إسرائيل: أزمة المعارضة أشد من متاعب الائتلاف

حكومة بنيت ـ لبيد آيلة للسقوط لكنها لا تجد مكاناً تسقط إليه

إسرائيل: أزمة المعارضة أشد من متاعب الائتلاف
TT

إسرائيل: أزمة المعارضة أشد من متاعب الائتلاف

إسرائيل: أزمة المعارضة أشد من متاعب الائتلاف

أضافت استقالة النائبة العربية في الكنيست الإسرائيلي غيداء ريناوي زعبي، أخيراً، إلى المشكلات المتراكمة أمام حكومة نفتالي بنيت وحليفه وشريكه يائير لبيد. والمعروف أنه في الدول التي تعتمد الأنظمة الديمقراطية البرلمانية تعتمد الحكومات في استمرارها على احتفاظها بغالبية نيابية داخل البرلمان، ومن ثم، فعندما لا تعود الحكومة تتمتع إلا بأقلية، فإنها تسقط.
الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي أصبحت تستند إلى 59 نائباً من مجموع 120 تعد آيلة للسقوط... لكن ثمة مشكلة، هي لا تجد مكاناً تسقط إليه. ذلك أنه حسب القانون الإسرائيلي الجديد (قانون أساس - الحكومة)، لا يمكن أن تسقط حكومة ما لم تتمكن المعارضة من عرض حكومة أخرى تسمّي رئيسها بالاسم... وتكون مستندة إلى دعم أكثر من 61 نائباً.

