برلين... حقائب أوكرانية ومرارات سورية وخيط روسي

«الشرق الأوسط» زارت الحضن الألماني حيث يلتقي اللاجئون باللاجئين

إيرينا كوفالينكو (يمين) مشت 3 أيام من كييف إلى بولندا (الشرق الأوسط)
إيرينا كوفالينكو (يمين) مشت 3 أيام من كييف إلى بولندا (الشرق الأوسط)
TT

برلين... حقائب أوكرانية ومرارات سورية وخيط روسي

إيرينا كوفالينكو (يمين) مشت 3 أيام من كييف إلى بولندا (الشرق الأوسط)
إيرينا كوفالينكو (يمين) مشت 3 أيام من كييف إلى بولندا (الشرق الأوسط)

كانت المدرسة قريبة من المخيم فأخذونا إليه. تدربت باكراً على أوجاع اللاجئين. شاهدت المسنين الذين ضاعف التهجير التجاعيد في وجوههم. شممت رائحة يأسهم من فرط الانتظار. عاينت العائلات المحتشدة في غرف مرتجلة تشبه الخيام. ورأيت الأولاد يلعبون في الأزقة حيث تتدفق مياه غير صحية. قرأت حسرة الأمهات يكابدن لإسكات جوع الصغار وينتظرن الإعاشة من المنظمات الدولية. واستمعت إلى روايات الذين احتفظوا بمفاتيح المنازل التي هجروها حالمين بالعودة إلى تحريك المفاتيح في أقفالها. قبل ثلاثة أعوام عدت إلى المخيم الفلسطيني المقيم على أطراف صيدا في جنوب لبنان. أكل الصدأ المفاتيح واغتال حلم العودة. أجيال تراكمت حزينة في وطن صغير اسمه المخيم. الشبان الذين عثروا على فرصة للنجاة منه ألقوا بأنفسهم في بلاد الله الواسعة. ومن لم يجرؤ على المغامرة يهدر أيامه في المخيم بعدما أقلع عن الرهان على الضمير العالمي وقرارات الأمم المتحدة. لا غرابة أن تلازم هذه المشاهد الموجعة الصحافي الوافد من الشرق الأوسط الرهيب وهو منطقة منجبة للاجئين. وشاءت المهنة أن ألتقي لاحقاً بلاجئين فروا من أفغانستان أو العراق أو سوريا أو إثيوبيا.

فروا من وطأة قساة الداخل أو قساة الخارج. وفروا من الجفاف والعطش والحروب الأهلية التي لا تنتهي. في سبتمبر (أيلول) 2015، تدفق السوريون عبر حدود ألمانيا. اتخذت المستشارة أنجيلا ميركل قراراً تاريخياً شجاعاً. شرعت الأبواب أمام الذين تركوا كل شيء وجاءوا. تركوا السقوف التي ترد المطر. والجدران التي تحمي. والأرض التي كانت ترد الجوع. ذهبت يومها إلى برلين واستمعت إلى قصص راعبة. لا أستطيع نسيان ما قاله لي شاب سوري استقل أحد «قوارب الموت» للوصول إلى الأرض الأوروبية. سألته عن شعوره بعدما استقبلته ألمانيا، فقال: «الوضع ممتاز... ثلاث وجبات ولا بعث هنا ولا داعش». ما أوجع أن يحتفي هارب من وطنه بثلاث وجبات يوفرها مركز اللجوء في بلاد بعيدة وغريبة. لا غرابة أن تضخ دولنا الفاشلة وبلداننا المتصدعة سيلاً من اللاجئين في عروق العالم. لكن لم نكن نتوقع أن تستيقظ أوروبا ذات يوم وتنهمك بإيواء قوافل من اللاجئين الأوروبيين أطلقها الجرح الأوكراني الذي هز القارة المستقرة وأيقظ شياطينها القديمة. دفعني الفضول الصحافي إلى العودة إلى برلين للقاء اللاجئين الجدد ومن دون تناسي أبناء الموجة السابقة.
في المحطة المركزية للقطارات في برلين تنتظم صفوف الواصلين حديثاً. يجدون في استقبالهم عدداً من الموظفين والمتطوعين. أغلبية المنتظرين من النساء والأولاد. اكتفى عدد من الرجال بإيصال العائلات إلى مكان آمن واختاروا العودة إلى أوكرانيا للقتال أو «المساهمة في تعزيز صمود السكان».

لا يبقى إلا حقيبة

قافلة لاجئين وقافلة حقائب. ما أصعب أن لا يبقى لك من بلادك إلا حقيبة وأن تلقي بنفسك معها في بلاد أخرى منتظراً أن يتكرم المضيفون عليك بعنوان، وإن مؤقتاً. مشهد الحقائب يكسر القلب. كأن الحقيبة نعش يحمل جثة الوطن ورائحة التراب ورماد الذكريات. تذكرت الشاعر الكبير محمود درويش الذي كان يذهب في غنائيته ومخيلته إلى حيث يتعذر الذهاب. «وطني ليس حقيبة، وأنا لست المسافر».
في الرحلة الأوكرانية لا وجود لقوارب الموت. القطارات هي وسيلة الفرار. أبرز المحطات بولندا ومنها بالقطار إلى عناوين أخرى بينها ألمانيا. في عيون المنتظرين قلق من لا يعلم ما ستحمله الأيام. ابتعدوا عن الصواريخ والقنابل الروسية لكنهم لا يعرفون كم سيطول الغياب وماذا تخبئ أيام الغربة. يحاولون إقناع أنفسهم أن هذه الرحلة القسرية لن تطول. بينهم من يراهن على تطور دولي يفرض وقف الحرب. وبينهم من يتزايد اقتناعه أن حرباً طويلة قد بدأت وأن أبواب العودة لن تفتح ما لم تخسرها روسيا.
يفضل معظم الأوكرانيين الوافدين البقاء في برلين. لكن ذلك غير متاح لأن السلطات الألمانية مهتمة بتوزيع العبء على مناطق مختلفة لضمان توافر الخدمات والتسهيلات. الخائفون من حرب طويلة يحلمون بتعليم أبنائهم باللغة الأوكرانية لكن ذلك صعب. يتساءلون عن مصير السنوات الدراسية إذا ألحقوا صغارهم بمدارس ألمانية.
طلبت المسؤولة عن المركز عدم الاتصال بالوافدين ثم اكتفت بمنع تصوير الفيديوهات. أحد المتطوعين المعنيين باستقبال اللاجئين لفت إلى أن عدد الواصلين إلى أوكرانيا اقترب من ستمائة ألف لاجئ. قال إن معدل الواصلين يومياً يتراوح ما بين ألف وألفين في حين كان ارتفع في بدايات الحرب إلى عشرات الآلاف يومياً. أضاف أن معظم الذين وصلوا يعتقدون أن إقامتهم ستكون قصيرة بانتظار عودتهم إلى بلادهم، لكن التجارب السابقة تؤكد صعوبة الجزم في هذه المواضيع، خصوصاً إذا تبين لاحقاً أن حجم الأضرار التي لحقت بالأماكن السكنية والبنية التحتية واسع كما يتردد. أكد أن السلطات تبذل كل ما في وسعها لتوفير الإيواء والغذاء والعناية الطبية، مشيراً إلى ارتفاع عدد المقيمين في برلين وميونيخ وكولون. ولفت إلى صعوبة إضافية تتمثل في أن العملة الأوكرانية غير قابلة للتحويل في الوقت الراهن.
في قاعة قريبة وبانتظار التوجه إلى مراكز الإيواء يتوزع الواصلون على طاولات ويتناولون الطعام والمشروبات.

