ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

«صراع الحكومتين» يرهنها مجدداً للتحديات

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
TT

ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

لم تهدأ الأوضاع المتوترة في ليبيا بعد، فمصير شعبها مُعلق بطموحات الساسة وآمالهم، كما أن الأجندات المتقاطعة تُعيق قطار السياسة أن يصل إلى نهاية الطريق، لذا كلما ذهبت حكومة أتت أختها، فتعلقت أكثر بأذيال السلطة، وتمسكت بكرسي الحكم، لتتجه البلاد لمزيد من الاضطراب والاستقطاب. يجري ذلك وسط تدخلات دولية تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو يخدم مصالحها النفطية، بينما البسطاء المغلوب على أمرهم ينشدون الاستقرار والخلاص، بعد عقد ونيف من الفوضى والفساد. فالصراع بين حكومتي عبد الحميد الدبيبة وخصمه فتحي باشاغا، وصل إلى مرحلة أوسع من «تكسير العظم»، والشحن والتحشيد، نتيجته الأولية توقف جزئي لإنتاج النفط، وتعطل أعمال اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» التي تُعد صمام أمان في مواجهة النزوع نحو إشعال فتيل الأزمة مجدداً. ولعل الحالة التي بدا عليها الفريق محمد الحداد، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بـ(غرب البلاد)، في أحد الاجتماعات الهامة بالعاصمة طرابلس، عكست بعضاً من كواليس ما يجري في دهاليز السياسة وكواليس الدبلوماسية الدولية، ونقلت خوفاً محدقاً من شبح الحرب، رغم نفي ذلك. الحداد، وبلهجة حادة غير معهودة وأمام الدبيبة، نأى بالمؤسسة العسكرية عن كل التجاذبات وفرض سياسة الأمر الواقع، متعهداً بأنها «لن تسمح باستغلالها، أو مسلحيها لتحقيق مشروعات أشخاص أو الوصول للمناصب». مكمن الخطر الذي يستشرفه الحداد، من جهة، وأعضاء اللجنة العسكرية الممثلون للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في لجنة «5+5» من جهة ثانية، يتمثل في تعطيل قطار السياسة واستدعاء آلة الحرب ودفع البلاد إلى الهاوية، لكنه قال: «الحرب لن تقوم... أنا مستعد أن أجول ليبيا وأناشد أهلها وأستعطفهم بأننا مضحكوك علينا؛ كل الذين يحاولون مساعدتنا يضربون بعضنا في بعض»!
في خضم متلاطم من التعقيدات السياسية والحسابات الضيقة، تعلقت آمال الليبيين قليلاً بلقاء لجنة «المسار الدستوري» التي انعقدت قبل عيد الفطر في العاصمة المصرية القاهرة سعياً للتوافق على صيغة تُنهي الجدل حول «القاعدة الدستورية» للانتخابات الرئاسية والنيابية المُنتظرة، وتعيد ضخ النفط المتوقف في بعض الحقول والموانئ، إلا أن الانقسام السياسي والاستقطاب الحاد حول الحكومتين طغى على حالة التوافق، وألقى بظلاله على المباحثات التي رعتها بعثة الأمم المتحدة. ولذا تعثرت وأُرجئت حينها إلى ما بعد عيد الفطر، وحتى الآن البلاد مرتهنة لصراع الدبيبة وباشاغا، كما أن البعثة لم تضرب موعداً جديداً لاستئناف مباحثاتها المتعثرة بعد.
الآن يخشى عدد كبير من الليبيين أن أزمة بلادهم، التي لا تزال تراوح مكانها، قد تدخل مجدداً مرحلة الاقتتال في حال فشلت الجهود الدولية والإقليمية في إنهاء التنازع على السلطة، متسائلين عما تبقى في جعبة البعثة الأممية لتقديمه للبلد، الذي استُنزفت ثرواته في الصراعات السياسية منذ عام 2011، وتعمل ستيفاني ويليامز، المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، على أصعدة مختلفة، من خلال جولات مكوكية عدة للبحث عن حل يمكّن من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية، ويحول دون تفشي الفوضى السياسية في البلاد. لكن بعض المتابعين الليبيين يرون أن «تشتت المسارات السياسية»؛ و«تمسك كل فريق بما يراه مناسباً لأجندته»، زاد من تعقيد الأزمة، وأبقى عليها دون حلّ، مشيرين إلى أن «الهوّة تتسع بين جبهتي شرق ليبيا وغربها» بما يهدد باستمرار حكومة باشاغا.
وللتذكير، جدّد مجلس الأمن الدولي نهاية أبريل (نيسان) الماضي، بالإجماع تفويض البعثة الأممية 3 أشهر إضافية حتى 31 يوليو (تموز) المقبل، وسط خلافات بين روسيا وبين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن مدة تجديد البعثة وتعيين مبعوث أممي جديد.

فتحي باشاغا  -  ستيفاني ويليامز  -  عبد الحميد الدبيبة

- «لا جنيف ولا باريس»
يلاحظ هنا أن المسار الذي تسير فيه البعثة الأممية يختلف كلياً عما تريده أطياف ليبية كثيرة ومتباينة في توجهاتها. فالهيئة التأسيسية لمشروع الدستور ترى أن ما تفعله ويليامز، بشأن مناقشة «القاعدة الدستورية»، وما أصدره مجلس النواب أخيراً من تشكيل لجنة لتعديل الدستور «محض افتئات على حقوق الهيئة»، لتظل آفة ليبيا في أصحاب «سلطة الأمر الواقع». إذ إن من أنيطت إليهم مهمة، ولو مؤقتة، لا يريدون مغادرة مناصبهم، بل يسعون للاحتفاظ بها ولو بسفك الدم، دفاعاً عما تحقق لهم من «مكتسبات»، حتى أضحوا جزءاً من المشكلة!
ويرى سياسيون ليبيون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أنه «كان على الدبيبة ترك موقعه فور فشله في إجراء الانتخابات العامة بالبلاد؛ وليس الترشح لرئاسة ليبيا ناقضاً تعهده بألا يقدم على ذلك»، مشيرين إلى أن البلاد «تطوق للخلاص من أزمتها، بعيداً عن الطامعين في السلطة، أين كانت انتماءاتهم».
غير أن الدبيبة، المُتحصن بكتائب عسكرية وميليشيات مسلحة مموّلة داخل «بيت الحكم» في طرابلس بمواجهة غريمه باشاغا، يتمسك بمنصبه ويواصل تأدية عمله مرتاحاً إلى «حين تسليم السلطة لحكومة شرعية منتخبة». بل يرى الحديث عن التسلم والتسليم ودخول طرابلس «عبث ومضيعة للوقت وبيع للوهم»، في إشارة إلى باشاغا، الذي فشل هو الآخر في دخول العاصمة، حتى الآن.
ومن قبيل قطع الصلة مع خريطة الطريق الأممية، قال الدبيبة، خلال حديثه وسط جمع من مشايخ مدينته مصراتة، إن «الانتخابات البرلمانية سهلة وقوانينها موجودة، وسنصل إليها مهما كاد الكائدون»، متابعاً: «لا نملك جنيف ولا باريس ولا اجتماعات... أما من يمثلون أنفسهم فنقول لهم أُغلق الطريق، ونحن سنرجع للشعب ليختار من يخدمه». وبات الدبيبة أكثر تمسكاً بمنصبه، وحدّة مما سبق في وصف حكومة باشاغا، فها هو يتحدث عن أن «ما أنتجه برلمان طبرق تحت مسمى حكومة قد وُلد ميتاً»، وأرجع ذلك إلى ما أسماه «بنتاج التزوير وفقدان الشرعية والمشروعية»، بل إنه رأى أن حصر المشكلة في محاولة دخول العاصمة ما هو إلا «قفزة على الحقيقة التي تقول من وُلد بالتزوير لن تُحييه محاولات التسلل والاقتحام، وما بُني على باطل فهو باطل».
