«الشرق الأوسط» في مهرجان كان ـ 3: أوكرانيون بالكاميرا والبندقية... وتشايكوفسكي بلا موسيقى

قليلون يريدون التذكّر بأننا في احتفاء سينمائي وليس في مسيرة حزبية

لقطة من فيلم «زمن القيامة»
لقطة من فيلم «زمن القيامة»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان ـ 3: أوكرانيون بالكاميرا والبندقية... وتشايكوفسكي بلا موسيقى

لقطة من فيلم «زمن القيامة»
لقطة من فيلم «زمن القيامة»

احتجاج أوكراني، يوم الأربعاء الماضي، لوجود فيلم كيريل سيربدرنيكوف «زوجة تشايكوفسكي» في المسابقة الرسمية. ليس بسبب الموسيقار الكبير الراحل منذ 129 سنة بيوتر تشايكوفسكي، بل لأن المخرج روسي.
نفت إدارة المهرجان أي تحزب وذكّرت بأن المخرج الروسي معارض وقد هجر بلاده، لكن الجانب الأوكراني المتمثَّل بعدد ضئيل من السينمائيين رد بأنه كان من الأولى رفض الفيلم أساساً.
كتب «زوجة تشايكوفسكي» المخرج سيربدرنيكوف بنفسه ولو أنه صدى لكتب عدّة صدرت تحديداً حول العلاقة القصيرة بين تشايكوفسكي (أودِن بيرون) وزوجته أنطونينا (ألينا ميخالوفا). يسرد المخرج أحداث فيلمه من وجهة نظر الزوجة فنتعرّف عليها قبل لقائها الموسيقار الكبير. هي بدورها كانت مؤلفة موسيقية شابة وواعدة. لا يمنحنا الفيلم الكثير هنا لنعرف هل أحبّت تشايكوفسكي حين التقت به أو توسّمت الجمع بين مستقبلها والزواج ممن يستطيع فتح أبواب الغد أمامها. ليس معروفاً كذلك لماذا وافق تشايكوفسكي على الزواج وهو كان مثلياً.
يُخفي المخرج مثلية الزوج عن فيلمه لفترة طويلة من الأحداث وعندما يكشفها فإنه من الصعب إزالة الشعور بأن اختيار التوقيت لكي تكتشف جهلها بحقيقة أمر زوجها لم يكن -درامياً- في توقيته الصحيح. لكن في كل الأحوال، الاكتشاف صدمة بالنسبة لها ولآمالها في أن تسهم في تكوين مستقبل مَن تحب، علماً بأن تشايكوفسكي لم يكترث كثيراً لجهودها تلك. كل ذلك، قبل وبعد اكتشافها، جعل هذه الآمال تتدرج صوب الخيبة. لاحقاً سنراها سترتبط بعلاقة جنسية غير عاطفية مع محاميها. روحها ليست معها في هذه العلاقة ولا روح زوجها معها في المقابل.
يرسم المخرج صورة حزينة ثرية الأجواء ولا تخلو من حسٍّ فانتازي كما لو أنه يريد اقتراح أن ما نراه واقعاً لم يقع على هذا النحو لكنه التفسير الوحيد لما حدث. طبعاً مع مشهد خيالي صرف نجد الموسيقار يعود إلى الحياة معبّراً عن غضبه لمن سمح لزوجته بالنظر إليه في موته.
لم أجد المشهد ضرورياً، لكن إيحاءاته قد تمتد صوب المخرج ذاته إذا ما قبلنا فانتازية الفكرة.
الفيلم أطول بكثير مما كان ينبغي: 148 دقيقة تجمع بين أسلوب المخرج الفوضوي وبين تطويل المسافة بين المفاد والآخر وملئه بمشاغل بصرية.
فيلم الراحل الكبير كن راسل «عشاق الموسيقى» عبّر عن كل ما نراه هنا في 122 دقيقة فقط وأودعنا في عمله هذا، سنة 1971 معالجة فنية أرقى.
ذلك الفيلم (الذي توزّعت بطولته بين رتشارد شامبرلاين وغليندا جاكسون) عكس وجهة نظر تشايكوفسكي نفسه ولعب مقطوعاته الرائعة ليشنّف آذاننا بينما كان الموسيقار يدخل أزمة قبوله بالزواج من امرأة وهو لا يهوى النساء. تصوير دوغلاس سلوكومب لعب دوراً أساسياً في عرض جماليات بديعة للفيلم ومواكبة التعابير الفنية التي زاولها المخرج طوال الفيلم بتلك القدرة على الدمج بين كل العناصر الضرورية لعمل بيوغرافي جاد.
هنا الأزمة من نصيب الزوجة ولا نسمع أي لحن من أعمال تشايكوفسكي، ما يساعد على إحالتنا لحكاية كان يمكن لها أن تحدث بين أي اثنين.

