آن هاثاواي: ما زلت صغيرة على أدوار الأم

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (5)

آن هاثاواي في مهرجان كان (أ.ف.ب)
آن هاثاواي في مهرجان كان (أ.ف.ب)
TT

آن هاثاواي: ما زلت صغيرة على أدوار الأم

آن هاثاواي في مهرجان كان (أ.ف.ب)
آن هاثاواي في مهرجان كان (أ.ف.ب)

انصرف عدد من الأفلام المشتركة في مسابقة الدورة الـ75 الحالية لمحاولة هز أركان شخصيات ومؤسسات اجتماعية في بحثها عن الجديد. أفلام مثل «مثلث الحزن» للسويدي روبِن أوستلوند و«ليلة خارجية» لماركو بيلوكيو (خمس ساعات من العرض) حول اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو في عام 1978، «زوجة تشايكوفسكي» لكيريل سيربربنيكوف و«العنكبوت المقدّس» لعلي عبّاسي، تواجه المسلّمات، فلا الأثرياء فاعلون اجتماعياً، بل هم لاهون غير مكترثين حسب فيلم أوستلوند، ولا تشايكوفسكي كان المبدع الذي نستطيع التمايل إعجاباً بإنجازاته، ولا ألدو مورو كان ركيزة الثبات السياسي كما أوحى ما جعل اغتياله من قبل اليسار المتشدد أمراً حتمياً.
طارق صالح ينتقد وعلي عبّاسي ضد إيران ونظامها وكلاهما عبر توليفة تشويقية تسهّل عليهما جذب المشاهدين الغربيين.
فوق كل ذلك، هناك فيلمان يحذّراننا من الغرباء: فيلم «الأخوين» جان - بيير ولوك داردين «توري ولوكيتا» يدور حول الغرباء الذين، في نهاية المطاف يشكلون ضغطاً على المجتمع كذلك يفعل البولندي كريستيان مانجو في فيلمه البولندي الجديد R‪.‬M‪.‬N.
وسط ذلك وسواه، ينبري فيلم جيمس غراي الجديد «زمن القيامة» صوب مدار مختلف. الفيلم هو الوحيد الذي يسرد حكاية ذاتية - بيوغرافية حول نشأة الفتى الذي هوى السينما وخط لنفسه مساراً بعيداً عن تقاليد العائلة التي نشأ عليها.
الفيلم من بطولة آن هاثاواي وجسيكا شستين وأنطوني هوبكنز وجيريمي سترونغ. وهي لفتت النقاد بأدائها السلس والمقنع، وخلبت كاميرات الصحافيين بظهورها في ذلك الرداء الأبيض الذي تحوّل إلى حديث مواقع الأزياء والمجتمع.

آن هاثاواي تقول إن والدتها حذرتها من الوقوع في «حب التمثيل» (أ.ف.ب)

- دور مثالي
في حجرة مخصصة للمقابلات في فندق ماجستِك فزنا بلقاء يحرسه الوكيل الإعلامي الذي بدأ ينظر إلى ساعته حتى من قبل السؤال الأول. حين قلت له مازحاً: «لم أبدأ أسئلتي بعد» أجاب: «أعرف لكنها العادة».
في الثمانينات لم تكن آن هاثاواي خبرت الحياة بعد. ولدت سنة 1982 ودخلت مدرسة ميلبورن لتكتشف أنها تريد أن تصبح ممثلة كما وعدت نفسها حين كانت لا تزال في السنوات العشر الأولى من حياتها. آنذاك كانت شاهدت والدتها كايت ماكولي تمثل على خشبة المسرح فقررت أن تصبح ممثلة، لكن والدتها لم ترد لها ذلك وتخلّت عن طموحاتها كممثلة لتبقى لجانبها وجانب أفراد عائلتها.
في أواخر التسعينات مثّلت هاثاواي على المسرح، وفي عام 2001 دلفت إلى التمثيل أمام الكاميرا في فيلم «مذكرات الأميرة». من تلك اللحظة بلورت لنفسها أسلوب عمل يكشف عن موهبتها كما عن إدراكها بما تختاره من أدوار. وفيما يلي نص الحوار:
> تلعبين دور أم الصبي الذي يبحث عن شيء في الحياة وأنت الوحيدة في العائلة التي تشعرين بحاجته لجانب جدّه أنطوني هوبكنز. إلى أي مدى أتاح لك هذا الدور تشخيصاً جديداً لآن هاثاواي التي عرفناها سابقاً في أدوار مختلفة كليّاً؟
- إلى حد بعيد فعلاً. كل شيء كان واضحاً في سيناريو جيمس (المخرج جيمس غراي) لأنه يتحدّث فيه عن نفسه وعن عائلته عندما كان لا يزال صغيراً. دوري كان في نظري مثالياً لأنه يعكس شخصية أم عليها أن تلبّي حاجة العائلة لكي تصون وحدتها وهي تبعاً لكونها عائلة يهودية فإن الرجل يملك الكلمة الأولى. إذن هي في موقف حرج بين تطلعات ابنها وبين زوجها الذي يرى أن ابنه عليه أن يكون نسخة منه.

