لبنان يقترع لبرلمانه الجديد بـ«مئات المخالفات» واتهام الرئيس بـ{خرق الصمت الانتخابي»

إشكالات متنقلة معظمها بين «القوات» و«حزب الله»... ومرافقو عون يوقفون ناشطاً شتمه

الجيش اللبناني يتدخل لفض اشتباك في زحلة (الوكالة الوطنية)
الجيش اللبناني يتدخل لفض اشتباك في زحلة (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان يقترع لبرلمانه الجديد بـ«مئات المخالفات» واتهام الرئيس بـ{خرق الصمت الانتخابي»

الجيش اللبناني يتدخل لفض اشتباك في زحلة (الوكالة الوطنية)
الجيش اللبناني يتدخل لفض اشتباك في زحلة (الوكالة الوطنية)

خالفت وقائع العملية الانتخابية التي أجريت في لبنان أمس (الأحد)، توقعات اللبنانيين بتغيير جذري يطيح بنفوذ القوى السياسية في ظل أسوأ أزمة اقتصادية ومالية ومعيشية تعيشها البلاد، حيث تضاءل الصوت التغييري خارج الاصطفافات السياسية الى حد كبير في معظم الدوائر الانتخابية، في مقابل احتدام سياسي تركز بين «القوات اللبنانية» و»حزب الله» لم يخلُ من العنف والتوتر وخروقات كثيرة. فاليوم الانتخابي الطويل في لبنان بمئات المخالفات التي قام بها المرشحون والمسؤولون على حدٍ سواء وفي مقدمهم رئيس الجمهورية ميشال عون، حسبما قالت الجمعية اللبنانية لمراقبة الانتخابات «لادي»، وذلك عبر إدلائهم بتصريحات إعلامية، مما اعتبر خرقاً للصمت الانتخابي الذي كان يفترض أن يستمر حتى إقفال صناديق الاقتراع عند الساعة السابعة مساء.واستدعت المخالفات مناشدات من قبل هيئة الإشراف على الانتخابات كما من قبل الجمعية اللبنانية لمراقبة الانتخابات «لادي» التي تحدثت عن «خرق للصمت الانتخابي من مرشحين وسياسيين من بينهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون».

إفراغ أوراق اقتراع للبدء بفرزها في أحد مراكز بيروت أمس (رويترز)

وقالت الجمعية في بيان لها إنه «نتيجة رصدها المباشر لمجريات العملية الانتخابية لاحظت من خلال التقارير التي تردها من غرفة العمليات التابعة لها، حصول مخالفات بالمئات ناتجة عن خرق الصمت الانتخابي من مختلف وسائل الإعلام والمرشحين والجهات السياسية، وهي تعكف على دراسة التقارير المتعلقة بهذه المخالفات واتخاذ الإجراءات الفورية بشأنها، ومنها الإحالة إلى المراجع القضائية المختصة»، مع تأكيدها على الاستمرار «بمواكبة العملية الانتخابية حتى إقفال صناديق الاقتراع، والطلب من وسائل الإعلام كافة والمرشحين والجهات السياسية الالتزام الفوري بالصمت الانتخابي، وفقاً للأحكام المنصوص عليها في قانون الانتخاب».
وفي رد منه على سؤال حول خرق رئيس الجمهورية الصمت الانتخابي، ردّ مستشاره وزير العدل السابق سليم جريصاتي بالقول: «الجهل عذر مخفف، ومن يقول إن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خرق الصمت الانتخابي، قد يكون فاته قانون الانتخاب وتحديداً مادة الإعلام والإعلان والدعاية الانتخابية».
واعتبر جريصاتي أن «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» أخطأت عندما اعتبرت أن رئيس الجمهورية خرق الصمت الانتخابي، مضيفاً: «رئيس البلاد يستطيع في أي حين أن يوجه كلمة إلى اللبنانيين بمثابة توجيهات لحثهم على كثافة الاقتراع، بهدف حسن التمثيل وفاعليته، بحسب ما ورد في اتفاق الطائف، واستكمال مسيرة الإصلاح».