طابور من اللاجئين بانتظار التسجيل في محطة قطارات برلين (أ.ب)

صوفي شابة في الحادية والعشرين. جاءت من مدينة خيرسون الواقعة على البحر الأسود في جنوب أوكرانيا. لم تصدق في البداية أن الحرب ستنشب وستطول. قالت إنها انتظرت في الأيام الأولى مراهنة أن يتدخل العالم لوقف الاجتياح الروسي. روت كيف أن القنابل «لم تستهدف فقط المراكز العسكرية، بل انهمرت في كل اتجاه، ما جعل الحياة جحيماً». لا ماء ولا كهرباء واندلعت حرائق كثيرة في الأبنية. نفدت كميات الغذاء وصارت الشوارع مقفرة ولم يبق غير الفرار. وهذا ما حصل.
تقول صوفي إنها تشك في احتمال عودة قريبة «لأن العيش في ظل الاحتلال الروسي مستحيل». تنهمر دموعها وتستخدم في وصف الجنود الروس عبارات مفرطة في القسوة بينها «وحوش».
لارينا، رفيقة صوفي في جامعة خيرسون وفي رحلة اللجوء، تقول إن العودة إلى أوكرانيا حتمية، مشيرة إلى أن الأوكرانيين لن يستسلموا، ويعدون أنفسهم لمقاومة واسعة لإرغام الروس على المغادرة. تقول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «خدع العالم بأسره» وتصفه بأنه «إرهابي يسعى إلى تركيع أوكرانيا مقدمة لتركيع دول أخرى. وعلى العالم أن يوقفه». تحمل بشدة على الجنود الروس وتتهمهم بارتكاب «فظاعات في حق النساء والأطفال». وتقول إن الطيران الروسي قصف مستشفيات ومدارس لأنه أراد جعل المناطق غير صالحة للحياة.
تبدو لارينا كأنها تتمسك بخيط أمل، حين تؤكد أن «الجنود الأوكرانيين يقاتلون بشجاعة لكن ليس لديهم ما يكفي من الأسلحة». أشادت بالدعم الغربي لبلادها وقالت إنها تتطلع إلى المزيد منه، وشكرت ألمانيا على المساعدات التي تقدمها للاجئين وحسن المعاملة. قبل أن تعود لتؤكد أن الأوكرانيين لا ينوون الاستسلام «مهما كان الثمن»، لافتة إلى أن بلداناً أخرى ستواجه مصير أوكرانيا إن لم يردع العالم الرئيس الروسي «الذي يحن إلى أيام الاتحاد السوفياتي». تبتسم حين تسألها عن «النازيين» الذين جاء الجيش الروسي لاجتثاثهم، وتقول: «هذا التضليل هدفه تبرير الحرب. في أوكرانيا، كما في بلدان أوروبية، مجموعات من اليمين المتطرف ليست موجودة في الحكم أو القرار. لم تبادر أوكرانيا إلى شن الحرب. روسيا هي التي بدأت وحسابات بوتين أبعد من أوكرانيا».
 

بكاء وصلاة وفرار

جاءت إيرينا كوفالينكو إلى برلين مع ابنتها وأمها وخالتها. كانت في كييف لدى انطلاق الحرب. توهمت أن القصة قد تنتهي سريعاً. انتقلت إلى قرية خارج العاصمة لتنتظر وقف الحرب. أمضت ثمانية أيام «في البكاء والصلاة والصراخ والهروب إلى الأماكن التي يعتقد أنها آمنة. استولى علينا الرعب حين رحنا نشاهد الأبنية المهدمة والبيوت المحروقة والشوارع الخالية وسط دوي الصواريخ والغارات. هرب النوم من عيوننا وانتابتنا مشاعر لا يمكنني التعبير عنها. مشينا على مدى ثلاثة أيام إلى أن تيسر لنا الانتقال إلى بولندا وسط الخوف من احتمالات الموت على الطرقات». تقول إن الحزن كان مخيماً على الأوكرانيين الذين احتشدوا في القطارات بحثاً عن بلاد بعيدة عن القنابل.
تبكي إيرينا وتلملم دموعها. فقدت «البيت والطمأنينة والبلاد الجميلة والغنية». تريد مدرسة لابنتها وتريد لها تعليماً بالأوكرانية. يخيفها أن المستقبل غامض. مستقبلها ومستقبل بلادها. لا تصدق أن أوكرانيا كانت مصدر تهديد لروسيا. تتحدث عن «أهوال ارتكبها الجيش الروسي»، وتقول إنها لن ترجع إلا بعد انسحابه.

«شارع الشمس»

تركت اللاجئين الأوكرانيين مع أوجاعهم وحقائبهم وقلت أزور، مع الزميلة راغدة بهنام، «شارع الشمس» الذي طغى عليه في السنوات الأخيرة الطابع السوري بعد تراجع طابعه التركي. تكاد تشعر أنك في دمشق. حلويات وفلافل وشاورما ولحم حلال وملوخية ومحلات ثياب وبسطات لبيع الخضر. يقصد السوريون هذا الحي للتبضع لأن أسعاره أفضل من الأحياء الأخرى. لافتات بالعربية وعمال يرحبون بالعابرين.

