هاني نديم: لست راضياً عن أكثر من نصف شعري المنشور

الشاعر السوري يطارد مونيكا بيلوتشي بحثاً عن عشبة الخلود

هاني نديم
هاني نديم
TT

هاني نديم: لست راضياً عن أكثر من نصف شعري المنشور

هاني نديم
هاني نديم

تنفتح القصيدة عند الشاعر السوري هاني نديم على مناخات الطفولة، وتتردد فيها أصداء الصمت والتأمل وذكريات اللعب مع الذئاب وهي تشتبك «مع كلاب الرعاة». وعمل نديم منذ التسعينات في الصحافة المكتوب والمرئية، وفي صنع «الإعلانات الخفيفة المضحكة»، حسب تعبيره، والأفلام الوثائقية المحكمة لصالح منصات وقنوات معروفة، فهذا مصدر رزقه. من دواوينه «نحات الريح»، و«كونشرتو الذئب»، و«متحف الوحشة»، و«كرامات الأشقياء». هنا حوار معه حول أعماله وهموم الكتابة.
> نشأتك في «النبك»، كيف ساهمت تلك البلدة ذات الخصوصية المكانية في رسم ملامح قصيدتك؟
- يقول ابن خلدون، فيما معناه: «إن المحلّة التي ليس لها مدوّن خراب»، منذ طفولتي وأنا مشغول بأدب الأماكن، أقرأ عن باريس بأقلام من زارها وأدبائها، لندن، بطرسبورغ، القرى الصغيرة النائية التي أصبحت بفضل أدبائها ومبدعيها مزاراً سياحياً. وفي حقيقة الأمر، إن «النبك» محلّة شديدة الخصوصية جغرافياً واجتماعياً وتاريخياً، مكان قابل للتأويل والاختلاف والأساطير والحكايا، شتاء قاسٍ كمارد أزرق، زمهرير وجليد وثلج مرعب، أصوات الذئاب تشتبك مع كلاب الرعاة في جرودها، أشجار البرد من جوز وكرز ومشمش وخوخ. أهلها المغامرون المنتشرون في كل العالم، كرمهم الأسطوري، مآثرهم وخفة دمهم وبديهتهم التي تجرح الانتباه، الأغاني والمواويل المعلقة كسراج عند مساءاتنا، الغناء الذي لم يغادرني ولم أغادره، لا في نصي ولا في صوتي وصمتي، هذا الاحتفاء العظيم بالطبيعة البكر بقشرتها الأولى، والعلاقة المباشرة مع التراب ورائحته وإحالاته الدلالية والكيميائية، دون عبث المدنية الطافح، والاحتكاك المباشر مع أصوات النواعير والبلابل والطيور المهاجرة والريح، هو خبيئة جمالية وكنز معجمي لا تفهمه المدن ولا يمكن لها الإحاطة به. هكذا وظفت مفردات طفولتي ومنابتي الأول في نصوصي وكتبي كلها، مثل «نحات الريح» و«كونشرتو الذئب»، وتجلّت «النبك» أكثر في السنوات الأخيرة، إذ يبدو أننا كلما تقدمنا في العمر، عدنا إلى الأماكن الأولى بشراسة.
> حدثنا عن ملابسات إصدار ديوانك الأول وعمرك 17 عاماً فقط، وما الذي يتبقى من تلك التجربة؟
- أخجل اليوم من تسميته ديواناً، كان «الدم قراطية» كشكول طالبٍ مدرسي مولع باللغة والسرد والشعر والحكايا والمواويل، فجمعتها وطبعتها في مجموعة نالت من النقد والتجريح ما دفعني نحو الأمام. العناد سمة أساسية لأهل الجبال. نبهني وشرح لي جيداً أي طريق سأسلك بعدما أكلنا ضبع الفشل في الطريق الأولى. تعلمت من كتابي الأول ألا أعض أصابعي ندماً؛ بل أكتب بها مجدداً وأزخرف أخطاءها.
> تبدو في قصائدك مشغولاً بالتواصل مع القارئ. كيف ترى اتهام البعض لك بأنك «شعبوي» بسبب ذلك؟