آن هاثاواي وجيريمي سترونغ في لقطة من فيلم «زمن القيامة»

> ما موقعك الخاص من الثمانينات؟
- (تضحك) ليس خاصّاً إلى هذا الحد. لم أكن على وعي بالأجواء الاجتماعية والسياسية للبلاد. يقترب «زمن القيامة» من هذه الأجواء لكن على نحو شخصي. في الفيلم كان لا بد لي أن أعرف المزيد لكن لم يكن مطلوباً مني أن أغرف الكثير من المعلومات حول تلك الفترة.
> لسبب ما أشعر بأن دورك هنا هو نقيض حياتك العائلية. هل كان عليك استعارة أي سلوكيات أمومة من والدتك لكي تمثلي هذا الدور؟
- بالفعل هناك بعض ما استوحيته من والدتي. كانت محبّة وعطوفة وغيورة على مستقبل كل منا. لكن الموضوع الذي تدور فيه أحداث «زمن القيامة» مختلف ولم يتطلب الكثير من الاستعارات. كما ذكرت دوري كان واضحاً والسبب هو أن المخرج كان يعرف تماماً ما يريد وهذا ساعدنا كثيراً. أنت تبحث جدّياً في الدور وهذا جيّد، لكنه في الواقع لا يعكس أكثر مما هو متمثّل على الشاشة. الشخصية المعقّدة إذا شئت هي شخصية الصبي بول الذي يمثل جيمس.
> والدتك عارضت التوجه إلى التمثيل. لماذا؟
- أعتقد أنها وجدت التمثيل فخاً. أذكر أنها حذرتني من أن أقع في حب التمثيل لأنه يعد وقلما يفي. لكن تجربتها مختلفة عن تجربتي. والدتي أحبت التمثيل بالفعل وذكرياتي عما شاهدته لها على خشبة المسرح تؤكد ذلك. كانت مندمجة دوماً فيما تقوم به.
> لكنها في النهاية آثرت بدورها ترك التمثيل والاعتناء بالأسرة. هل فعلت ذلك لكي تجنّبك المزيد من حب التمثيل؟
- هذا كان أحد الأسباب. السبب الأهم هي أنها كانت تريد أن تعتني بنا وربما أدركت أنها لن تستطيع فعل ذلك والتمثيل في وقت واحد.

آن هاثاواي في فيلم «البؤساء»