جاء إيهاب سحاري من إدلب في «نوع من اللجوء». يقول: «كان المحل تركيا وصار ملكنا أنا وشقيقي. ماشي الحال. هناك من السوريين من عثر على عمل مستقر وهناك من ينتظر. الصغار الذين ولدوا هنا لا يتكلمون العربية إجمالاً. هربنا من الحرب. المهم أن لا تلحق بنا إلى هنا بسبب أوكرانيا». أضاف أن «الحرب في أوكرانيا رفعت الأسعار. اشتد الطلب على الطحين والزيت والسكر. أتعاطف مع الأوكرانيين، فقد ذقنا مرارة أن يخسر المرء بلاده وتدمر. حين قلنا إن الطيران الروسي دمر بلادنا لم يكن هناك من يريد أن يسمع. أولاد عمي قتلوا بفعل الغارات الروسية التي استهدفت أيضاً المدارس والمستشفيات وحتى الميدانية منها. مسؤولية ما لحق بسوريا تقع على عاتق إيران وروسيا وحزب الله. لا أفكر حالياً في العودة خصوصاً أنني من إدلب. النظام الحالي مجرد واجهة لإرادة روسيا وإيران. أتمنى أن لا يصل الأوكرانيون إلى ما وصلنا إليه».
شعر بالامتنان تجاه البلد الذي استضافهم. قال: «كتر خيرهم (الألمان). ليسوا سيئين. أعطونا ما لم نحصل عليه في بلادنا. أعرف ما يذكر في وسائل التواصل الاجتماعي عن أن ألمانيا تعامل الأوكرانيين أفضل مما عاملت السوريين. أنا لا أستغرب إذا حصل شيء من ذلك. الأوكرانيون أقرب إلى الألمان في الثقافة والدين والجغرافيا. شيء طبيعي. لو كنا مكانهم لفعلنا الشيء نفسه».

إيهاب سحاري الفار من إدلب لا يتمنى للأوكرانيين مصير السوريين (الشرق الأوسط)

تابعنا جولتنا في الحي العربي. من نافذة مطعم «الدمشقي»، يطل حسام زيدان تشاركه رائحة الشاورما. فلسطيني من مخيم اليرموك. جاء في 2015 بعدما عاش عامين في المخيم المحاصر. سلك طريق تركيا واليونان وانتهى به المطاف في ألمانيا. قال: «أنا عامل في المطعم. الشغل جيد. لا أفكر في العودة. المخيم دمر تماماً. وكل أقاربي باتوا هنا. يتعرض الأوكرانيون لظلم شبيه بالذي لحق بالسوريين. قلبياً أتمنى أن ينتصر الأوكرانيون. روسيا كانت لها يد فيما حدث في سوريا والآن في أوكرانيا. هناك كلام عن معاملة أفضل للأوكرانيين، لكننا لا ننسى أن هذه البلاد استقبلتنا».

فر حسام زيدان من مخيم اليرموك بدمشق واحتضنته ألمانيا (الشرق الأوسط)

في طريق العودة إلى الفندق، شاهدت علماً أوكرانياً يرفرف. شاب أوكراني يجلس على مقربة منه. لا يريد نشر اسمه أو صورته. والسبب بسيط أنه عائد إلى بلاده بعدما عثر على مكان آمن لأمه وشقيقته. والده رفض المغادرة. قال إنه لا يقبل أن يترك أرضه ويفضل أن يموت فيها. وهو عائد للمشاركة في مقاومة يتوقع أن تكون شرسة ومكلفة. يرى أن العالم مسؤول عما حل بأوكرانيا لأنه لم يتصرف بحزم حين استرجع بوتين القرم في 2014. يصف الرئيس الروسي بأنه «ستالين هذا القرن» و«شديد الخطورة» على بلاده وجيرانها والعالم. يتحدث عن «ضربات موجعة» وجهها الجيش الأوكراني إلى الجيش الروسي. يقول إنه إذا قبل العالم بتفكيك أوكرانيا، فإن دولاً أخرى ستصبح لقمة سائغة أمام جيرانها الأقوياء.
قال الشاب إن المنطق الذي يستخدمه بوتين مخيف. يتذرع بمخاوف لا أساس لها ليملي على دولة مجاورة مستقلة السياسات التي يجب أن تنتهجها. يستغرب «كيف يسمح بوتين لنفسه أن يعتبر أوكرانيا دولة غير موجودة». أعرب عن اعتقاده أن حلف «الناتو» لا يرغب أصلاً في ضم أوكرانيا إلى صفوفه بسبب نزاعها مع روسيا حول القرم والمناطق التي أعلنت استقلالها عن سلطة كييف. واعتبر أن روسيا «لا تريد أوكرانيا مستقلة بل تابعة لها. وبعدما فشلت في ترتيب انقلاب داخلي للمجيء بسلطة موالية لها، لجأت إلى الحرب لزعزعة استقرار أوكرانيا والاستيلاء على بعض أراضيها».
في المقهى، سألني العامل التركي إن كنت سائحاً فاغتنمت المناسبة للتحدث إليه. قال إنه يقيم في برلين منذ ثمانية عشر عاماً ويزور بلاده الأصلية بين وقت وآخر. استوقفني قوله إنه شكر الله أن الاحتكاكات التي حصلت في سوريا لم تؤد إلى اشتباك بين روسيا وتركيا لأنه كان يمكن أن يكون أخطر من المواجهة الروسية - الأوكرانية. أبدى تعاطفه مع المدنيين الهاربين من نيران الحرب وختم حديثه بالقول إن «المشكلة الكبرى في هذا العالم هي أن تكون ضعيفاً وجاراً لقوي».
نزل الليل على برلين المنشغلة ليس فقط باستقبال اللاجئين، بل أيضاً بالمشهد الأوروبي الجديد. عاد الخوف إلى القارة. لم يعد الإرهاب هو المشكلة هذه المرة مصدر الخوف هو روسيا التي لا تستطيع ألمانيا الاستغناء عن الغاز الوافد منها. فجأة ترددت في أرجاء الفندق أصوات مواويل عربية. خرجت لأستطلع فرأيت عروساً بثوبها الأبيض وقربها العريس والأقارب. عرس سوري على بعد أمتار من بوابة برندنبرغ، أي قرب المكان الذي كان فيه جدار برلين قبل أن يتوارى. فجأة انعقدت حلقة الدبكة وانطلقت الزغاريد. مشهد يشبه تماماً تلك المشاهد التي تتكرر في دمشق، لكنه عرس في المنفى لسوريين استقالا من بلدهما أو استقال منهما.