- أنا أكتب لنفسي، وأكتب نفسي تماماً. لهذا لا أهتم لمسارات النقد الكلاسيكية، فلا أنا شاعر قصيدة موزونة ولا أنا شاعر قصيدة نثر. أكتب كيفما ارتأيت، وأجرب كثيراً دون أي خوف أو تردد، وتلك سمة أخرى لأبناء الجرود.
أنا أيضاً لا أحب رفع اللافتات الكبرى، ومناقشة الميثيولوجيات والفلسفات وطروحات اللغة المتعالية والمتشاوفة في نصوصي. أكتب متخففاً من كل شيء إلا انتباهاتي الفردية.
فيما يتعلق بالشعبوي، أعتقد أننا أسرى أنساق واصطلاحات خاطئة أو مشوشة على الدوام، ماذا يعني «النخبوي»؟ وكيف نفرق بينه وبين «الشعبي»؟ أولم يقل ابن المقفع في وصف البلاغة بأنها «لفظٌ إن سمعه الجاهل ظن أنه يحسن أن يقول مثله؟» طيب، هل عليَّ استحضار برومثيوس والأساطير، والاتكاء على الغامضات من الألفاظ والميت من المعاجم، ليكون نصي قيّماً؟ شخصياً لا أجد سبّة في فكرة الشعبوي إن صح المصطلح، بعدما رفع المثقفون «برطمانات» الثقافة والشعر وغيرها من الفنون إلى أعلى رفٍّ في مطبخ الإبداع. لا أفكر بتلك الطريقة، لا ألتفت إلى مَن سيقرأني حقاً، الشعر لدي تجربة شخصية صادقة أمارسها بمعجمي المكتسب ومفرداتي الأصيلة، ولا أجبر نفسي على استجلاب ما لم يعلق بتكويني اللغوي. أنا غير مبالغ في شيء، لا في حياتي ولا ملابسي ولا نصوصي.
> ما سر هوسك «الصحافي» بالنجمة مونيكا بيلوتشي؟
- والله إنه أجمل سؤال صحافي في العالم. تخيلي، سُئلت كثيراً عن مونيكا، ولكن ليس عن هذا التفصيل. لم يسألني أحدٌ عن ذلك -حتى أنا- على اعتبار الهوس بمونيكا هو أمرٌ بديهي، ولكنه ليس بديهياً على الإطلاق. فمنذ بدايتي بالصحافة، وأنا أحاول أن أقابلها وأفشل، أسافر وراءها ولا أجدها، منذ أكثر من عشرين عاماً ألاحقها لأراها كمادة صحافية، كما فعلت مع ساراماغو ومحمد شكري والجواهري والمغنية زارا، وغيرهم من أيقوناتي ممن تتبعت مساراتهم وحاورتهم وكتبت عنهم. ولكن لم أستطع أن أرى مونيكا، وهذا نادر وغريب على عنيدٍ مثلي، لعلّ هذا الفشل وسوء الطالع هو ما حوّلها إلى أسطورة فوق أسطورتها. ولعله من الخير لي أنني لم أرها، فقد كتبت عنها الكثير من النصوص، أعتقد أن بعضها كان سيتعثر لو أننا التقينا.
زرت جميع محلاتها وأماكن إقامتها ومسقط رأسها وشققها التي نزلت بها، ورأيت أقربائها ولكني لم أرها. شربت أطيب شربة ماءٍ من ساحة مدينتها «تشيتا دي كاستيلو»، وشعرت حينها شعور جلجامش كما لو كان قد وجد عشبة الخلود.
> تبدو مقلاً في إنتاجك الشعري، فلا يصدر لك ديوان جديد إلا كل بضعة سنوات... لماذا؟
- لست من الشعراء الذين يقفز أمامهم أرنب فيكتبون عنه، وتمر حافلة فيتذكرون زملاء المدرسة. لا أرى أن هذا من مهام الشعر ولا بأي شكل. إن الشعر بالنسبة لي هو حالة عرفانية وصوفية جداً. لحظاته مجردة وخالية من الحمولات العاطفية الطارئة. الشعر لدي بديل للتأمل والصمت الطويل، في جعبتي اليوم عشرون كتاباً، ثمانية منها شعرية، وكنت أتمنى لو أنها أقل والله. فأنا غير راضٍ عن أكثر من نصف ما هو منشور في دواويني. ولكن هذا النقص لن نستطيع تداركه، إنه بشري وصحي.
> ماذا عن أدب الرحلات والكتابة الوثائقية والتلفزيون؟