مشهد من «زوجة تشايكوفسكي»

- مهرجان للفرح!
أوكرانيا في البال «الكانيّ» من زاوية أخرى: عدد من المخرجين الأوكرانيين (ذكوراً وإناثاً) حملوا الكاميرا ونزلوا إلى مواقع القتال، وحسب أحد التقارير، وضع بعضهم الكاميرا جانباً واستبدل بها الكلاشينكوف. من بين هؤلاء المخرج أوليغ سنتزوف وبطل فيلمه Rhino (سرهيل فيليمونوف). فالنيتن فاسيانوفيتش، مخرجة «أتلانتيس» قبل عامين، تقوم بتصوير فيلم تسجيلي عن الحرب الدائرة ومن الجانب الأوكراني بالطبع. كذلك حال المخرجة ألينا غورلوفا التي ذهبت إلى حقول الألغام لتصوّر كيف يتعامل الفلاحون حيالها.
وهناك جهد يبذله المخرج البولندي باتريك فيغا لتحقيق فيلمه الأول باللغة الإنجليزية وموضوعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصعوده إلى السلطة. لا يوجد عنوان نهائي للفيلم (العنوان المؤقت هو «المافياوي» لكن يوجد كل السعي لتقديم صورة سلبية عنه وتقليب صفحات يعدها المخرج سوداء ولها علاقة بانتشار الجريمة في سانت بيترسبيرغ).
حيال كل ذلك من حق المرء أن يتساءل: منذ متى ومهرجان للفرح والسينما يتحوّل إلى شريك سياسي في الحرب الدائرة؟ منتقدو الإدارة سمعوا في حفل الافتتاح الممثل فنسنت لاندون وهو يكيل للغزو الروسي بكلمات خالية من اللياقة. لم يكن يتحدّث عن نفسه بل كان موكلاً من إدارة المهرجان تعبيراً، بالضرورة، عن موقفها الذي كان يمكن له أن يُذكَر في إعلان منشور.
قليلون يريدون التذكّر بأننا في احتفاء سينمائي وليس في مسيرة حزبية. السينما والتحزب لا يلتقيان لسبب وجيه هو أن الثاني سينتزع من السينما روحها الطلقة وإبداعاتها ليحوّلها إلى مناشير مع أو ضد هذا الجانب أو ذاك.
لا بد لها أن تعبّر -إذا أرادت- عن موقف إذا ما تعاملت بعض أفلامها معه، لكن الجو المحيط هو طقسي فارض أكثر منه أذرعاً مفتوحة لكل التجارب.
- حياة صبي
على صعيد بعيد ها هو المخرج الأميركي جيمس غراي يروي، بدوره، قصّة مرحلة من حياته في فيلم جديد له يعرضه في مسابقة هذه الدورة الخامسة والسبعين.
الفيلم هو «يوم القيامة» وهو يفتح على اليوم الأول من أيام الدراسة ليتابع علاقة بطله بول (بانكس ربيتا) بتلك المرحلة الدراسية المبكرة وبالعالم الصغير من حوله. علاقته بالمدرسة وبالأستاذ الذي لا يعترف بنبوغه الفني كما علاقته بوالديه.