النائبة الإسرائيلية العربية غيداء ريناوي زعبي

المعارضة الإسرائيلية التي باتت اليوم مؤلفة من 61 نائباً، صارت لديها الغالبية البرلمانية، غير أن وضعها ليس بأفضل بكثير من وضع حكومة نفتالي بنيت – يائير لبيد، إذ إن هذه المعارضة منقسمة على نفسها إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول يضم أحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي تضم أربعة أحزاب لها 52 نائباً هي: «الليكود» بقيادة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء السابق ولديه 30 نائباً، وحزب «شاس» لليهود المتدينين الشرقيين ولديه 9 نواب برئاسة آرييه درعي (الذي استقال من الكنيست بسبب إدانته بتهمة فساد وتهرب من الضرائب)، و«يهدوت هتوراه» لليهود المتدينين الأشكناز ولديه 7 نواب، وحزب الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموترتش وايتمار بن غفير ولديه 6 نواب، وكل هؤلاء متفقون على أن يكون نتنياهو مرشحهم لرئاسة الحكومة، ولو أن بعضهم يسمعون تذمرات منه، ويقولون إنه طالما يقف على رأس التكتل فإنهم لن يصلوا إلى الحكم.
- والقسم الثاني يضم «القائمة المشتركة» للأحزاب العربية الوطنية، ولديها 6 نواب، برئاسة أيمن عودة وأحمد طيبي وسامي أبو شحادة، هؤلاء يرفضون تماماً الوقوف مع نتنياهو، ويقولون إنهم لا يؤيدون حكومة نفتالي بنيت ولا حكومة رئاسة نتنياهو، بل يفضّلون التوجه إلى انتخابات جديدة.
- والقسم الثالث يضم النواب الثلاثة المتمردين: اثنان من حزب «يمينا» الذي يقوده بنيت نفسه، وهما عميحاي شيكلي وعييت سيلمان، والثالثة هي غيداء ريناوي زعبي، التي انسحبت من الائتلاف في نهاية الأسبوع. وإذا كان نائبا «يمينا» مستعدين للانتقال إلى معسكر نتنياهو - وهما ليسا مستعدين بعد - فإن ريناوي ليست مستعدة بأي شكل من الأشكال للتصويت لحكومة برئاسة نتنياهو.
من هنا، فإن المعارضة الإسرائيلية تعيش أزمة لا تقل شدة عن أزمة الحكومة؛ إذ إننا الآن أمام «حكومة أقلية»، تواجهها معارضة أكبر منها لديها أصوات 61 نائباً ضد الحكومة، لكنها مع ذلك لا تستطيع تشكيل حكومة بديلة. وهذا وضع غير مسبوق في السياسة الإسرائيلية.
عودة إلى حال الحكومة، إنها تعيش منذ ولادتها القسرية حالة مَرَضية متواصلة، والمرض أخذ في التفاقم.
- تشكيلة هشة أساساً
أصلاً، منذ البداية كان من المشكوك فيه أن تصمد... ليس بسبب مشكلة العدد، بل بسبب الفوارق الآيديولوجية والسياسية السحيقة بين أحزابها؛ إذ إنها تجمع ما لا يقل عن ثمانية أحزاب، اثنان منها يمينيان متشددان هما حزب نفتالي بنيت وحزب وزير القضاء غدعون ساعر. وهذان الحزبان منحدران من «الليكود» ومنشقان عنه، ثم إن هذين الحزبين يرفضان تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس «حل الدولتين»، ولديهما مواقف متطرفة من المناطق المحتلة.
وهناك أحزاب الوسط اليميني الليبرالي، ومنها حزب «كحول لفان» (أزرق أبيض) بقيادة وزير الدفاع بيني غانتس (8 نواب)، وحزب «يوجد مستقبل» برئاسة وزير الخارجية يائير لبيد، وحزب «يسرائيل بيتينو» بقيادة وزير المالية أفيغدور ليبرمان (7 نواب). وهذه أحزاب تعرف أنه لا يوجد سوى «حل الدولتين» للشعبين، إسرائيل بجانب فلسطين، ثم هناك حزبا اليسار الصهيوني؛ «العمل» و«ميرتس»، ومعهما «القائمة العربية الموحّدة للحركة الإسلامية» برئاسة النائب منصور عباس، التي تؤمن بـ«حل الدولتين».
بسبب الخلافات في الموضوع الفلسطيني، قررت الأحزاب الثمانية إهمال هذا الملف والإحجام عن الخوض فيه بتاتاً. ولذلك رفض بنيت إجراء أي لقاء وأي اتصال مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن هذا القرار أفضى من اليوم الأول إلى نتائج وخيمة على الحكومة، فالشارع الفلسطيني يلتهب، وفي غياب الأمل في تسوية سياسية ينتشر اليأس بين الناس ويعمل المتطرفون على ملء الفراغ، وتتصاعد العمليات المسلحة، وتشتد وتتسع مع الممارسات الاحتلالية المتمثلة بالبطش والاعتقالات والاغتيالات والتوسع الاستيطاني واقتحامات الأقصى وانتشار ميليشيات مسلحة للمستوطنين.