- أنا صحافي، أعمل منذ التسعينات في المكتوب والمرئي والميديا الجديدة، وما لف لفها من صناعة محتوى ونصوص إبداعية وإعلانية. هذا مصدر رزقي، أصنع الإعلانات الخفيفة المضحكة، والأفلام الوثائقية المحكمة لصالح منصات وقنوات معروفة. وهذا يتطلب السفر المتواصل. هذا إلى جانب عملي رئيساً لتحرير مجلة «طيران» لمدة عقد من الزمن. وهو ما أردفني بمواد خام هائلة، وجعلني مشتبكاً مع مفردات العالم مباشرة من حولي. أتمنى أن أجد الوقت الكافي لأنجز كل ما ببالي من وثائقيات ومواضيع وتحقيقات.
> عكس معظم الأدباء الذين يشكون من أن عملهم بالصحافة كان حجر عثرة في مشوارهم الأدبي، تؤكد أنت أنك مدين بكثير لهذه المهنة، كيف ذلك؟
- هذه حجة الكسول من الأدباء. صحيح أن الصحافة مهنة وسوسة مثلها مثل القمار، وتضغط الوقت والذاكرة والأعصاب والشرايين، وتجعلنا في دوامة لا تنتهي من المواعيد وجداول التسليم؛ لكنها أيضاً مصدر إلهام بديع، وجنة لا مثيل لها من المعرفة والاطلاع الحقيقي. إن الاحتكاك المباشر مع الناس والبلاد والأشياء، هو الثقافة الأمتن والحقائق الأهم، أنا مدين للصحافة حقاً، إذ كيف سأكتب عن إيطاليا ولم أرها، وعن الأساطير ولم أعالجها معالجة صحافية وأدقق معلوماتها، الصحافة مصنعٌ عظيمٌ للمعلومة والتحقق والإشراق. وهي المهنة الأكثر نبلاً وتشريفاً برأيي، رغم شتائمنا لها ليل نهار.
> حاورت أكثر من 600 شاعر وأديب ومثقف، واقتربت من كواليس «الوجه الآخر» لهم... ما حصيلة هذه التجربة؟
-إن أجبتك عاطفياً، فسأقول: يا ليتني لم أفعل، فهوامشهم لا تشبه متونهم. صدمت بأخلاقيات كثير منهم، وكتبت عن ذلك مرات عدة، ولو أنني من الصحافيين الفضائحيين، لكتبت كتاباً من 600 صفحة عن فداحات المثقفين. أما إن أجبتك بدقة ومهنية، فسأقول إنني استلهمت من كل واحدٍ منهم شيئاً بالغ الأهمية، نافذة تشرع في وعيي وحياتي المهنية. إن الحوار من وجهة نظري، هو جوهر الصحافة الثقافية، ولهذا ألهمني كل مثقف منهم أن أبحث باتجاه ما لا كنت أراه.
> يشتعل جدار صفحتك طوال الوقت بقصائد مختارة لشعراء العالم العربي من الجيل الحديث، مصحوبة بلوحات تشكيلية لفنانين عرب. هل ثمة فكرة ما؟
- في حقيقة الأمر، إنني أستثمر صفحتي قدر المستطاع كصحافي ثقافي يعمم حالة الثقافة في أجمل تجلياتها من وجهة نظري. أستثمر علاقاتي وصلاتي بالأدباء على امتداد وطننا العربي. أنشر لشعراء كبار وشعراء شباب، وأي نص أرى فيه مشروعاً تنويرياً وجمالياً يواجه كل هذا الاستسهال الأدبي الذي أفرزه «فيسبوك»، من كتابات رديئة ومتعجلة ومتشابهة، لا تمتلك أدنى المقومات اللغوية والمعرفية. بينما قد يظلم كبار كتابنا لانشغالهم بمشروعهم الثقافي. هذه هي مهمة الصحافة الثقافية. وأحاول قدر المستطاع إلا أنحاز لفكر أو شكل أو قطر دون غيره. وبودي لو استطعت حقاً أن أنشر لكل من أحب، وهم بالمئات في وطننا العربي. نعم، أريد أن أقول إن الشعر بخير، والشعراء العرب دائماً يشغلون حيزهم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
TT