في السنوات الأولى لوصولهم إلى بلد اللجوء، يعاند الواصلون محاولين الاحتفاظ بتراثهم وأغانيهم وأسلوب حياتهم الذي اعتادوه في البلدان التي أرغموا على تركها. تصبح هذه التقاليد الجسر الأخير الذي يربطهم ببلادهم السابقة. لكن الوقت يبدل كل شيء. غداً يذهب أطفالهم إلى المدارس ويتعلمون بلغة أخرى ويحفظون مواويل البلد الجديد وينخرطون في أسلوب حياة مختلف. هذا يصدق على السوريين وسيصدق لاحقاً على الأوكرانيين.

 

جيان عمر: القرار الأوروبي سهّل الاحتضان الألماني للأوكرانيين

جيان عمر شاهد لا بد من اللجوء إليه في الحديث عن برلين واللاجئين. جاء الشاب الكردي السوري المولود في القامشلي في 1985 طالباً إلى ألمانيا. في 2012، تحول إلى لاجئ، بعدما رفضت السفارة السورية تجديد جواز سفره بسبب نشاطه السياسي المعارض للنظام في دمشق. يعيش منذ أكثر من عشر سنوات في برلين، وهو اليوم عضو في برلمانها، والمتحدث في حزب «الخضر» عن قضايا الهجرة واللجوء والتجنيس.
قال جيان إن المجتمع الألماني تعامل بانفتاح كبير مع موجة النزوح الأوكرانية، وأشار إلى أنه شاهَدَ في الأيام الأولى عدداً من الألمان يعرضون على الواصلين الإقامة في بيوتهم بانتظار العثور على مقر ثابت. ذكر أيضاً أن بعض العائلات الألمانية حملت مساعدات لتستقبل بها الفارّين من الحرب الروسية.

جيان عمر خلال جلسة لبرلمان برلين الشهر الماضي (حزب الخضر الألماني)

ولفت إلى أن قرار الاتحاد الأوروبي باستقبال الأوكرانيين، وفق معايير الهجرة الجماعية من دول الحرب، سهّل منح الإقامات للوافدين، علاوة على تسهيلات أخرى. ولفت إلى أن القرار الأوروبي اتُّخذ بالإجماع، في حين أن بعض الدول، وبينها بولندا والمجر، عارضت هذه الصيغة حين طُرِحت بشأن تدفق اللاجئين السوريين في 2015.
لاحظ أن بعض وسائل التواصل الاجتماعي أوردت انتقادات لما اعتبرته تفضيلاً للاجئين الأوروبيين على الوافدين من الشرق الأوسط، لكنه لاحظ أيضاً أن نشطاء سوريين وأوكرانيين نظموا مظاهرات مشتركة ضد الحرب والدور الروسي في سوريا وأوكرانيا. ولفت إلى قلق الأوروبيين من عودة الحرب إلى قارتهم، وإلى انقسامات في الرأي العام حول المدى الذي يمكن الذهاب إليه في تسليح أوكرانيا من دون الانخراط مباشرة في النزاع.


مقالات ذات صلة

برلمان نيجيريا يقاطع جنوب أفريقيا بسبب استهداف المهاجرين الأفارقة

أفريقيا قوات أمن تُقيّم الوضع عقب هجوم أدى لنزوح السكان في ولاية كيبي بشمال شرقي نيجيريا 17 أغسطس 2026 (رويترز)

برلمان نيجيريا يقاطع جنوب أفريقيا بسبب استهداف المهاجرين الأفارقة

برلمان نيجيريا يقاطع جنوب أفريقيا بسبب استهداف المهاجرين الأفارقة وقرر تعليق الزيارات الرسمية معها ومقاطعة الأنشطة المنظمة فيها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من «محطة رمسيس» بالقاهرة (أرشيفية - مجلس الوزراء المصري)

مصر: ارتياح بين الوافدين بعد تمديد مهلة تقنين الأوضاع

رحب وافدون في مصر بمشروع قرار حكومي يمدد فترة تقنين إقامة الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية لمدة عام إضافي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)

«ادرس في مصر»... مبادرة لاستقبال الطلاب الوافدين وجلب «العملة الصعبة»

تسعى الحكومة المصرية لتحقيق أقصى استفادة من التوسع في تشييد الجامعات خلال السنوات الأخيرة في ظل إقامة أكثر من 10 ملايين وافد ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

«تعافي» التعليم يسرّع عودة السودانيين من مصر

برزت أحدث مؤشرات العودة الطوعية للسودانيِّين، عبر رحلة برية كبيرة، الخميس، نقلت 1470 سودانياً في 30 حافلة انطلقت من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

علاء حموده (القاهرة)
المشرق العربي برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق.

سعاد جرَوس (دمشق)

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.


آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
TT

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

على أبعاد جغرافية متقاربة في قلب التاريخ، تقف مدينتان سعوديتان لتختصرا لوحةً إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين؛ خيبر، الواحة الرابضة فوق الحرات البركانية السوداء، والتي نجحت في حراسة أسرار ما قبل التاريخ؛ حيث تروي منشآتها الحجرية الغامضة و«مستطيلاتها» الأثرية قصة استيطان بشري موغل في القدم، يعود لأيامٍ سبقت ابتكار الكتابة نفسها.

وعلى بعد خطواتٍ بالتاريخ والمكان، تتلالأ «مهد الذهب»، مهد «التبر» والمعادن الثمينة في الحضارة الإسلامية المبكرة، التي ضجت جبالها بحركة التعدين، وخلّد «درب زبيدة» العابر بها خطى الحجيج والمسافرين في العصور الإسلامية الأولى، مخلّفاً وراءه نقوشاً ومحطاتٍ تنبض بالروحانية والنشاط الاقتصادي.