لا يسعى المخرج غراي هنا إلا لتأطير الصورة. بول هو المخرج ذاته والأجواء الريغانية (ينطلق الفيلم من سنة 1980) موجودة للتذكير بالفترة وليس للبحث فيها. الغاية هي الحديث عن فترة الصبا بالنسبة لجيمس غراي وما ساعده على توجيه اهتمامه إلى الفن والسينما. ليس أن بول- جيمس فتى طيّع وسهل التعامل معه. هو على عكس ذلك، غير راضٍ عن أشياء متعددة في الجانب العائلي: والداه لا يفهمانه، شقيقه الأكبر يعنّفه ويسخر منه، وفي مثل هذا الوضع لا بد لبول من التوجه إلى الشخص الوحيد من العائلة الذي يستطيع التجاوب معه وفهمه. هذا الشخص هو جدّه (أنطوني هوبكنز).
هذا التآلف بين فتى يكبر وعجوز محسوب الأيام، له فعله الحسن في الذات. صورة لحياتين تلتقيان في نقطة عابرة. لكنّ هذه النقطة ليست لحظة بل تمتد لكي نتشرّب ما هو ضروري من ذكريات المخرج حول تلك الفترة.
جيمس غراي يهودي لكنّ الفيلم لن يستغل ذلك ليخرج عن قاعدة عرض حياة عائلية حالها قد يكون حال أي عائلة أخرى. حتى عندما يذكر الجد حكاية زوجته الراحلة التي شهدت مقتل آبائها على أيدي الأوكرانيين خلال الحرب العالمية الثانية، فإن ذلك يبقى ملتصقاً بالدراما لذاتها وبرغبة المخرج في تناول تلك الحقبة الباكرة من حياته وما تعلّمه منها.
كأي مخرج آخر (باستثناء فديريكو فيلليني)، يختلف فيلم ذكرياته الشخصية عن باقي أفلامه ليس من حيث الموضوع (هذا تلقائي) إنما من حيث أسلوب عمله والركائز الدرامية التي تكوّنه. عالج المخرج سابقاً مواضيع العصابات النيويوركية («ذا ياردز») وموضوع الهجرة («اللاجئة») وحتى نوع الخيال العلمي (Ad Astra) وكل ذلك بأسلوب مغاير لأفلام العصابات والدراميات والخيال العلمي. رغم ذلك، هنا يختلف عمّا كان قد حققه من قبل نصّاً وأسلوباً. لا يجعل ذلك الفيلم أفضل عمل ذاتي في السنوات الأخيرة لكنه ينضم إلى «روما» و«بلفاست»، الأول لألفونسو كوارون والآخر لكنيث برانا، في صياغته، عملاً جيداً حول منطلقات الحياة الفنية المقبلة لصبيٍّ حالم.
قدْرٌ كبير من نوستالجيا الحياة يمر بهدوء (لولا صراخ بول من حين لآخر) بما في ذلك رسم معالم العلاقة غير المتساوية بينه وبين صبي أسود اسمه جوني، ليس أن بول عنصري، لكن المسألة تتخذ أهميّتها من وضع معاكس للعنصرية تماماً. وفي أحد المشاهد يتبادل جوني مع الأستاذ تركلتوب (أندرو بولك) نقاشاً لا بد لجيمي التراجع عنه لأنه أسود البشرة وليس لأنه على خطأ.
معظم الفيلم في الخانات الصحيحة التي يؤمّها، لكن تلك التي يُراد لها تشييد محاكاة مع الواقع الاجتماعي تمر عابرة بعد قليل من الإيحاء بها. حتى موت جوني سيمرّ كما لو أنه كان فصلاً وانتهى. لا تعليق على الطريقة التي قُتل بها ولا يوسّع المخرج بُعده الظرفي ليتحدّث عن الوضع الاجتماعي (والسياسي) الفعلي في ذلك الحين. هذا على عكس ما ذهب إليه المكسيكي كوارون عندما رصف العلاقة الطبقية والعنصرية جيداً في فيلمه الأفضل «روما».