جدير بالذكر أن مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في طبرق بأقصى شرق ليبيا، منح الثقة لحكومة «الاستقرار» الجديدة برئاسة باشاغا، مطلع مارس (آذار) الماضي، لتكون بديلة لحكومة الدبيبة، التي انتخبها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي في فبراير (شباط) عام 2021. وجاء منح الثقة ليفتح رسمياً باب الانقسام السياسي في ليبيا، ويجدد الخلاف بشأن «الشرعية» المتنازع عليها، في بلد لا ينجح كثيراً في الخروج من دائرة الخلاف السياسي والانقسام والفوضى منذ إسقاط نظام معمر القذافي.
ولقد سبق للمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن صعّد باتجاه حكومة الدبيبة، وطالب جميع المؤسسات والإدارات والمصالح والشركات العامة والخاصة والبعثات الدبلوماسية بعدم التخاطب باسم حكومة «الوحدة الوطنية» لكونها «منتهية الولاية».
- باشاغا بين سبها وسرت
في هذه الأثناء، تسعى حكومة باشاغا إلى دخول العاصمة، لممارسة مهامها بشكل مركزي من هناك، لكن أمام تمترس حكومة «الوحدة» فشلت محاولتها الأولى، مع أنها استعانت هي الأخرى بمسلحين، فمضت تؤكد، غير مرة، أنها «لن تدخل طرابلس بقوة السلاح ولكن بسلاح القانون».
ومن مدينة سبها (جنوب البلاد) بدأ باشاغا تفكيك معضلة عجز حكومته عن ممارسة مهامها بالعاصمة، ليتجاوز جانباً من التحديات التي تراكمت في طريقها وتكاد تسقطها، وذلك بعقد أول اجتماع لها من هناك، مبرراً اختياره هذه المدينة بأن «حكومته لكل الليبيين»، وأنه «لا يمكن معالجة مشكلات المناطق عن بُعد». وغمز باشاغا من قناة خصمه الدبيبة، وقال إن «ليبيا ليست غنيمة كي يستولي عليها شخص أو حكومة أو عائلة بعينها تعتقد أنها تستطيع شراء الوطن بمال الليبيين، أو شراء الرجال مقابل التنازل عن الوطن». وللعلم، تتنازع حكومة «الوحدة» وقوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، السيطرة على سبها التي توصف بأنها «عروس الجنوب». وسبق للأخير بسط سيطرته عليها في عملية عسكرية ضد قوات حكومة «الوفاق الوطني» السابقة مطلع عام 2019.
وسعياً لحلحلة الأوضاع المتأزمة، أطلق باشاغا مطلع الشهر الحالي، مبادرة للحوار الوطني بقصد «التواصل المباشر مع الأطراف كافة والوصول إلى توافق حقيقي». ورأى باشاغا أن حكومته «مدت يدها للجميع بلا استثناء، ولم ترفض الجلوس مع أي طرف يعتقد أنها أتت ضده أو بمواجهته ومحاربته»، وذهب إلى أن المبادرة تهدف إلى «ترسيخ مبدأ المشاركة الوطنية الواسعة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تضافر وتعاضد الجميع».
ولكن رغم مرور أسبوع على هذه المبادرة، فإنها لم تشهد تفاعلاً على الأرض من قبل الأطراف المتنافسة. وقال باشاغا إن حكومته يهمها ممارسة مهام عملها من العاصمة طرابلس «دون سقوط قطرة دم واحدة»، و«إن لم تستطع ذلك؛ يمكننا أن نفعل من أي مدينة أخرى، وسرت هي الأقرب». ورأى أن الخلاف في بلاده ليس خلافاً ليبياً – ليبياً، «بل هو نتيجة لتدخل بعض الأطراف والدول للحصول على مكاسب دولية»، وقال: «خلافنا لا يتعدى 20 في المائة مما يحصل في ليبيا، ونحن قادرون على تجاوزه».
- الملاذ الخارجي
من جهة ثانية، ركّز الطرفان المتصارعان جهودهما على خطب ودّ الأطراف الدولية، بحثاً عن دعم إضافي يكسر حالة الجمود السياسي التي تعانيها ليبيا، وسعياً للتمكين في مواجهة «الخصم». ومبكراً تحدثت تقارير أجنبية عن محاولة حكومة الدبيبة لعقد صفقة مع مجموعة ضغط في الولايات المتحدة، بقصد التسويق لها في مقبل الأيام بمواجهة حكومة باشاغا. وشمل تقرير نشره موقع «بوليتيكو» وثائق مقدمة إلى وزارة العدل الأميركية تظهر تعاقد الحكومة في طرابلس مع «مجموعة بوديستا»، التي ستعمل معها كمقاول من الباطن، من أجل «عرض رؤيتها دولياً»، و«للضغط من أجل إجراء انتخابات نزيهة».