وبقدر ما يسعى الجناح اليميني للحكومة إلى فرض سيطرته وعربدته، يسعى اليسار إلى فرض «أجندته» ويحتج على سياسة الحكومة... ويهدد بالانسحاب. ولقد جمّدت «القائمة الموحّدة» عضويتها في الائتلاف... ثم انسحبت غيداء ريناوي زعبي من الائتلاف.
لذلك بدا أن عمر الحكومة يقصر ويقصر، والائتلاف الحكومي يعاني «خضات» شبه يومية، لكن «مهندس» الائتلاف الحكومي، يائير لبيد، ما زال مقتنعاً بأنه رغم المصاعب ستستطيع الحكومة الاستمرار في الحكم، وهو راهناً يبذل جهوداً جبارة لاستعادة المنشقين، ويعمل على التعاون مع «القائمة المشتركة» لتدعم الحكومة في قضايا معينة من خارج الائتلاف، مقابل بعض المكاسب للمواطنين العرب... لكن الحكومة تفقد شرعيتها في الشارع، وتواجه رفضاً شعبياً واسعاً.
- حرب اليمين الشرسة
بدورها، تدير المعارضة اليمينية حرباً شرسة ضد الحكومة بشكل عام وضد نفتالي بنيت بشكل خاص، ومناصروها يستقبلونه بالمظاهرات الصاخبة في كل مكان يذهب إليه، ويرفعون شعارات تذكّر بالخطاب السياسي المعارض الذي سبق اغتيال رئيس الحكومة الأسبق إسحاق رابين عام 1995، إذ رفع هؤلاء صوراً لبنيت مع منصور عباس ووصفوا حكومته بـ«الخائنة»، ورفعوا شعارات تقول «إسرائيل في خطر... نريد دولة يهودية»، و«الاستيطان ليس مجرد شعار... بيبي أفضل لليهود».
يتهمه هؤلاء أيضاً بالتهرب من مواجهة ذوي القتلى في العمليات الفلسطينية المسلحة، وعندما يقرر الرضوخ لهم والقيام بهذه الزيارات يواجهونه بالهتافات «أنت القاتل مثلك كمثل الإرهابي الفلسطيني».
ويتهمونه أيضاً بتجميد البناء الاستيطاني... وعندما يقرر المصادقة على بناء 4000 وحدة سكن جديدة في المستعمرات، يتظاهرون ضده لأنه يصادق أيضاً على بناء للفلسطينيين (1000 وحدة سكن).
يهاجمونه على سياسته إزاء إيران ويتهمونه بالرضوخ أمام الإدارة الأميركية، مع أنه يختلف مع الولايات المتحدة حول الاتفاق النووي... ويجري مناورات عسكرية تحاكي هجوماً حربياً على إيران وخوض حرب شاملة متعددة الجبهات ضد أذرع إيران في المنطقة.
ونتنياهو، الذي كان أول رئيس حكومة في إسرائيل يعرض على حزب عربي المشاركة في الحكومة بمقعد وزاري، وخطة اقتصادية كبيرة ومواجهة العنف المجتمعي، يهاجم حكومة بنيت على ائتلافها مع العرب. وعندما قرأ الاستطلاعات التي تشير إلى أن 66 في المائة من المواطنين اليهود في إسرائيل يعارضون ضم عرب إلى الائتلاف الحكومي، قرر الخروج بحملة انتخابية أخرى تعتمد على مهاجمة الأحزاب العربية كما لو أنها خيانة، ضمن التمهيد للانتخابات المقبلة. ويتضح أن المستشار الاستراتيجي الأميركي لـ«الليكود» هو الذي نصح بإطلاق حملة التحريض على العرب.
- تصعيد «الليكود» انتخابياً
ستركز دعاية «الليكود» بشكل خاص على الاحتجاجات في المدن والبلدات العربية ضد التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى. وحسب موقع «زمان يسرائيل»، فإن هذه ستكون «حملة شرسة للغاية، هدفها ترجمة الغضب من العمليات والمواجهات في القدس وأماكن أخرى بأصوات في صناديق الاقتراع».
وستجري دعاية «الليكود» العنصرية تحت شعار «لا مواطنة بلا ولاء»، وهو شعار استخدمه رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، في دعاية انتخابية سابقة، لكن «الليكود» سيستخدمها بشراسة أكبر. كذلك ستشمل حملة «الليكود» الانتخابية مجموعة قوانين، يعتزم التعهد بتشريعها في حال عودته إلى الحكم، بينها طرد عائلات مواطنين نفذوا عمليات، وسجن مَن يرفع العلم الفلسطيني، وسجن مَن يحرق العلم الإسرائيلي (علما بأن «الحريديين» اليهود عادة يحرقونه)، وسلب مواطَنة متظاهرين أثناء الحرب، وقوانين أخرى. وإذا ما نجح في تدبير مزيد من التأييد من وزراء ونواب في الائتلاف إلى جانب هذه القوانين... فـ«ستبدع» المعارضة في طرح القوانين الملائمة وكسب الشارع. وبالتالي، تقويض الشرعية السياسية العربية.