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

بينما يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته، غير أنه في الحقيقة يتناول معارك عبد الحليم عبر مسيرته الفنية ويركز أكثر على مواقفه الإنسانية.

ويذكر أن، الكتاب الذي صدر في القاهرة عن دار نشر «بتانة» للكاتب عادل السنهوري، يتزامن مع الذكرى 49 لرحيل «العندليب الأسمر»، ويقول المؤلف في مقدمته: «حليم لم يكن فقط وجهاً واحداً لعملة ذهبية فنية، كان هناك وجه آخر غاية في الروعة وفي التضحية والحب لكل من حوله، هذا الوجه هو نصف حليم الآخر الذي قد لا يعرفه الكثيرون»، مؤكداً أن «حليم ما زال أسطورة الغناء العربي وحامل لواء الرومانسية في حياة أجيال عديدة منذ الخمسينات وحتى الآن وربما في أجيال قادمة»، لافتاً إلى أن «العندليب خاض معارك فنية كثيرة لها ما يبررها على الرغم من أنها أغضبت الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه لكنها انتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء».

البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، هذه حقيقة أدركها عبد الحليم مبكراً ويشير المؤلف إلى أن العندليب قد خاض معارك كي يبقى متصدراً قمة الغناء في مصر والعالم العربي، فقد دخل في معارك مع أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه الملحنين كمال الطويل ومحمد الموجي، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك بُعدٌ غائبٌ في تفسير هذه المعارك ولو من الجانب النفسي.

ويستشهد المؤلف بما ذكره الكاتب الراحل محمود عوض صديق عبد الحليم في كتابه «بالعربي الجريح» الذي قال فيه إن «حليم قد خاض مشوار نجاحه مرتين، أولاً لكي يصل إلى القمة وثانياً لكي يستمر فيها، وقد وجد في الأول من شاركوه وكانوا جزءاً من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضاً، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة عبد الحليم دون أن نفهم أساساً مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في الوصول إلى قلوب الجماهير بلون جديد وسط أسماء كبيرة لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».

الكتاب تناول مواقف كثيرة في حياة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

ويلفت عوض إلى الاختراق الأول الذي حقَّقه حليم في قلوب الجماهير حين وجد من يتبنون صوتاً بديلاً لمطرب جديد هو كمال حسني وأنَّ أقلاماً بارزة وصحفاً كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسني بديلاً لعبد الحليم، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم له كبار الملحنين ألحاناً عذبة لكنه في النهاية توارى واستمر عبد الحليم.

وتبدو قصة منع عبد الحليم لصديقه كمال الطويل من السفر، أقرب لـ«مقلب» أو خلاف بين صديقين وليست معركة، ويسوقها المؤلف في الكتاب، حيث أراد الطويل السفر قبل أن ينتهي من آخر أغنيات فيلم «حكاية حب» وهي «في يوم في شهر في سنة»، فقد أراد كمال الطويل السفر على أن يُنهي لحن الأغنية بعد عودته، لكن حليم طلب منه إنهاء الأغنية أولاً قبل سفره، فوقع خلاف وشجار بين حليم والطويل الذي أصر على السفر وخلال إنهاء سفره بمطار القاهرة استوقفه ضابط الجوازات لصدور قرار بمنعه من السفر، انفعل الطويل فأخبره ضابط كبير أن سيارة تنتظره لتوصيله إلى أحد الأماكن السيادية، وإذا به أمام مسؤول أمني كبير طمأنه وتبادل معه الضحك واتصل بعبد الحليم ليخبره أن كمال الطويل موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات عبد الحليم وهو يقول له «مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية أولاً وبعدين سافر».

وفسر الطويل لمؤلف الكتاب الذي التقاه قبل سنوات من رحيله موقف عبد الحليم ومعاركه الفنية، بقوله: «لقد كان عبد الحليم طوال الوقت يتملكه إحساس يصل لحد اليقين بأنه سيموت صغيراً وأنه لن يتزوج ولن يكون له أولاد يخلدون اسمه من بعده، لذا اعتبر فنه هو أسرته وزوجته وأطفاله، وأنه ما يستحق أن يقاتل من أجله، فقد عاش يبحث عن الأفضل دائماً لنجاح مشروعه الغنائي ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين».