هذا التحرك أثار استغراب سياسيين في شرق ليبيا، بالنظر إلى «انتهاء مهام» حكومة الدبيبة، فور تكليف البرلمان لأخرى جديدة، بحسب قولهم. وفي حين عيّر موالون لباشاغا حكومة «الوحدة» بهذا التصرف - الذي لم تؤكده أو تنفه - قرأ الليبيون مقالاً لباشاغا في صحيفة «التايمز» البريطانية، يعرض فيه رغبته على المسؤولين البريطانيين بـ«شراكة استراتيجية» في مجالات الأعمال والأمن والاستخبارات المشتركة، من أجل مساعدة ليبيا على إخراج مرتزقة مجموعة «فاغنر» الروسية. وقال: «كرئيس للوزراء، وعدت بإعادة (فاغنر) إلى وطنهم، لكننا بحاجة إلى مساعدة بريطانيا... وستكون بريطانيا حليفاً لا يقدر بثمن في حرب ليبيا ضد المرتزقة الأجانب».
ولكن بعد مضي 24 ساعة على نشر المقال، تبرأ باشاغا منه، وقال عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إنه فوجئ بالمقال، وتمنى على «التايمز» تحري الدقة «لتفادي التورط في نشر مقالات مكذوبة». غير أن ليبيين كثيرين استوقفهم انتظار باشاغا 24 ساعة قبل نفي ما نشرته الجريدة البريطانية، بدلاً من تكذيبه في حينه. وأرجعوا ذلك لغضب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» مما أورده بشأن وجود عناصر «فاغنر» في ليبيا منذ عام 2014.
- البحث عن مبعوث
أخيراً، مع تعدد التجارب التي مرت بليبيا لم تعد كثرة من الليبيين تكترث بانعقاد جلسات مجلس الأمن، ولا تلتفت إلى ذهاب مبعوث أممي ومجيء آخر. ومع هذا من المرجح أن يلتئم المجلس خلال الشهر الحالي، بعدما أفاد في تقرير له أن الوضع السياسي في ليبيا يزداد تعقيداً، مع عودة شبح الحرب الأهلية، ومخاوف من تدفق السلاح والمقاتلين على البلاد. وأوضح التقرير أن أعضاء المجلس يمكنهم في جلستهم المقبلة النظر في اعتماد بيان لتوجيه رسالة موحدة لدعم جهود الوساطة التي تجريها البعثة الأممية هناك، وإعادة التأكيد على ضرورة المضي نحو إجراء الانتخابات. كذلك يمكن لأعضاء المجلس الإعراب عن دعمهم للجهود التي يبذلها الأمين العام أنطونيو غوتيريش في إيجاد مرشح مناسب لتولي قيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. والحاصل أن المعضلة الليبية، بقدر ما هي رهينة لتدخلات الأطراف الخارجية، التي تقف موقف المتفرج في أحايين كثيرة، فإن البلاد التي تنتظر الخلاص، مقبلة على تحديات عظيمة في ظل وجود حكومتين متنازعتين على السلطة، كل منهما يدعي لنفسه «الشرعية».
- تاريخ من صراعات «شرعية الأمر الواقع»
> مع غياب الدستور وشيوع حالة الفوضى منذ إسقاط النظام السابق، تعاني ليبيا من ظاهرة تمسك الأجسام السياسية المؤقتة بالاستمرار في عملها، على الرغم من انتهاء مدة ولايتها في واحدة من الظواهر التي يطلق عليها الليبيون مسمى «شرعية الأمر الواقع». وإذا كان هناك من غادر السلطة انصياعاً لمتغير سياسي جديد، فثمة من يتمسك بها بالنظر إلى ما حقّقه وفق ظنّه من «مكتسبات»، في ظل ما تكرس لديه من مؤيدين، ومنتفعين أيضاً. جانب من هذه الظاهرة حدث عقب اندلاع «ثورة 17 فبراير»، والبعض الآخر يتحقق راهناً...
