«محاكاة نووية» في غرب روسيا تحمل رسائل تحذيرية لـ«الأطلسي»

موسكو تنتقد «الدعم الاستخباراتي» الغربي لأوكرانيا... والشيشان ترسل دفعات جديدة من متطوعي الحرب

الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الحليف الأبرز للرئيس الروسي بوتين أدلى بتصريحات لافتة أمس عندما قال إن «العملية الروسية طالت أكثر من المتوقع» (أ.ب)
الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الحليف الأبرز للرئيس الروسي بوتين أدلى بتصريحات لافتة أمس عندما قال إن «العملية الروسية طالت أكثر من المتوقع» (أ.ب)
TT

«محاكاة نووية» في غرب روسيا تحمل رسائل تحذيرية لـ«الأطلسي»

الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الحليف الأبرز للرئيس الروسي بوتين أدلى بتصريحات لافتة أمس عندما قال إن «العملية الروسية طالت أكثر من المتوقع» (أ.ب)
الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الحليف الأبرز للرئيس الروسي بوتين أدلى بتصريحات لافتة أمس عندما قال إن «العملية الروسية طالت أكثر من المتوقع» (أ.ب)

مع مرور اليوم السبعين، على اندلاع القتال في أوكرانيا، بدا أن المشهدين السياسي والميداني يعكسان أكثر، تحول «العملية العسكرية الخاصة» وفقاً للتسمية الرسمية الروسية، إلى حرب طويلة الأمد تنذر باتساع رقعتها، وتنشيط انخراط أطراف أخرى فيها. ومع تفاقم النقاشات خلال اليومين الأخيرين، حول ملف انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الأطلسي، وتحذير الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أول من أمس، من أن هذا التطور ينذر بتحول البلدين إلى «ساحة مواجهة أساسية» بين روسيا والحلف، حملت الإشارات الروسية المتزايدة بعزم موسكو استهداف ناقلات الأسلحة والمعدات الغربية إلى أوكرانيا بعدا إضافيا في هذا السياق. كما جاء الإعلان أمس، عن اندلاع مواجهات على الحدود بين أوكرانيا وإقليم بريدنيستروفيه المولدافي الانفصالي ليزيد من جدية التنبيهات حول مخاطر توسيع رقعة الحرب. وفي خطوة حملت دلالات لافتة، أطلقت موسكو أول من أمس الأربعاء، محاكاة لعملية إطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، في جيب كلينينغراد الواقع في أقصى غرب البلاد، وعلى خطوط التماس مع بلدان حوض البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) الأعضاء في حلف الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي. وجاء الإعلان عن هذه المحاكاة في اليوم السبعين لبدء التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا الذي خلف آلاف القتلى وتسبب في أكبر أزمة لاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ليعيد التذكير بتلويح موسكو باستخدام السلاح النووي في حال تعرض أمنها الاستراتيجي لخطر أو تهديد.

نشر رئيس الشيشان رمضان قديروف مقطع فيديو على قناته على «تلغرام» يظهر مجموعة جديدة من المتطوعين الشيشان وهم يغادرون للمشاركة بالحرب في أوكرانيا