مقالات ذات صلة

«SRMG LABS» تحصد 7 جوائز بـ«مهرجان أثر للإبداع 2025»

يوميات الشرق تكريم وكالة «SRMG LABS» الإبداعية خلال «مهرجان أثر للإبداع 2025» (SRMG)

«SRMG LABS» تحصد 7 جوائز بـ«مهرجان أثر للإبداع 2025»

حصدت «SRMG LABS»، الوكالة الإبداعية التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، 7 جوائز في «مهرجان أثر للإبداع 2025».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تكريم «SRMG Labs» بجائزتين ضمن فئة الصوت والراديو في مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع (SRMG)

«SRMG Labs» تحصد جائزتين في مهرجان «كان ليونز»

حصدت وكالة «SRMG Labs»، ذراع الابتكار في المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG»، جائزتين ذهبية وفضية ضمن فعاليات مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سينما «موجة جديدة» (أ آر پ)

شاشة الناقد: سفر بين أزمنة حاضرة ومنسية

إعجاب المخرج بأفلام سينمائية أخرى يدفع عادةً إلى تقدير شفهي وبصري بروح إيجابية ترغب في معايشة أجواء نوستالجية.

محمد رُضا (لندن)
أوروبا الكهرباء انقطعت عن نحو 45 ألف منزل وعن مطار مدينة نيس (بلدية نيس عبر «فيسبوك»)

انقطاع الكهرباء عن نيس الفرنسية بعد واقعة مماثلة في كان

شهدت مدينة نيس الفرنسية، الواقعة على ساحل الكوت دازور، انقطاعاً في التيار الكهربائي عزته السلطات إلى عمل تخريبي، وذلك غداة واقعة مماثلة في مدينة كان.

«الشرق الأوسط» (نيس)
يوميات الشرق المخرج الإيراني  جعفر بناهي (وسط) محتفلاً بالسعفة الذهبية (أ.ف.ب)

مهرجان «كان» يمنح سعفته الذهبية لفيلم إيراني‬

على نحو فاجأ كثيرين من المتابعين لمهرجان كان السينمائي، ذهبت السعفة الذهبية إلى فيلم «كان مجرد حادث» للإيراني جعفر بناهي.

محمد رُضا‬ (كان)

«سابك» تعود لمربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
TT

«سابك» تعود لمربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)
موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في استعادة توازنها المالي خلال الربع الأول من عام 2026، حيث أعلنت عن تحقيق صافي ربح بلغ 13.2 مليون ريال، ما يعادل 3.52 مليون دولار. ويمثل هذا الرقم تحولاً جذرياً مقارنة بالخسائر التي سجلتها الشركة في الربع المماثل من العام السابق والتي بلغت 1.21 مليار ريال (322 مليون دولار).

وفق نتائجها المالية التي نشرت على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، يعود هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى انخفاض المصاريف التشغيلية الأخرى بمقدار 1.05 مليار ريال (280 مليون دولار) نتيجة لتكاليف غير متكررة تم تسجيلها في العام الماضي، بالإضافة إلى انخفاض مصاريف العموم والإدارة والبحث والتطوير بمقدار 384 مليون ريال (102.4 مليون دولار) بفضل جهود ضبط التكاليف المستمرة.

أداء تشغيلي مرن رغم تراجع الإيرادات

على الرغم من انخفاض إيرادات الشركة بنسبة 6 في المائة على أساس ربع سنوي لتصل إلى 26.15 مليار ريال (6.97 مليار دولار) نتيجة انخفاض الكميات المباعة، إلا أن الأداء التشغيلي أظهر متانة ملحوظة. فقد سجلت سابك أرباحاً معدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء (EBITDA) بلغت 4.15 مليار ريال (1.11 مليار دولار)، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 25 في المائة مقارنة بالربع الأخير من عام 2025. وتعكس هذه النتائج تحسناً في الهوامش الربحية التي استقرت عند 15.9 في المائة، مدعومة بارتفاع متوسط أسعار البيع في بعض المنتجات الرئيسية.

تأثيرات السوق العالمية

شهد قطاع البتروكيميائيات، الذي حقق إيرادات بلغت 21.76 مليار ريال (5.80 مليار دولار)، تأثراً متبايناً بظروف السوق، حيث ارتفعت أسعار غلايكول الإيثيلين والميثانول والبولي إيثيلين نتيجة اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط.

