كاترين هوغارت وتشارلز ديكنز... الزواج المطعون بالخيانات وفائض الشهرة و«غزارة» الإنجاب

وضعت دليلاً للطبخ ولم تعثر على وصفة ملائمة للحياة

الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز
الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز
TT

كاترين هوغارت وتشارلز ديكنز... الزواج المطعون بالخيانات وفائض الشهرة و«غزارة» الإنجاب

الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز
الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز

إذا كان ثمة من توصيف ملائم يمكن أن يختزل طفولة الكاتب البريطاني الشهير تشارلز ديكنز، فلن يعثر بالتأكيد على ما هو أكثر ملاءمة من كونها مزيجاً متفاوت المقادير من الطمأنينة والقلق، من الحرمان المادي والغنى المعرفي، من الشعور بالمهانة وكبرياء النفس. وبما أن الكتابة هي «ذكريات تثمر في الظلام»، كما يقول أحد المفكرين، فإن معظم ما كتبه ديكنز كان في حقيقته الأعمق انعكاساً لما مر به في حقبتي الطفولة والصبا من مكابدات ومحن وتجارب. على أن ذلك الانعكاس لم يلبس بالضرورة لبوس التراجيديا والكتابة السوداء، بل كان ينزع في أحيان كثيرة باتجاه الكوميديا والتصوير الساخر للشخصيات، وأحياناً أخرى نحو الترسيم الدقيق والحاذق للشخصيات المأزومة، كما للتحولات الدراماتيكية المتسارعة التي شهدها تاريخ بلاده السياسي والاجتماعي والثقافي، في تلك الحقبة المفصلية والحاسمة من القرن التاسع عشر. وفي محاولة جادة للإجابة عن السبب الذي يدفع الملايين من البشر، لقراءة أعمال ديكنز، يرى الناقد الإنجليزي جون فاريس، أن كتابات ديكنز قد تمكنت من الغوص داخل النفس البشرية، والوصول إلى أبعد نقطة فيها. كما رصدت هذه الكتابات أشياء لا نعرفها عن أنفسنا لأنها «تخبرنا عن سبب ما نحن عليه، وتكشفنا أمام أنفسنا دون زخرفة».
ومع أن حياة ديكنز العاطفية لم تكن بدورها أقل إثارة وغرابة واكتظاظاً بالمفارقات، إلا أن التقاليد الصارمة للعصر الفيكتوري لم تتح لصاحب «قصة مدينتين» أن يكشف بالشكل الكافي النقاب عن وحول نفسه ونزوعه الشهواني العارم، أو أن يتجاوز في كتاباته التابوهات الصارمة المفروضة على شؤون الجسد والنوازع الجنسية، وهي معضلة لم تقتصر مواجهتها على ديكنز وحده، بل طالت في الوقت ذاته ثلة من كتاب عصره وكاتباته، مثل جين أوستن وجورج إليوت وتوماس هاردي وغيرهم. لا بل إن ديكنز الذي لجأ كغيره من الروائيين إلى الاختباء خلف أبطال وبطلات رواياته، حيث نجد ظلالاً لسيرته الشخصية ولنساء حياته الواقعيات، في معظم ما تركه من أعمال، لم يقدم إلا القليل من وسخ الواقع المزري الذي عاشه وعاين عيوبه وقذاراته عن كثب. لكن ذلك لم يمنع قارئيه وكتاب سيرته، مثل إدغار جونسون وفيلدنغ وتوماس رايت وجاك لندسي، من تقديم صور وأجزاء من حياته، يمكن أن تعرفنا بوضوح إلى شخصيته القلقة، كما إلى علاقته المضطربة بزوجته كاترين، وبنساء حياته الأخريات. أما الناقد البريطاني جورج ونغ، فقد عمل في كتابه عن ديكنز، على استقراء وقائع حياته من أعماله السردية، وعلى ترسيم العلاقة بين الواقعي والمتخيل في شخصيات هذه الأعمال.