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجه تهديدات غير مباشرة باستعداده نشر أسلحة نووية تكتيكية. ووضع قوات بلاده الاستراتيجية في حال التأهب القصوى بعد مرور أيام معدودة على بدء القتال في أوكرانيا. وهدد بوتين بالانتقام «بسرعة البرق» إذا ما حدث تدخل غربي مباشر في النزاع الأوكراني. قبل أن يعود قبل أيام للتحذير من «ضربة صاعقة» باستخدام أسلحة «لا مثيل لها» ضد أطراف تحاول أن تعرقل العملية العسكرية الروسية أو تهدد الأمن والمصالح الروسية. وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان إنه خلال مناورات عسكرية في كالينينغراد، أجرى الجيش الأربعاء محاكاة لـ«عمليات إلكترونية لإطلاق» منظومات إسكندر الصاروخية الباليستية المتنقلة القادرة على حمل رؤوس نووية. وبحسب البيان فإن القوات الروسية نفذت ضربات فردية ومتعددة على أهداف تحاكي قاذفات صواريخ ومطارات وبنى تحتية محمية ومعدات عسكرية ومراكز قيادة لعدو افتراضي. وبعد تنفيذها هذه الطلقات «الإلكترونية»، أجرت القوات الروسية مناورة لتغيير مكانها من أجل تجنب «ضربة انتقامية محتملة»، بحسب وزارة الدفاع. كما نفذت الوحدات القتالية محاكاة لـ«عمليات في ظل ظروف تلوث إشعاعي كيمياوي». تزامن ذلك، مع توجيه الكرملين أمس، انتقادات المساعدات الغربية لأوكرانيا في المجال الاستخباراتي. وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن الجيش «يعلم أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وبريطانيا لا تنقل الأسلحة فحسب، بل تنقل أيضاً معلومات استخباراتية إلى أوكرانيا، وهذا لا يساهم في سرعة استكمال العملية الخاصة، لكنه لن يمنعها من إنجاز أهدافها». وأوضح أن «جيشنا يدرك جيداً أن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى ومنظمة حلف شمال الأطلسي ككل تنقل باستمرار معلومات استخباراتية ومعايير أخرى إلى القوات المسلحة الأوكرانية. هذا معروف جيداً، وبالطبع مقترناً بتدفق الأسلحة من هذه البلدان نفسها إلى أوكرانيا، كل هذه الإجراءات غير قادرة على إعاقة تحقيق الأهداف التي تم تحديدها خلال العملية العسكرية الخاصة». وأكد الناطق أن «الجيش الروسي يفعل كل ما هو ضروري في هذا الوضع». في الوقت ذاته، أطلق الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو الحليف الأبرز للرئيس الروسي تصريحات لافتة أمس، عندما قال إن «العملية الروسية طالت أكثر من المتوقع». وقال ردا على أسئلة الصحافيين إنه «ليس على دراية كافية بسير عملية القوات الروسية في أوكرانيا حتى يمكنه تأكيد أن كل الأمور تجري وفقاً للخطة، كما يقول الروس»، مضيفا أنه «يعتقد أن العملية طالت». وكان العسكريون الروس ردوا أكثر من مرة على أسئلة حول السقف الزمني للعمليات بعبارة أن «كل شيء يسير وفقاً للخطة».

