حاتم الصكر: تناولي قصيدة النثر أشبه بتناول ثمرة محرمة في شجرة الشعر

الناقد العراقي يرى أن جزءاً كبيراً من إشكاليتها عدم مقروئيتها

حاتم الصكر
حاتم الصكر
TT

حاتم الصكر: تناولي قصيدة النثر أشبه بتناول ثمرة محرمة في شجرة الشعر

حاتم الصكر
حاتم الصكر

يمتلك الكاتب والناقد العراقي د. حاتم الصكر تجربة نقدية مهمة راكمها عبر ما يقرب من نصف قرن، وانعكست فيما قدمه للمكتبة العربية من كتب حول الشعرية العربية، وبشكل خاص قصيدة النثر، وآخرها كتاب «الثمرة المحرمة... مقدمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر» الصادر عن مجلة «نصوص من خارج اللغة» الثقافية في الرباط. في الكتاب بحث الصكر في قصيدة النثر العربية، مع اختيار تجارب بعض شعراء هذه القصيدة. هنا حوار معه حول هذا الكتاب...
> الكتاب كما أرى أول كتاب نقدي عربي يتناول قصيدة النثر، لماذا «ثمرة محرمة»؟
- لا أستطيع أن أزعم ذلك لنفسي. ثمة كتب نقدية درست قصيدة النثر بمدخل نظري ومقاربة جدلية، حين كانت قصيدة النثر محل رفض وقبول حادَّين عربياً، ولم تستقم لها أسباب التبلور والتنوع المطلوبين كنوع شعري جديد. وأغلبها تمحور حول المصطلح، ومعضلة الموازنة بين النثر والشعر كمفترقين لا يجتمعان، وأن اجتماعهما في قصيدة النثر تشوبه الحاجة لتأسيس قراءة جديدة، وقارئ متجدد الأفق، مستجيب للحساسية التي تتضمنها الكتابة الجديدة. وهو ما يوصف اختصاراً بعملية «تأهيل القارئ». أما جهدي فقد اتسم بين زملائي بالاهتمام بالنصوص أولاً، والتعديلات التي تتضمنها. فلديّ اعتقاد بأن التعديلات الشعرية جاءت دوماً من داخل الكتابة، وليس عبر التنظير المجرَّد. ويمكن وصف عملي مؤخراً في كتابي «الثمرة المحرمة»، وقبله في «حلم الفراشة» المنصرف لإيقاعها خاصة، ولبنائها، ومستويات الدلالة فيها، ونثريتها، وسرديتها، بأنه انتقال من مشروعية انتمائها للشعر، وتاريخيتها ومصطلحها الملتبس، إلى معاينة شعريتها، نظامها الداخلي، وانتظامها الذي لا يبدو للقراءة المتعجلة الكلية، أو المحتكمة للمعايير التقليدية، وصلتها بالسرد وأنواعه وكيفياته، وتوسعاتها الشكلية وتركيزها، وتعدد المؤثرات في كتابتها، تجاوزاً للمؤثر الأول والأوحد غربياً. وذلك يشمل الكتاب الإشراقي في التراث كالنثر الصوفي. وهذا الأمر يتطلب إجراءات للتحليل تناسب شعريتها. فقدمت في الكتاب حدوساً إجرائية، حاولتُ التيقن من جدواها في مقاربة النصوص ذاتها. لقد كان اقترابي من تلك النصوص أشبه بتناول ثمرة محرمة في شجرة الشعر تحيط بها اللعنات. فجاء العنوان عتبةَ قراءة وموجهاً لها، ليجسد هذ الاعتقاد.
> قلت مرة إنها اقتربت كثيراً من نصية قصيدة النثر وتحليلها وبيان مشكلاتها، هل ترى أنها في طور الفرز الجيلي والأسلوبي بحيث أصبحت لها تيارات ومناخات كتابة؟
- هو كذلك، بمعنى أن الكتاب يُعنى بتقديم المقترحات وإسقاطها على النصوص. ويقدم إجراءات التحليل لبلورة مزاياها، وحقيقة تشكلها الذي يبدو للبعض فوضوياً. فيما وجدت عبر القراءة التطبيقية أنه ينتظمها في النصوص الناضجة تماسك داخلي، لا يجري على مألوف التشكلات المتوارثة.