وقد لا يحتاج المرء إلى أكثر من الاطلاع على نشأة ديكنز، المولود في بورتسموث عام 1812، وعلى أنماط الوجوه التي شكلت مسرح طفولته، لكي يدرك السبب العميق لتبرمه بالواقع، كما لعلاقته الصعبة بزوجته وبالنساء على نحو عام. فلقد اتسمت شخصية أبيه، الذي كان يعمل موظفاً في إدارة المعاشات البحرية، بالتهور وتبديد الأموال اللذين أوديا به إلى السجن، فيما اتسمت أمه من جهتها بالغباء وسوء التصرف والتقدير. وفي حين كان جده وجدته يعملان في خدمة المنازل والأسر الثرية، كان أحد أعمامه مضطراً إلى مغادرة البلاد، بعد أن لاحقته هو الآخر تهم مختلفة بالسرقة والاختلاس. وما ضاعف من آلام ديكنز الطفل في تلك الحقبة، هو إجبار أبيه له على العمل في محل لصباغة الأحذية، وفي مبنى متصدع ومليء بالجرذان، فيما لم يكن يتجاوز الثانية عشرة من عمره. أما الأمر الأكثر إيلاماً بالنسبة له، فقد تمثل في انحياز أمه المخزي لأبيه، من أجل إكراهه على العمل. وقد استحضر ديكنز تلك المرحلة البائسة من حياته في روايته الشهيرة «ديفيد كوبرفيلد»، حيث اضطر ديفيد إلى العمل في ورشة بالغة القذارة «تديرها الفئران»، وبصحبة ثلة من السفلة المنحرفين، الأمر الذي دفعه إلى القول «ليست هناك كلمات تستطيع أن تعبر بصدق عن ذلك الألم الخفي والمروع الذي انتابني وأنا أغرق في صحبة أناس كهؤلاء».
على أن ذلك الوضع الخانق والمأساوي لم يستمر طويلاً لحسن الحظ، إذ عمد والد ديكنز إلى إلحاقه بعد ذلك بأكاديمية ويلينغتون، ليقضي في رحابها عامين اثنين، تذوق خلالهما طعم السعادة وقرأ الكثير من الكتب، التي كان يضطر إلى بيعها حين يعوزه المال. كما عمل لاحقاً في مكتب للمحاماة، ومن ثم محققاً صحافياً لسنوات سبع. وقبل أن يشرع في كتابة روايتيه الأوليين «بيكويك» و«أوليفر تويست»، كان قد اكتسب الكثير من المهارة الأسلوبية التي لم تنضج على نار المراس المعرفي واللغوي فحسب، بل بفعل ما راكمه من تجارب وخبرات حياتية شديدة القسوة والثراء والتنوع.
أما على المستوى العاطفي، فلم تكن علاقات ديكنز بالنساء اللواتي عرفهن وردية تماماً، بل داخلها على الدوام ذلك العطب الداخلي الناجم عن ظمأ الكاتب المفرط إلى الحنان والحدب الأموميين، وهو الذي لم ينل منهما في طفوته المبكرة والمتأخرة سوى النزر القليل. وقد شاءت الظروف أن يخوض الفتى المراهق مغامرته الأولى مع ماريا بيدنيل، وهي الابنة الصغرى لأحد مديري البنوك، والفتاة البدينة ذات المزاج المتقلب التي شغف بها ديكنز لأربعة أعوام من الحب الموزع بين الشهوة العارمة والصدود القاسي. ومع ذلك فإن الكاتب المخذول لم يتوان عن الإقرار فيما بعد بأن معاناته المروعة مع ماريا، التي جرعته مرارة الصدود والحرمان العاطفي والجسدي قبل أن تعمد إلى هجرانه، لم تكن أقل مرارة من معاناته في ورشة الصباغة، وأن الدرس الأبلغ الذي استخلصه من تلك التجربة هو التكتم على مشاعره، والشح في إظهارها حتى أمام أطفاله. والغريب في الأمر أن ماريا نفسها ستكتب لديكنز بعد عشرين عاماً من الفراق وبعد إنجاب كل منهما للعديد من الأبناء، رسالة شبه اعتذارية تعرض عليه فيها استعادة العلاقة ومنح نفسيهما فرصة أخرى لامتحان مشاعرهما القديمة. لكن اندفاعة الكاتب العارمة للثأر من ماضيه، ما لبث أن بددها عند اللقاء، واقع حال المرأة المفرطة في البدانة، التي تطفح بالغباء الشرير، وفق تعبير جورج ونغ في كتابه عن ديكنز.
كان ديكنز في الثالثة والعشرين من عمره، حين التقى عام 1836، وفي عيد ميلاده بالذات، بكاترين بوغارت، ابنة رئيس تحرير المجلة التي يعمل بها، والتي كانت تملك مواهب عدة بينها الكتابة والطهي والتمثيل. وبما أن كلاً منهما قد راق للآخر فقد أقدما على الزواج بعد ذلك اللقاء بأشهر قليلة. لكن السعادة التي كللت حياتهما المشتركة في البداية، حيث ظهرا أمام الملأ زوجين متناغمين وطافحين بالحيوية ومنصرفين للسهر وإقامة الحفلات، ما لبثت أن أخلت مكانها للتعاسة والضجر والذبول المتسارع.