- بداية تغيير
> قرأت أنك دقيقة في اختيار أدوارك. ما هي الشروط التي تختارين من خلالها ما تقومين به؟
- لا أرى أن هناك فعلاً سحرياً أو خاصّاً جداً. أقصد ليس هناك لغز في المسألة التي تسأل فيها. قناعاتي تتألف من رغبتي في أداء الدور المعروض علي وأتطلّع للتأكد من أن عناصر الفيلم وخاماته من المواهب المشتركة متوفرة. أعطيك مثلاً حين عرض علي بطولة Locked Down لم يخالجني شك في أنني بين يدي مخرج جيد (دوغ ليمان) وممثل موهوب (تشيويتل إيجيفور).
> «لوكد داون» كان فيلماً صعباً من حيث إن مدة التصوير لم يرد لها أن تتجاوز 18 يوماً. أليس كذلك؟
- نعم. اشتغلنا عليه ليل نهار. كانت تجربة خاصّة لكني سعدت بها.
> هل تعتقدين أن اختياراتك لأدوار تعكس البراءة كما الحال في معظم ما تمثلينه إلى اليوم له سبب مباشر في ذلك؟
- ربما. أذكر أن ناقداً كتب ذلك عندما لعبت دوري في «الشيطان يرتدي برادا» وتعجبت لأني لم ألحظ ذلك بنفسي. في الصميم، هناك لقاء يحدث دوماً بين شكل الممثل وبين موهبته يؤدي به إلى النجاح. لا أعتقد مثلاً أني أريد أن أكون في فيلم رعب أو في فيلم يتطلب بحثاً في الوجود أو أي مسألة لا تهمّني كثيراً. أستلم الكثير من العروض واختار أفضل ما يمكن لي أن أدلف إليه من دون الرغبة في تلوين مواقفي أو تغيير تعابيري وشخصياتي المحببة إليّ.
> هل تعتبرين لعب دور الأم في «زمن القيامة» بداية تغيير؟
- هذا دور أحبه ويعني لي الكثير، لكني أعتقد أنني ما زلت أستطيع لعب أدوار الفتاة المحبوبة (تضحك).
> معظم هذه الأفلام وردت في مرحلة تأسيسية بالنسبة إليك، أقصد في السنوات العشر الأولى من المهنة. ما سر نجاحك السريع خلال تلك الفترة؟
- لا أستطيع أن أقول أن العالم كان ينتظرني (تضحك) لكني أعتقد أن الأفلام التي مثلتها في ذلك الحين مثل «راتشل تتزوج» و«الشيطان يرتدي برادا».
> تذكرت شيئاً. والدتك لعبت على المسرح دور فانتين في «البؤساء» (Les Misérables) وأنت لعبت الدور ذاته في نسخة توم هوبر السينمائية سنة 2012، هل توقفت عند هذه المفارقة؟
- نعم. الدور التي أدته والدتي في تلك المسرحية هو الذي شجعني على الرغبة في التمثيل كانت رائعة.
> هو الدور الذي نلت عنه الأوسكار.
- صحيح.
> لسبب ما «البؤساء»، من بين أشياء كثيرة، يبدو مثل فانتازيا موسيقية وهناك أفلام أخرى فانتازية قمت بتمثيلها. أعتقد آخرها «أليس في ووندرلاند» قبل عشر سنوات كذلك في الجزأين الأول والثاني من «مذكرات أميرة»، هل لديك ميل صوب هذه الأفلام أكثر من سواها؟
- ملاحظتك في محلها وتجعلني أفكّر في أنني بالفعل أبحث عن أعمال من هذا الصنف الخيالي الذي يجمع بين الأسطورة والفانتازيا والتاريخ. لو سألتني لماذا لقلت إن هناك الكثير من الحب لارتداء فساتين من زمن مضى (تضحك) والكثير من الإعجاب بالأفكار الخارجة عن الحياة الحاضرة.


مقالات ذات صلة

«SRMG LABS» تحصد 7 جوائز بـ«مهرجان أثر للإبداع 2025»

يوميات الشرق تكريم وكالة «SRMG LABS» الإبداعية خلال «مهرجان أثر للإبداع 2025» (SRMG)

«SRMG LABS» تحصد 7 جوائز بـ«مهرجان أثر للإبداع 2025»

حصدت «SRMG LABS»، الوكالة الإبداعية التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، 7 جوائز في «مهرجان أثر للإبداع 2025».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تكريم «SRMG Labs» بجائزتين ضمن فئة الصوت والراديو في مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع (SRMG)

«SRMG Labs» تحصد جائزتين في مهرجان «كان ليونز»

حصدت وكالة «SRMG Labs»، ذراع الابتكار في المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG»، جائزتين ذهبية وفضية ضمن فعاليات مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سينما «موجة جديدة» (أ آر پ)

شاشة الناقد: سفر بين أزمنة حاضرة ومنسية

إعجاب المخرج بأفلام سينمائية أخرى يدفع عادةً إلى تقدير شفهي وبصري بروح إيجابية ترغب في معايشة أجواء نوستالجية.

محمد رُضا (لندن)
أوروبا الكهرباء انقطعت عن نحو 45 ألف منزل وعن مطار مدينة نيس (بلدية نيس عبر «فيسبوك»)

انقطاع الكهرباء عن نيس الفرنسية بعد واقعة مماثلة في كان

شهدت مدينة نيس الفرنسية، الواقعة على ساحل الكوت دازور، انقطاعاً في التيار الكهربائي عزته السلطات إلى عمل تخريبي، وذلك غداة واقعة مماثلة في مدينة كان.

«الشرق الأوسط» (نيس)
يوميات الشرق المخرج الإيراني  جعفر بناهي (وسط) محتفلاً بالسعفة الذهبية (أ.ف.ب)

مهرجان «كان» يمنح سعفته الذهبية لفيلم إيراني‬

على نحو فاجأ كثيرين من المتابعين لمهرجان كان السينمائي، ذهبت السعفة الذهبية إلى فيلم «كان مجرد حادث» للإيراني جعفر بناهي.

محمد رُضا‬ (كان)

بولندا تعلن توقيف بيلاروسي متهم بالتجسس

تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)
تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)
TT

بولندا تعلن توقيف بيلاروسي متهم بالتجسس

تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)
تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)

أعلنت سلطات وارسو، الاثنين، توقيف مواطن بيلاروسي مطلع الشهر يشتبه بقيامه بأنشطة تجسس في بولندا وألمانيا وليتوانيا، وتوجيه التهمة إليه رسمياً.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أوضحت النيابة العامة الوطنية البولندية في بيان أن أجهزة الأمن الداخلي تشتبه بأن الرجل الذي أوقف في التاسع من فبراير (شباط) كان يعمل لحساب أجهزة الاستخبارات العسكرية في بيلاروس، الحليفة الأساسية لروسيا.