والإجراءات هي الخطوات التي تتعقب الملفوظ الشعري وجزئيات النص، وتنتقل بحرية إلى كليته لربط أجزائه. هذا ما فعلته موجزاً في كتابي. بينما كانت قصيدة النثر تواجه كثيراً من هدر الوقت والجهد والحِجاج حولها، والإغراق النظري الذي يظل بعيداً عن مرمى الفهم والتأويل، والاستلاف المنهجي دون تعديل لغرض مقاربتها. تلك الإجراءات أخذت أكثر من ثلثي «الثمرة المحرمة»، ولامست تحليلات وإشارات عدة نصوص، وأحياناً أعمالاً كاملة لشعراء من أجيال مختلفة. ونال الكتاب ما يمكن تسميته بسوء القراءة. فتلقيت ملاحظات حول عدم تمثيل بلدان معينة بنماذج لشعرائها، أو إغفال شعراء مكرسين. وهو ما لم يكن في حسابي أثناء إعداد الكتاب. فقد احتكمت إلى ذاكرتي ومصادري المتاحة، وتنوع النصوص ذاتها. والوصول إلى قناعة بأنها قابلة للتحليل النصي، لتوفر مستويات بنائية كثيرة فيها.
أما بصدد أجيالها وتنوع أساليب كتابتها، فأرى أن جزءاً كبيراً من إشكالية قصيدة النثر عدم مقروئيتها. ذلك ما يقرُّ به منظّرون بارزون ومتابعون لصيرورتها في حاضنتها الغربية، فرنسا تحديداً... حين يصفها ناقد مثل جان كوهين بأنها دلالية، وآخرون يرونها سردية، أو ذات مهمة ميتافيزيقية بكونها قصيدة رؤيا، وأحياناً بؤرة لغوية ممتزجة برؤية سوريالية، تتشقق عن تراكيب لها نظامها المغلق الذي لا يجب أن ننتظر دلالة ما منه.
على أساس من هذا الفهم صارت لقصيدة النثر مناخات بعدد القصائد. فلكل شاعر قصيدة نثره. والجيل المحتشد فنياً ينحاز لواحدة من تلك التصنيفات التي شاعت، وينضوي في كتابته. مع ملاحظة أن الجيل هو جيل الشعر، لا الشعراء أنفسهم. يأتون للاصطفاف فيه باعتبار قصيدتهم، وعيِّنة دمها، لا سنِّهم. وهذا يضع ستينياً مع شاعر من الألفية الثالثة. لما يجمع قصيدتيهما من توفر على شعرية متجاوزة ومؤسسة بصياغات متقدمة، فالفرز الجيلي حاضر وممكن، بتجييل النصوص ونوعيتها وانتظامها عبر مراحل كتابتها.
> ناقشت في كتابك هذا ما أسميته البلبلة الاصطلاحية وفوضى التسمية، هل ترى هذا المشكل ينسحب على كل حركة الشعر العربي الحديث بتياراته الفنية الجديدة والمتباينة، ابتداء مما سمي «الشعر الحر»؟
- مؤكد أن هذه البلبلة لا تختص بكتابتها ونقدها عربياً. بل تم الاعتراف بإشكاليتها في الغرب، ومنذ أولى الدراسات حولها، ونصوصها الأولى أيضاً. فهي تمثل اتحاداً للمتناقضات كما يصفون. لكن استقرار مصطلحها أسهم في الانصراف عن محاولة تغييره. لم تفلح المقترحات البديلة. حتى أدونيس الذي تراجع في كتابات نظرية لاحقة لمرحلة مجلة شعر التبشيرية عن المصطلح، مقترحاً مصطلح «كتابة الشعر نثراً». وكذلك المصطلحات الأخرى كالنثيرة، والشعر الأجد، والقصيدة بالنثر. ولم يكتب لكل منها الانتشار والتداول. وظل المصطلح الأول يعمل كإشارة إلى مفهومها. وهو الأهم. فما يلتبس اصطلاحياً، تتكفل مفاهيم الكتابة بتوضيحه. كما حصل مع مصطلح الشعر الحر الذي أشار إليه سؤالك.
