العالم يترقب «مفاجآت بوتين» في «عيد النصر»

المناسبة الأبرز في روسيا تعكس تاريخاً من المفارقات والسجالات مع الغرب

عشرات الروس يتابعون استعدادات العرض العسكري في عيد النصر بموسكو أمس (أ.ب)
عشرات الروس يتابعون استعدادات العرض العسكري في عيد النصر بموسكو أمس (أ.ب)
TT

العالم يترقب «مفاجآت بوتين» في «عيد النصر»

عشرات الروس يتابعون استعدادات العرض العسكري في عيد النصر بموسكو أمس (أ.ب)
عشرات الروس يتابعون استعدادات العرض العسكري في عيد النصر بموسكو أمس (أ.ب)

يترقب العالم غداً احتفال روسيا الكبير بعيد النصر على النازية. يكتسب العيد هذا العام أهمية خاصة على خلفية الحرب الدائرة في أوكرانيا. ملايين في أنحاء العالم يستعدون لمشاهدة أرتال الجيوش والقطع العسكرية، وهي تعبر الساحة الحمراء في وسط موسكو، في العرض العسكري الضخم الذي غدا تقليداً سنوياً ثابتاً، منذ أن وضع الرئيس فلاديمير بوتين استراتيجيته لـ«استعادة أمجاد الدولة العظمى» خلال ولايته الرئاسية الثانية (2004 - 2008).
يراقب العالم هذا العرض، وهو يتحسب لـ«مفاجآت بوتين» المنتظرة. وهي قد لا تقتصر على طرازات الأسلحة والمعدات الحديثة التي بات يمتلكها ساكن الكرملين ويزهو في كل خطاب ومناسبة بأنها «لا مثيل لها في العالم»، إذ يمتد الفضول إلى ما سيقوله الرجل وهو يقود الاحتفال قرب أسوار الكرملين، مدركاً أن العالم كله يراقب بإمعان شديد في هذه اللحظة، كل كلمة أو التفاتة يقوم بها.
لم يترك الغرب الكثير من مجالات التأويل أمام موظفي الكرملين الذين يعكفون حالياً على وضع الصياغة الأخيرة لخطاب بوتين، إذ بدا خلال الأسبوع الأخير كأن دوائر الأجهزة الخاصة ووسائل الإعلام الغربية قد وضعت عدة نسخ من الخطاب المنتظر، فهي استبقت جهد الرئيس الروسي الذي يحرص على مراجعة كل جملة في خطاباته، ويضع هوامشه وعباراته الخاصة فيها.
«كشف» الغرب في البداية أن بوتين سيسرع عملياته استعداداً لإعلان نصر في أوكرانيا في الخطاب الموعود. كان على الجيش الروسي إذن أن يحسم القتال في غضون أسبوعين قبل الموعد المنتظر. ثم قال إن بوتين سيعلن في هذا اليوم، «حرباً شاملة» على أوكرانيا، منهياً مرحلة «العملية العسكرية الخاصة». وأكد أنه سيعزز جيشه في أوكرانيا بإعلان التعبئة العامة في البلاد.

جنود روس يشاركون في تدريبات استعداداً لعيد النصر في موسكو  (رويترز)