وجاء في بيان أنه تم توجيه التهمة رسمياً إلى بافلوف ت. في إطار تحقيق بشأن أنشطة تجسس «على أراضي بولندا وألمانيا وليتوانيا» بين يوليو (تموز) 2024 وفبراير 2026.

وأشار البيان إلى أن الرجل البالغ 27 عاماً قام بمراقبة «منشآت بنى تحتية أساسية ومواقع مهمة للدفاع عن الجمهورية البولندية والحلف الأطلسي».

ووضع المشتبه به في 11 فبراير قيد الحبس الاحتياطي لثلاثة أشهر، وهو يواجه عقوبة بالسجن لما لا يقل عن خمس سنوات.

وتم توقيفه وتوجيه التهمة إليه نتيجة تعاون بين وكالة الأمن الداخلي البولندية وأجهزة الاستخبارات الألمانية والليتوانية، بحسب النيابة العامة.

وتتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

وأعلنت أجهزة الاستخبارات البولندية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) توقيف 55 شخصاً في بولندا منذ بدء الحرب في أوكرانيا، بتهمة التجسس لحساب موسكو.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


المالكي: ليس لدي نية الانسحاب أبداً من الترشح لرئاسة الحكومة

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
TT

المالكي: ليس لدي نية الانسحاب أبداً من الترشح لرئاسة الحكومة

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)

أكد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، أنه لن يسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة الذي تعارضه الولايات المتحدة.

وقال: «لا نية عندي للانسحاب أبداً؛ لأن لي احترامي للدولة التي أنتمي إليها ولسيادتها وإرادتها، وليس من حق أحد أن يقول لا تنتخبوا فلاناً وانتخبوا فلاناً».

وأشار إلى أن «الإطار التنسيقي» الذي يشكّل الكتلة الكبرى في البرلمان العراقي، والمؤلف من أحزاب شيعية بارزة معظمها قريب من إيران، قد «اتفق على هذا الترشيح. لذلك احتراماً للموقع، لا أنسحب، وقلتها في تصريحات كثيرة، إنه لا انسحاب، وإلى النهاية».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبر، الشهر الماضي، أن المالكي «خيار سيئ للغاية»، مهدّداً بوقف دعم العراق في حال عودته إلى السلطة.

حصر السلاح

وأكد المالكي تمسكّه بحصر السلاح بيد الدولة، الأمر الذي تطالب به الولايات المتحدة أيضاً.

وأوضح: «نعم، يوجد هناك ضغوط من الجانب الأميركي، ووصلت رسائل متعددة تقريباً استقرّت في الآونة الأخيرة على مطالب تخصّ الدولة».

وتابع: «في الحقيقة، لم تأتِ أميركا (...) بجديد. هذه مطالبنا. نحن نريد (حصر) السلاح بيد الدولة. نحن نريد مركزية القوة العسكرية. قلناها مراراً: نريد جيشاً واحداً تحت قيادة واحدة، ومؤتمراً بأمر الدولة بشكل مباشر، من دون تعدّد في إدارة السلاح الموجود».

وأعرب رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي عن رفضه لأي تعدّ على مقار دبلوماسية في العراق، وذلك على وقع التصعيد بين إيران والولايات المتحدة.

وأضاف، خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه «لن نسمح بالتصدّي لأي دولة لها وجود دبلوماسي، ولأي سفارات في العراق من قبل أي جهة أخرى».

وتابع: «لتطمئن جميع الدول أننا نمنع أي تجاوز على سفاراتها أو مصالحها الرسمية المعتمدة في العراق».

إيران وأميركا

وأشار رئيس الوزراء العراقي الأسبق إلى أنه ملتزم بالعلاقة مع إيران، الجار الشرقي لبلاده، ومؤمن بأهمية العلاقة مع الولايات المتحدة في الوقت نفسه.

وقال عن العلاقات التي تربط بلاده بإيران: «نحن لا نزهد بالعلاقة مع إيران، لدينا حدود (تمتد) على 1300 كيلومتر، وتوجد عندنا مصالح مشتركة»، إلا أنه شدّد على أن «العلاقة مع الجانب الأميركي ضرورية لنهوض العراق»؛ إذ إن «العراق كدولة تريد أن تنهض يحتاج إلى دولة حاضنة قوية وكبيرة، وأميركا عندها تجارب في احتضان الدول».