بمقابل ذلك، حاول خصوم قصيدة النثر وصفها بالقصيدة الهجين أو الخنثى، والنثر الشعري، كل منها يخفي مفاهيم متشكلة عن الكتابة الشعرية بوعي خاص. لكن أقسى ما وُصفت به، ما دعاه بها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في كتاب له، فهي برأيه «القصيدة الخرساء» التي لا موسيقى فيها، ولا تبث رسالة واضحة. فهو يعكس تصوره للشعر ومكونات القصيدة وموسيقاها التقليدية. اليوم لا أجد المصطلح يمثل تلك البلبلة التي وصفتها في كتابي. وبدلاً عن ذلك ثمة اتجاه للتوقف عند المفاهيم المتصلة ببنيتها وإيقاعها وسرديتها.
> هل التسمية مستقاة من كتاب سوزان برنار، قبل تكريس هذه التسمية من قبل مجلة «شعر»، وهي تسمية وقعت في خانة التسميات الملتبسة؟
- جنايات كتاب سوزان برنار على قصيدة النثر كثيرة بالقياس التداولي، رغم أنه من البدايات التأسيسية لقراءتها وإجراءات نقدها وتاريخيتها أيضاً. فقد أرست وكرست مزايا عبر استقراء بعض النصوص، ولم تتأمل وتستشرف تنوع كتابتها. فكانت الشروط التي وضعتها كالكثافة والمجانية محل بلبلة وسوء فهم.
وقد زادتها الترجمة العربية والحماسة التي تكفل بها شعراء «مجلة شعر» غموضاً، خاصة حين لخص أنسي الحاج أطروحتها في مقدمة ديوانه «لن» باختزال وابتسار، تبرأ منها هو نفسه في مراجعة لاحقة لما كتبه.
أما مجلة «شعر» فقد تجاذبها تياران؛ فرانكفوني يستقي مراجعه النظرية ومستنداته النصية من الكتابة الشعرية الفرنسية ونقدها، وتيار إنجلوسكسوني يعتمد في مرجعياته على الأدبيات الأخرى للثقافات الناطقة بالإنجليزية.
وبينهما اتسمت مرحلة الريادة في كنف المجلة بهذا التردد والتباين. كان جبرا وتوفيق صايغ يكتبان ما يرون أنه شعر حر بالمعنى الغربي الذي يتجاوز الأوزان الموسيقية الخارجية لصالح رؤية داخلية في النص، ويعدان شعر محمد الماغوط من منهجهما... وبالمقابل كان أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا يكتبون قصائد نثر تنتمي لميراث قصيدة النثر الفرنسية، بتمركزها اللغوي وهجر الموضوع وإنتاج علاقات لغوية وصورية صادمة. هذه الحدود والانقسامات لم تعد ذات أثر فني وجمالي الآن. فقد برزت مهمات مستجدة لم تكن على لائحة الرواد. واتجهت قصيدة النثر نحو مناخاتها الجديدة.
> بعد مقدمتك في الكتاب التي كانت بحقّ دراسة شاملة وعميقة لقصيدة النثر، تلجأ إلى الجانب التطبيقي لتختار نماذج من الشعراء بعينها... إلامَ احتكمت نقدياً في اختيار هؤلاء الشعراء؟
- تسبّبت التطبيقات ببعض اللبس لدى القارئ. فالكتاب ليس كتاب مختارات. المفاهيم فيه بحاجة لتطبيقات أسقطتها على تلك النصوص في فترات متفاوتة، وعمدت إلى استعادتها، وسواها مما استجدّ لديّ بحكم قراءاتي ومتابعتي. فالنماذج إذن ليست مختارات كي تظهر فيها وجهة نظري بتمييزها عن سواها. وما لم أذكره يخرج عن قناعاتي. كلا... الأمر أبسط من ذلك. فالنصوص التي توفرت لي أو رسخت في ذاكرتي تلمست فيها التوفر على ما افترضته في الكتابة الشعرية من جهة، ولبيان ما اقترحته في الجانب النظري من كشف لمستوياتها البنائية، كي يتم تحليلها وقراءاتها على أساسه.
