آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

هل كان انتحارها المأساوي ثمرة تصدعاتها النفسية أم رهاناتها الخاسرة؟

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
TT

آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982

قد تكون العلاقة الزوجية القصيرة التي عاشها كل من سعيد عقل وآمال جنبلاط في مطالع الثمانينات من القرن المنصرم، إحدى أكثر العلاقات بين المبدعين غرابة ومأساوية. صحيح أن تلك التجربة الغامضة لم تدم أكثر من خمسين يوماً من الزمن، قبل أن تبلغ خاتمتها الصادمة بانتحار الزوجة الشابة، ولكن الصحيح أيضاً أنها لا تزال تبدو أقرب إلى الأحجية الشائكة والملابسات المحيرة منها إلى أي شيء آخر. ولعل هذه الملابسات بالذات، هي ما استوقف العديد من القراء والمهتمين، وأثار فضولهم لاستجلاء ما خفي من وجوه تلك العلاقة الملغزة، وفي طليعة هؤلاء محمود زيباوي وعبده وازن ومحمد الحجيري.
والواقع أن أي استدعاء راهن لمشهديتي الزفاف والانتحار، لا يمكن أن يغض الطرف عن الأبعاد الدلالية لذلك الارتباط الدراماتيكي الذي يبدو منتزعاً من إحدى مسرحيات لوركا، أو من أحشاء الأسطورة التي كان سعيد عقل شغوفاً باعتناقها أو اختراعها. ومع أن كلا المشهديتين المتقاربتين في الزمن قد تم تناولهما بالدراسة والتحليل من قبل العديد من النقاد والمهتمين، فإن الحدث المؤثر كان يمكنه أن يحظى باهتمام أكبر لو لم يتمكن الغبار الكثيف الذي أثاره الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية في يونيو (حزيران) عام 1982 من صرف الأنظار باتجاه مأساته الأشمل وهوله الأشد وطأة. وإذا كانت المسافة الفاصلة بين الطلقتين اللتين سددهما كل من آمال جنبلاط وخليل حاوي نحو رأسيهما المثخنين بالكوابيس لا تتجاوز الأيام المعدودة، فإن كلاً منهما كان يعبر على طريقته عن احتجاجه الصارخ على بؤس العالم وفساده وانسداد أفقه.
على أن أي قراءة معمقة للعلاقة بين الطرفين، لا بد أن تسبقها وقفة سريعة عند صورة المرأة في نتاج سعيد عقل الشعري. فالمرأة عند عقل لا تحضر بوصفها كينونة إنسانية واقعية، تتشكل من لحم الحياة ودمها الفعليين، بل بوصفها كائناً أثيرياً يشكل تغييبه الواقعي الشرط الأهم لاستدراجه إلى خانة التخييل. لا بل ليس ثمة من حاجة عنده إلى المرأة الواقعية، ما دام هو الذي يتكفل باختراعها من عندياته، بدءاً من الاسم نفسه ووصولاً إلى مواصفاتها الأثيرية. فليس بالضرورة أن تكون دلزى ومركيان وجلنار وتيانار ونلارا، أسماء لنساء حقيقيات، ما دامت امرأة عقل هي السراب بعينه كما في قوله:
أجمل ما يؤثر عن أرضنا أوهامها أنكِ زرتِ الوجودْ
وحتى لو قدر لامرأة سعيد عقل أن تنزل من عالمها السديمي لتلامس الأرض، فهي أقرب إلى الفكرة الفلسفية منها إلى الكائن الحي ذي الملامح المحسوسة، كما يظهر من البيت الشهير واللافت في دلالاته الذهنية المجردة:
لوقعكِ فوق السرير مهيبٌ كوقع الهنيهة في المطلقِ
