آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

هل كان انتحارها المأساوي ثمرة تصدعاتها النفسية أم رهاناتها الخاسرة؟

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
TT

آمال جنبلاط وسعيد عقل... «المركب» الزوجي الذي أغرقته حمولته الزائدة

زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982
زفاف سعيد عقل وآمال جنبلاط عام 1982

قد تكون العلاقة الزوجية القصيرة التي عاشها كل من سعيد عقل وآمال جنبلاط في مطالع الثمانينات من القرن المنصرم، إحدى أكثر العلاقات بين المبدعين غرابة ومأساوية. صحيح أن تلك التجربة الغامضة لم تدم أكثر من خمسين يوماً من الزمن، قبل أن تبلغ خاتمتها الصادمة بانتحار الزوجة الشابة، ولكن الصحيح أيضاً أنها لا تزال تبدو أقرب إلى الأحجية الشائكة والملابسات المحيرة منها إلى أي شيء آخر. ولعل هذه الملابسات بالذات، هي ما استوقف العديد من القراء والمهتمين، وأثار فضولهم لاستجلاء ما خفي من وجوه تلك العلاقة الملغزة، وفي طليعة هؤلاء محمود زيباوي وعبده وازن ومحمد الحجيري.
والواقع أن أي استدعاء راهن لمشهديتي الزفاف والانتحار، لا يمكن أن يغض الطرف عن الأبعاد الدلالية لذلك الارتباط الدراماتيكي الذي يبدو منتزعاً من إحدى مسرحيات لوركا، أو من أحشاء الأسطورة التي كان سعيد عقل شغوفاً باعتناقها أو اختراعها. ومع أن كلا المشهديتين المتقاربتين في الزمن قد تم تناولهما بالدراسة والتحليل من قبل العديد من النقاد والمهتمين، فإن الحدث المؤثر كان يمكنه أن يحظى باهتمام أكبر لو لم يتمكن الغبار الكثيف الذي أثاره الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية في يونيو (حزيران) عام 1982 من صرف الأنظار باتجاه مأساته الأشمل وهوله الأشد وطأة. وإذا كانت المسافة الفاصلة بين الطلقتين اللتين سددهما كل من آمال جنبلاط وخليل حاوي نحو رأسيهما المثخنين بالكوابيس لا تتجاوز الأيام المعدودة، فإن كلاً منهما كان يعبر على طريقته عن احتجاجه الصارخ على بؤس العالم وفساده وانسداد أفقه.
على أن أي قراءة معمقة للعلاقة بين الطرفين، لا بد أن تسبقها وقفة سريعة عند صورة المرأة في نتاج سعيد عقل الشعري. فالمرأة عند عقل لا تحضر بوصفها كينونة إنسانية واقعية، تتشكل من لحم الحياة ودمها الفعليين، بل بوصفها كائناً أثيرياً يشكل تغييبه الواقعي الشرط الأهم لاستدراجه إلى خانة التخييل. لا بل ليس ثمة من حاجة عنده إلى المرأة الواقعية، ما دام هو الذي يتكفل باختراعها من عندياته، بدءاً من الاسم نفسه ووصولاً إلى مواصفاتها الأثيرية. فليس بالضرورة أن تكون دلزى ومركيان وجلنار وتيانار ونلارا، أسماء لنساء حقيقيات، ما دامت امرأة عقل هي السراب بعينه كما في قوله:
أجمل ما يؤثر عن أرضنا أوهامها أنكِ زرتِ الوجودْ
وحتى لو قدر لامرأة سعيد عقل أن تنزل من عالمها السديمي لتلامس الأرض، فهي أقرب إلى الفكرة الفلسفية منها إلى الكائن الحي ذي الملامح المحسوسة، كما يظهر من البيت الشهير واللافت في دلالاته الذهنية المجردة:
لوقعكِ فوق السرير مهيبٌ كوقع الهنيهة في المطلقِ
