فرص وتحديات للمسنين بالعالم الرقمي

يمثل الدخول إلى العالم الرقمي تحديا لكبار السن.. لكنه في
يمثل الدخول إلى العالم الرقمي تحديا لكبار السن.. لكنه في
TT

فرص وتحديات للمسنين بالعالم الرقمي

يمثل الدخول إلى العالم الرقمي تحديا لكبار السن.. لكنه في
يمثل الدخول إلى العالم الرقمي تحديا لكبار السن.. لكنه في

في البداية تردد كبار السن في بلدة تاونشتاين الألمانية، عندما قدم لهم المجلس المحلي خدمة جديدة للحافلات العامة، يمكن حجز تذاكرها عن طريق تطبيق على الإنترنت... وعلى السطح بدا كل شيء متعلق بهذه الخدمة التي أطلق عليها اسم «إيميل» واعدا، فثمة حافلة ذات مواعيد رحلات تتسم بالمرونة، ويمكن للمستخدمين أن يحجزوا رحلاتهم عليها وهم في أماكنهم عن طريق الإنترنت.
غير أن الخدمة الرقمية كانت جزءا من المشكلة، فأي راكب لا يمتلك هاتفا ذكيا أو جهاز كومبيوتر قد لا يستطيع الاستفادة منها، وهو أمر ينصب أساسا على كثير من المسنين، وفقا لما يقوله ديتمار إندرز مدير مجلس إحدى المناطق المعني برعاية المسنين.
ونتيجة لمساعي المجلس، أصبح يمكن للمستخدمين الآن أن يحجزوا أماكنهم على الحافلة عن طريق الهاتف. وكان المسنون يتعرضون لمشكلات تتعلق بالاستفادة من الخدمات الرقمية قبل تفشي جائحة «كورونا»، غير أن تفشي الجائحة سارع بدرجة كبيرة من تعقيد المشكلة، وجعلها أكثر وضوحا حسبما يقول إندرز البالغ من العمر 78 عاما.
ويرأس إندرز بالاشتراك مع نوربرت فيمار (70 عاما) مجموعة تسمى «الإتاحة»، ويصفان كيف شعر بعض المسنين بالعزلة، لعدم قدرتهم على دخول ناد محلي لكبار السن أثناء فترة الإغلاق، أو المشاركة في جوقة للإنشاد من خلال موقع إلكتروني، بسبب عدم قدرتهم على النفاذ إلى أدوات الفيديو كونفرانس.
وتشير دراسة نشرها «المؤشر الرقمي» العالمي إلى أنه في 2020 بلغت نسبة الألمان الذين يستخدمون الإنترنت نحو 88 في المائة، كما تتصل الهواتف المحمولة لنحو 80 في المائة منهم بالإنترنت، ومع ذلك فإن نظرة فاحصة لهذه الأعداد تشير إلى أن نصف عدد الأشخاص الذين تجاوزوا السبعين، هم فقط الذين يستخدمون الإنترنت، وثلثهم فقط هم الذين يستخدمون هواتفهم الذكية للدخول على الإنترنت.
وينهمك أيضا هذا المجلس الاستشاري للمسنين، في مساعدتهم على الولوج في العالم الرقمي، وتقديم خدمة يمكن للمسنين من خلالها، تدريب نظرائهم ومساعدتهم على استخدام الشبكة. وحققت الخدمة نجاحا ملحوظا على مدى ستة أشهر من إطلاقها، وذلك وفقا لما قالته كريستينا سينيموس وزيرة التحول الرقمي بولاية هيسه لوكالة الأنباء الألمانية، وأضافت أنه سيتم توسيع شبكة المستفيدين من الخدمة، في مختلف أنحاء الولاية خلال العامين الحالي والمقبل.
وبالإضافة إلى نظام التطوع هذا، توجد أيضا دورات تدريبية لتعلم برامج الكومبيوتر، إلى جانب إتاحة «ساعات لتقديم الاستشارات عبر الهاتف المحمول»، للرد على الاستفسارات وحل المشكلات التي يواجهها بعض المسنين.
ويوضح كل من إندرز وفيمار أن الاعتماد على أفراد الأسرة، لتقديم المساعدة على تعلم التطبيقات الرقمية لا يكون كافيا في الغالب، وعلاوة على ذلك يحتاج الناس أحيانا إلى الدعم العاطفي والنفسي عند التعامل مع العالم الرقمي.
ويفتقر بعض كبار السن للحافز، غير أن إندرز يشير إلى أن الجائحة أجبرت الكثيرين على تجربة استخدام أجهزة الكومبيوتر اللوحي والهواتف الذكية، سواء كانوا مستعدين لذلك أم لا.
كما تشير ستيفاني إيمده من المركز التطوعي بمدينة كاسل، إلى «كثير من مشاعر عدم الأمان والخوف بين كبار السن»، الذين يترددون في جعل أنفسهم موضع إحراج أمام أبنائهم وأحفادهم، بطرح ما يتخوفون من كونه أسئلة ساذجة، وتقول إنه من الأفضل حصولهم على دورات تدريبية حول طرق استخدام الكومبيوتر. وتضيف أن الجائحة زادت من التمييز في الحياة اليومية، ضد الأشخاص الذين لا يدخلون على شبكة الإنترنت، وذكرت أن إحدى المسنات التي طلبت المساعدة كانت على شفا البكاء، حيث لم تتمكن من الذهاب إلى حوض السباحة كالمعتاد، لأن نظام شراء التذاكر تم وضعه على الإنترنت، ولم يكن لديها هاتف ذكي أو كومبيوتر.
وحتى بالنسبة لزيارة الأطباء، يجد كثير من المسنين أنفسهم وقد أصبحوا مهمشين، بعد أن أصبح حجز المواعيد والحصول على وصفات العلاج، متاحا بشكل أساسي على الإنترنت، وفقا لما تقوله إيمده.
ومن ناحية أخرى صارت عمليات حجز مواعيد تلقي اللقاح المضاد لفيروس «كورونا»، متاحة رقميا فقط في كثير من دول العالم، خاصة أن المسنين مطالبين أكثر من غيرهم بالحصول على اللقاح، باعتبارهم من بين الفئات الأكثر عرضة للعدوى.
وغالبا ما يكون تقديم الخدمات على الهاتف - حتى لو كانت متاحة - غير كافية، مما يترك المستخدمين منتظرين لساعات دون إجابات، أو يضطرون إلى الاتصال هاتفيا في أوقات متأخرة من الليل، حيث يقل الطلب على الخدمة، وذلك من أجل العثور على شخص ما يقدم المساعدة.
كما أن المصارف أيضا أخذت في إغلاق فروعها وتقليص أوقات تقديم الخدمات وجها لوجه، ويشجع الكثير منها العملاء على استخدام الخدمات الرقمية، بدلا من الحضور شخصيا إلى مقارها، وهو تحول سبب إحباطا كبيرا لكبار السن بشكل خاص.
وقام بعض المسنين بوضع خط أحمر يتعلق بهذه الخدمات المصرفية الرقمية، ففي وقت سابق من العام الحالي دشن متقاعد إسباني حملة قوية مناهضة لهذه الخدمات، مما دفع الحكومة إلى الانتباه لهذه المشكلة. ودعا كارلوس سان خوان وهو طبيب متقاعد دشن الحملة، جميع البنوك الإسبانية إلى تقديم خدمات مصرفية عن طريق موظفين، للمسنين بشكل خاص بدلا من إحالتهم إلى الخدمات الرقمية.
وخلال يوم واحد وقع على هذا الالتماس، الذي كان عنوانه «أنا مسن، ولكني لست غبيا» نحو 600 ألف شخص، ثم قدم سان خوان (70 عاما) الالتماس إلى وزارة الاقتصاد وإلى البنك المركزي في مدريد... واستجابة لهذا الالتماس وعدت الحكومة الإسبانية، بالسعي لدى البنوك لإتاحة وجود موظفين لتلبية طلبات كبار السن، وقالت إن القطاع المصرفي أصبح على وعي بالمشكلة وتعهد بحلها.