وإذا حدث للمرأة أن تجسدت في شكلٍ وقوامٍ وملامح بعينها، فإن جسدها لا يتشكل في أغلب الأحيان في نصاب جمالي مكتمل، بل يحضر عبر أجزاء مستقلة وقائمة بذاتها، بحيث يتناول الشاعر عيني حبيبته وفمها وشعرها وقدميها، كلاً على حدة. وهو إذ يفعل ذلك يؤكد من خلال رؤية للأنوثة مثالية وشبه أفلاطونية، أن للمرأة حضوراً طيفياً ينبغي أن يحض الشعراء على الكتابة ويرفدهم بعوامل الإلهام، وأن ما تملكه الأنوثة من جمال خلاب، يجب أن يكون غير قابل اللمس، وأن يظل قيد المخيلة والوجد والشغف الخالص، كمثل قوله:
وقربكِ لي معبدٌ لا يُمس يُزار ويُعبد من شاسعِ
ولعل هذا الإعلاء الشعري المفرط للمرأة، كان يجد مكوناته الأولى في طفولة سعيد عقل المبكرة، وهو الذي التحق في صباه بمدرسة الإخوة المريميين، كما جرت تنشئته من قبل أسرته وفق التقاليد المسيحية المحافظة التي كانت تسود مدينته زحلة في العقود الأولى من القرن العشرين. وقد بدت دراسته للاهوت المسيحي، ومن ثم تدريسه له في وقت لاحق، بمثابة ترجمة فعلية لتشربه تعاليم ذلك اللاهوت والافتتان بالشخصيتين النسائيتين الأكثر بروزاً في الديانة المسيحية، وهما مريم العذراء، ذات الجسد الأثيري المجرد من الشهوات، ومريم المجدلية التي زودته بتصور ملتبس عن المرأة يتراوح بين الحسية الإيروتيكية وبين الإلحاح المضني على طلب الغفران. وإذا كانت أغوار الشاعر قد ظلت محل تنازع قاس بين الصورتين، فإن «التسوية» التي عقدها مع نفسه بدت وكأنها تقضي بتحويل شعره إلى منمنمات جمالية وبلورية لجسد المرأة «المتحفي»، وبإعلاء الجسد الأمومي للمرأة الذي يتقمص صورة «الحبل بلا دنس» من خلال مريم العذراء، أو صورة «الدنس» الطهور في حدوده اللازمة للإنجاب، كما هو حال أمه أديل يزبك.
ولما كان عقل قد أعلن في إحدى المناسبات أن المرأتين الوحيدتين اللتين أحبهما بكل جوارحه هما مريم العذراء وأمه، فإن من حقنا أن نقيم رابطاً ما بين هذا الإعلان الصريح وبين نزوع الشاعر إلى أسطرة المرأة وتنزيهها عن الشهوات، بما يبدو وكأنه ذريعته المثلى لتلافي البعد الجسدي في علاقته بالنساء اللواتي أحبهن. وإذا لم يكن زعم البعض بأن الشاعر كان يعاني من الوهن الجنسي، بسبب مرض ألم به في صباه، بالأمر الذي لا يمكن تأكيده على نحو قاطع، إلا أن من المحتمل أن يكون «تعفف» الشاعر الجنسي مرتبطاً برؤيته المثالية إلى أمه، وبصورتها المنزهة عن أي شبهة شهوانية، بما شكل عائقاً نفسياً بينه وبين الاتصال الجسدي بنساء حياته، تماماً كما كان الحال مع بطل نجيب محفوظ في رواية «السراب».
ومع أن العلاقة الشائكة والمعقدة مع المرأة، لم تمنع سعيد عقل من إعلان خطوبته على سعاد أبي صالح، ابنة الصحافي اللبناني يوسف أبي صالح عام 1952 إلا أن فسخ تلك الخطوبة بعد سنتين اثنتين من إعلانها، لا بد أن يؤكد من جديد مثل ذلك التساؤل الإشكالي. صحيح أن لعزوف عقل الطويل عن الزواج أسباباً جوهرية تتصل بتفرغه للكتابة وحماية صورة المرأة الأثيرية من التشظي، فالأرجح أن من بين هذه الأسباب ما يمكن أن نسميه «رهاب» الاقتراب المفرط من النساء الحقيقيات، كما يتراءين على أرض الواقع السافر، أو فوق أسرة الشهوات.