هذا، وجاء انسحاب النائب العربية غيداء ريناوي زعبي من الائتلاف ليخض الحلبة السياسية ويدفعها إلى أزمة جديدة، إذ رحّبت المعارضة اليمينية باستقالة عضو الكنيست العربية وراحوا يمتدحون تصرفها، مع أن رسالتها تشكل دمغة للحكومة، فقد أوضحت بما لا يقبل الشك أنها تنشق «لأنني لم أعد أحتمل سياستها تجاه القضية الفلسطينية والمجتمع العربي». وعدّدت ريناوي زعبي في رسالتها أسباب انشقاقها فقالت، في رسالتها الموجهة إلى بنيت ولبيد: «لقد دخلت عالم السياسة من منطلق الإحساس بالرسالة والمسؤولية تجاه المجتمع العربي الذي أمثله. قبل نحو سنة، انضممت إلى الائتلاف آملة به وعملت بجد من أجل نجاحه وباقتناع تام بأن الشراكة اليهودية العربية في مثل هذا الائتلاف يمكن أن تكون بديلاً حكومياً حقيقياً، وأن بإمكانها أن تؤدي إلى مرحلة جديدة للمساواة والاحترام للمجتمع العربي». وأردفت: «للأسف الشديد، في الأشهر الأخيرة وبسبب اعتبارات سياسية ضيقة، فضل قادة التحالف الحفاظ على جانبه اليميني وتعزيزه. آثر قادة الحكومة مراراً وتكراراً اتخاذ مواقف متشددة ويمينية بشأن القضايا الأساسية ذات الأهمية للمجتمع العربي بأسره؛ الأقصى وقبة الصخرة، والشيخ جراح، والاستيطان والاحتلال، وهدم المنازل ومصادرة الأراضي في النقب وطبعاً قانون المواطنة. وبالإضافة إلى ذلك، لاقيت الاستخفاف التام من قبل الائتلاف الحكومي تجاه الاحتياجات الحقيقية للبلدات العربية، خصوصاً في مجالات تطوير السلطات المحلية، وقضايا الإسكان، والتوظيف والتعليم. وكان الشهر الماضي، شهر رمضان المبارك، لا يطاق».
- الخلاصة
خلاصة القول، إن الحلبة السياسية الإسرائيلية تغلي الآن كالمرجل، والأزمة السياسية تدق في خناق جميع أحزابها. ولأن المعارضة لا تستطيع تشكيل حكومة بديلة فإن الضغط سيتركز على «تبكير» موعد الانتخابات، وهي هنا لا تصطدم بالائتلاف فحسب، بل أيضاً في أحزابها نفسها، فكتلة «يهدوت هتوراه» تعارض الانتخابات وتخشى تراجعاً جديداً في قوتها لصالح «الليكود»، ولذا فهي تعارض في التوجه إلى انتخابات. والنواب الثلاثة المتمردون لن يؤيدوا حل الكنيست بسهولة لأن كلاً منهم سيخسر حصة من المقاعد البرلمانية.
أما في «الليكود» فتجددت التصريحات التي تنادي نتنياهو بالتنحي. وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإنه رغم أن نتنياهو هو الأكثر شعبية بين القادة الإسرائيليين، فإنهم يخشون أن يُدان في المحاكمة الدائرة ضده بثلاث قضايا فساد، فيضطر إلى الاستقالة. ويقولون إن اعتزاله السياسي هو الضمانة للعودة إلى الحكم، إذ إن «العالم سيرى كيف يمكن تشكيل حكومة يمينية صرف بقيادة الليكود».
أما في أحزاب الائتلاف الثمانية، فإنها جميعاً غير معنية بالانتخابات. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن غالبيتها ستخسر الكثير من قوتها وتهبط حصتها من 59 نائباً اليوم إلى ما دون الخمسين نائباً، ولذا فإن من مصلحتها أن تبقى في الحكم بلا انتخابات. وحقاً أفصح عدد من الوزراء عن هذا الموقف صراحة. وكما قال وزير السياحة زيف الكين، الذي يشرف على العمل البرلماني، فإن الذهاب إلى الانتخابات «عملية انتحار جماعي لأحزاب الائتلاف ولقسم من أحزاب المعارضة أيضاً».
وأما الوزير لبيد، فأعلن أنه تحدث مع غيداء ريناوي زعبي، عقب إعلانها الاستقالة من الائتلاف الحكومي، وسيلتقيها يوم غد الأحد، لثنيها عن قرارها، وتابع: «الهدف هو إيجاد حل إيجابي للوضع». وأكد أنها لن تمنح صوتها للإطاحة بالحكومة.
مع هذا، إذا نجح لبيد في ذلك وتوصل إلى اتفاق جديد معها، لن يكون ذلك حلاً جذرياً للأزمة، بل هو تأجيل لها، بانتظار تمرد آخر أو مفاجأة من جهة أخرى، في الائتلاف أو المعارضة. وتكون هذه إشارة أخرى على أن أزمة الحكم في إسرائيل مستمرة للسنة الثالثة على التوالي.