قوات روسية تستعد لاحتفالات يوم النصر (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، قال لوكاشينكو إن روسيا «لا يمكن أن تخسر في الصراع في أوكرانيا» لكنه أقر أن «الاتحاد الروسي مدعوم من بيلاروسيا فقط، بينما انضمت ما يصل إلى 50 دولة إلى القوات الداعمة للجانب الأوكراني».
على صعيد آخر، توجهت أمس، دفعات جديدة من متطوعي الحرب الشيشان إلى أوكرانيا. ونشر رئيس الشيشان رمضان قديروف مقطع فيديو على قناته على «تلغرام» يظهر مجموعة جديدة من المتطوعين وهم يغادرون للمشاركة في عملية خاصة. وبرز في تعليق صوتي في الفيديو الذي نشرته وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن «دعم المتطوعين يتم تنظيمه في جميع المراحل، بما في ذلك تكاليف السفر المدفوعة بالكامل». وزاد: «في يوم المغادرة، يتم تحويل 300 ألف روبل أو تسليمها مباشرة لكل مقاتل، بالإضافة إلى تحويل 53 دولاراً إلى حسابهم في كل يوم». واحتوى مقطع الفيديو أيضاً أرقاما اتصال لأولئك الذين يرغبون في الانضمام إلى صفوف المتطوعين. وكتب قديروف: «الآلاف من محاربي النوايا الحسنة يتقدمون لمحاربة النازيين (...) سيكون هناك الملايين منهم. هذا ما قلته دائماً».
على صعيد آخر، بدا أمس، أن موسكو وتل أبيب تسعيان لتطويق أزمة متصاعدة سببتها تصريحات لوزير الخارجية سيرغي لافروف حول وجود أصول يهودية للزعيم النازي أدولف هتلر، وتفاقمت مع تزايد الاتهامات الروسية لإسرائيل بدعم «النازيين» في أوكرانيا. وأعلن الكرملين أن الرئيس الروسي بحث هاتفيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت المحرقة النازية، وأكدا خصوصاً على أهمية تاريخ التاسع من مايو (أيار)، وهو اليوم الذي تحيي فيه موسكو الذكرى السنوية للانتصار على النازية. وتم التركيز خلال المكالمة على أن الاحتفال بهذه الذكرى «سيتيح هذا العام تكريم ذكرى كل ضحايا» الحرب العالمية الثانية «بمن فيهم ضحايا المحرقة».
ميدانيا، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أمس، عن تدمير عدد من الأهداف التابعة لقوات حكومة كييف خلال الساعات الـ24 الماضية. وأعلن الناطق العسكري إيغور كوناشينكوف، في إيجاز يومي، بأن القوات الروسية «دمرت بصواريخ عالية الدقة عتادا جويا في مطار «كاناتوفو» العسكري قرب مدينة كيروفوغراد (كروبيفنيتسكي) وسط أوكرانيا، ومستودعا كبيرا للذخيرة في مدينة نيكولايف (ميكولايف) جنوب البلاد، ومستودعا للوقود مخصص للآليات العسكرية الأوكرانية في منطقة جوفتنيفويه في مقاطعة نيكولايف. وأشار المتحدث إلى أن القصف الروسي طال أيضاً مركز قيادة لواء الدبابات الـ17 في الجيش الأوكراني وأربع مناطق لحشد العسكريين والآليات الحربية، بالإضافة إلى مستودعين للمعدات العسكرية والتقنية في مطار عسكري قرب مدينة كراماتورسك في دونيتسك.
ولفت كوناشينكوف إلى أن سلاح الجو الروسي خلال الليل الماضي شن أيضاً غارات على 93 منطقة لحشد العسكريين والآليات الحربية الأوكرانية، بينما استهدفت القوات الصاروخية والمدفعية مركزي قيادة للجيش الأوكراني وبطارية مدفعية ومنصات إطلاق ومركبة خاصةً بالنقل والحشو لمنظومة «توتشكا أو» الصاروخية. وأكد كوناشينكوف أن المدفعية الروسية استهدفت 32 مركز قيادة وخمسة مستودعات للذخيرة و403 نقاط حصينة ومناطق لحشد العسكريين والآليات الحربية و51 موقعا للمدفعية، مشيرا إلى أن وزارة الدفاع الروسية تقدر خسائر الجانب الأوكراني جراء هذه الضربات بـ«أكثر من 600 قومي و61 قطعة من السلاح والعتاد». كما أعلن المتحدث عن إسقاط الدفاعات الجوية الروسية ثلاث طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الأوكراني فوق جنوب البلاد، إحداها من طراز «سو - 24» في محيط جزيرة زمييني (جزيرة الثعبان) في البحر الأسود، والثانية من طراز «سو - 27» في محيط قرية إينغوليتس في مقاطعة خيرسون، والثالثة من طراز «سو - 25» في محيط قرية كوشيفويه في مقاطعة دنيبروبيتروفسك. كما أكد كوناشينكوف تدمير 14 طائرة مسيرة للجيش الأوكراني خلال الليل الماضي في أجواء مقاطعتي خاركوف وخيرسون ودونيتسك ولوغانسك، منها طائرة تركية الصنع من طراز «بيرقدار تي بي 2» تم إسقاطها فوق جزيرة زمييني.


مقالات ذات صلة

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».