وبين أسرار خيبر العتيقة وكنوز مهد الذهب الإسلامية، حيث تجولت «الشرق الأوسط» لساعات بين تفاصيلها وكنوزها الأثرية التي تعكس حجم وعمق الإرث التاريخي الاستثنائي الذي تحتفظ به السعودية فوق أراضيها، تقدم الاكتشافات الأثرية الجديدة التي أعلنت عنها السعودية تباعاً، عن تكثف عمر البشرية وعمق التاريخ الإنساني والحضاري في أراضيها، وعن إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية، وتحول الجغرافيا السعودية إلى متحفٍ مفتوح يختصر فصول الوجود الإنساني، ويقدم قراءة جديدة لعمق إرثٍ تاريخي يعيد صياغة خطوط الحضارة العالمية من قلب الصحراء.

مواسم التنقيب كشفت عن المزيد من أسرار عاصمة مملكة كندة بمنطقة الفاو الأثرية (هيئة التراث‬)‬‬‬‬

أقدم وجود على أراضي السعودية

تتابُع الإعلان عن الآثار المكتشفة في السعودية، وقد حمل كل إعلان عمقاً جديداً من تاريخ الوجود البشري المبكر في الجزيرة العربية، يفصح عن مكانتها بوصفها موطناً أصيلاً للبشر الأوائل، ومستقراً للإنسان في تطوره وتطلعه ودوره في الحضارة البشرية عبر العصور.

ووفقاً لإعلانات هيئة التراث السعودية والبعثات الدولية، فإن أعمق ما دلّت عليه المكتشفات الأثرية حتى الآن عن بداية الاستيطان البشري في أراضي السعودية، يعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، ومن الدلائل على ذلك «موقع الشويحطية» الذي يقع على بعد 30 كيلومتراً شمال مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال السعودية، حيث تم اكتشاف أدوات حجرية بدائية مصنوعة من حجر الكوارتز، تدل على ارتباط الموقع بمواقع في شرق أفريقيا تعود إلى ما قبل الحضارة الآشولية.

واكتشفت في «شعيب دحضة» في نجران جنوب السعودية، مجموعة من الأدوات الحجرية والدلائل الأثرية الأخرى، التي أثبتت استيطاناً بشرياً قديماً في منطقة نجران.

وترجح اكتشافات الموقع من أدوات بدائية وقواطع ومطارق حجرية كبيرة ومكاشط وشفرات صغيرة، انتماء هذه الآثار إلى الحضارة الألدوانية؛ وهي مرحلة مبكرة من العصر الحجري القديم.

وعن أقدم مستوطنة معمارية، تعبر عن أول استقرار بشري مبني، فقد دلت الاكتشافات إلى موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.

وأعلنت هيئة التراث أن هذا الموقع يمثل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية بأكملها، وعُثر فيها على مطاحن حجرية، وأدوات زينة مصنوعة من الرخام، وعظام آدمية وحيوانية، وهياكل معمارية تثبت تحول الإنسان في المنطقة من حياة التنقل إلى الاستقرار والبناء.

جانب من أعمال الموسم السابع عشر للتنقيب الأثري في موقع جُرش بمحافظة أحد رفيدة في منطقة عسير (هيئة التراث‬)

أطياف الحضارات

تزخر السعودية بتاريخ حافل وحضارات متعاقبة، وتُعدّ الاكتشافات الأثرية في العقود الأخيرة شهادة علمية قاطعة على مكانة شبه الجزيرة العربية بوصفها مركزاً تجارياً وثقافياً رئيسياً في العالم القديم، كانت خلاله أرض السعودية مهداً لحوار الشعوب، وشرياناً ناطقاً بالفنون والعلوم والهندسة المعمارية؛ حيث تحتضن السعودية اليوم ثمانية مواقع مُدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي لمنظمة (اليونيسكو)، تتنوع بين مدن أثرية، وفنون صخرية، وواحات ثقافية.

وعبر هذه الجولة القائمة على التتبع الجغرافي والطبوغرافي، تأخذنا الرحلة داخل خريطة المجد المدفون، ونتنقل فيها بين جزء من الشواهد الأثرية، التي استطاعت أن تحول قلب الصحراء من مجرد مجالات عبور جغرافية، إلى مراكز ثقل حضاري وسياسي.

وعلى بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرقي مركز مدينة وادي الدواسر، تتربع عاصمة كِندة الأولى، «قرية الفاو» المسجلة على قائمة التراث العالمي (UNESCO) بتاريخها الزاخر وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد.

وتتجسد القيمة العلمية للموقع في الهندسة المتقدمة؛ حيث طور سكانها شبكات أنفاق حجرية عميقة للوصول إلى المياه الجوفية واستصلاح الواحات وسط بيئة قاحلة. وعلى الصعيد الفني والتاريخي، أظهرت التنقيبات نضجاً ثقافياً ونشاطاً استيرادياً هائلاً عبر جداريات ملونة ساحرة، وتماثيل برونزية ذات طابع دقيق.

قصر الحمراء مشيّداً من الحجارة المشذبة على مرتفع صخري في تيماء (هيئة التراث‬)

نقوش فرعونية

باتجاه شمال السعودية، تبرز «تيماء» الواحة التي تضم كنزاً من الآثار المهمة في قيمتها التاريخية، حتى أصبحت من أهم المناطق في السعودية، من حيث مكانتها التاريخية ومواقعها الأثرية المتعددة.

وعثر باحثو الآثار على أحفورة «ناب الفيل» ضمن مجموعة كبيرة من الأحافير لحيوانات كثيرة كانت تعيش قرب بحيرة قديمة يزيد عمرها على خمسمائة ألف سنة.

وفيها أعلنت بعثات سعودية ودولية مشتركة عن اكتشاف آثار مهمة، منها نقوش فرعونية في مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ، إضافة إلى ما تزخر بها من قصور أثرية باقية حتى الآن.

وشهدت هذه الواحة اندماجاً حضارياً نادراً بين الثقافات البابلية، الآشورية، الآرامية، والممالك العربية القديمة مثل لحيان.

ومن أبرز المعالم والاكتشافات فيها، مسلة تيماء (المحفوظة أصلها في متحف اللوفر)، وهي حجر بازلتي مكتوب باللغة الآرامية يوثّق دخول عبادات بابلية للمنطقة، إضافة إلى (مسلة نابونيد) وهي نقوش صخرية تظهر الملك البابلي بالرموز الدينية للقمر والشمس، و(بئر هداج) أقدم وأضخم نظام مائي للري والاستخدام البشري في الجزيرة العربية، وقصور الحمراء والرضم والأبلق، وهي مجمعات معمارية تعكس النضج الهندسي والعسكري.