ويمكن في حال إعادة نشر الكتاب في طبعة جديدة أن أضيف نصوصاً أخرى، لكنها بكل حال مجلوبة لغرض التطبيق، ومحاولة تجربة المقاربات النقدية عبر افتراضات القراءة التي بسطتها في كتابي، ردّاً على من يرى قصيدة النثر لا تستقيم لتحليل نصي وفق إجراءات مسماة ومتعينة.
> ختمت دراستك بقصيدة النثر في العراق، مشيراً إلى بداياتها وأبرز محطاتها، والأسماء التي كتبتها وأبدعت فيها، هل ترى في قصيدة النثر هناك ما يجعلها فناً شعرياً معترفاً به في المشهد الشعري العراقي؟
- لقصيدة النثر في العراق قصة أخرى. فقد التبست فيها البدايات وكثرت المفارقات. بدأت الحداثة الشعرية مثلاً بكتابة الشعر المنثور. أشير هنا إلى تجارب روفائيل بطي في الربع الأول من القرن الماضي، بتأثير الترجمات، ونصوص أمين الريحاني وجبران. وسبقت بذلك ما عُرف بالشعر الحر الذي كتبه الرواد. وكان علينا أن ننتظر استقرار شعر التفعيلة (الحر)، لنصل إلى كتابة قصيدة نثر مكتملة، يمثلها باعتقادي جماعة كركوك، ولا سيما قصائد سركون بولص وصلاح فائق وفاضل العزاوي. أما الاعتراف، بمعنى منحها شهادة على حياتها، وحضورها في زمن الشعر القائم، فلا يلزمها، كأي نوع شعري يكتسب شرعيته من كتابته وتداوليته.
من المعروف أن الجسم الشعري في العراق متصلب وقوي، بتجارب مهمة على مدى سيرورته في التراث والإحياء والتجديد. نذكر هنا مقدمات النهضة في القرنين الماضيين، وتجديدات الموضوع والأساليب، وشعر الرواد، ثم الانتقال إلى التحديث في عقود القرن الماضي الأخيرة. واستقراءً لمآلات القصيدة في العراق، يمكن القول إن قصيدة النثر ترسخت جزءاً حيوياً من الشعرية العراقية، وإنْ نالها التعثر أو التقليد في بعض الفترات، وشح المصادر المؤثرة، وما يطرأ من أحداث تعصف بالقول الشعري كله، ولا يجد في التراتب الثقافي والحياتي مكاناً مناسباً. وهكذا وجدنا أن الكتابة الشعرية تعرضت لردَّة ذوقية، وهيمنة المنابر والغنائيات والموضوعات المباشرة بفعل الحروب والانقسام الاجتماعي، والفوضى التي تركتها الديكتاتورية والاحتلال، وخذلان الأنظمة وغياب المؤسسات. ولعل هذا كله ينعكس في ماهية الكتابة الشعرية، وفي موقعها على لائحة الثقافة والحياة أيضاً.
وما نراه اليوم يوحي بصحوة وانتقالة إلى كتابة متعددة المناخات والرؤى وإضافات مهمة بنصوص أجيال نشأت دون أن تتلوث ذائقتها بالمتراكم من المباشرة وتمجيد الحروب، وتملق أفق قراءة المتلقي بالصوتيات والخطابيات العاطفية.
يحس الشاعر أن قصيدة النثر بحاجة لخصوصية، قد لا تتطلبها الأنواع التي تنسج على مثال سابق، أو قالب صياغي ثابت ومستقر. وهذا أكثر ما تعرضت له في الفصل الخاص بقصيدة النثر في العراق في الكتاب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.