ففي 11 مارس 2014، صوّت «المؤتمر الوطني العام» بحجب الثقة عن حكومة علي زيدان، وتكليف وزير الدفاع عبد الله الثني بمهام رئيس الحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء جديد.
وفي 12 مارس من العام ذاته، أدى الثني اليمين الدستورية رئيساً مؤقتاً للحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء دائم، غير أنه ظل في هذا المنصب حتى مطلع العام الماضي، مدعوماً بشرعية مجلس النواب في طبرق، علماً بأن حكومته ظلت طول هذه الفترة لا تحظى باعتراف دولي.
وجاء تولي الثني إدارة البلاد بعدما سحب «المؤتمر الوطني العام» الثقة من زيدان، على خلفية تصريحات لمسلحين في شرق البلاد، قالوا فيها إن ناقلة محملة بالنفط كانت راسية في ميناء خاضع لسيطرتهم، أفلتت من سيطرة البحرية الليبية ودخلت المياه الدولية. وتعهد نوري أبو سهمين، رئيس «المؤتمر الوطني العام» في جلسة أذاعها التلفزيون الحكومي حينها، بدعم رئيس الوزراء المؤقت والامتناع عن عرقلة عمله؛ لكن شيئاً من ذلك لم يحدث مع تصاعد الخلافات وتفاقم الأزمات بين غرب ليبيا وشرقها.
وفي 25 أغسطس (آب) 2014، أقال «المؤتمر الوطني العام» الثني، وكلّف بدلاً منه عمر الحاسي. والحاسي، المنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، كلف تشكيل ما سمي حينها بحكومة «الإنقاذ»، غير المعترف بها دولياً، التي أعلنتها «فجر ليبيا» بمدينة طرابلس، في الوقت الذي أعلن فيه النفير والتعبئة العامة بكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
وفي مطلع أبريل 2015 سلّم الحاسي رئاسة حكومة «الإنقاذ» لنائبه خليفة الغويل، في خطوة وصفها بأنها دليل «على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة». وهو ما وُصف بـ«نكاية» في معسكر شرق ليبيا، والبرلمان المنتخب برئاسة عقيلة صالح. وظلت حكومة الثني، غير المعترف بها في شرق البلاد، على حالها مدعومة من مجلس النواب، تتنازع السلطة مع حكومة «الوفاق الوطني» التي تشكلت في فبراير عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات». وهو الاتفاق الذي وقع في المغرب يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 بدعم أممي.
هذا، وواصل المجلس الرئاسي السابق ممارسة عمله هو الآخر، رغم أن الاتفاق نص على أن «مدة ولاية حكومة (الوفاق الوطني) عام واحد»، إلى أن غادرها في عملية تسليم وتسلم سلسة للسلطة مع حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة.
ولم تقتصر هذه الأجسام على المجلس الرئاسي ومجلسه فقط، بل وصلت إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس، ومجلس النواب في (شرق ليبيا)، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة، التي تنزع سلطتها بقوة السلاح. ولقد سبق للمستشارة الأممية ستيفاني ويليامز أن دعت النخبة السياسية في ليبيا إلى التوقف عن «لعبة الكراسي الموسيقية» للبقاء في السلطة، والتركيز بدلاً من ذلك على التحضير للانتخابات، مشيرة إلى انتهاء مدة التفويض الممنوح لمجلس النواب بموجب الانتخابات التي جرت قبل أكثر من 7 سنوات، وكذلك انتهاء صلاحية المجلس الأعلى للدولة المنتخب قبل 10 سنوات.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن رئيس مجلس النواب انتهاء ولاية حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة. وقال إن ولايتها انتهت في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مطالباً ببدء التحقيق في الأموال التي صرفتها الحكومة؛ خصوصاً ما يتعلق ببندي الطوارئ والتنمية، لكن رئيسها الدبيبة لم يأبه لهذا الحديث، مؤكداً استمراره في مهامه لحين انتخاب سلطة منتخبة من الشعب بشكل «شفاف ونزيه».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».