وفي قطاع المغذيات الزراعية، سجلت الشركة إيرادات بقيمة 2.71 مليار ريال (0.72 مليار دولار) مع ارتفاع أسعار اليوريا تزامناً مع موسم ذروة التسميد. أما قطاع المنتجات المتخصصة، فقد حافظ على زخم قوي مدعوم بالطلب المتزايد من الصناعات القائمة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

رؤية مستقبلية نحو النمو والتحول المؤسسي

أكد الرئيس التنفيذي لـ«سابك»، الدكتور فيصل بن محمد الفقير، أن الشركة تمضي قدماً في رؤيتها الاستراتيجية لتحسين المحفظة الاستثمارية، مشيراً إلى التقدم في صفقات الخروج من أعمال معينة في أوروبا والأميركيتين لرفع كفاءة رأس المال.

كما كشفت النتائج عن تقدم مشروع «سابك فوجيان» في الصين بنسبة إنجاز قاربت 98 في المائة. وتتطلع الشركة لرفع طاقتها الإنتاجية من اليوريا بنسبة 54 في المائة بعد موافقة وزارة الطاقة على تخصيص اللقيم. وبناءً على هذه المعطيات، تتوقع سابك إنفاقاً رأسمالياً للعام الحالي يتراوح ما بين 3.5 و4.0 مليار دولار لدعم مشاريع النمو المنهجي.


الأسواق العالمية في مهب التوترات بين صراع إيران وأزمة الذكاء الاصطناعي

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية في مهب التوترات بين صراع إيران وأزمة الذكاء الاصطناعي

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

استهلت الأسواق العالمية تعاملات يوم الأربعاء بحالة من التوتر والتباين، حيث تضافرت المخاوف من اتساع رقعة الصراع في إيران مع القلق المتزايد بشأن استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي، وذلك قبيل قرارات حاسمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي وصدور تقارير أرباح كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية.

آسيا تتراجع والذكاء الاصطناعي تحت الضغط

تراجع مؤشر «أم أس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 0.2 في المائة، مواصلاً هبوطه لليوم الثاني بعد المستويات القياسية التي سجلها يوم الاثنين. وقادت شركات أشباه الموصلات في تايوان هذا التراجع، بينما ظلت الأسواق اليابانية مغلقة بسبب عطلة رسمية.

وتأثرت أسهم التكنولوجيا سلباً بما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» حول إخفاق شركة «أوبن إيه آي» المطورة لـ«تشات جي بي تي» في تحقيق أهدافها الداخلية المتعلقة بعدد المستخدمين الأسبوعيين والإيرادات. هذه الأنباء أثارت شكوكاً حول قدرة الشركة على دعم إنفاقها الضخم على مراكز البيانات، مما انعكس تراجعاً على أسهم شركات مرتبطة مثل «أوراكل» و«كور ويف».

جمود المفاوضات وتصعيد الحصار

على الصعيد الجيوسياسي، وصلت جهود إنهاء الصراع الإيراني إلى طريق مسدود. وأفادت مصادر بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب غير راضٍ عن المقترحات الأخيرة من طهران، حيث يصر على إدراج الملف النووي في صلب المفاوضات منذ البداية. وفي تطور لافت، ذكرت التقارير أن ترمب أصدر تعليماته لمساعديه بالاستعداد لـ«حصار بحري ممتد" على إيران، مما يزيد من تعقيد الأزمة في مضيق هرمز.

وداع باول وترقب وارش

تتجه الأنظار اليوم إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، وهو الاجتماع الأخير لـجيروم باول كرئيس للبنك المركزي. وتشير توقعات العقود الآجلة بنسبة 100 في المائة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع استبعاد أي خفض للفائدة حتى أواخر عام 2027. ويرى محللون أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتبنى نبرة تشددية في ظل التضخم المتأثر بظروف الحرب، وسط تساؤلات حول خلفه المرشح كيفين وارش.

النفط

فاجأت دولة الإمارات العربية المتحدة الأسواق بقرار خروجها من منظمة «أوبك»، وهو خبر كان من شأنه خفض الأسعار بحدة في الظروف العادية. ومع ذلك، ارتفع خام برنت بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 111.71 دولار للبرميل، حيث تلاشت آثار الخبر سريعاً نظراً لأن المنشآت الإنتاجية الإماراتية تعمل بالفعل بالقرب من طاقتها القصوى، ولأن المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز تظل هي المحرك الأقوى للسوق.