وقد يكون انصراف الزوجة، التي وصفها ديكنز في مقتبل الزواج بأنها رفيقة سفر رائعة، والتي رافقته في غير واحدة من رحلاته إلى الخارج، إلى الانجاب القياسي للأطفال، حيث سجلت خلال عقد ونصف العقد من الزمن، عشر حالات حمل كامل وحالتي إجهاض، هو أحد الأسباب الرئيسية التي حدت بديكنز إلى النفور المطرد من جسدها الممعن في السمنة والترهل. ولكن الإنجاب لم يكن السبب الوحيد الذي قاد ذلك الارتباط إلى نهايته المحتومة بعد عقدين من الزمن، بل أضيف إليه تنافر في الطباع والأمزجة، وصلت مفاعيله السلبية إلى حد اتهام الكاتب لزوجته بأنها غير متوازنة عقلياً، وبأنها غير مؤهلة لتكون زوجة له وأماً لأطفاله.
وفيما تُقر الكاتبة لوسيندا هكسلي، بأن معظم المؤرخين وكتاب السيرة، قد وقفوا إلى جانب ديكنز في خلافه مع كاترين، راسمين لهذه الأخيرة صورة المرأة المعقدة والمدمنة على الكحول، تنفي لوسيندا بشدة، وهي الحفيدة الخامسة لكاترين، التهم التي أُلصقت بجدتها عن غير وجه حق، بقدر ما ترفض بالمقابل التعامل مع الكاتب النجم بضدية مانوية، بحيث يظهر عند البعض ملاكاً منزهاً عن الإثم، وشيطاناً رجيماً عند البعض الآخر، فيما هو كسائر البشر مزيج من الاثنين. وترى هكسلي أن السبب الأهم لتصدع العلاقة، هو الشهرة الواسعة التي أصابها بُعيد الزواج، الكاتب الذي كانت الملكة فكتوريا نفسها شغوفة بقراءة أعماله. وفيما كانت كاترين منكبة على الحمل والإنجاب، بدأت مرحلة الخسوف بالنسبة لزوجته المتفرغة لتربية الأطفال وشؤون المنزل. ولم يكن ينقص الزوجة المحبطة التي وضعت كتاباً مميزاً حول فن الطهي، سوى زعم بعض النقاد بأن ديكنز نفسه هو من تولى تأليف الكتاب المذكور، لكي تكتمل من حولها دائرة التهميش والمرارة والإحباط.
ورغم كل ما تقدم، فقد تكون العلاقة الغرامية المشبوبة التي ربطت ديكنز بالممثلة الشابة إيلين تيرنان، ابنة الثمانية عشر عاماً، هي القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين ديكنز وكاترين. ومع أن ألين لم تكن على جانب كبير من الجمال، كما وصفها بعض كتاب ذلك العصر، فإن أول ما فعله ديكنز بعد غرامه بها، هو التخلص السريع من كاترين، قبل أن يقتني لها منزلاً خاصاً ويتخذها خليلة له. وإذا كان البعض قد ذهبوا إلى القول مرة أخرى بأن ديكنز قد أولد عشيقته الشابة طفلاً، فإن هذه المزاعم قد ظلت هي الأخرى موضع أخذ ورد حتى يومنا هذا. لكن الثابت أن شغفه بإيلين قد فاق شغفه بأي امرأة أخرى، والأدل على ذلك هو أنه خصها قبيل وفاته بكل ما درت عليه أعماله الأدبية من أموال.
لا بد من الإشارة أخيراً إلى أن تشارلز ديكنز قد بذل جهوداً مضنية لكي يُسقط من سيرته كل ما يتصل بنزقه العاطفي، كما بمغامرتيه العاطفيتين الصادمتين مع شقيقتي زوجته ماري وجورجينا. ليس فقط لأن مثل تلك العلاقات المحرمة تعد نوعاً من سفاح القربى، وتتناقض بالكامل مع الأخلاقيات المحافظة للعصر الفكتوري، بل لأنها لا تتواءم في الوقت نفسه مع صورة الكاتب الشهير الذي جعل الاهتمام بالفقراء والطبقات الشعبية، كما بعذابات الإنسان وبانتصار الخير على الشر، المحور الأهم لكتاباته وأعماله الأدبية المختلفة. ولعل ذينك التمزق والتأرجح المتوتر بين الخيارات، اللذين ظلا ينهشان دواخل ديكنز لسنوات طويلة، هما اللذان سببا له، وهو في دبلن، جلطته الدماغية الأولى عام 1869، ومن ثم الجلطة الثانية التي أدت إلى وفاته بعد ذلك بعام واحد وهو لم يتجاوز بعد الثامنة والخمسين من عمره. ولعل أكثر ما يجسد سعي ديكنز إلى ما يتعذر تعريفه وتحديد هويته، في الحب كما في الكتابة والحياة، هو قوله «ما زلت أتعلم أن أصعب التجارب وأفضلها، هي تلك التي لم يتم تأريخها أبداً في أي سجل أرضي، فيما هي تحدث كل يوم». وضعت دليلاً للطبخ ولم تعثر على وصفة ملائمة للحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.