لكل ما تقدم فإن من حق القارئ المهتم أن يتساءل عن «القطب المخفية» التي حدت بسعيد عقل، وهو في السبعين من عمره، إلى تجاوز مخاوفه المزمنة من الارتباط الزوجي، وصولاً إلى عقد قرانه على الشاعرة الشابة آمال جنبلاط، في الثاني من أبريل (نيسان) 1982، أما من جهة آمال جنبلاط فثمة ما يثير الحيرة في إقدامها على اقترانها بعقل، رغم أن المطبات التي كانت تواجه مثل تلك المجازفة، لا تتصل بفارق السن الشاسع وحده، ولا بالتباينات الدينية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل باختلاف الأمزجة الشخصية والرؤية إلى الجسد والنظرة إلى الحياة، في الوقت ذاته.
وإذا لم يكن من الإنصاف أن ننفي دور الإعجاب المتبادل والانجذاب الشخصي، في الإقدام على تلك الخطوة، ولو بعد سنوات عديدة من لقاءات الطرفين الأولى، والتي اعترفت جنبلاط لاحقاً أنها هي من بادر إلى وقفها تحاشيا لتبعاتها المرهِقة، فالأرجح أن هذا الزواج لم يكن مجرد استجابة تلقائية لنداءات القلبين، بقدر ما كان حصيلة رهانات متباينة الأهداف، سرعان ما انكشفت هشاشتها حين لم يتطابق حساب الزوج المزهو بقدرته على الإغواء، مع حساب الزوجة الباحثة عبر الشاعر النجم عن خشبة خلاص أخيرة، تدرأ عنها شعورها الممض بفراغ العالم وخوائه وبهتانه. فآمال الشابة والشاعرة المرهفة، والمنتمية إلى أسرة لبنانية سياسية وشديدة العراقة، والخارجة من زواج تقليدي فاشل، رأت في سعيد عقل النموذج الأكثر بهاء لـ«الفحولة» الشعرية التي يتيح اقترانها به ترميماً لروحها المتصدعة، وانعتاقاً رمزياً من الزمن اللبناني «العنين». وهي تبعاً لذلك، لم تر في فارق العمر الذي يفصلها عن صاحب «المجدلية» ما يُفسد إعجابها به كشاعر متفرد، ورجل وسيم ذي كاريزما شخصية لافتة. إضافة إلى رغبتها العميقة بأن تكون ملهمة صاحب «أجراس الياسمين» وعروسة شعره، وهو الذي خصها عند الزفاف بمقطوعة شعرية، ليست بالقطع بين أفضل نصوصه.
والأرجح أن سعيد عقل كان يرى في ذلك الزواج، إضافة إلى ما تقدم، ما يتخطى العلاقة بين طرفيه المباشرين، ليصبح مصاهرة أوسع بين طائفتي الزوجين، بوصفهما الطائفتين المؤسستين للكيان اللبناني. ولم تكن آمال من جهتها بعيدة عن مثل هذا التصور الفضفاض للعلاقة، كما يبدو من الحوار المطول الذي أجرته الإعلامية ديانا هندي مع كلا الزوجين اللذين بدت عليهما أمارات السعادة، متحدثيْن بنبرة متفائلة عن حبهما المتجدد، وعن رغبتهما في الإنجاب، وصولاً إلى تعويلهما المشترك على تحويل زواجهما العابر للطوائف إلى نموذج للوحدة والانصهار الوطنيين. أما سعيد عقل فلم تقتصر رهاناته الخيالية على الدعوة إلى تعميم ذلك النوع من الزواج المختلط، كسبيل فعال لوقف الاقتتال الأهلي بين اللبنانيين، بل كان يأمل على الصعيد الشخصي بأن تمهد له مصاهرته لإحدى أعرق العائلات الدرزية، طريق الوصول إلى سدة الرئاسة في لبنان، وأن تجعل منه النسخة الجديدة والمعدلة عن فخر الدين المعني الثاني الكبير.