مقالات ذات صلة

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

أوروبا علم اليونان (رويترز)

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

قالت اليونان إنها ستحاول الحصول على صور تظهر على ما يبدو اللحظات الأخيرة لـ200 مواطن يوناني أعدمتهم فرقة إعدام نازية في أثينا خلال الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)
أوروبا الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف (أرشيفية - أ.ب)

ميدفيديف يتهم فنلندا بالاستعداد للحرب

اتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف فنلندا بالمضي في مسار الحرب ضد روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
TT

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

في ختام استثنائي حبس أنفاس الأوساط التقنية والسياسية العالمية، أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين، أطلقت من خلالها دعوة عالمية لبناء ذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي» بوصفه ركيزة أساسية لمستقبل البشرية. ورغم أن القمة نجحت في حشد تعهدات استثمارية بلغت 270 مليار دولار، فإن كواليسها شهدت صراعاً مريراً حول «هوية المستقبل»؛ حيث اصطدمت طموحات الأمم المتحدة في الحوكمة المركزية بجدار «التحرر التقني» الذي شيدته واشنطن، في مواجهة أعادت رسم خريطة النفوذ الرقمي بين القوى العظمى.

كواليس المخاض العسير

لم يكن تأخير إعلان البيان الختامي لعدة ساعات مجرد عطل بروتوكولي، بل كان انعكاساً لمخاض عسير وتباين حاد في الرؤى بين واشنطن وبكين من جهة، وبين التوجهات الأممية والقطاع الخاص من جهة أخرى.