وفي رواية أخرى للخطاب المنتظر، توعدت تقارير غربية العالم بـ«يوم القيامة» الذي سوف يلوح به بوتين في وجه خصومه خلال الاستعراض العسكري الضخم في عيد النصر. والمقصود هنا طائرة من طراز «إليوشن 80» تعد الأحدث في سلاح الطيران، وحملت تلك التسمية الغريبة لأنها كما يقول البعض مجهزة لنقل كبار الجنرالات والقادة السياسيين إلى مخابئ آمنة في حال اندلعت مواجهة نووية.
كل «اكتشافات» الغرب في خطاب بوتين المنتظر، لم تجد ما يؤكدها. وواصل الكرملين اعتماد سياسة الغموض، وتكتم بشدة على المفاصل الأساسية لحديث الرئيس الروسي في المناسبة الأهم في البلاد. من المؤكد فقط أن الرئيس الروسي سيضع، كما يقول خبراء، «النقاط على الحروف» في التقويم الروسي لمسار العمليات العسكرية الجارية ومآلات مراحلها المقبلة.
- عيد النصر... أهمية خاصة هذا العام
تحظى المناسبة بمكانة خاصة عند الروس، فعيد النصر على النازية قد يكون المناسبة الوحيدة التي تجمع عليها كل مكونات الشعب الروسي، بقومياته المتعددة وتوجهاته المختلفة، والتي لم تتغير مكانتها وأهميتها مع كل التقلبات والمآسي التي شهدتها روسيا في عهود التراجع والعوز وفقدان الهيبة، بل بالعكس من ذلك، ظلت المناسبة المدخل الأساسي للتذكير دائماً بأمجاد الدولة العظمى في السابق.
ولا يرتبط ذلك فقط بالرمزية الكبرى التي تحملها فكرة «الانتصار» في «الحرب الوطنية العظمى»، وهي التسمية الروسية للحرب العالمية الثانية. إذ يدخل هنا الحرص على استعادة زخم «الدور التاريخي» لروسيا، عبر إعلاء شعار أن «روسيا أنقذت العالم» من شرور هتلر، وصولاً إلى الفكرة المهمة التي رسختها بقوة الدعاية الرسمية على مدى السنوات الأخيرة، وهي أن «الروس قادمون» لإنقاذ البشرية مجدداً من كل خطر أو تهديد.
هنا تكمن الأهمية الخاصة للمناسبة في هذا العام، انطلاقاً من أن روسيا في الحرب الأوكرانية تواجه «حرباً عالمية» لا تكاد تختلف، وفقاً للدعاية الرسمية، واستناداً إلى اتساع نطاق المواجهة على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية عن الحرب الكبرى التي خاضها الاتحاد السوفياتي في الأعوام بين 1941و1945، والأهم أن «العدو» في الحالتين هو «النازية»، كما جاء مراراً في تبرير المسؤولين الروس للعملية العسكرية في أوكرانيا. وقد تعكس كلمات غينادي زيوغانوف، زعيم الحزب الشيوعي الروسي، المؤيد تماماً سياسات الكرملين في أوكرانيا حالياً، منطق السياسة الداخلية الموجهة بقوة لعقد المقارنات بين «النازية التي هزمها الاتحاد السوفياتي في أواسط القرن الماضي، والنازية التي سوف تنتصر عليها روسيا حتماً» في المواجهة الحالية. هكذا قال زيوغانوف وهو يؤكد لأنصاره في احتفال أن أوكرانيا الحالية بقيادتها «النازية لا تختلف كثيراً عن نظام هتلر، وربما تكون أسوأ».
على هذه الخلفية، لن يراقب معظم الروس غداً العرض العسكري في الساحة الحمراء إلا مع قناعة راسخة بأن «المشهد يتكرر»، وأن العرض المقبل قد تسير فيه أرتال المنتصرين في حرب أوكرانيا كما سارت منذ 77 سنة أرتال العائدين من الحرب الكبرى التي توجت بالانتصار.
- 9 مايو... يوم لاستعادة دروس التاريخ
قد لا يعرف كثيرون أن هذا العيد المهم ارتبط على مدى عقود بسجالات واسعة بين روسيا والغرب زادت حدتها، خلال السنوات الأخيرة، مع اتهام روسيا للغرب بتزوير التاريخ، عبر تسجيل أحداث النصر في 1945 بلغة «المنتصر في الحرب الباردة». هذه المناسبة أحيطت بالكثير من المشاعر، نظراً لأن الاتحاد السوفياتي دفع ثمناً باهظاً للانتصار، تمثل في سقوط نحو 25 مليون نسمة وفقاً لأرقام رسمية، بينما تشير تقديرات باحثين بعد انهيار الدولة السوفياتية إلى أن الرقم الحقيقي لضحايا الحرب زاد على 38 مليون نسمة. لذلك ارتبطت المناسبة بكلمات الأغنية الشعبية المنتشرة بقوة منذ عقود «إنه عيد والدموع في عينيك». لكن تاريخ هذا العيد ارتبط أيضاً بأحداث لافتة ومفارقات وسجالات.
من المفارقات، الحادثة التي تفسر سبب احتفال أوروبا والعالم بالنصر على النازية في 8 مايو، خلافاً لروسيا التي تحتفل في 9 مايو.
تم التوقيع على بروتوكول أولي باستسلام ألمانيا النازية، ليلة 8 مايو 1945 في ريمس بمقر أيزنهاور. وقع الوثيقة من الجانب الألماني المشير جودل ومن الجانب السوفياتي الجنرال سوسلوباروف. ونص البروتوكول على أنه اعتباراً من 8 مايو، يتوقف الجيش الألماني تماماً عن الأعمال العدائية على جميع الجبهات. وبعد ذلك مباشرة، سارعت الصحف الأميركية والبريطانية إلى التصريح بأن الجيش الألماني قد استسلم للحلفاء بدءاً من ذلك التاريخ.