ويتضمن الكتاب حكايات وتفاصيل عن خلافات وقعت بين عبد الحليم ونجوم الغناء في عصره، ومن بينها خلافه مع المطربة نجاة، الذي بدأ من خلال إعجابه بالأغاني التي غنتها، وكان قد غنى أغنيتها «غريبة منسية» خلال استضافته ببرنامج إذاعي، وقال إنه تمنى أن يغني اللحن بكلمات تناسب مطرباً لا مطربة، وتكرر الموقف بعد أغنية «لا تكذبي» التي غنتها نجاة في فيلم «الشموع السوداء» وكتب كلماتها كامل الشناوي ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأعجب بها عبد الحليم كثيراً وقام بغنائها في إحدى حفلاته دون أن يستأذن نجاة، وكان عبد الوهاب قد قام بتغيير بعض الجمل اللحنية لتناسب صوت حليم، وغضبت نجاة وحاول أن يعتذر لها لكنها رفضت قبول اعتذاره وظلت الأجواء متوترة بينهما ليستمر خلافهما خمس سنوات.

ويتطرق الكتاب إلى كثير من المواقف الإنسانية ومنها إنقاذه للطفل شريف عامر «الإعلامي البارز حالياً» من الموت حيث ربطت عبد الحليم صداقة بوالده الصحافي منير عامر وعلم من مقال كتبه والده أن طفله شريف تعرض لإصابة بالتهاب رئوي وعمره 12 يوماً فقط، وتطلب علاجاً لم يكن متوفراً بمصر، فطلب عبد الحليم الدواء من لبنان، ليُفاجأ منير عامر بطرد يصله من بيروت بالدواء المطلوب، كما تجلَّت مواقف العندليب الإنسانية في علاقته مع أعضاء الفرقة الموسيقية والكورس الذي يصاحبه في الغناء وأفراد الكومبارس في أفلامه ورعايته لكثير من أبناء قريته (الحلوات) بالشرقية، وفي تدخله لإعادة الكاتب الراحل مفيد فوزي لعمله الصحافي بعد فصله من مجلة «صباح الخير»، وغيرها من المواقف الإنسانية التي لم يعلنها العندليب الأسمر في حياته ورواها آخرون عنه.


تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
TT

تقنية جديدة تسرّع علاج التهاب المسالك البولية

الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)
الاختبار الجديد يحدد العلاج الدقيق لالتهاب المسالك البولية خلال ساعات (جامعة ريدينغ)

طوّر باحثون في جامعة ريدينغ البريطانية اختباراً سريعاً للبول، يمكنه تحديد المضاد الحيوي المناسب لعلاج التهابات المسالك البولية خلال ساعات، بدلاً من أيام، كما هي الحال في الطرق التقليدية.

وأوضح الفريق أن هذا التسريع في اختيار العلاج، يقلل بشكل كبير من خطر تطور العدوى إلى مضاعفات خطيرة؛ مثل تعفن الدم، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Journal of Antimicrobial Chemotherapy».

والتهابات المسالك البولية عدوى شائعة تصيب أي جزء من الجهاز البولي، بما في ذلك الكلى والمثانة والحالبان. وتظهر أعراضها عادة على شكل حرقة عند التبول، وكثرة التبول، وأحياناً ألم في أسفل البطن أو الحوض، وتكثر هذه الالتهابات بين النساء. وإذا لم تُعالج بشكل مناسب، يمكن أن تنتشر العدوى لتصل إلى الكلى، وتسبب مضاعفات خطيرة مثل الحمى أو تعفن الدم. وغالباً ما تكون البكتيريا، خصوصاً الإشريكية القولونية، السبب الرئيسي لهذه الالتهابات، ويحتاج المريض في معظم الحالات إلى تناول المضادات الحيوية لعلاج العدوى والسيطرة على الأعراض.

وتعتمد الطرق التقليدية على زراعة البكتيريا في المختبر لليلة كاملة قبل اختبار حساسيتها للمضادات الحيوية، وهي عملية تستغرق من يومين إلى 3 أيام. أما الاختبار الجديد فيتجاوز هذه المرحلة تماماً، حيث تُغمس شريحة تحتوي على أنابيب دقيقة محملة بمضادات حيوية مختلفة مباشرة في عينة البول، ثم تُراقب البكتيريا باستخدام التصوير البصري.