وليس ببعيد عن تيماء، تبرز الفنون الصخرية في جبة والشويمس في حائل، التي توصف بسجل الإنسان الأول قبل نحو عشرة آلاف عام، وعلى صخور جبل أم سنمان في جبة (100 كيلومتر شمال مدينة حائل) وجبال الشويمس (270 كيلومتراً جنوب غربي مدينة حائل)، يقف الباحث أمام واحد من أهم متاحف الفنون الصخرية في الشرق الأوسط، والمدرج على قائمة «اليونيسكو».

وتعود القيمة التاريخية لهذه النقوش إلى العصر الحجري الحديث، وتوثق التحولات المناخية والبيئية في شبه الجزيرة العربية، وتطرح النقوش الدقيقة أدلة علمية حول استيطان الحيوانات المنقرضة للمنطقة، وتفاصيل أدوات الصيد، والطقوس الاجتماعية والدينية لإنسان شبه الجزيرة القديم.

وبالانتقال إلى درة التراث العالمي، «العلا» بكنوزها الأثرية، والنقوش على واجهات جبال العلا المحيطة بدادان، والمكتوبة بعددٍ من اللغات والخطوط، إلى «المكتبة اللحيانية» المفتوحة في موقع جبل عِكْمة الذي احتفظ بسجلات أثرية لأقوام وحضارات ازدهرت ومن ثَمّ اندثرت على أرض العلا.

وتتجلى قيمة العلا التاريخية في موقعين رئيسيين، هما مملكة دادان ولحيان (الألفية الأولى قبل الميلاد)، حيث كُشف عن «مقابر الأسود» والنقوش الدادانية واللحيانية التي تُعد الحاضنة الأولى لتطور الخطوط الكتابية العربية، والحِجر (مدائن صالح) وهي العاصمة الجنوبية للمملكة النبطية بعد البتراء، وأول موقع سعودي يُدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي (2008).

وتضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في الصخور الرملية بواجهات معمارية مزخرفة بالكامل تعود للقرن الأول قبل الميلاد. وتبرز في الحِجر الهندسة المعمارية والدقيقة النبطية، والقدرة على التحكم في إدارة الموارد المائية وتحصين المقابر والمراكز السياسية.

تضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في صخور رملية بواجهات مزخرفة تعود للقرن الأول قبل الميلاد (هيئة التراث)

شريان القوافل

على مسافة بعيدة عن العلا، حيث جنوب السعودية، يبرز موقع «جُرَش» الأثري الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن مركز مدينة أحد رفيدة (ونحو 35 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة أبها).

وتعود الحضارات المكتشفة في موقع جرش الأثري لفترة ما قبل الميلاد، وازدهر الاستيطان فيه خلال القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، حيث استمر الاستيطان خلال الفترات اللاحقة في وسط الموقع.

وتنوعت المعثورات الأثرية بين الأواني الزجاجية والمصنوعات الحجرية، وأوانٍ فخارية من فترة ما قبل الإسلام، إضافة إلى نقش على صخرة لأسد وثور مكتوب أسفل منهما بخط المسند، حيث نُفّذ هذا الرسم بالحفر البارز، ويرمز إلى النماء والقوة التي كانت تتمتع بهما مدينة جرش آنذاك.

وقريباً منها، تظهر منطقة حِمَى الثقافية (نجران)، أو مكتبة النصوص الصخرية العظمى، التي تبعد نحو (130 كيلومتراً شمال مدينة نجران)، ويعد من أحدث المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي عام (2021)، بما يمثله كإحدى أكبر المجموعات للفنون الصخرية والنقوش والمكتبات في العالم.

وتكمن القيمة الاستثنائية لـ«حِمَى» في كونها الشريان الأساسي لمرور القوافل التجارية والعسكرية عبر العصور؛ حيث كشف الموقع عن آلاف النقوش المكتوبة بأقلام متعددة (المسند، الثمودي، النبطي، والكوفي والعربي المبكر).

وتُعد «حِمَى» بمثابة «أرشيف مفتوح» يوثق أساليب الحياة، والحروب، والديانات، والأنشطة الاقتصادية، وتطور الكتابة في شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين.

شاهد أثري من «مهد الذهب» التي ضجت جبالها بحركة التعدين وخلَّد درب زبيدة ذكرها في العصور الإسلامية الأولى (هيئة التراث)

إعادة كتابة التاريخ

تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة التراث السعودية للاستفسار عن تفاصيل ما شهدته السعودية خلال الفترة الماضية من اكتشافات أثرية نوعية عززت مكانة الجزيرة العربية في التاريخ الإنساني، وأسهمت في إعادة النظر في بعض التصورات السائدة حول عمق الاستيطان البشري وتطور المجتمعات القديمة.

ومن أبرز هذه الاكتشافات، أطول سجل مناخي في دحول الصمان شرق الرياض والذي يعود لأكثر من 8 ملايين سنة بناء على تحليل الترسبات القديمة.

كما أعلنت الهيئة عن اكتشاف وتوثيق مجموعة من الفنون الصخرية المبكرة للجمل بالحجم الطبيعي يتراوح عمرها بين 11 - 12 ألف سنة في موقع جبال عرنان بمنطقة حائل، تبرز ثقافة ونشاط المجتمعات البشرية القديمة التي استوطنت المكان، إضافة إلى ما كشفت عنه أعمال المسح والتنقيب، بالتعاون مع جامعة كانازاوا اليابانية، عن دلائل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية.

وأشارت الهيئة أن هذه النتائج تعكس مراحل مبكرة من الاستقرار البشري وبدايات العمارة في المنطقة، بما يقدم أدلة مادية جديدة تسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية ودورها في حركة الإنسان واستقراره.

وتؤكد نتائج مشروعات المسح والتنقيب المستمرة، التي تنفذها هيئة التراث بالشراكة مع جهات علمية محلية ودولية، أن الجزيرة العربية كانت موطناً للاستيطان والتفاعل البشري منذ فترات مبكرة، وليست مجرد ممر للهجرات البشرية.

السعودية في خريطة التراث العالمي

يقود التركيز الكبير الذي يشهده قطاع الآثار في السعودية حالياً على آثار «العصر الحجري الحديث» والمستوطنات المبكرة، إلى سؤال عن موقع السعودية بأراضيها الواسعة والزاخرة بالتاريخ، على خريطة التراث العالمي مقارنة بالحضارات الكبرى الأخرى كالحضارة الفرعونية أو بابل.

