً من أن 60 إلى 70 مليون شخص مهددون بالفقر المدقع هذا العام. كما عدّ قرار استبعاد روسيا من أعمال المنتدى «صائباً»، على خلفية الحرب في أوكرانيا.
واعتبر رئيس «دافوس»، أن العالم في حاجة إلى المنتدى الاقتصادي العالمي «أكثر من أي وقت مضى»، وأن الحكومات تواجه معادلة صعبة بين مكافحة التضخم وتفادي السقوط في فخّ الركود. وأشاد برنده بالإصلاحات التي تقودها السعودية، منوّهاً باستثمارها في تنويع الاقتصاد والتعليم وتمكين المرأة.

معادلة صعبة

يقول برنده، إن اجتماع هذا العام «ينعقد على خلفية أزمات هي الأكثر خطورة وإثارة للقلق منذ عقود»، مشدداً على ضرورة العمل لمنع تحول التعافي الاقتصادي الضعيف عقب الجائحة إلى ركود.
ولفت برنده إلى مؤشرات مقلقة في الصين والولايات المتحدة وأوروبا. وقال «تواجه الصين، وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، نمواً أبطأ من المتوقع بسبب تفشي فيروس كورونا. في حين سجّلت المملكة المتحدة والولايات المتحدة أعلى معدلات تضخم منذ 40 عاماً». وتابع «هناك قلق عميق للغاية بشأن ارتفاع معدلات التضخم، والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية».
واعتبر رئيس «دافوس»، أن الحكومات تواجه «معادلة دقيقة وصعبة». «إذا لجأنا لاستخدام أقوى التدابير الآن، قد نجد نفسنا أمام أسعار فائدة مرتفعة للغاية، قد تنتهي بالركود».
وتابع «أعتقد أن جميع المشاركين في اجتماعنا السنوي، خاصة من قطاع الأعمال ووزراء المالية الـ47 المتواجدين هنا، سيُجمعون على ضرورة اتّخاذ تدابير ضد التضخم المتزايد، لكن مع توخي الحذر بألا تكون هذه الإجراءات حادّة لدرجة عرقلة النمو. آمل كذلك أن يتّفق هؤلاء، إلى جانب 30 وزيراً للتجارة مشاركين هذه السنة، على أن التعريفات الجديدة والتدابير الحمائية ليست هي السبيل إلى الأمام».
وعن النتائج التي يأمل برنده تحقيقها من المنتدى، قال «علينا تحفيز البلدان على مواصلة التجارة مع بعضها بعضاً. أعتقد أن هذا التوجّه سيكون إيجابياً في وضع اقتصادي يتطلّب بناء المزيد من الثقة»، لافتاً إلى أنه «لن يكون هناك انتعاش اقتصادي حقيقي من دون انتعاش التجارة أيضاً».

مكانة «دافوس»

ألقى تراجع العولمة ومحدودية التمثيل الدبلوماسي هذا العام شكوكاً حول أهمية «دافوس» وجدوى تنظيم ملتقى «نخبوي» سنوياً في أعلى جبال الألب.
دافع برنده عن أهمية المنتدى وقدرته الفريدة على تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وقال، إن هناك حاجة له «أكثر من أي وقت مضى». وأوضح «إذا نظرنا إلى التغير المناخي على سبيل المثال، سنجد أن القطاع الخاص يتخذ زمام المبادرة ويعمل على إيجاد مصادر توريد خضراء. إلا أن هناك حاجة إلى الالتزام بشكل أكبر باعتماد مصادر طاقة متجددة في شركاتنا، والانتقال إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050»، في إشارة إلى دور القطاع العام في تحفيز هذه الجهود.
مثال آخر لأهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص، وفق برنده، هو «تحسين مرونة اقتصاداتنا في وجه الصدمات». جائحة «كوفيد - 19» كانت صدمة لم يكن العالم مستعداً لمواجهتها، ولا شك أن هناك المزيد من الأزمات التي قد تفاجئ العالم. ولهذا السبب؛ فإننا سنطلق في «دافوس» تحالفاً جديداً يهدف إلى تعزيز «المرونة».
ويضيف رئيس المنتدى، أنه بالإضافة إلى الأزمات المفاجئة، فإنه ينبغي أن نتحلّى بمرونة أكبر في مواجهة التحديات المحتملة، معتبراً أن «السنوات الماضية أثبتت أن لدى قطاع الأعمال دوراً مهماً ليلعبه في تعزيز رأسمالية أصحاب المصلحة، وحماية البيئة، وتأمين التجارة».
وفي معرض دفاعه عن أهمية العولمة والتبادل الحر، قال برنده «نعلم أن التجارة كان لها دور فعال في خلق النمو خلال العقود الماضية. وفي غياب التجارة واللجوء إلى المزيد من الحمائية والتعريفات الجمركية، سنشهد تراجعاً في النمو الاقتصادي والوظائف والرخاء وتباطؤ جهود استئصال الفقر».