وإذا حدث للمرأة أن تجسدت في شكلٍ وقوامٍ وملامح بعينها، فإن جسدها لا يتشكل في أغلب الأحيان في نصاب جمالي مكتمل، بل يحضر عبر أجزاء مستقلة وقائمة بذاتها، بحيث يتناول الشاعر عيني حبيبته وفمها وشعرها وقدميها، كلاً على حدة. وهو إذ يفعل ذلك يؤكد من خلال رؤية للأنوثة مثالية وشبه أفلاطونية، أن للمرأة حضوراً طيفياً ينبغي أن يحض الشعراء على الكتابة ويرفدهم بعوامل الإلهام، وأن ما تملكه الأنوثة من جمال خلاب، يجب أن يكون غير قابل اللمس، وأن يظل قيد المخيلة والوجد والشغف الخالص، كمثل قوله:
وقربكِ لي معبدٌ لا يُمس يُزار ويُعبد من شاسعِ
ولعل هذا الإعلاء الشعري المفرط للمرأة، كان يجد مكوناته الأولى في طفولة سعيد عقل المبكرة، وهو الذي التحق في صباه بمدرسة الإخوة المريميين، كما جرت تنشئته من قبل أسرته وفق التقاليد المسيحية المحافظة التي كانت تسود مدينته زحلة في العقود الأولى من القرن العشرين. وقد بدت دراسته للاهوت المسيحي، ومن ثم تدريسه له في وقت لاحق، بمثابة ترجمة فعلية لتشربه تعاليم ذلك اللاهوت والافتتان بالشخصيتين النسائيتين الأكثر بروزاً في الديانة المسيحية، وهما مريم العذراء، ذات الجسد الأثيري المجرد من الشهوات، ومريم المجدلية التي زودته بتصور ملتبس عن المرأة يتراوح بين الحسية الإيروتيكية وبين الإلحاح المضني على طلب الغفران. وإذا كانت أغوار الشاعر قد ظلت محل تنازع قاس بين الصورتين، فإن «التسوية» التي عقدها مع نفسه بدت وكأنها تقضي بتحويل شعره إلى منمنمات جمالية وبلورية لجسد المرأة «المتحفي»، وبإعلاء الجسد الأمومي للمرأة الذي يتقمص صورة «الحبل بلا دنس» من خلال مريم العذراء، أو صورة «الدنس» الطهور في حدوده اللازمة للإنجاب، كما هو حال أمه أديل يزبك.
ولما كان عقل قد أعلن في إحدى المناسبات أن المرأتين الوحيدتين اللتين أحبهما بكل جوارحه هما مريم العذراء وأمه، فإن من حقنا أن نقيم رابطاً ما بين هذا الإعلان الصريح وبين نزوع الشاعر إلى أسطرة المرأة وتنزيهها عن الشهوات، بما يبدو وكأنه ذريعته المثلى لتلافي البعد الجسدي في علاقته بالنساء اللواتي أحبهن. وإذا لم يكن زعم البعض بأن الشاعر كان يعاني من الوهن الجنسي، بسبب مرض ألم به في صباه، بالأمر الذي لا يمكن تأكيده على نحو قاطع، إلا أن من المحتمل أن يكون «تعفف» الشاعر الجنسي مرتبطاً برؤيته المثالية إلى أمه، وبصورتها المنزهة عن أي شبهة شهوانية، بما شكل عائقاً نفسياً بينه وبين الاتصال الجسدي بنساء حياته، تماماً كما كان الحال مع بطل نجيب محفوظ في رواية «السراب».
ومع أن العلاقة الشائكة والمعقدة مع المرأة، لم تمنع سعيد عقل من إعلان خطوبته على سعاد أبي صالح، ابنة الصحافي اللبناني يوسف أبي صالح عام 1952 إلا أن فسخ تلك الخطوبة بعد سنتين اثنتين من إعلانها، لا بد أن يؤكد من جديد مثل ذلك التساؤل الإشكالي. صحيح أن لعزوف عقل الطويل عن الزواج أسباباً جوهرية تتصل بتفرغه للكتابة وحماية صورة المرأة الأثيرية من التشظي، فالأرجح أن من بين هذه الأسباب ما يمكن أن نسميه «رهاب» الاقتراب المفرط من النساء الحقيقيات، كما يتراءين على أرض الواقع السافر، أو فوق أسرة الشهوات.