وإذا توقف نمو البكتيريا في أحد الأنابيب، فهذا يدل على فاعلية المضاد الحيوي الموجود فيه، أما استمرار النمو فيشير إلى عدم جدواه، مما يمكّن الطبيب من اختيار العلاج المناسب خلال أقل من 6 ساعات.

وشملت الدراسة تحليل 352 عينة بول مأخوذة من مرضى يشتبه في إصابتهم بالتهابات المسالك البولية. وتمكّن الأطباء من تحديد المضاد الحيوي المناسب خلال متوسط زمن بلغ 5.85 ساعة فقط، مقارنة بالطرق التقليدية التي تستغرق من يومين إلى 3 أيام. وأظهرت النتائج توافقاً بنسبة 96.95 في المائة مع الطرق المرجعية عند اختبار 7 مضادات حيوية تُستخدم بوصفها خطاً أول للعلاج.

كما أظهرت دراسة ثانية على 90 عينة مزدوجة، تم جمعها وتخزينها مع ومن دون مادة حافظة، توافقاً بلغ 98.75 في المائة، ما يؤكد أن استخدام المواد الحافظة لا يؤثر على دقة الاختبار المباشر.

وأشار الباحثون إلى أن الطرق الحالية قد تؤدي أحياناً إلى انتهاء المريض من تناول المضاد الحيوي قبل ظهور النتائج، أو تلقيه علاجاً غير فعّال، ولذلك، يسهم الاختبار السريع في تقليل خطر مقاومة البكتيريا للأدوية، ومنع تطور العدوى إلى حالات خطيرة مثل تعفن الدم، ما يمثل خطوة مهمة في مواجهة التحدي العالمي المتمثل في مقاومة المضادات الحيوية.

وأكد الفريق أن الحصول على العلاج الصحيح من المرة الأولى قد يكون منقذاً للحياة، مشيرين إلى أن الاختبار السريع يعطي نتائج في اليوم نفسه، ما قد يغير طريقة التعامل مع هذه العدوى في الممارسة الطبية، ويُحدث تحولاً ملموساً في تشخيص وعلاج التهابات المسالك البولية خلال السنوات المقبلة.


الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)
تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)

لجأ أسترالي إلى الذكاء الاصطناعي لتصميم علاج تجريبي لكلبته التي تعاني من سرطان في مرحلته النهائية وإنقاذها من موت محتّم.

لأكثر من سنة، لم تلقَ الكلبة «روزي» التشخيص المناسب لمرضها، فتدهورت حالتها. وبعد علاج كيميائي وآخر مناعي وجراحة، بدأت التكاليف تتراكم على بول كانينغهام، فقرّر البحث عن خيارات أخرى.

وأخبر كاننيغهام المتخصّص في الذكاء الاصطناعي في سيدني وكالة الصحافة الفرنسية: «كنت على تواصل مستمرّ مع (تشات جي بي تي) و(جيميناي) و(غروك) للتعمّق في دراسة العلاجات المتوفّرة للسرطان».

وبناءً على إرشادات روبوتات الدردشة، أنفق ثلاثة آلاف دولار لتحليل مجين روزي.

واستخدم الأدوات عينها لتحليل بيانات الحمض النووي قبل اللجوء إلى «آلفا فولد»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي علمي. وبناء على توصية من «تشات جي بي تي»، طلب الأسترالي مساعدة فريق من جامعة «نيو ساوث ويلز» وباحثين أستراليين آخرين.

وباتت روزي اليوم في وضع أفضل بكثير وتقلّص ورمها وهي تتعافى منه جزئياً، بعد استخدامها لقاحاً بالحمض النووي الريبي المرسال أعقبه علاج مناعي قوي في ديسمبر (كانون الأول).

وأكّد صاحبها: «باتت أكثر نشاطاً بكثير».

ولفتت حالتها انتباه سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» المطوّرة لـ«تشات جي بي تي»، الذي قال إنها «قصّة مذهلة». ولا يدّعي بول كانينغهام أنه عثر على علاج سحري، غير أن نضاله يسلّط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع وتيرة الأبحاث الطبّية، حسب الباحثين.