إسحاق رابين  -  إسحاق شامير

- «حكومات الأقلية» في التاريخ الإسرائيلي
> شهدت الحلبة الحزبية الإسرائيلية في تاريخها العديد من «حكومات الأقلية»، التي تستند إلى أقل من 61 نائباً، لعل أشهرها حكومة إسحاق شامير في سنة 1990، في حينه كانت الحكومة تسمى «حكومة وحدة قومية» بمشاركة «الليكود» و«العمل» والأحزاب الدينية والوسط الليبرالي، وانسحب منها حزب العمل وغدت الحكومة مؤلفة من 59 والمعارضة من 61 نائباً. لكن هذه المعارضة لم تكن مستعدة للتعاون مع العرب على الإطاحة بالحكومة. وتمكن شامير من ضم نائبين لاحقاً، وأصبحت حكومته ذات غالبية 61 واستمرت في الحكم حتى موعد الانتخابات في 1992.
وحصل الأمر نفسه في عام 1993 لحكومة إسحاق رابين؛ إذ كانت مؤلفة من 62 نائباً في بداية عهدها، لكن حزب «شاس» انسحب من الائتلاف عندما انكشف أمر المفاوضات السرّية التي تديرها الحكومة مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو. وعلى الأثر، غدت الحكومة مؤلفة من 56 نائباً والمعارضة 64 نائباً. وضمن تلك المعارضة كان هناك حزبان عربيان هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» برئاسة الشاعر الوطني توفيق زياد (3 نواب)، و«الحزب الديمقراطي العربي» برئاسة عبد الوهاب دراوشة (نائبان). ويومذاك اتفق رابين مع الحزبين على الشراكة عن طريق دعم الحكومة من خارج الائتلاف. وسميت الشراكة في حينه «الجسم المانع»، إذ تحوّل العرب إلى جسم يمنع تشكيل حكومة يمينية. وصار للحكومة عملياً 61 نائباً. ومن ثم استمرت هذه الحكومة حتى اغتيال رابين في عام 1995، وعندما حل محله شمعون بيريس، انضم نائب من المعارضة إليه، أفرايم غور، وأصبحت من 62 نائباً.
ثم في مطلع عام 2005 انسحب عدد من نواب اليمين من حكومة أريئيل شارون بسبب خطته للانسحاب من قطاع غزة وشمالي الضفة الغربية من طرف واحد. وهكذا أصبحت الحكومة مؤلفة من 59 نائباً، وظلت بهذه التركيبة شهرين، وعندها انضم حزبان متديّنان («ديغل هتوراه» و«اغودات يسرائيل») وصار لها 62 نائباً، واستمرت حتى مطلع 2006، عندما مرض شارون. ومع أنه دخل في غيبوبة، ظلت حكومته حية وقادرة على الحكم.
اليوم يضع نفتالي بنيت ويائير لبيد كل هذه النماذج أمامهما، ويدرسان كيف نجحت «حكومات الأقلية» في الصمود... لعلهما يجدان ما يسعفهما للإبقاء على هذه الحكومة حتى نهاية دورتها البرلمانية، أي حتى أواخر عام 2025.
الرجلان يركزان جهودهما حالياً على إعادة غيداء ريناوي زعبي إلى الائتلاف والحفاظ على بقية النواب من حزبي اليمين، «يمينا» و«أمل جديد»، بشكل خاص. ووفق المؤشرات يبدو بنيت أقل تفاؤلاً من لبيد، إذ سُمع يقول إن حكومته لن تصمد لأكثر من شهرين مقبلين، في حين يرى لبيد أن الأمور ستسلك على ما يرام في القريب. وهو وإن كان يقول إن احتمال وقوع مفاجآت قائم فإنه لم يفصح عن مضمون هذه المفاجآت التي يتوقعها.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)

تبدو الحرب الدائرة في إيران بعيدة كل البعد عن منتجعات بحر قزوين الهادئة، حيث لا انفجارات ولا حواجز تذكر، ومتاجر مليئة بالبضائع. وتقول امرأة ثلاثينية لجأت إلى هناك هرباً من طهران: «يبدو أن الناس بالكاد يدركون وجود حرب».

وتضيف في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، طالبة عدم كشف اسمها: «إنهم لا يولون الأمر اهتماماً كبيراً».

وكانت تتحدث من بابلسر، إحدى المدن الواقعة على ساحل بحر قزوين، المعروف باسم «ريفييرا» إيران لما يتصف به من شواطئ وأجواء أكثر استرخاء من المدن الكبرى.

وتتابع: «لم تتعرض المنطقة لهجمات صاروخية، باستثناء هجوم واحد في بهشهر»، وهي بلدة صغيرة في محافظة مازندران.