وتقول هيئة التراث إن السعودية أصبحت اليوم من أبرز المناطق عالمياً في دراسة عصور ما قبل التاريخ عموماً، والعصر الحجري الحديث على وجه التحديد، حيث أسهمت الاكتشافات والبرامج البحثية الحديثة في إبراز الجزيرة العربية بوصفها منطقة رئيسة في دراسة الهجرات البشرية القديمة، وهو ما انعكس في نشر نتائج عدد من المشروعات الأثرية في مجلات ودوريات علمية دولية مرموقة.

وتتميز السعودية بسجل أثري واسع ومتعدد الفترات يقدم أدلة مهمة لفهم مراحل مبكرة من التاريخ البشري وتطور الاستيطان، يسبق الحضارات القديمة المعروفة، مع وجود شواهد أثرية وثَّقتها هيئة التراث، أعطت دلائل على التواصل الحضاري مع الحضارات المجاورة في بلاد الرافدين ومصر القديمة في تيماء منطقة تبوك مع ما تم توثيقه من تأثيرات حضارية أخرى في جانب المصنوعات واللقى الفخارية المكتشفة، والذي يمكن اعتباره دليلاً مادياً على أنها لم تكن بمنأى عن التطور الحضاري في كافة بلدان العالم.

شاهد حجري كوفي يعود لعام 311هـ ولقىً متنوعة تروي تفاصيل الحياة قديماً في موقع جُرش (هيئة التراث‬)

خلايا نحل التنقيب

وتشهد السعودية توسعاً مستمراً في أعمال الاستكشاف والتنقيب الأثري، ونفذت هيئة التراث أعمالاً ميدانية في 68 موقعاً أثرياً بمناطق متعددة من السعودية، في عام 2025، بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية من مختلف الجامعات والمعاهد، ومن مختلف المدارس الأثرية في العالم، مع مشاريع دولية نوعية في المنشآت الحجرية وأنظمة المياه القديمة مع مراكز وجامعات دولية أخرى، كما تعمل الهيئة من خلال 75 بعثة محلية أخرى في مختلف مناطق السعودية، ضمن خطط علمية ومنهجية تسهم في توسيع قاعدة المعرفة الأثرية.

وفي عمل البعثات، يتم التنسيق باستمرار مع الجامعات والمراكز البحثية الدولية من خلال مشاريع بحثية مشتركة واتفاقيات تعاون تحدد نطاق العمل وأهدافه العلمية، بما يعزز تبادل الخبرات ونقل المعرفة واستخدام التقنيات الحديثة في البحث الأثري. كما أسهمت هذه الأعمال في إشراك أكثر من 60 طالباً وطالبة في التدريب الميداني، بما يدعم بناء القدرات الوطنية الشابة وتأهيل جيل متخصص في مجال الآثار.

التنقيب تحت الماء

وعن مشاريع التنقيب تحت الماء (الآثار الغارقة) في البحر الأحمر والخليج العربي، تواصل هيئة التراث تنفيذ مشاريع المسح الأثري البحري في البحر الأحمر والخليج العربي، وقد كشفت هذه الأعمال عن مواقع ومؤشرات واعدة تسهم في توثيق تاريخ الملاحة والتجارة البحرية، وما زالت الدراسات مستمرة للكشف عن المزيد.

وقدمت هذه المشاريع أدلة تاريخية على أهمية الطرق التجارية البحرية ودورها في التبادل التجاري والاقتصادي على مر التاريخ، وتعمل الهيئة مع العديد من البعثات الدولية والمحلية في هذا الجانب، حيث كشفت عن سفن جانحة في البحر وثقت لمحتوياتها الأثرية، وقد وصل عدد المواقع الأثرية المسجلة كتراث مغمور إلى 1293 موقعاً أثرياً تم تصنيفها على أنها مواقع للتراث المغمور مع تصنيف بعضها الآخر مواقعَ للأنشطة البشرية والموانئ القديمة؛ إذ يمكن إجمالاً الإشارة إلى أن مواقع التراث المغمورة لا تقل أهمية عن المواقع الأثرية في اليابسة، وهي دليل على وجود طرق للملاحة البحرية تضاهي الطرق التجارية البرية الداخلية والدولية.

‏نقش جبل الحقون في منطقة حمى الثقافية ضمن متحف النقوش الأثرية الصخرية في منطقة نجران (هيئة التراث)

«مسلة تيماء»

تستقرّ «مسلة تيماء»، وهي اللوح الحجري الشهير المنحوت من الحجر الرملي والمحاط بنقوش آرامية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، اليوم خلف زجاج متحف اللوفر بباريس، محتفظةً بتفاصيل دقيقة تجسد تقديم الملك البابلي «نَبونيد» القرابين لإله الشمس، لتكون واحدة من أبلغ الشواهد على العمق الحضاري والمكانة التاريخية للجزيرة العربية بصفتها ملتقىً للإمبراطوريات العظمى، ومحوراً للتواصل الإنساني عبر العصور.

غير أن وجود هذا الأثر الفريد على بعد آلاف الكيلومترات من وطنه الأم لا يروي حكاية الريادة التاريخية لمدينة تيماء فحسب، بل يفتح ملفاً شائكاً حول الكيفية التي خرجت بها آلاف القطع والنفائس السعودية خلال القرن الماضي؛ حيث انتُزعت من بيئتها الأصيلة في ظل ظروف تاريخية معقدة ورحلات استكشافية غربية، لتستقر في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم.

ومع التحول الكبير الذي تشهده السعودية في حماية تراثها الوطني واستعادة هويتها التاريخية، يقف ملف «استرداد الآثار» في صدارة الاستراتيجية الثقافية السعودية، وفي مواجهة تعقيدات القوانين الدولية ومواقف المتاحف العالمية.

وحتى عام 2025، نجح قطاع الآثار في استعادة أكثر من 8500 قطعة أثرية، وفي إطار الجهود المستمرة لحماية التراث الثقافي الوطني واستعادة الممتلكات الأثرية، وبتعاون سفارات المملكة في الخارج، عادت مجموعة قطع أثرية للمملكة خرجت بصورة غير مشروعة قبل صدور نظام الآثار.

