«مواجهة كلامية» بين واشنطن وموسكو في مجلس الأمن

نيبينزيا حمل على «نفاق» الغرب... وغرينفيلد رفضت «نظريات المؤامرة»

جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
TT

«مواجهة كلامية» بين واشنطن وموسكو في مجلس الأمن

جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)

حض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دول العالم على الوحدة من أجل وقف حرب روسيا في أوكرانيا، واصفاً الحرب الجارية منذ نحو عشرة أسابيع بأنها «بلا معنى» و«لا حدود لقدرتها على إحداث ضرر عالمي». وتبادل المندوبان الأميركي والروسي الاتهامات في جلسة مجلس الأمن مساء الخميس، مع سعي الولايات المتحدة ودول أخرى إلى «محاسبة» روسيا على «الجرائم» التي ترتكبها في أوكرانيا، وإدانة موسكو «مكر» الغرب وعدد من المسؤولين الأمميين.
تزامنت الجلسة الأممية مع تواصل عمليات لإجلاء المزيد من المدنيين المحاصرين في مصنع آزوفستال للصلب في مدينة ماريوبول. وساعدت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع الجيش الروسي والسلطات الأوكرانية حتى الآن في إجلاء نحو 500 مدني من المنطقة في عمليتين خلال الأسبوع الماضي. ولم يوضح غوتيريش تفاصيل عملية ثالثة بدأت بالفعل «تلافياً لتقويض النجاح المحتمل».
وعقد مجلس الأمن جلسة مساء الخميس بتوقيت نيويورك، هي الأولى برئاسة الولايات المتحدة منذ توليها رئاسة المجلس لشهر مايو (أيار) الجاري، عرض فيها أحدث التطورات فيما يتعلق بالوضعين الأمني والإنساني وجهود الأمم المتحدة لمساعدة المدنيين وإنقاذهم في العديد من المناطق الأوكرانية. واستمع أعضاء المجلس إلى إحاطات من المسؤولين الكبار في الأمم المتحدة، وبينهم الأمين العام ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية منسق المعونة الطارئة مارتن غريفيث والمفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشال باشيليت.
وتحدث غوتيريش عن الزيارة التي قام بها أخيراً لكل من موسكو وكييف، واجتماعاته مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال إنه خلال وجوده هناك «لم ألطف الكلمات»، مكرراً أن «الغزو الروسي لأوكرانيا هو انتهاك لوحدة أراضيها ولميثاق الأمم المتحدة»، وأضاف أنه «يجب أن يتوقف من أجل الشعبين الأوكراني والروسي والعالم بأسره». وإذ ذكر بمناشدته الرئيس الروسي على ضرورة تمكين وصول المساعدات الإنسانية وعمليات الإجلاء من المناطق المحاصرة، بما في ذلك ماريوبول ومصنع آزوفستال، عرض العمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والسلطات الروسية والأوكرانية لتحقيق هذه الغاية بنجاح على رغم أن هذه «عملية إنسانية بالغة التعقيد، من الناحيتين السياسية والأمنية». وأمل في أن يؤدي التنسيق المستمر إلى مزيد من الهدنات الإنسانية بغية «إخراج الناس من هذا الجحيم». وقال غوتيريش: «يحدوني الأمل في أن يؤدي التنسيق المتواصل مع موسكو وكييف إلى مزيد من عمليات وقف القتال لأسباب إنسانية لتوفير ممر آمن للمدنيين بعيداً عن مناطق القتال والسماح بوصول المساعدات إلى أولئك المحتاجين إليها بشدة».
وتكلم غوتيريش أيضاً عن «الحاجة إلى إجراءات سريعة وحاسمة لضمان التدفق المستمر للغذاء والطاقة إلى الأسواق»، داعياً إلى رفع قيود التصدير ومعالجة الزيادات في أسعار المواد الغذائية وتهدئة تقلبات السوق. وقال إن «الحرب على أوكرانيا لا معنى لها ولا ترحم في أبعادها ولا حدود لقدرتها على إحداث ضرر عالمي»، مشدداً على «وجوب أن تتوقف دورة الموت، والدمار، والتشريد، والاضطراب. حان الوقت للوحدة وإنهاء هذه الحرب».