عناصر أمن لبنانيون أمام أحد مراكز الاقتراع في صيدا (أ.ف.ب)

وفي إطار المخالفات أيضاً، لفتت «لادي» إلى خرق سرية الاقتراع عبر مرافقة مندوبين لناخبين إلى خلف العازل في العديد من الأقلام، كما حذّرت من تصوير قسيمة الاقتراع الرسمية، مذكرة بتعميم وزارة الداخلية بإلغاء صوت كل من يقوم بالتصوير على غرار ما فعلت ابنة رئيس الجمهورية، كلودين عون قبل أن تعود وتحذف الصورة.
كما لفتت عبر حسابها في «تويتر» إلى أن التعرض لمراقبيها يتكرر في بعض المناطق، وجددت مطالبتها وزارة الداخلية «بحماية المراقبين والمراقبات وتسهيل عملهم».
وظللت الإشكالات بين مناصري «حزب الله» و«القوات اللبنانية» اليوم الانتخابي الطويل، فيما أُوقف شاب تعرض بالشتائم لرئيس الجمهورية ميشال عون في أثناء وجوده في مركز اقتراع في حارة حريك في جبل لبنان.
وعرضت وسائل إعلام لبنانية مشاهد لتعرض الشاب، قيل إن اسمه شربل طحومي، للضرب قبل توقيفه، بعد توجهه بكلام نابٍ إلى رئيس الجمهورية خلال إدلائه بصوته في حارة حريك. وتداول ناشطون في مواقع التواصل مقطع فيديو لتوقيفه من عناصر الحماية التابعة للرئاسة اللبنانية. هذا المشهد كان واحداً من مشاهد العنف التي أحاطت بالعملية الانتخابية، وكان الأبرز فيها تكرر الإشكالات في أكثر من دائرة بين مناصري «القوات اللبنانية» و«حزب الله».
ووقعت ثلاثة إشكالات في زحلة (شرق لبنان)، تركزت أمام مدرسة القلبين الأقدسين في البربارة، ومستشفى المعلقة الحكومي، وأمام مستشفى الهراوي الحكومي، وفي بلدة كفر زبد، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية. أما في الجنوب فقد أفاد مناصرون لحزب «القوات» بحصول اعتداء على مندوبي «القوات» في كفرحونة في جزين، وتم تكسير الخيام الخاصة بهم، وأدى الإشكال إلى وقوع إصابات عدة بين مناصري «القوات».
أما في جبيل، فقد تحدث «القوات» عن منع مندوبيه من الدخول إلى أقلام الاقتراع في بلدة مزرعة السياد الشيعية، وتعرّض المرشح محمود عوّاد، عن المقعد الشيعي في جبيل على لائحة «القوّات اللبنانية»، للاعتداء وتحطيم سيارته في أثناء توجّهه للإدلاء بصوته.
في دائرة «بعلبك - الهرمل»، كانت الإشكالات أكثر رمزية وعنفاً، إذ تعرض بعض مندوبي لائحة «بناء الدولة» المدعومة من «القوات» ويرأسها عباس الجوهري، للطرد، فيما انشق بعض المندوبين في بلدة يونين لصالح اللائحة المدعومة من «حزب الله».
وتوجه رئيس «حزب القوات» سمير جعجع إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الداخلية بسام مولوي وقيادة الجيش اللبناني والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بالقول: «تتواصل الاعتداءات على مندوبي لائحة (بناء الدولة) في معظم أقلام الهرمل ومن دون أن تحرِّك عناصر قوى الأمن الداخلي الموجودة في الأقلام أي ساكن». وتابع جعجع، في بيان: «في الوقت نفسه عندما يقوم الجيش اللبناني بإعادة بعض المندوبين إلى أقلام الاقتراع التي كانوا قد أُخرجوا منها بالقوة، يرفض رؤساء الأقلام المعنيين تسجيل اعتراضاتهم أو أخذهم على محمل الجد، أو إفساح المجال أمامهم للقيام بعملهم المنوط بهم قانوناً. إن ما يجري في معظم أقلام الهرمل وبعض أقلام بعلبك يضرب جوهر العملية الانتخابية، ومن مسؤولية رئيس الحكومة ووزير الداخلية التدخل فوراً. أولاً لوقف الاعتداءات على المندوبين وإعادتهم إلى أقلام الاقتراع، وبالأخص تأمين وجودهم عند بدء الفرز، وثانياً الطلب من رؤساء الأقلام المعنيين في بريتال وبدنايل والكنيسة وريحا وغيرها تحمل مسؤولياتهم وترك المندوبين يقومون بما هو منوط بهم». وأضاف: «كل ذلك يحصل تحت طائلة الطعن الدستوري بنتائج انتخابات هذه الدائرة في حال استمرت المخالفات على هذا المنوال».
وقال الجوهري بدوره: «نعترف بأن بعض ضعاف النفوس من الماكينة الانتخابية للائحة (بناء الدولة) قد تمت استمالتهم بالفتات مما سرقه الثنائي الفاسد من قوت شعبنا المظلوم المقهور وهو اليوم لا يزال مستمراً بعمليات الخداع والتضليل تحت شعارات آيديولوجية عفنة، رغم كل هذا التهويل لا نزال مستمرين بمتابعة عملية الانتخابات ولن يثنينا عن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية لا غدر ولا خيانات».
في الضاحية الجنوبية لبيروت، أفادت جمعية مراقبة الانتخابات «لادي» بحصول «اعتداء مناصرين حزبيين على المرشح واصف الحركة في مركز الاقتراع في برج البراجنة - المنشية، وسط شعارات (صهيوني، صهيوني)».
وشهدت بلدة فنيدق في عكار في الشمال «إشكالات وتضارباً وتدافعاً ومواجهات تحولت إلى عنفية» ما استدعى التدخُّل السريع للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من أجل ضبط الأمور تجنباً لتطورها، وأسفرت عن إصابة شخص نقله الصليب الأحمر إلى مستشفى في المنطقة، كما أفادت الوكالة الوطنية.


مقالات ذات صلة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» سابقة لأوانها

انطلقت فجر أمس، الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن تم تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حيث تنتشر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلد، وهو ما تسبب في مشاكل كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم 25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

25 حزباً موريتانياً تتنافس في انتخابات «توافقية» مبكرة

انطلقت فجر اليوم (الجمعة) الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تنظم بشكل متزامن في موريتانيا يوم 13 مايو (أيار) المقبل، والتي يتنافسُ فيها 25 حزباً سياسياً ضمن أكثر من ألفي لائحة انتخابية، لنيل ثقة 1.7 مليون ناخب موريتاني. وكان من المفترض أن تنظم الانتخابات في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن جرى تعجيلها إلى شهر مايو، بموجب اتفاق سياسي بين أحزاب الموالاة والمعارضة، تفادياً لتنظيمها في موسم الأمطار، حين تكثر الفيضانات والعواصف، ما يمنع الوصول إلى مناطق نائية من البلاد، وهو ما تسبب في مشكلات كبيرة خلال الانتخابات السابقة (2018). وبموجب الاتفاق السياسي نفسه الذي أشرفت عليه وز

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم «تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

«تجمع الأحرار» المغربي يفوز بمقعد نيابي في انتخابات جزئية

فاز حزب «التجمع الوطني للأحرار» المغربي، متزعم الائتلاف الحكومي، بمقعد نيابي جديد عقب الانتخابات الجزئية، التي أُجريت أمس بالدائرة الانتخابية في مدينة بني ملال، الواقعة جنوب شرقي الدار البيضاء. وحصل مرشح الحزب عبد الرحيم الشطبي على أعلى عدد من الأصوات، حسب النتائج التي أعلنت عنها السلطات مساء (الخميس)، حيث حصل على 17 ألفاً و536 صوتاً، في حين حصل مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض على 2972 صوتاً، بينما حل مرشح «الحركة الشعبية» في المرتبة الثالثة بـ2259. ويشغل الشطبي، الذي فاز بمقعد نيابي، منصب المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في جهة بني ملال - خنيفرة. وشهدت الانتخابات الجزئية مشاركة ضعي

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

ما الدور المرتقب للقبائل الليبية في الانتخابات المُنتظرة؟

أعادت التحركات الجارية في ليبيا حالياً باتجاه السعي لإجراء الانتخابات العام الجاري، القبائل إلى دائرة الضوء، وسط توقع سياسيين بأنه سيكون لها دور في السباق المنتظر، إذا توفر التوافق المطلوب بين الأفرقاء، والذي تعمل عليه البعثة الأممية. ويرى سياسيون أن الاستحقاق المنتظر يعد بوابة للقبائل في عموم ليبيا، لاستعادة جزء من نفوذها الذي فقدته خلال السنوات الماضية على خلفية انخراطها في حسابات الصراع السياسي والعسكري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

إردوغان يلغي أنشطته الانتخابية اليوم بسبب إنفلونزا المعدة

قطع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس (الثلاثاء)، مقابلة تلفزيونية مباشرة قبل أن يعود ويعتذر متحدثاً عن إصابته بإنفلونزا المعدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. ألقى الزعيم البالغ التاسعة والستين ثلاثة خطابات انتخابية، أمس، قبل انتخابات رئاسية وتشريعية في 14 مايو (أيار) تبدو نتائجها غير محسومة. وكان مقرراً أن يُنهي إردوغان الأمسية بمقابلة مباشرة مشتركة مع قناتي «Ulke» و«Kanal 7»، وقد بدأ ظهوره التلفزيوني بعد تأخير لأكثر من 90 دقيقة، ثم قطعه بعد عشر دقائق خلال طرح سؤال عليه. وعاد إردوغان بعد 15 دقيقة واعتذر قائلاً إنه أصيب بوعكة. وأوضح: «أمس واليوم كان هناك عمل كثير.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

TT

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

أمين عام «الناتو» خلال مؤتمر صحافي بواشنطن في 11 يوليو (أ.ب)
أمين عام «الناتو» خلال مؤتمر صحافي بواشنطن في 11 يوليو (أ.ب)

عندما تسلّم ينس ستولتنبرغ قيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2014، لم يكن، على الأرجح، يتوقّع أن تشهد أوروبا أكبر حرب على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية. وقبل أشهر من تسليمه قيادة «الناتو» لمارك روته في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، نجح رئيس وزراء النرويج الأسبق في توحيد صفوف الحلفاء الغربيين، ووسّع الحلف ليشمل 32 دولة، كما انتزع التزاماً من الدول الأعضاء للاستمرار في دعم أوكرانيا مادياً وعسكرياً في حربها مع روسيا.

وبينما تُخيّم عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض على أعمال الحلف، عبّر ستولتنبرغ عن تفاؤله حيال «ثبات» الدعم الأميركي لكييف، والتزامه بتعزيز «الناتو».

وقال في حوار خصّ به «الشرق الأوسط»، في ختام قمة الحلف بواشنطن، إن «الالتزام الأميركي بهذا الدعم يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمنية»، لا سيّما أن «ما يحدث في أوكرانيا اليوم قد يحدث في آسيا غداً».

ورحّب ستولتنبرغ بتخفيف الدول الأعضاء القيود المفروضة على كييف لضرب أهداف عسكرية مشروعة داخل روسيا، مشدداً على ضرورة استمرار مستوى الدعم الغربي لأوكرانيا.

ورفض الأمين العام اتّهام بكين «الناتو» بزعزعة استقرار منطقة المحيط الهندي والهادي، عادّاً أن الصين هي التي تقترب من حدود الدول الأعضاء في الحلف عبر مناوراتها العسكرية مع بيلاروسيا. كما رحّب بتوجيه الحلف «رسالة قوية» للصين للمرّة الأولى في واشنطن؛ لدعمها حرب روسيا على أوكرانيا.

وعن الشرق الأوسط، قال الأمين العام إنه يدعم جهود وقف إطلاق النار في غزة، بيد أن «الحلف لا يلعب دوراً مباشراً» في هذا الصراع. في الوقت ذاته، سلّط ستولتنبرغ الضوء على شراكات الحلف في الشرق الأوسط، مشيداً بالتعاون مع السعودية في مكافحة الإرهاب، وأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وتعزيز الأمن البحري.

وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار.

صمود أوكرانيا... ومسؤولية «الناتو»

اتفق قادة الدول الأعضاء في «الناتو»، الذين اجتمعوا في واشنطن هذا الأسبوع، بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس الحلف، على واحدة من أكبر حزم المساعدات النوعية والمادية لأوكرانيا. وللمرة الأولى منذ الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022، وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إرسال مقاتلات «إف - 16» لكييف، كما التزموا بحدّ أدنى من المساعدات بقيمة 40 مليار يورو العام المقبل. ويأمل القادة في أن تعزز هذه المساعدات قدرة الجيش الأوكراني على الصمود في وجه قتال شرس على الجبهتين الشرقية والجنوبية، «يذكّر بحرب الخنادق في الحربين العالمية الأولى والثانية» كما وصفه مسؤول رفيع في الحلف.

وأقرّ ستولتنبرغ بالتحديات في أوكرانيا، وقال إن «الوضع في ساحة المعركة صعب. نرى أن الروس يحاولون شنّ هجمات جديدة، ويضربون المدن الأوكرانية، ويقتلون المدنيين الأبرياء»، مشيراً إلى «الهجوم على مستشفى الأطفال» الذي شنّته موسكو عشية انعقاد «قمة الناتو».

في الوقت ذاته، لفت ستولتنبرغ إلى أنه «عندما بدأت هذه الحرب في فبراير 2022، اعتقد معظم الخبراء والرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين أنه سيسيطر على كييف في غضون أيام، وبقية أوكرانيا في غضون أسابيع. هذا لم يحدث».

وتابع: «تمكّن الأوكرانيون من تحرير 50 في المائة من الأراضي التي احتلتها روسيا في بداية الحرب. كما تمكّنوا من فتح ممر في البحر الأسود لتصدير الحبوب والمنتجات الأخرى إلى السوق العالمية. وهم قادرون أيضاً على توجيه ضربات وإلحاق خسائر فادحة بالغزاة الروس. لذا فإن الحروب بطبيعتها لا يمكن التنبؤ بها، لكن الأوكرانيين أثبتوا قدرتهم على الصمود وصدّ قوات الدفاع الروسية. وتتمثل مسؤوليتنا في الاستمرار في تقديم دعم كبير».

وأشاد الأمين العام في هذا الصدد بموافقة الحلفاء في قمة حلف شمال الأطلسي بواشنطن على تكثيف الدعم العسكري الكبير لأوكرانيا، والحفاظ على مستواه.

ضرب أهداف داخل روسيا

كان أكبر عائق أمام موافقة بعض الدول الغربية، وأبرزها الولايات المتحدة، على تسليم أسلحة هجومية لأوكرانيا هو اعتراضها على ضرب أهداف داخل روسيا، وهو ما يعدّه ستولتنبرغ حقاً مشروعاً في إطار «الدفاع عن النفس».

وقال: «من المهم أن نتذكر أن هذه حرب عدوانية شنّتها روسيا ضد دولة مسالمة ومستقلة ذات سيادة في أوروبا؛ أي أوكرانيا. هذا انتهاك صارخ للقانون الدولي. ووفقاً للقانون الدولي، فإن لأوكرانيا الحق في الدفاع عن النفس».

وأكّد الأمين العام لـ«الناتو» أن «حق الدفاع عن النفس يشمل حق الهجوم، أو ضرب أهداف عسكرية مشروعة على أراضي المعتدي؛ أي روسيا. ولذلك، نفذت أوكرانيا ضربات عميقة» (داخل روسيا).

وتحدّث ستولتنبرغ عن التباين بين الحلفاء لجهة القيود المفروضة على الأسلحة التي يسلمونها لكييف، إلا أنه أكّد أن الدول التي فرضت هذه القيود، قامت بتخفيفها، «لأسباب ليس أقلها أن معظم القتال يقع في عمق أوكرانيا».

واستدلّ ستولتنبرغ بجبهة خاركيف لشرح أهمية السماح لأوكرانيا بالضرب في الأراضي الروسية، وقال: «فتحت روسيا الآن جبهة جديدة في منطقة خاركيف، حيث خط المواجهة والخط الحدودي متماثلان إلى حد ما. وبطبيعة الحال، فإن الطريقة الوحيدة أمام أوكرانيا للدفاع عن نفسها هي الهجوم، أو الضرب خارج خط المواجهة، وهذا يعني أيضاً على أراضي روسيا. لذا، فإن المهم هو أننا قادرون على تزويد أوكرانيا بالقدرات التي تحتاجها، وأنا أرحب بتخفيف الحلفاء القيود المفروضة على استخدام هذه الأسلحة».

دور إيران وكوريا الشمالية

بحث قادة «الناتو» في قمّتهم بواشنطن تأثير الدعم الذي تحظى به روسيا من إيران وكوريا الشمالية والصين، في الحرب التي تشنّها على أوكرانيا.

وقال ستولتنبرغ في هذا الصدد: «ما نراه هو أن القوى الاستبدادية متحالفة في دعمها لروسيا، مما يُمكّنها من شنّ هذه الحرب العدوانية الوحشية. وهذا يشمل دولاً مثل كوريا الشمالية، ولكن أيضاً الصين وإيران. وقد قامت إيران بتسليم كمية كبيرة من طائرات (شاهد) دون طيار، التي أصابت أوكرانيا بكثير من المعاناة والأضرار، مما ساعد روسيا على إدارة هذه الحرب غير الشرعية».

وحذّر من أن أي تسليم محتمل لصواريخ باليستية إيرانية سيكون خطيراً للغاية بالنسبة لتصعيد الحرب في أوكرانيا. وتابع: «فرض حلفاء الناتو على مدى سنوات عديدة عقوبات صارمة على إيران؛ بسبب أنشطتها المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة وخارجها. وبالطبع، تستهدف هذه العقوبات البرنامج النووي الإيراني، وكذلك برنامجها الصاروخي. دعم إيران لروسيا يُسلّط الضوء على أهمية هذه العقوبات للحد من قدرة إيران على دعم حرب العدوان غير الشرعية، كما تفعل عندما تدعم روسيا».

 طائرات «شاهد» الإيرانية تسببت في معاناة بالغة بأوكرانيا

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

التمكين الصيني لموسكو

وجّه قادة «الناتو» انتقاداً حادّاً للصين خلال القمّة، لدعمها روسيا. وقال ستولتنبرغ: «أولاً وقبل كل شيء، ليس هناك شكّ في أن الصين هي عامل تمكين حاسم لحرب روسيا ضد أوكرانيا؛ لأنها توفر تقريباً جميع الإلكترونيات والشرائح الدقيقة، والمعدات ذات الاستخدام المزدوج، والأدوات التي تحتاجها روسيا في تصنيع القنابل والطائرات والصواريخ التي تستخدمها لمهاجمة أوكرانيا. لذا، فمن دون دعم الصين لاقتصاد الحرب الروسي، لم تكن روسيا لتتمكّن من إدارة الحرب كما تفعل ضد أوكرانيا».

وعن ردّ بكين الغاضب من بيان «الناتو»، قال الأمين العام: «أعتقد بقوة بأن ردّ الفعل من الصين يوضّح أننا أشرنا بالفعل إلى شيء صحيح». وعدّ أن قرار 32 حليفاً، يمثلون 50 في المائة من الاقتصاد العالمي، تسليط الضوء بوضوح وللمرة الأولى على الدور الصيني، «رسالة قوية».

جانب من اجتماع قادة «الناتو» في واشنطن (د.ب.أ)

أما عن اتهام بكين «الناتو» بزعزعة استقرار منطقة المحيط الهندي والهادي، ردّ ستولتنبرغ: «لا يتعلق الأمر بتحرك حلف شمال الأطلسي إلى منطقة المحيط الهندي والهادي، بل يتعلق الأمر باقتراب الصين منا. بينما نتحدث الآن، تُجري الصين مناورات عسكرية مع بيلاروسيا على حدود حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا. كما نرى الصين تحاول السيطرة على البنية التحتية الحيوية في أفريقيا وفي القطب الشمالي». وأضاف: «ثانياً فيما يتعلّق بحقيقة أننا نعمل مع شركائنا في اليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا. هذه دول مستقلة ذات سيادة وتريد أن تكون لديها علاقة قوية مع حلف شمال الأطلسي. نحن نرحب بذلك».

في المقابل، شدّد الأمين العام على أن «حلف شمال الأطلسي سوف يظل تحالفاً بين أميركا الشمالية وأوروبا. لن نصبح تحالفاً عالمياً، ولكننا بطبيعة الحال سوف نعمل مع شركائنا العالميين لمعالجة التهديدات العالمية، والسيبرانية، والإرهاب، ولكن أيضاً العواقب الأمنية المترتبة على استثمار الصين بكثافة في القدرات العسكرية الحديثة».

تصدّعات في الدعم الغربي

طغت المخاوف من تراجع أميركي محتمل عن دعم أوكرانيا، وحلف «الناتو» بشكل عام، على أعمال قمة واشنطن.