وتحاول هيئة التراث توسيع شبكة جهود استرداد الآثار الوطنية من داخل السعودية وخارجها، من خلال التنسيق مع الجهات المحلية والدولية ووفق الأنظمة والاتفاقيات ذات الصلة.

ولتجنب تكرار حوادث خروج الآثار بطريقة غير شرعية خارج حدود البلاد، تكثف وزارة الثقافة جهودها لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على الآثار، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن القطع الأثرية وتسليم ما بحوزتهم، بما يسهم في توثيقها ودراستها وحفظها وإبرازها ضمن سياقها الحضاري الصحيح، وصونها للأجيال المقبلة، وأطلقت هيئة التراث في السياق نفسه، برامج وطنية ومجتمعية مثل حملة «عادت» التي ركزت على تسليم القطع الأثرية، وأماكن وجودها، وأصبحت المجتمعات المحلية والأفراد، إلى جانب الجهات الحكومية، شركاء رئيسيين في هذا الجانب.

مدفن فوق الأرض في منطقة وعرة من العلا‬ يؤرخ إلى فترة العصر الحجري الحديث - النحاسي (الهيئة الملكية للعلا)

وفي السياق نفسه، يبرز تحدي «النبش العشوائي»، والتعدي على المواقع الأثرية في المناطق النائية، وعما إذا كانت العقوبات الحالية كافية للردع، أم أن الرهان الأكبر هو على وعي المجتمع.

وأفادت هيئة التراث أنها تعتمد على منظومة متكاملة تشمل تطبيق الأنظمة، والتعاون مع الجهات الأمنية والرقابية، إلى جانب تكثيف برامج التوعية المجتمعية.

وكشفت هيئة التراث عن أنها تلحظ تطوراً وتفاعلاً ملحوظَين للحد من هذه الظاهرة التي تعاني منها كافة المجتمعات والجهات المعنية بالآثار في كل دول العالم؛ إذ يبقى المواطن شريكاً رئيسياً في الإبلاغ عن التعديات مع حفظ كافة حقوقهم من خلال برامج التكريم والمكآفات وفق ضوابط محددة، إلى جانب ما يتم رصده من فرق الهيئة الميدانية أو المشاريع التي تنفذها الهيئة في التعريف والتسوير وتنفيذ اللوحات التحذيرية والتعريفية.

ليس مجرد ممر للقوافل

تحدثت «الشرق الأوسط»، مع أستاذ التاريخ بجامعة طيبة، الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الذي يرى أن الاكتشافات الأثرية الحديثة في السعودية، بدءاً من النقوش الصخرية والقطع الفخارية، وصولاً إلى الأحافير الحيوانية وشواهد القبور، أحدثت تحولاً جذرياً في تصحيح التصورات التقليدية حول تاريخ المنطقة، مؤكداً أنها تكشف عن استيطان بشري متواصل، ودور فاعل للجزيرة في صناعة التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده.

وأشار الوقيصي إلى أن هذه الاكتشافات «أسهمت في تصحيح كثير من التصورات التقليدية عن الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت أن هذه الأرض المباركة لم تكن مجرد ممر للقوافل، بل كانت مركزاً للحراك الإنساني والتبادل الثقافي والاقتصادي عبر آلاف السنين».

وحول المحطات التي شكلت نقطة تحول في التعامل مع التراث الوطني، يوضح الوقيصي أن الاهتمام بالآثار شهد تطوراً تدريجياً؛ حيث كانت الانطلاقة العلمية الأولى مع استكشاف قرية «الفاو» على حافة الربع الخالي، على يد فريق أثري سعودي بقيادة الراحل البروفسور عبد الرحمن الطيب الأنصاري.

جانب من أعمال ميدانية بمناطق متعددة من السعودية بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية عام 2025 (هيئة التراث‬)

غير أن التحول الأكبر والأنضج، بحسب الوقيصي، جاء مع تبني السعودية «رؤية 2030»، التي تعاملت مع التراث بوصفه ركيزة أساسية للهوية الوطنية ومحركاً للتنمية المستدامة. وأثمرت هذه الرؤية عن تأسيس هيئات متخصصة، وتطوير الأنظمة التشريعية لحماية الآثار، وتسجيل العديد من المواقع السعودية على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، مما أتاح تقديم تاريخ المملكة للعالم بصورة تليق بعمقها الحضاري.

وفي جوابه عن أهمية هذه المكتشفات للأجيال الشابة، ينفي الوقيصي الفكرة السائدة لدى البعض بأن الآثار مجرد «بقايا مادية لا قيمة لها»، مشدداً على أنها «شواهد حية على مسيرة الإنسان فوق هذه الأرض».

ويضيف: «عندما تُوثق هذه الآثار وتُعرض بأسلوب علمي حديث، فإنها تمنح الأجيال الناشئة فهماً أعمق لجذورهم التاريخية، وتزرع في نفوسهم الاعتزاز بالهوية الوطنية. فالوعي بالتراث هو الوقود الحقيقي لتعزيز الانتماء».

معرفة الآثار

يرى الوقيصي أن دور الأكاديمي والمؤرخ لم يعد محصوراً داخل قاعات المحاضرات أو بين رفوف المكتبات، بل أصبحت هناك مسؤولية مجتمعية تفرض عليه تقديم المعرفة المتخصصة بأسلوب يسير يجمع بين الدقة العلمية والتشويق الصحافي، عبر ربط المكتشفات بالقصص الإنسانية واستغلال المنصات الرقمية للوصول إلى مختلف فئات المجتمع.

وعن التطلعات المستقبلية، أشار أستاذ التاريخ بجامعة طيبة إلى وجود حاجة ماسة لسد بعض الفجوات الأكاديمية والبحثية، من خلال التركيز على الربط بين المكتشفات الأثرية والسياقات الاجتماعية والتاريخية، وإلقاء الضوء على مواقع أثرية لم تحظَ بالقسط الكافي من الدراسة والبحث حتى الآن.

واختتم الدكتور عبد الرحمن الوقيصي حديثه بالإشارة إلى الدور المحوري للإعلام في هذه الملحمة الثقافية، مؤكداً أن الصحافة العلمية والتحقيقات الميدانية هما الوسيلة المثلى لتحويل المعرفة الأثرية من نطاق النخبة والمتخصصين إلى ثقافة مجتمعية عامة.