- الوضع الإنساني
أفاد غريفيث بأن تدمير البنية التحتية المدنية صار من سمات هذا النزاع، مشيراً إلى تعرض المباني السكنية والمدارس والمستشفيات في المناطق المأهولة للهجوم. وقال: «أجبر أكثر من 13 مليون أوكراني الآن على الفرار من ديارهم، بينهم هنام 7.7 مليون نازح داخلياً». ولفت إلى أن الطرق مليئة بالذخائر، ما يعرض المدنيين للخطر ويمنع القوافل الإنسانية من الوصول إليهم. ومع ذلك، «وصلنا إلى أكثر من 4.1 مليون شخص بشكل من أشكال المساعدة في كل المقاطعات الـ24 في البلاد». وأوضح أن الأمم المتحدة «تمكنت حتى الآن من تنظيم خمس قوافل مساعدات مشتركة بين الوكالات إلى بعض المناطق الأشد تضرراً».
- انتهاكات جسيمة
أما باشيليت، فقالت إن بعثة المفوضية السامية إلى أوكرانيا «تواصل التحقق من مزاعم انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي في سياق الهجمات المسلحة التي تشنها روسيا على أوكرانيا»، مضيفة أن مكتبها «سجل 6731 حالة من الخسائر في صفوف المدنيين» منذ بدء الهجوم الروسي المسلح على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، علماً بأن «العدد الحقيقي أكبر بكثير». وأكدت أن التقارير عن الحوادث المميتة مثل تلك التي طالت مستشفى رقم ثلاثة والمسرح في ماريوبول ومحطة القطار في كراماتورسك والمناطق السكنية في أوديسا «أصبحت تتواتر بشكل صادم». وأشارت إلى رصد 180 حالة، خمس منها انتهت بوفاة الضحايا، من «الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري لممثلين عن السلطات المحلية وصحافيين ونشطاء مجتمع مدني وأفراد من القوات المسلحة والعسكريين المتقاعدين، وغيرهم من المدنيين، على يد القوات الروسية المسلحة والمجموعات المسلحة الموالية لها».
واستمع أعضاء المجلس أيضاً إلى إحاطة من منسقة المناصرة في منظمة «الحق في الحماية» الأوكرانية تاتيانا لوزان، التي تحدثت عن الجهود المشتركة التي «تهدف إلى دعم الأوكرانيين الشجعان الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية» لمقاومة الحرب الروسية.
- «مكر ونفاق»
استهل المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، كلمته بانتقاد الإحاطات التي قُدمت، بما في ذلك «التقييم الأحادي» من باشيليت. وكذلك حمل على «مكر» بعض الدول التي «لطالما حلمت بتحويل أوكرانيا جسراً وساحة معركة ضد روسيا». وأكد أن مسؤولي تلك الدول «فعلوا ذلك منذ استقلال أوكرانيا قبل 30 عاماً، سياسياً وآيديولوجياً، واليوم يواصلون القيام بذلك من خلال تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا». واعتبر أن «سلطات كييف أيضاً ماكرة وغير قادرة على التفاوض وتنتهج الأكاذيب وأساليب الخداع، بما في ذلك ضد شعبها طوال هذه السنوات (…) بدلاً من تلبية حاجات الدولة، مع الوجود المتنامي للفساد والأوليغارشيين في أوكرانيا»، فضلاً عن «محاولة نكران كل ما هو روسي». ووصف ما يحدث الآن بأنه «حرب بالوكالة بين الغرب وروسيا». وقال: «اليوم لا نزال نُصعق بسبب نفاق الشركاء الغربيين، فمسألة الاعتداء الأميركي على العراق وليبيا وسوريا ويوغوسلافيا أو الحملة على أفغانستان أو ما حصل أيضاً في فيتنام، كأنه أصبح من الماضي».
- «محاسبة» روسيا