ورغم حالة عدم اليقين المحيطة بالانتخابات الأميركية، والتصدعات الأوروبية في دعم كييف، فإن ستولتنبرغ بدا متفائلاً. وقال: «أتوقع أن تستمر الولايات المتحدة، مثل غيرها من حلفاء الناتو في أوروبا وكندا، في تقديم دعم قوي لأوكرانيا. من مصلحتنا الأمنية ألا تكون لروسيا الغلبة في أوكرانيا». وحذّر من أن تراجع هذا الدعم «من شأنه أن يبعث برسالة إلى الرئيس بوتين، ولكن أيضاً إلى الرئيس (الصيني) شي جينبينغ وغيرهما من القادة الاستبداديين مفادها بأنه عندما ينتهكون القانون الدولي، وعندما يغزون دولة أخرى، فإنهم سيحصلون على ما يريدون، وهذا سيجعل العالم كله أكثر خطورة».

وتابع: «يجب على كل دولة تهتم بالنظام الدولي القائم على القواعد واحترام الحدود الدولية المعترف بها، أن تشعر بالقلق الشديد إذا أفلتت روسيا من الهجوم الوحشي على أوكرانيا، إذ سيدفع ذلك دولاً استبدادية أخرى لتحذو حذو روسيا».

صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)

واستذكر ستولتنبرغ أنه «قبل أيام قليلة من الغزو، وقّع الرئيسان شي وبوتين اتفاقية شراكة، حيث وعد كل منهما الآخر بشراكة لا محدودة. لهذه الأسباب، أتوقع أن تستمر الولايات المتحدة (في دعم أوكرانيا)».

ورأى أن الالتزام الأميركي بهذا الدعم «يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمنية، لأسباب ليس أقلها أنها قلقة بشأن الصين. وما يحدث في أوكرانيا اليوم يمكن أن يحدث في آسيا غداً، كما قال رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، أخيراً. لذلك هناك صلة بين أوكرانيا وآسيا». أما عن ترمب، فذكّر ستولتنبرغ بقرار الرئيس الأميركي السابق تقديم الصواريخ المضادة للدروع من نوع «جافلين» لأوكرانيا، التي كانت مهمة للغاية في مواجهة الغزو الروسي. «لذا، أتوقع مرة أخرى أن تستمر الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا».

ما يحدث في أوكرانيا اليوم قد يحدث في آسيا غداً

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

حرب غزة

يسعى حلف «الناتو» لتوسيع شراكاته حول العالم، لا سيّما عبر ما يسمّيها دول «الجوار الجنوبي». إلا أن «الناتو» تحفّظ عن إعلان سياسة أو موقف حيال الحرب في غزة، ما أثار استغراباً وانتقادات نظراً لحجم الخسائر البشرية في القطاع، فضلاً عن التداعيات الإقليمية والدولية لهذا التصعيد غير المسبوق.

وردّ ستولتنبرغ على هذه النقطة بالقول: «دعا جميع حلفاء الناتو إلى وقف إطلاق النار، وأنا أؤيد الجهود التي يبذلها الحلفاء لتسهيل المفاوضات، وجهود وقف إطلاق النار، وكذلك العمل من أجل التوصل إلى نهاية سياسية لهذا الصراع. كما أعرب حلفاء الناتو عن دعمهم لحل الدولتين»، لا سيما بعد الحرب الجديدة في غزة.

واستدرك الأمين العام بالقول: «لكن حلف شمال الأطلسي، بوصفه حلفاً، لا يلعب دوراً مباشراً (في هذا الصراع). وأعتقد بأن هناك ما يكفي من الجهات الفاعلة الآن، وليست هناك حاجة لمشاركة منظمة أخرى بشكل مباشر. ولكننا بالطبع ندعم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وغيرها لتسهيل المفاوضات، وتمكين وقف إطلاق النار، والتوصل إلى حل سياسي».

ووصف الأمين العام: «لكن بالطبع، من المفجع أن نرى المعاناة الإنسانية، وأن نرى الموت والدمار اللذين شهدناهما في الأشهر الأخيرة، ولذلك فإنني أؤيد وحلفاء الناتو جميع الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي».

زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)

تعاون إقليمي

وبينما استبعد ستولتنبرغ أن يلعب «الناتو» دوراً في حرب غزة، سلّط الضوء على تعاون وشراكة الحلف مع دول شرق أوسطية. وقال: «إن لحلف شمال الأطلسي وجوداً في منطقة الشرق الأوسط، ولدينا شركاء في منطقة الخليج. لقد قمت أخيراً بزيارة الرياض في المملكة العربية السعودية للعمل على قضايا مثل مواجهة الإرهاب، وسلوك إيران المزعزع للاستقرار الذي يشكّل مصدر قلق كبير لحلف شمال الأطلسي، ولكن أيضاً لعديد من البلدان في المنطقة».

وعبّر الأمين العام عن أمله في أن «نتمكّن من بناء وتوسيع هذا التعاون، والعمل الذي نقوم به مع المملكة العربية السعودية؛ لمعالجة كثير من التحديات المشتركة، مثل الإرهاب والأمن البحري. وبطبيعة الحال، يشعر حلفاء الناتو بقلق بالغ إزاء أنشطة الحوثيين. وقد نشر بعض حلفاء الناتو قدرات بحرية لحماية الخطوط البحرية».

كما تحدّث ستولتنبرغ عن «مهمة للتدريب وبناء القدرات في العراق لمساعدة العراقيين على ضمان عدم عودة (داعش)، إلى جانب مركز التدريب في الكويت، ومكتب الاتصال الجديد في عمّان الذي أعلن عنه الحلف في قمة واشنطن، الذي من شأنه أن يعزز شراكتنا مع الأردن، وسيوفر الأدوات اللازمة لتعميق الحوار السياسي، والتعاون العملي» مع هذا البلد.

واستطرد: «هذه مجرد أمثلة لكيفية عملنا، بطرق مختلفة وضمن أطر مختلفة، مع بلدان المنطقة. مهمة بناء القدرات في العراق، ومكتب الاتصال الجديد في عمّان، وزيارتي إلى الرياض، حيث ناقشنا الأمن البحري ومكافحة الإرهاب ومعالجة سلوك إيران المزعزع للاستقرار. وعملنا مع تونس. (كلها شراكات) نعمل (من خلالها) مع دول المنطقة، ولكن بأشكال مختلفة».

ندعم جهود وقف إطلاق النار في غزة... والمعاناة الإنسانية مُفجعة

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

الإنجازات... والخطوات المقبلة

سألت «الشرق الأوسط» ستولتنبرغ عن أبرز إنجازاته خلال ولايته الطويلة أميناً عاماً لـ«الناتو»، وعن إخفاقاته. فجاء ردّه: «أولاً، لا أحتفظ بقائمة من الأشياء التي لم أنجح في القيام بها، أو بأخطائي». أما عن أكثر إنجاز يفتخر به، فقال: «أعتقد بأن القرار الأكثر أهمية الذي كنت جزءاً منه خلال فترة ولايتي أميناً عاماً كان الرد على الغزو الروسي الوحشي لأوكرانيا، ولكن أيضاً ما فعلته لمنع تصعيد هذا الصراع إلى أبعد من أوكرانيا». وتابع أن لـ«الناتو» مهمتين؛ «الأولى هي دعم أوكرانيا وهو ما نفعله، والثانية هي توجيه رسالة واضحة إلى موسكو مفادها بأن أي هجوم على دولة حليفة للناتو سيؤدي إلى رد فعل من الحلف. وقمنا بالفعل بنشر مزيد من القوات في الجزء الشرقي من التحالف لتوجيه تلك الرسالة».

بايدن يمنح «وسام الحرية الرئاسي» للأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» ينس ستولتنبرغ (أ.ف.ب)

وعبّر ستولتنبرغ عن تطلّعه لـ«عيش حياة مختلفة. لقد كان شرفاً لي العمل أميناً عاماً لحلف شمال الأطلسي. وقد حظيت بامتياز العمل مع 32 حليفاً، ولكن أيضاً مع الدول الشريكة، بما في ذلك في الشرق الأوسط. لكنني بالطبع سأعود الآن إلى النرويج. لا أعرف بالضبط ما سأفعله. كان قد تم تعييني في الأصل محافظاً للبنك المركزي، لكنني تخليت عن ذلك حتى أتمكّن من الاستمرار في حلف شمال الأطلسي. ولم أندم على ذلك للحظة».