لكن الرياح لم تجرِ، لسوء الحظ، وفق ما تشتهي سفن الطرفين. إذ سرعان ما تسبب المسرح الضيق للعلاقة في انكشاف الهوة العميقة التي تفصل بين الزوجة الطافحة بالحيوية، والمتطرفة في تقلبها المزاجي، وبين الزوج المفرط في اعتداده بنفسه، والمحاط بمرايا أناه الشخصية المتفاقمة. إضافة إلى أن نزول المرأة من سماء الأسطورة المتخيلة، باتجاه وجودها الأرضي المتعطش للمس، قد وضعه هو المنهك من أثر السنين، أمام الفجوة الدراماتيكية العميقة التي تشطر السرير الزوجي إلى شطرين شديدي البرودة والتباعد. والأرجح أن الزوج الذي سيج نفسه بمجموعة من الفرضيات المثالية المسبقة عن العالم، لم يصغ جيداً إلى مكابدات الزوجة وقلقها الوجودي وحاجتها الملحة إلى الاحتضان، وهي المصابة وفق الكثير من عارفيها، بنوع حاد من الاكتئاب، يرفعها تارة إلى ذرى السعادة والشغف بالحياة، وينزلها أحياناً أخرى إلى درك الوساوس السوداء والقنوط من الحياة. وإذ كان عقل يحدث أصدقاءه الأقربين عن السخاء غير العادي لزوجته، التي كانت تغمره بمختلف الهدايا، إلا أنه أظهر لبعضهم قلقه الشديد من تعاملها العدائي معه، والذي لم يكن يخلو في حالات الغضب والهياج الشديد من التعبيرات العنفية، لفظاً وسلوكاً، مع تنصله التام من تحمل نصيبه من المسؤولية عما يحدث.
على أن الكتابة عن علاقة آمال جنبلاط بسعيد عقل لا تستقيم، أخيراً، دون التوقف عند التباين الواضح في علاقتهما بالموت، هاجساً وتصوراً وواقعة محتومة. فعند سعيد عقل لا يحضر الموت كهاجس مؤرق أو كوقوع تراجيدي في براثن العدم، بل يحضر، حتى في مراثيه، كحالة لغوية وجمالية بعيدة عن أي ألم عميق أو نبرة فجائعية. أما موته الشخصي فقد ظل، حتى بعد بلوغه المائة، فكرة مستبعدة بالكامل، كما صرح لأحد الصحافيين، مضيفاً بأن الترياق المضاد للفناء الذي يشتغل عليه العلماء لم يعد بعيداً، وأنه سيفيد منه على المستوى الشخصي. أما آمال جنبلاط فقد ظهرت وساوسها المتصلة بالموت على نحو جلي في مجموعتيها الشعريتين «أغنية ليلية» و«الغياب» الصادرتين بالفرنسية عامي 1969 و1974، وقد لاحظ أنسي الحاج في مقالة له، أن نوعاً من الحزن الكاسر كان يخيم على نتاج الشاعرة التي تمتلئ قصائدها بألفاظ الموت وحاشيته، والتي «تعرف أنها لن تعيش، لأنها لا تجد سبباً واحداً يبرهن لها أنها لن تموت».
ومع أن من الصعوبة بمكان، تحاشي السؤال المتعلق بتوقيت الانتحار نفسه، والذي يتعدى من بعض زواياه المصادفة البحتة، فإن صعوبة مماثلة تعترض الباحثين عن إجابة قاطعة عن السؤال المطروح. فهي قد تتمثل في النزوع النفسي الانتحاري للزوجة المأزومة، كما في احتجاجها الصارخ على فساد الأحلام. وقد تكون متصلة بفشل المثال اللغوي «الفحولي» في أن يوفر للشاعرة على أرض الواقع المحسوس، ما يعصمها من السقوط، وهي التي استشعرت مصيرها القاتم في غير نص شعري، وفي قولها على وجه الخصوص:
ماذا أقول عندما ضباب عيني سيحجب النور؟
ماذا أقول عندما الموت يُثقل جفني؟
لقد غنيت الحقول والجداول
وها أخرج من الحياة، لا ذليلة ولا فخورة
ولكنني فقط أُخفض رأسي
وأرجع من حيث أتيت...



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».