في المقابل، قالت رئيسة مجلس الأمن، للشهر الجاري، المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد إن «روسيا انتهكت ميثاق الأمم المتحدة. وتجاهلت دعوتنا العالمية الموحدة لإنهاء هذه الحرب»، مضيفة أن «الرسالة التي ما زلنا نسمعها بصوت عالٍ وواضح من موسكو هي أن روسيا لا تحترم أو تؤمن بالأمم المتحدة وميثاقنا، ولن تكون جهة فاعلة مسؤولة في النظام الدولي». وذكرت أن «روسيا كذبت على هذا المجلس مراراً وتكراراً بسلسلة جامحة من نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة. كذب أكثر سخافة مما سبقه». وحضت المجلس على مساعدة أوكرانيا وشعبها من أجل «العودة إلى الحياة الطبيعية. يمكننا القيام بذلك بطريقتين: من خلال دعم الشعب الأوكراني وجهوده، ومحاسبة روسيا». وأكدت أن الولايات المتحدة تدعم مجموعة من التحقيقات الدولية في الفظائع المرتكبة في أوكرانيا، بما في ذلك جهود المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وغيرها.
ودعا معظم أعضاء مجلس الأمن، بمن في ذلك ممثلو الصين والولايات المتحدة وإيرلندا وفرنسا والمكسيك إلى «إنهاء الحرب». وقال المندوب الصيني تشانغ جون إن «الحوار والمفاوضات وحدهما سيسمحان بوقف المعارك»، منتقداً إرسال أسلحة إلى أوكرانيا. ودعا نظيره الكيني مارتن كيماني الأمين العام للمنظمة الدولية إلى القيام بعملية «وساطة» لوقف الحرب.
وأخيراً، اتهم المندوب الأوكراني سيرغي كيسليتسيا روسيا بإطلاق أكثر من ألفي صاروخ على المدن الأوكرانية، مشيراً إلى أن غالبية تلك الصواريخ طالت المدنيين وليس البنى التحتية العسكرية. وكذلك اتهم روسيا باستهداف الأمن الغذائي لبلاده والعالم. وقال: «سرقت روسيا نحو 400 ألف طن من الحبوب من المناطق المحتلة... إضافة إلى سرقة الحبوب تقوم روسيا بشن هجمات على صوامع الحبوب والبنى التحتية الزراعية وأماكن الأسمدة وتواصل سرقة معدات الزراعة».
وكشف دبلوماسيون أن النرويج والمكسيك، وهما عضوان غير دائمين في المجلس، قدما نصاً إلى شركائهما يعبر عن «دعم قوي لمساعي الأمين العام الحميدة في البحث عن حل سلمي». ولكن لم يتضح ما إذا كان مجلس الأمن سيتمكن من اتخاذ أول موقف موحد من المجلس المنقسم منذ بدء الحرب في 24 فبراير الماضي. ولم تعلن موسكو أي موقف بعد من النص.


مقالات ذات صلة

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ النظام العالمي

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية نساء إيرانيات يمشين أمام لوحة تحمل صور المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين خلال مسيرة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

قالت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، إنها تساعد بعض المهاجرين الذين هم في أوضاع صعبة على مغادرة إيران في ظلّ الحرب بعد تلقيها طلبات مساعدة من مئات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث إلى الصحافة بعد اجتماعه مع الرئيس اللبناني في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من بيروت... غوتيريش يناشد «حزب الله» وإسرائيل «وقف الحرب»

حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «حزب الله» وإسرائيل على وقف إطلاق النار، معتبراً أن زمن المجموعات المسلحة «ولّى»، وذلك بُعيد وصوله إلى بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد دخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: نزوح نحو 3.2 مليون شخص في إيران بسبب الحرب

قالت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، الخميس، إن نحو 3.2 مليون شخص في إيران نزحوا من منازلهم بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.