يقع ساحل بحر قزوين على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال العاصمة، خلف جبال البرز، وهو وجهة سياحية معروفة لسكان طهران الذين يتوافدون إليه في الأوقات العادية لقضاء عطلات الأسبوع والأعياد.

ويتميز الساحل بجو ألطف مقارنة بطهران خلال أشهر الصيف الحارة. وكان عالم أثرياء طهران الذين يقضون عطلاتهم على ساحل بحر قزوين موضوع فيلم بعنوان «عن إيلي» (About Elly) الصادر عام 2009 للمخرج الإيراني الحائز جائزة أوسكار أصغر فرهادي.

ارتفاع الأسعار

منذ بداية الحرب فرّ سكان العاصمة من الغارات الجوية اليومية في جميع الاتجاهات، معتمدين في كثير من الأحيان على تضامن أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم.

بالنسبة للشابة في بابلسر، يُمثّل توفير الوقود التحدي الأكبر. وتوضح: «ليس بالإمكان الحصول على أكثر من 10 لترات، فيما طوابير الانتظار أمام محطات الوقود لا تنتهي».

وفي تنكابن، وهي بلدة أخرى عل ساحل قزوين، يقول أحد الأهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه لاحظ ارتفاعاً «كبيراً» في الأسعار.

ويضيف علي (49 عاماً): «كل شيء متوافر بكميات كبيرة والمتاجر الكبرى مفتوحة كما كانت من قبل».

ويقول إن الأجواء شبه طبيعية خلال النهار لكنها «تتغير في المساء».

وكما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» من مواقع أخرى في أنحاء البلاد، أن أنصار الحكومة ينزلون إلى الشارع رافعين الأعلام، وهم يهتفون.

ومن أبرز المستفيدين من اقتصاد الحرب الجديد على ما يبدو، محلات بيع خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وباقات الإنترنت التي تتيح للناس تجاوز القيود المشددة على الاتصالات، والتي ازدادت صرامة منذ بدء الحرب.

وتقول إحدى العاملات في بابلسر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «معظم محلات الوجبات السريعة في بابلسر تحولت إلى هذا النشاط. ظاهرياً يبيعون السندويشات، لكن نشاطهم الرئيسي هذه الأيام هو بيع خدمات في بي إن (VPN) والإنترنت بأسعار باهظة».


البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.


«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)

لا ينظر إلى «الباسيج» في إيران، بوصفه مجرد تشكيل ميليشياوي تابع لـ«الحرس الثوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الجمهورية الإسلامية» تشعباً داخل المجتمع الإيراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بين الأمن والعقيدة والسياسة.

فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979، تطور من قوة تعبئة شعبية استدعيت أولاً لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية، إلى جهاز واسع الحضور يؤدي أدواراً متداخلة في الضبط الداخلي، والمراقبة الاجتماعية، والتعبئة الآيديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخل الدولة والمجتمع.

من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي

تأسس «الباسيج» بأمر من المرشد الأول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين مليوناً» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.

وفي بداياته، اضطلع بأدوار أمنية وخدمية محدودة، قبل أن يتحول سريعاً خلال الحرب مع العراق إلى خزّان بشري للتعبئة. وهناك ارتبط اسمه بما عُرف بـ«الموجات البشرية»، حين زُجّ بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.

لكن نهاية الحرب لم تعنِ تراجع دوره. على العكس، أعيد توجيه «الباسيج» تدريجياً نحو الداخل، ليتحول إلى أحد الضامنين الأساسيين للأمن الداخلي. ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج أداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصاً في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى موجات الاحتجاج اللاحقة.

موقعه داخل القوات المسلحة

من الناحية الهيكلية، لا يعمل «الباسيج» كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع لـ«الحرس الثوري»، الذي يتولى قيادته وإعادة تنظيمه وتحديد وظائفه. وقد مرّ بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بصورة أوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءاً من منظومة الأمن الموازي التي يقودها الأخير.

أعضاء الباسيج الطلابي يستقبلون المرشد السابق علي خامنئي بترديد هتافات (أرشيفية - موقع خامنئي)

وبذلك، لا يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفراده فقط، وهو رقم محل جدل كبير بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية، بل أيضاً بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الثوري» داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والأحياء.

وعلى هذا الأساس، يشكل «الباسيج» طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع. فهو ليس جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلى المجتمع، ومراقبته، والتأثير فيه، واستدعاء عناصره عند الحاجة.