لكل ما تقدم فإن من حق القارئ المهتم أن يتساءل عن «القطب المخفية» التي حدت بسعيد عقل، وهو في السبعين من عمره، إلى تجاوز مخاوفه المزمنة من الارتباط الزوجي، وصولاً إلى عقد قرانه على الشاعرة الشابة آمال جنبلاط، في الثاني من أبريل (نيسان) 1982، أما من جهة آمال جنبلاط فثمة ما يثير الحيرة في إقدامها على اقترانها بعقل، رغم أن المطبات التي كانت تواجه مثل تلك المجازفة، لا تتصل بفارق السن الشاسع وحده، ولا بالتباينات الدينية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل باختلاف الأمزجة الشخصية والرؤية إلى الجسد والنظرة إلى الحياة، في الوقت ذاته.
وإذا لم يكن من الإنصاف أن ننفي دور الإعجاب المتبادل والانجذاب الشخصي، في الإقدام على تلك الخطوة، ولو بعد سنوات عديدة من لقاءات الطرفين الأولى، والتي اعترفت جنبلاط لاحقاً أنها هي من بادر إلى وقفها تحاشيا لتبعاتها المرهِقة، فالأرجح أن هذا الزواج لم يكن مجرد استجابة تلقائية لنداءات القلبين، بقدر ما كان حصيلة رهانات متباينة الأهداف، سرعان ما انكشفت هشاشتها حين لم يتطابق حساب الزوج المزهو بقدرته على الإغواء، مع حساب الزوجة الباحثة عبر الشاعر النجم عن خشبة خلاص أخيرة، تدرأ عنها شعورها الممض بفراغ العالم وخوائه وبهتانه. فآمال الشابة والشاعرة المرهفة، والمنتمية إلى أسرة لبنانية سياسية وشديدة العراقة، والخارجة من زواج تقليدي فاشل، رأت في سعيد عقل النموذج الأكثر بهاء لـ«الفحولة» الشعرية التي يتيح اقترانها به ترميماً لروحها المتصدعة، وانعتاقاً رمزياً من الزمن اللبناني «العنين». وهي تبعاً لذلك، لم تر في فارق العمر الذي يفصلها عن صاحب «المجدلية» ما يُفسد إعجابها به كشاعر متفرد، ورجل وسيم ذي كاريزما شخصية لافتة. إضافة إلى رغبتها العميقة بأن تكون ملهمة صاحب «أجراس الياسمين» وعروسة شعره، وهو الذي خصها عند الزفاف بمقطوعة شعرية، ليست بالقطع بين أفضل نصوصه.
والأرجح أن سعيد عقل كان يرى في ذلك الزواج، إضافة إلى ما تقدم، ما يتخطى العلاقة بين طرفيه المباشرين، ليصبح مصاهرة أوسع بين طائفتي الزوجين، بوصفهما الطائفتين المؤسستين للكيان اللبناني. ولم تكن آمال من جهتها بعيدة عن مثل هذا التصور الفضفاض للعلاقة، كما يبدو من الحوار المطول الذي أجرته الإعلامية ديانا هندي مع كلا الزوجين اللذين بدت عليهما أمارات السعادة، متحدثيْن بنبرة متفائلة عن حبهما المتجدد، وعن رغبتهما في الإنجاب، وصولاً إلى تعويلهما المشترك على تحويل زواجهما العابر للطوائف إلى نموذج للوحدة والانصهار الوطنيين. أما سعيد عقل فلم تقتصر رهاناته الخيالية على الدعوة إلى تعميم ذلك النوع من الزواج المختلط، كسبيل فعال لوقف الاقتتال الأهلي بين اللبنانيين، بل كان يأمل على الصعيد الشخصي بأن تمهد له مصاهرته لإحدى أعرق العائلات الدرزية، طريق الوصول إلى سدة الرئاسة في لبنان، وأن تجعل منه النسخة الجديدة والمعدلة عن فخر الدين المعني الثاني الكبير.