لكن ستالين لم يكن راضياً عن هذا الوضع. كان رأيه أن مثل هذا الحدث المهم في تاريخ العالم يجب أن يتم، أولاً، بمراسم رسمية كبيرة، وثانياً، في عاصمة ألمانيا النازية. وهكذا، وبمشاركة ممثلي وسائل الإعلام وقوات الحلفاء والقوات السوفياتية في برلين، تم التوقيع في الليلة التالية 8 - 9 مايو 1945، على وثيقة الاستسلام غير المشروط لألمانيا. من الجانب الألماني، وقعها المشير كايتل ومن الجانب السوفياتي المارشال جوكوف. بدأت المراسم في منتصف ليل 9 مايو، واستغرقت 43 دقيقة.
كانت المفارقة أن تاريخ الاستسلام المشار إليه في الوثيقة كان 8 مايو، الساعة 11 مساء بتوقيت برلين، ولكن نظراً لفارق التوقيت بين برلين وموسكو بمقدار ساعة واحدة، فقد تحدد موعد «الانتصار السوفياتي» في منتصف ليل 9 مايو.
ورغم أن روسيا، كما الاتحاد السوفياتي، تحتفل رسمياً بالمناسبة في التاسع من مايو، لكن العرض العسكري الأول للمنتصرين في الحرب كان قد أقيم في الساحة الحمراء ليس في هذا اليوم بل في 24 يونيو (حزيران) 1945. كان العرض الأول بقيادة الجنرال قسطنطين روكوسوفسكي الذي قاد معركة النصر الحاسمة.
ومن عجائب المفارقات بين الماضي والحاضر، أن هذا القائد العسكري كان الجنرال الوحيد في التاريخ الذي مثَّل بلدين في نفس الوقت، هما الاتحاد السوفياتي وبولندا موطنه الأصلي والعدو اللدود لروسيا في الحرب الحالية على «النازية».
وكان في استقباله في الساحة الحمراء لدى دخول الأرتال المنتصرة، قائد الجيوش الروسية المارشال غيورغي جوكوف الذي يوصف بأنه صانع النصر الحقيقي، والذي ربطته بالزعيم السوفياتي علاقات متناقضة للغاية. وكان بين قلة قليلة تجرؤ، كما كتب مؤرخون، على مخالفة أوامر القائد الأعلى.
لكن عرض النصر الأول، خلافاً للاستعراضات المهيبة في سنوات لاحقة، كان الأسرع في تاريخ روسيا. ولم يكن من الممكن تجنب الأعطال الفنية وعدم الاتساق. على وجه الخصوص، لم يكن لدى المنظمين الوقت لتطوير زي جديد للجنود والضباط، ولم يرغبوا في إجراء الاستعراض بالزي الميداني، لكنهم وجدوا صعوبات في حياكة أزياء جديدة، بسبب افتقاد البلاد للمواد اللازمة في ظروف ما بعد الحرب مباشرة؛ لذلك تم تصميم نموذج خاص من البزات العسكرية وخياطتها على عجل من مواد مصبوغة بشكل سيئ. ولسوء الحظ، هطلت أمطار أثناء العرض، وكانت النتيجة كما كتب أحد المؤرخين أن «جنود الخطوط الأمامية وقفوا بصلابة، لم يتأثروا كثيراً بالبرك الملونة من حولهم، مع خطوط من الطلاء سالت على وجوههم».
- عرض عضلات عسكرية
من المفارقات أيضاً أن تاريخ الاحتفالات بعيد النصر لم يكون دوماً مناسبة لعرض العضلات العسكرية، بل إن الاتحاد السوفياتي كونه الطرف «المنتصر» في الحرب، لم يكن يولي اهتماماً كبيراً للعروض العسكرية إلا إذا تزامنت المناسبة مع أحداث كبرى يرغب في توجيه رسائل من خلالها.
في المقابل، فإن انتظام العروض العسكرية جاء مع صعود نجم بوتين بقوة كقائد يسعى لاستعادة أمجاد بلاده الغابرة.
وهكذا، فإن الساحة الحمراء لم تشهد بعد العرض العسكري لفوج المنتصرين في الحرب أي عروض عسكرية مهيبة قبل إقرار يوم عطلة ومناسبة وطنية كبرى في هذا التاريخ في عام 1965، في تلك السنة، حرص الجيش الأحمر على عرض أبرز إنجازاته العسكرية أمام العالم.
أقيم العرض التالي في الميدان الأحمر فقط في عام 1985، في ذلك الوقت كانت الدولة العظمى قد بدأت للتو في مخاض الإصلاحات الكبرى التي أريد منها ضخ دماء جديدة وإعادة بناء نظام الدولة سياسياً واقتصادياً، لكن بعد ذلك، تم العرض التالي في عام 1990، ثم في عام 1995 وفي المرتين جرى الاحتفال بيوم النصر مع أحداث أخرى، ولكن بدون استعراض للقوات العسكرية.
أما التطور الأبرز بعد غياب العروض الكبرى عن الساحة الحمراء لسنوات، فقد جاء في عام 2008، كان بوتين قد أطلق سياسة الاعتراض على «الهيمنة الغربية»، وأمر باستعراض أنياب روسيا العسكرية في يوم النصر. وبات العرض العسكري الكبير مناسبة تقام سنوياً، وتعرض فيها روسيا أحدث الطرازات من الأسلحة والمعدات التي لوح بها بوتين أكثر من مرة في خطاباته الحماسية.
ومع ترقب الخطاب الأكثر أهمية خلال السنوات الأخيرة، يضع العالم تاريخ التاسع من مايو هذا العام كنقطة فاصلة في الحرب الجارية، ليس فقط مع أوكرانيا بل مع «الغرب كله».