بنية متشعبة تتجاوز الأمن المباشر

تكشف المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة لـ«الباسيج»، تشمل وحدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فإلى جانب كتائب مثل «عاشوراء» و«الزهراء» و«بيت المقدس» و«الإمام علي» و«الإمام الحسين» و«كوثر»، التي تضطلع بأدوار تتراوح بين مكافحة الشغب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب العسكري، توجد أيضاً فروع موجهة إلى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب، والتلاميذ، والجامعيون، والموظفون، والعمال، والقبائل، والمهندسون، والأطباء، والفنانون، والإعلاميون، والرياضيون، حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.

ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع الإيراني. فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازاً للفرز والتعبئة والرقابة، لا مجرد قوة تُستدعى عند اندلاع الاضطرابات.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تكمن الأهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز موازٍ لـ«قوات إنفاذ القانون (الشرطة)». فبحسب المواد أعلاه، تظهر عناصره سريعاً في الشوارع، على دراجات نارية أو في مجموعات ميدانية، ويتولون تفريق المحتجين، واعتقالهم، ومطاردتهم، ورصد النشطاء، والعمل أحياناً بملابس مدنية أو عبر مخبرين داخل التجمعات. كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع، وفرض المعايير السلوكية، ومساندة أجهزة الأمن والشرطة في ضبط المجال العام.

عناصر من «الباسيج» خلال عرض عسكري في طهران (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا المعنى، يؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية موزعة على القاعدة الاجتماعية. ولذلك، لا يُفهم حضوره من خلال عدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل المجتمع.

النفوذ السياسي والاقتصادي

لم يعد «الباسيج» مجرد أداة أمنية. فمع الوقت، اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي، سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات، أو من خلال حضوره في الجامعات والإعلام، أو عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف. كما دخل في مشاريع اقتصادية وإنشائية وتنموية، مستفيداً من صلاته بـ«الحرس الثوري» ومؤسساته المالية والتعاونية.

هذا التمدد جعل «الباسيج» جزءاً من منظومة السلطة، لا من هامشها. فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر.

ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية

ولا يقتصر دور «الباسيج» على الشارع أو الأمن الميداني، بل توسّع في العقدين الأخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الإيرانية «الحرب الناعمة». وفي هذا السياق، أنشأ «الحرس الثوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف إلى مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين للنظام، داخل إيران وخارجها.

عناصر من «الباسيج» في عرض عسكري بطهران 10 يناير 2024 (أ.ب)

ويعمل «مقر الحرب الناعمة» التابع لـ«الباسيج» على تنظيم الأنشطة في الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك إدارة المواقع الإلكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتدريب آلاف الأعضاء على إنتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن آلاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ عن الحسابات المعارضة، إضافة إلى المشاركة في حملات إلكترونية منظمة.

كما يدير «الباسيج» شبكة إعلامية موازية تضم مؤسسات، مثل: وكالة أنباء تحمل اسمه و«وكالة أنباء دانشجو» المرتبطة بـ«الباسيج الطلابي» الذي ينشط بالجامعات، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بوسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري»، مثل «تسنيم» و«فارس». وتُستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام، وتعبئة المؤيدين، ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.

أكثر من ميليشيا

تحوّل «الباسيج» تدريجياً إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، إذ يعمل أعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني معاً، ضمن استراتيجية أوسع لـ«الحرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على المجالين الأمني والإعلامي في آن واحد.

ويبلغ عدد أفراد «الباسيج» مئات الآلاف. في المحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام الإيراني في الداخل: ذراع تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، وخزاناً بشرياً للأمن، وقناة اختراق للمجتمع، ومكملاً مؤسسياً لـ«الحرس الثوري». قوته الحقيقية لا تكمن في قدرته على النزول إلى الشارع فقط، بل في اتساع شبكته داخل الدولة والمجتمع معاً. ولهذا، فإن فهم الباسيج لا يمر عبر اعتباره ميليشيا متشددة فحسب، بل بوصفه مؤسسة هجينة تجمع بين العقيدة والسلاح والتنظيم الاجتماعي، وتحتل موقعاً مركزياً في الهيكل الأمني والسياسي للجمهورية الإسلامية.