استبعاد روسيا

اتّخذ المنتدى الاقتصادي العالمي موقفاً حازماً في دعم أوكرانيا وإدانة روسيا منذ الأيام الأولى من الحرب. وفي سابقة، قرر استبعاد روسيا من اجتماعه السنوي في «دافوس» هذا العام.
سألت «الشرق الأوسط» رئيس المنتدى ما إذا كان قرار الاستبعاد يتعارض مع مبدأ «دافوس» الداعم للحوار والانفتاح، فجاء ردّه «لماذا لا أقلب السؤال، وأقول لماذا استبعد الرئيس بوتين نفسه من اجتماعنا السنوي هنا في دافوس؟ هذا لأنه بدأ حرباً مع أوكرانيا. روسيا لا تلتزم بالقانون الدولي، وتخرق المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. تخرق روسيا كذلك القانون الإنساني، ونرى ذلك من خلال المعاناة الإنسانية الفائقة التي يعيشها المدنيون في أوكرانيا».
وتابع «الوقت ليس مناسباً لمشاركة مسؤولين روس في اجتماعنا. فرغم أن المنتدى الاقتصادي العالمي يقوم على الجمع بين أطراف تنظر إلى الأمور بشكل مختلف، فإن عليها احترام المبادئ الأساسية والانفتاح على النقاش. أضف إلى ذلك أن العديد من الشركات الروسية مستهدفة بالعقوبات؛ ما يمنعها من الحضور على أي حال».
«كان قرار (استبعاد روسيا من أعمال هذه الدورة) صائباً».

تحديات جوهرية

يعتبر برنده «انعدام الثقة وفقدان منظور عالم يكسب فيه الجميع»، أبرز التحديات التي يواجهها العالم بشكل جماعي. وأشاد رئيس «دافوس» بنتائج العولمة والتبادل الحر، وقال، إنها أسفرت خلال العقود الثلاثة الماضية عن «مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة التجارة العالمية أربع مرات، والقضاء على الفقر المدقع بطريقة لم نشهدها في تاريخنا من قبل. فقد خفّضنا عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع من 30 في المائة في عام 1990 إلى 10 في المائة اليوم».
وتابع، إن «شيئاً ما في هذه الوصفة المعتمدة على التجارة والتعاون العالمي نجح. لذا؛ أعود إلى حقيقة أننا يجب أن نكون حذرين للغاية حتى لا نتخذ إجراءات قد تؤدي إلى تراجع النمو والازدهار الذي تمّ تحقيقه».

فقر وجوع

حذّر برنده من أن الفقر المدقع عاد للارتفاع للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود. وقال «نتوقع أن يواجه بين 60 و70 مليون شخص فقراً مدقعاً هذا العام». وتابع «خلال الثلاثين عاماً الماضية، رأينا مليار شخص ينتشلون من براثن الفقر المدقع. واليوم، فإننا نشهد عكس ذلك».
إلى جانب الارتفاع الصادم في مستويات الفقر، قال برنده، إن «دولاً عدّة حول العالم تشهد انخفاضاً في النمو، في حين تعاني البلدان النامية بالفعل من تدفق شديد لرؤوس الأموال إلى الخارج وتراجع الاستثمارات؛ مما يهدد بتقلص اقتصاداتها».
في الوقت ذاته، لفت برنده إلى أن هذه الدول تواجه ارتفاعاً في أسعار الأسمدة. وقال «إذا لم يتمكنوا من شراء الأسمدة، فإن محصولهم الزراعي سيتراجع. كما أنهم يواجهون ارتفاعاً كبيراً في أسعار الطاقة، علماً بأن غالبية هذه الدول مستورد صاف للنفط والغاز».
واستنتج «كل هذه العناصر ستؤدي إلى زيادة الفقر وعدم المساواة. لذلك؛ فإننا نواجه وضعاً خطيراً بالفعل».

بواعث أمل

في خضمّ هذه التحديات، تقدّم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا صورة مختلطة. ففي حين تقود بعض دولها حزمة إصلاحات طموحة وتعزز مرونة اقتصاداتها في وجه الأزمات، ترزح أخرى تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي والنزاع ونماذج اقتصادية غير مستدامة.
وأشاد برنده بالإصلاحات التي تقودها السعودية والإمارات وقطر؛ بهدف تنويع اقتصاداتها. وقال «تستفيد هذه الدول من ارتفاع الإيرادات، بفضل ارتفاع أسعار النفط. لكنها تستغل هذه الإيرادات، خاصة مع الإصلاحات التي نشهدها في السعودية، لتنويع الاقتصاد والاستثمار في التعليم. كما نرى تطوراً إيجابياً فيما يتعلق بتعزيز دور المرأة».
وتوقّف برنده عند افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي مركزه للثورة الصناعية الرابعة في الرياض، وقال «أعتقد أن هذا دليل آخر على الإرادة الإصلاحية في السعودية، وتصميمها على تنويع الاقتصاد».
ولفت برنده إلى أن النفط والغاز لا يزالان يلعبان «دوراً رئيسياً» في اقتصاد العالم، وقال، إن «المشكلة ليست الوقود الأحفوري في حد ذاته، بل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون». وعبّر عن تفاؤله بمستقبل التكنولوجيا في هذا المجال، موضّحاً «إذا تمكنا من خفض تكلفة احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، فسنكون قد قطعنا شوطاً طويلاً» في مكافحة التغير المناخي.
ودعا برنده إلى عدم الاستهانة بالتكنولوجيا الجديدة، ضارباً المثل بالطاقة الشمسية التي تراجعت كلفتها اليوم إلى عُشر ما كانت عليه قبل 10 سنوات، ولم يستبعد أن تشهد تكنولوجيا احتجاز الكربون انفراجة في السنوات المقبلة.
في المقابل، لفت برنده إلى معاناة أجزاء أخرى من الشرق الأوسط. وقال «انظري إلى لبنان على سبيل المثال، فاقتصاده يقف على شفا الانهيار، في حين تواجه مصر تحديات مع ارتفاع أسعار الطاقة». وتابع «هذه دول مهمة جداً، ويتعين علينا دعمها أثناء مرورها بمرحلة انتقالية (اقتصادية)»، في إشارة إلى المسار الإصلاحي الذي انطلقت فيه بعض دول المنطقة، ومصر في مقدّمتها.


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.