مقالات ذات صلة

واشنطن تعيد توزيع الأدوار في الحرب الروسية - الأوكرانية

تحليل إخباري خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب) p-circle

واشنطن تعيد توزيع الأدوار في الحرب الروسية - الأوكرانية

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، قلّصت إدارة ترمب تدريجياً دورها المباشر في قيادة جهود دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل الرئيسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري أرشيفية لجنود روس في أحد ميادين التدريب بمنطقة فولغوغراد الروسية (أ.ب)

تحليل إخباري بعد 4 سنوات من الحرب... كيف تبدَّلت خرائط أوكرانيا وروسيا؟

نجحت موسكو في تكريس واقع ميداني جديد كلياً، يوفر مجالات أوسع للمناورة وهوامش عريضة للتفاوض بواقع مربح جداً للكرملين.

رائد جبر (موسكو)
آسيا  لافتة كُتب عليها «النصر سيكون لنا» على جدار السفارة الروسية في سيول (ا.ف.ب)

كوريا الجنوبية تحتج على لافتة «نصر» معلقة على السفارة الروسية في سيول

احتجت كوريا الجنوبية لدى روسيا بعدما رفعت سفارتها في سيول لافتة عملاقة كُتب عليها سيو سيول «النصر سيكون لنا»، في إشارة واضحة إلى ذكرى غزو أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا مجندون أوكران يتلقون تدريبات قاسية بالقرب من الجبهة في منطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

هجوم أوكراني يلحق أضرارا جسيمة بالبنية التحتية في بيلغورود الروسية

وصف جلادكوف الهجوم بأنه «ضخم» ولم يقتصر تأثيره على مدينة بيلغورود، التي تبعد 40 كيلومترا عن الحدود، بل امتد للمنطقة المحيطة بها.

«الشرق الأوسط» (بيلغورود)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز)

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطا للنفط

ستعطل المجر المصادقة على حزمة العقوبات العشرين التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزود البلاد النفط من موسكو.

«الشرق الأوسط» (بودابست)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended