آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

هل كان انتحارها المأساوي ثمرة تصدعاتها النفسية أم رهاناتها الخاسرة؟

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
TT

آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982

قد تكون العلاقة الزوجية القصيرة التي عاشها كل من سعيد عقل وآمال جنبلاط في مطالع الثمانينات من القرن المنصرم، إحدى أكثر العلاقات بين المبدعين غرابة ومأساوية. صحيح أن تلك التجربة الغامضة لم تدم أكثر من خمسين يوماً من الزمن، قبل أن تبلغ خاتمتها الصادمة بانتحار الزوجة الشابة، ولكن الصحيح أيضاً أنها لا تزال تبدو أقرب إلى الأحجية الشائكة والملابسات المحيرة منها إلى أي شيء آخر. ولعل هذه الملابسات بالذات، هي ما استوقف العديد من القراء والمهتمين، وأثار فضولهم لاستجلاء ما خفي من وجوه تلك العلاقة الملغزة، وفي طليعة هؤلاء محمود زيباوي وعبده وازن ومحمد الحجيري.
والواقع أن أي استدعاء راهن لمشهديتي الزفاف والانتحار، لا يمكن أن يغض الطرف عن الأبعاد الدلالية لذلك الارتباط الدراماتيكي الذي يبدو منتزعاً من إحدى مسرحيات لوركا، أو من أحشاء الأسطورة التي كان سعيد عقل شغوفاً باعتناقها أو اختراعها. ومع أن كلا المشهديتين المتقاربتين في الزمن قد تم تناولهما بالدراسة والتحليل من قبل العديد من النقاد والمهتمين، فإن الحدث المؤثر كان يمكنه أن يحظى باهتمام أكبر لو لم يتمكن الغبار الكثيف الذي أثاره الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية في يونيو (حزيران) عام 1982 من صرف الأنظار باتجاه مأساته الأشمل وهوله الأشد وطأة. وإذا كانت المسافة الفاصلة بين الطلقتين اللتين سددهما كل من آمال جنبلاط وخليل حاوي نحو رأسيهما المثخنين بالكوابيس لا تتجاوز الأيام المعدودة، فإن كلاً منهما كان يعبر على طريقته عن احتجاجه الصارخ على بؤس العالم وفساده وانسداد أفقه.
على أن أي قراءة معمقة للعلاقة بين الطرفين، لا بد أن تسبقها وقفة سريعة عند صورة المرأة في نتاج سعيد عقل الشعري. فالمرأة عند عقل لا تحضر بوصفها كينونة إنسانية واقعية، تتشكل من لحم الحياة ودمها الفعليين، بل بوصفها كائناً أثيرياً يشكل تغييبه الواقعي الشرط الأهم لاستدراجه إلى خانة التخييل. لا بل ليس ثمة من حاجة عنده إلى المرأة الواقعية، ما دام هو الذي يتكفل باختراعها من عندياته، بدءاً من الاسم نفسه ووصولاً إلى مواصفاتها الأثيرية. فليس بالضرورة أن تكون دلزى ومركيان وجلنار وتيانار ونلارا، أسماء لنساء حقيقيات، ما دامت امرأة عقل هي السراب بعينه كما في قوله:
أجمل ما يؤثر عن أرضنا أوهامها أنكِ زرتِ الوجودْ
وحتى لو قدر لامرأة سعيد عقل أن تنزل من عالمها السديمي لتلامس الأرض، فهي أقرب إلى الفكرة الفلسفية منها إلى الكائن الحي ذي الملامح المحسوسة، كما يظهر من البيت الشهير واللافت في دلالاته الذهنية المجردة:
لوقعكِ فوق السرير مهيبٌ كوقع الهنيهة في المطلقِ
وإذا حدث للمرأة أن تجسدت في شكلٍ وقوامٍ وملامح بعينها، فإن جسدها لا يتشكل في أغلب الأحيان في نصاب جمالي مكتمل، بل يحضر عبر أجزاء مستقلة وقائمة بذاتها، بحيث يتناول الشاعر عيني حبيبته وفمها وشعرها وقدميها، كلاً على حدة. وهو إذ يفعل ذلك يؤكد من خلال رؤية للأنوثة مثالية وشبه أفلاطونية، أن للمرأة حضوراً طيفياً ينبغي أن يحض الشعراء على الكتابة ويرفدهم بعوامل الإلهام، وأن ما تملكه الأنوثة من جمال خلاب، يجب أن يكون غير قابل اللمس، وأن يظل قيد المخيلة والوجد والشغف الخالص، كمثل قوله:
وقربكِ لي معبدٌ لا يُمس يُزار ويُعبد من شاسعِ
ولعل هذا الإعلاء الشعري المفرط للمرأة، كان يجد مكوناته الأولى في طفولة سعيد عقل المبكرة، وهو الذي التحق في صباه بمدرسة الإخوة المريميين، كما جرت تنشئته من قبل أسرته وفق التقاليد المسيحية المحافظة التي كانت تسود مدينته زحلة في العقود الأولى من القرن العشرين. وقد بدت دراسته للاهوت المسيحي، ومن ثم تدريسه له في وقت لاحق، بمثابة ترجمة فعلية لتشربه تعاليم ذلك اللاهوت والافتتان بالشخصيتين النسائيتين الأكثر بروزاً في الديانة المسيحية، وهما مريم العذراء، ذات الجسد الأثيري المجرد من الشهوات، ومريم المجدلية التي زودته بتصور ملتبس عن المرأة يتراوح بين الحسية الإيروتيكية وبين الإلحاح المضني على طلب الغفران. وإذا كانت أغوار الشاعر قد ظلت محل تنازع قاس بين الصورتين، فإن «التسوية» التي عقدها مع نفسه بدت وكأنها تقضي بتحويل شعره إلى منمنمات جمالية وبلورية لجسد المرأة «المتحفي»، وبإعلاء الجسد الأمومي للمرأة الذي يتقمص صورة «الحبل بلا دنس» من خلال مريم العذراء، أو صورة «الدنس» الطهور في حدوده اللازمة للإنجاب، كما هو حال أمه أديل يزبك.
ولما كان عقل قد أعلن في إحدى المناسبات أن المرأتين الوحيدتين اللتين أحبهما بكل جوارحه هما مريم العذراء وأمه، فإن من حقنا أن نقيم رابطاً ما بين هذا الإعلان الصريح وبين نزوع الشاعر إلى أسطرة المرأة وتنزيهها عن الشهوات، بما يبدو وكأنه ذريعته المثلى لتلافي البعد الجسدي في علاقته بالنساء اللواتي أحبهن. وإذا لم يكن زعم البعض بأن الشاعر كان يعاني من الوهن الجنسي، بسبب مرض ألم به في صباه، بالأمر الذي لا يمكن تأكيده على نحو قاطع، إلا أن من المحتمل أن يكون «تعفف» الشاعر الجنسي مرتبطاً برؤيته المثالية إلى أمه، وبصورتها المنزهة عن أي شبهة شهوانية، بما شكل عائقاً نفسياً بينه وبين الاتصال الجسدي بنساء حياته، تماماً كما كان الحال مع بطل نجيب محفوظ في رواية «السراب».
ومع أن العلاقة الشائكة والمعقدة مع المرأة، لم تمنع سعيد عقل من إعلان خطوبته على سعاد أبي صالح، ابنة الصحافي اللبناني يوسف أبي صالح عام 1952 إلا أن فسخ تلك الخطوبة بعد سنتين اثنتين من إعلانها، لا بد أن يؤكد من جديد مثل ذلك التساؤل الإشكالي. صحيح أن لعزوف عقل الطويل عن الزواج أسباباً جوهرية تتصل بتفرغه للكتابة وحماية صورة المرأة الأثيرية من التشظي، فالأرجح أن من بين هذه الأسباب ما يمكن أن نسميه «رهاب» الاقتراب المفرط من النساء الحقيقيات، كما يتراءين على أرض الواقع السافر، أو فوق أسرة الشهوات.
لكل ما تقدم فإن من حق القارئ المهتم أن يتساءل عن «القطب المخفية» التي حدت بسعيد عقل، وهو في السبعين من عمره، إلى تجاوز مخاوفه المزمنة من الارتباط الزوجي، وصولاً إلى عقد قرانه على الشاعرة الشابة آمال جنبلاط، في الثاني من أبريل (نيسان) 1982، أما من جهة آمال جنبلاط فثمة ما يثير الحيرة في إقدامها على اقترانها بعقل، رغم أن المطبات التي كانت تواجه مثل تلك المجازفة، لا تتصل بفارق السن الشاسع وحده، ولا بالتباينات الدينية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل باختلاف الأمزجة الشخصية والرؤية إلى الجسد والنظرة إلى الحياة، في الوقت ذاته.
وإذا لم يكن من الإنصاف أن ننفي دور الإعجاب المتبادل والانجذاب الشخصي، في الإقدام على تلك الخطوة، ولو بعد سنوات عديدة من لقاءات الطرفين الأولى، والتي اعترفت جنبلاط لاحقاً أنها هي من بادر إلى وقفها تحاشيا لتبعاتها المرهِقة، فالأرجح أن هذا الزواج لم يكن مجرد استجابة تلقائية لنداءات القلبين، بقدر ما كان حصيلة رهانات متباينة الأهداف، سرعان ما انكشفت هشاشتها حين لم يتطابق حساب الزوج المزهو بقدرته على الإغواء، مع حساب الزوجة الباحثة عبر الشاعر النجم عن خشبة خلاص أخيرة، تدرأ عنها شعورها الممض بفراغ العالم وخوائه وبهتانه. فآمال الشابة والشاعرة المرهفة، والمنتمية إلى أسرة لبنانية سياسية وشديدة العراقة، والخارجة من زواج تقليدي فاشل، رأت في سعيد عقل النموذج الأكثر بهاء لـ«الفحولة» الشعرية التي يتيح اقترانها به ترميماً لروحها المتصدعة، وانعتاقاً رمزياً من الزمن اللبناني «العنين». وهي تبعاً لذلك، لم تر في فارق العمر الذي يفصلها عن صاحب «المجدلية» ما يُفسد إعجابها به كشاعر متفرد، ورجل وسيم ذي كاريزما شخصية لافتة. إضافة إلى رغبتها العميقة بأن تكون ملهمة صاحب «أجراس الياسمين» وعروسة شعره، وهو الذي خصها عند الزفاف بمقطوعة شعرية، ليست بالقطع بين أفضل نصوصه.
والأرجح أن سعيد عقل كان يرى في ذلك الزواج، إضافة إلى ما تقدم، ما يتخطى العلاقة بين طرفيه المباشرين، ليصبح مصاهرة أوسع بين طائفتي الزوجين، بوصفهما الطائفتين المؤسستين للكيان اللبناني. ولم تكن آمال من جهتها بعيدة عن مثل هذا التصور الفضفاض للعلاقة، كما يبدو من الحوار المطول الذي أجرته الإعلامية ديانا هندي مع كلا الزوجين اللذين بدت عليهما أمارات السعادة، متحدثيْن بنبرة متفائلة عن حبهما المتجدد، وعن رغبتهما في الإنجاب، وصولاً إلى تعويلهما المشترك على تحويل زواجهما العابر للطوائف إلى نموذج للوحدة والانصهار الوطنيين. أما سعيد عقل فلم تقتصر رهاناته الخيالية على الدعوة إلى تعميم ذلك النوع من الزواج المختلط، كسبيل فعال لوقف الاقتتال الأهلي بين اللبنانيين، بل كان يأمل على الصعيد الشخصي بأن تمهد له مصاهرته لإحدى أعرق العائلات الدرزية، طريق الوصول إلى سدة الرئاسة في لبنان، وأن تجعل منه النسخة الجديدة والمعدلة عن فخر الدين المعني الثاني الكبير.
لكن الرياح لم تجرِ، لسوء الحظ، وفق ما تشتهي سفن الطرفين. إذ سرعان ما تسبب المسرح الضيق للعلاقة في انكشاف الهوة العميقة التي تفصل بين الزوجة الطافحة بالحيوية، والمتطرفة في تقلبها المزاجي، وبين الزوج المفرط في اعتداده بنفسه، والمحاط بمرايا أناه الشخصية المتفاقمة. إضافة إلى أن نزول المرأة من سماء الأسطورة المتخيلة، باتجاه وجودها الأرضي المتعطش للمس، قد وضعه هو المنهك من أثر السنين، أمام الفجوة الدراماتيكية العميقة التي تشطر السرير الزوجي إلى شطرين شديدي البرودة والتباعد. والأرجح أن الزوج الذي سيج نفسه بمجموعة من الفرضيات المثالية المسبقة عن العالم، لم يصغ جيداً إلى مكابدات الزوجة وقلقها الوجودي وحاجتها الملحة إلى الاحتضان، وهي المصابة وفق الكثير من عارفيها، بنوع حاد من الاكتئاب، يرفعها تارة إلى ذرى السعادة والشغف بالحياة، وينزلها أحياناً أخرى إلى درك الوساوس السوداء والقنوط من الحياة. وإذ كان عقل يحدث أصدقاءه الأقربين عن السخاء غير العادي لزوجته، التي كانت تغمره بمختلف الهدايا، إلا أنه أظهر لبعضهم قلقه الشديد من تعاملها العدائي معه، والذي لم يكن يخلو في حالات الغضب والهياج الشديد من التعبيرات العنفية، لفظاً وسلوكاً، مع تنصله التام من تحمل نصيبه من المسؤولية عما يحدث.
على أن الكتابة عن علاقة آمال جنبلاط بسعيد عقل لا تستقيم، أخيراً، دون التوقف عند التباين الواضح في علاقتهما بالموت، هاجساً وتصوراً وواقعة محتومة. فعند سعيد عقل لا يحضر الموت كهاجس مؤرق أو كوقوع تراجيدي في براثن العدم، بل يحضر، حتى في مراثيه، كحالة لغوية وجمالية بعيدة عن أي ألم عميق أو نبرة فجائعية. أما موته الشخصي فقد ظل، حتى بعد بلوغه المائة، فكرة مستبعدة بالكامل، كما صرح لأحد الصحافيين، مضيفاً بأن الترياق المضاد للفناء الذي يشتغل عليه العلماء لم يعد بعيداً، وأنه سيفيد منه على المستوى الشخصي. أما آمال جنبلاط فقد ظهرت وساوسها المتصلة بالموت على نحو جلي في مجموعتيها الشعريتين «أغنية ليلية» و«الغياب» الصادرتين بالفرنسية عامي 1969 و1974، وقد لاحظ أنسي الحاج في مقالة له، أن نوعاً من الحزن الكاسر كان يخيم على نتاج الشاعرة التي تمتلئ قصائدها بألفاظ الموت وحاشيته، والتي «تعرف أنها لن تعيش، لأنها لا تجد سبباً واحداً يبرهن لها أنها لن تموت».
ومع أن من الصعوبة بمكان، تحاشي السؤال المتعلق بتوقيت الانتحار نفسه، والذي يتعدى من بعض زواياه المصادفة البحتة، فإن صعوبة مماثلة تعترض الباحثين عن إجابة قاطعة عن السؤال المطروح. فهي قد تتمثل في النزوع النفسي الانتحاري للزوجة المأزومة، كما في احتجاجها الصارخ على فساد الأحلام. وقد تكون متصلة بفشل المثال اللغوي «الفحولي» في أن يوفر للشاعرة على أرض الواقع المحسوس، ما يعصمها من السقوط، وهي التي استشعرت مصيرها القاتم في غير نص شعري، وفي قولها على وجه الخصوص:
ماذا أقول عندما ضباب عيني سيحجب النور؟
ماذا أقول عندما الموت يُثقل جفني؟
لقد غنيت الحقول والجداول
وها أخرج من الحياة، لا ذليلة ولا فخورة
ولكنني فقط أُخفض رأسي
وأرجع من حيث أتيت...



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.