لكن الرياح لم تجرِ، لسوء الحظ، وفق ما تشتهي سفن الطرفين. إذ سرعان ما تسبب المسرح الضيق للعلاقة في انكشاف الهوة العميقة التي تفصل بين الزوجة الطافحة بالحيوية، والمتطرفة في تقلبها المزاجي، وبين الزوج المفرط في اعتداده بنفسه، والمحاط بمرايا أناه الشخصية المتفاقمة. إضافة إلى أن نزول المرأة من سماء الأسطورة المتخيلة، باتجاه وجودها الأرضي المتعطش للمس، قد وضعه هو المنهك من أثر السنين، أمام الفجوة الدراماتيكية العميقة التي تشطر السرير الزوجي إلى شطرين شديدي البرودة والتباعد. والأرجح أن الزوج الذي سيج نفسه بمجموعة من الفرضيات المثالية المسبقة عن العالم، لم يصغ جيداً إلى مكابدات الزوجة وقلقها الوجودي وحاجتها الملحة إلى الاحتضان، وهي المصابة وفق الكثير من عارفيها، بنوع حاد من الاكتئاب، يرفعها تارة إلى ذرى السعادة والشغف بالحياة، وينزلها أحياناً أخرى إلى درك الوساوس السوداء والقنوط من الحياة. وإذ كان عقل يحدث أصدقاءه الأقربين عن السخاء غير العادي لزوجته، التي كانت تغمره بمختلف الهدايا، إلا أنه أظهر لبعضهم قلقه الشديد من تعاملها العدائي معه، والذي لم يكن يخلو في حالات الغضب والهياج الشديد من التعبيرات العنفية، لفظاً وسلوكاً، مع تنصله التام من تحمل نصيبه من المسؤولية عما يحدث.
على أن الكتابة عن علاقة آمال جنبلاط بسعيد عقل لا تستقيم، أخيراً، دون التوقف عند التباين الواضح في علاقتهما بالموت، هاجساً وتصوراً وواقعة محتومة. فعند سعيد عقل لا يحضر الموت كهاجس مؤرق أو كوقوع تراجيدي في براثن العدم، بل يحضر، حتى في مراثيه، كحالة لغوية وجمالية بعيدة عن أي ألم عميق أو نبرة فجائعية. أما موته الشخصي فقد ظل، حتى بعد بلوغه المائة، فكرة مستبعدة بالكامل، كما صرح لأحد الصحافيين، مضيفاً بأن الترياق المضاد للفناء الذي يشتغل عليه العلماء لم يعد بعيداً، وأنه سيفيد منه على المستوى الشخصي. أما آمال جنبلاط فقد ظهرت وساوسها المتصلة بالموت على نحو جلي في مجموعتيها الشعريتين «أغنية ليلية» و«الغياب» الصادرتين بالفرنسية عامي 1969 و1974، وقد لاحظ أنسي الحاج في مقالة له، أن نوعاً من الحزن الكاسر كان يخيم على نتاج الشاعرة التي تمتلئ قصائدها بألفاظ الموت وحاشيته، والتي «تعرف أنها لن تعيش، لأنها لا تجد سبباً واحداً يبرهن لها أنها لن تموت».
ومع أن من الصعوبة بمكان، تحاشي السؤال المتعلق بتوقيت الانتحار نفسه، والذي يتعدى من بعض زواياه المصادفة البحتة، فإن صعوبة مماثلة تعترض الباحثين عن إجابة قاطعة عن السؤال المطروح. فهي قد تتمثل في النزوع النفسي الانتحاري للزوجة المأزومة، كما في احتجاجها الصارخ على فساد الأحلام. وقد تكون متصلة بفشل المثال اللغوي «الفحولي» في أن يوفر للشاعرة على أرض الواقع المحسوس، ما يعصمها من السقوط، وهي التي استشعرت مصيرها القاتم في غير نص شعري، وفي قولها على وجه الخصوص:
ماذا أقول عندما ضباب عيني سيحجب النور؟
ماذا أقول عندما الموت يُثقل جفني؟
لقد غنيت الحقول والجداول
وها أخرج من الحياة، لا ذليلة ولا فخورة
ولكنني فقط أُخفض رأسي
وأرجع من حيث أتيت...



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».