أداء الأصول الأخرى

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.346 في المائة، كما صعد مؤشر الدولار بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 98.67.

وتراجع الذهب بنسبة 0.3 في المائة ليستقر عند 4581.40 دولار. وفي سوق الكريبتو، استقرت البتكوين عند 76471 دولار، بينما تراجعت الإيثيريوم بنسبة 0.3 في المائة.

تترقب الأسواق الآن نتائج أعمال «مايكروسوفت»، و«ألفابت»، و«أمازون»، و«ميتا»، والتي ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قوة الرالي المدفوع بالذكاء الاصطناعي في «وول ستريت».


استقرار حذر للذهب بانتظار تصريحات باول وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية

أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
TT

استقرار حذر للذهب بانتظار تصريحات باول وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية

أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار الملحوظ خلال تعاملات يوم الأربعاء، حيث يترقب المستثمرون والأسواق العالمية باهتمام شديد التصريحات المرتقبة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.

وتأتي هذه الترقبات في محاولة لتقييم التداعيات الاقتصادية للحرب في إيران، في ظل تعثر جهود السلام ووصول المحادثات الدبلوماسية إلى طريق مسدود.

تحركات الأسعار والمؤشرات الفنية

ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 4598.45 دولار للأوقية بحلول الساعة 00:55 بتوقيت غرينتش، وذلك بعد أن سجل أدنى مستوياته منذ مطلع أبريل (نيسان) في الجلسة السابقة. كما سجلت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو (حزيران) ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المائة لتستقر عند 4612.10 دولار.

المشهد السياسي وجمود المحادثات

تهيمن حالة من عدم اليقين على المشهد السياسي، حيث وصلت الجهود الرامية لإنهاء الصراع في إيران إلى مرحلة الجمود. وأعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن عدم رضاه تجاه الاقتراح الأخير المقدم من طهران، مشيراً إلى أن الإدارة الإيرانية أبلغت الولايات المتحدة بأنها في حالة من «الانهيار» وتحاول ترتيب أوضاع قيادتها الداخلية.

قرارات البنوك المركزية تحت المجهر

إلى جانب الصراع الجيوسياسي، تتوجه الأنظار إلى واشنطن حيث من المتوقع أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في نهاية اجتماعه الذي يستمر يومين. ولا يقتصر الترقب على الاحتياطي الفيدرالي فحسب، بل يمتد ليشمل قرارات مرتقبة لبنوك مركزية كبرى هذا الأسبوع، منها البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك كندا.

على صعيد الطلب الفعلي، أظهرت بيانات من هونغ كونغ ارتفاع صافي واردات الصين (أكبر مستهلك للذهب في العالم) من المعدن الأصفر في مارس (آذار) إلى 47.866 طن، مقارنة بـ46.249 طن في فبراير (شباط)، مما يعكس استمرار قوة الطلب في الأسواق الآسيوية.

وفي سياق متصل، حذر البنك الدولي من قفزة محتملة في أسعار الطاقة بنسبة 24 في المائة خلال عام 2026 لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، وذلك في حال استمرار الاضطرابات الحادة في الشرق الأوسط حتى مايو. وقد أغلقت أسعار النفط مرتفعة بنحو 3 في المائة يوم الثلاثاء نتيجة المخاوف المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما طغى على تأثير قرار الإمارات الانسحاب من منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك بلس».

وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.1 في المائة لتصل إلى 73.12 دولار للأوقية. كما حقق البلاتين مكاسب بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 1942.60 دولار. أما البلاديوم فتراجع بنسبة 0.1 في المائة مسجلاً 1459.14 دولار.

كذلك، تنتظر الأسواق اليوم حزمة من البيانات الاقتصادية الهامة، تشمل مؤشر ثقة المستهلك في الاتحاد الأوروبي، وبيانات التضخم في ألمانيا، بالإضافة إلى مبيعات السلع المعمرة وبدايات الإسكان في الولايات المتحدة، والتي ستوفر رؤية أوضح لمسار الاقتصاد العالمي في ظل هذه الأزمات المتلاحقة.