وكشفت مصادر من داخل الغرف المغلقة عن أن مسودة البيان تعرضت لتعديلات جوهرية في اللحظات الأخيرة، بعد أن اصطدمت مطالب الأمم المتحدة بفرض «رقابة مركزية» بـ«فيتو» أميركي صارم قاده مايكل كراتسيوس.

وبينما كانت المنظمة الدولية، بقيادة أنطونيو غوتيريش، تسعى لتأسيس هيئة رقابية عالمية للذكاء الاصطناعي تحاكي نموذج «لجنة المناخ»، فجر كراتسيوس، مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض، مفاجأة سياسية كبرى بإعلانه الصريح: «نحن نرفض تماماً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

كلمات كراتسيوس لم تكن موقفاً عابراً، بل كانت إعلاناً عن سقوط «الوفاق الرقمي» التقليدي لصالح «سيادة الابتكار».

«عقيدة كراتسيوس»

برز مايكل كراتسيوس خلال القمة بوصفه أحد أبرز المخططين الاستراتيجيين في إدارة ترمب، متجاوزاً دور رئيس الوفد ليكون «رأس الحربة» في صياغة عقيدة تقنية أميركية جديدة. يرى كراتسيوس أن إخضاع الذكاء الاصطناعي لبيروقراطية دولية هو «وصفة لقتل الإبداع»، وتحويل التكنولوجيا إلى أدوات لـ«السيطرة الطاغية» بيد مؤسسات مركزية غير منتخبة.

مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض يتحدث في قمة نيودلهي (إ.ب.أ)

وفي هجوم لاذع، انتقد كراتسيوس المنتديات الدولية التي تبالغ في التركيز على «المخاطر الوجودية» والمخاوف المناخية، واصفاً إياها بـ«الأعذار الآيديولوجية» التي تهدف لفرض وصاية تعيق تقدم الدول النامية وتثبت نفوذ الهياكل البيروقراطية القائمة. بالنسبة لكراتسيوس، المعركة هي صراع على «التحرر التقني»، حيث يجب أن تظل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق الرخاء لا قيداً تُكبّل به الاقتصادات الناشئة.

رؤية مودي «الإنسانية»

وسط هذا الاستقطاب الحاد، نجحت الدبلوماسية الهندية في طرح مخرج توافقي أرضى كل الأطراف. وأعلن وزير تكنولوجيا المعلومات الهندي، أشويني فايشناو، أن الإعلان الختامي حاز على موافقة 86 دولة ومنظمتين دوليتين هما الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، واستند إلى رؤية رئيس الوزراء ناريندرا مودي للذكاء الاصطناعي «المتمحور حول الإنسان».

وقد اعتمد الإعلان مبادئ «الرفاه للجميع» و«السعادة للجميع»، مع التركيز على «ديمقراطية الموارد» لضمان وصول التكنولوجيا إلى كل فئات المجتمع. وبناءً على هذا الحل، وافقت دول متنافسة مثل (الولايات المتحدة، الصين، المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، إندونيسيا) على إطار يوازن بين النمو الاقتصادي والانسجام الاجتماعي، دون الحاجة إلى هيئة رقابة مركزية خانقة.

يصطف الزوار في طابور أمام كشك «أوبن إيه آي» للحصول على صورة مطبوعة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال قمة نيودلهي (رويترز)

الأرقام التي هزت نيودلهي

بعيداً عن السياسة، تحولت القمة إلى منصة لأضخم الالتزامات المالية في تاريخ التكنولوجيا الحديثة، حيث كشف فايشناو عن أرقام تعكس الثقة العالمية في «المحرك الهندي»:

- 250 مليار دولار: تعهدات موجهة حصراً للبنية التحتية، تشمل بناء مراكز بيانات فائقة القدرة وشبكات حوسبة سحابية عملاقة.

- 20 مليار دولار: ضخ مباشر في رأس المال الجريء والتقنيات العميقة لدعم الشركات الناشئة المتخصصة في الخوارزميات المتقدمة.

- السيادة المحلية: أعلنت مجموعات وطنية مثل «ريلاينس» و«أداني» عن مشاريع ذاتية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، مما يؤكد رغبة الهند في امتلاك «السيادة التقنية» الكاملة على بياناتها.

محور واشنطن-نيودلهي الجديد

لم يخلُ المشهد من إعادة ترتيب أوراق القوى الكبرى؛ حيث شهدت القمة حضور «جبابرة التقنية» مثل سوندار بيتشاي (غوغل)، وسام ألتمان (أوبن إيه آي)، وبراد سميث (مايكروسوفت). وتوج هذا الحضور بتوقيع اتفاقية «باكس سيليكا» (Pax Silica) بين واشنطن ونيودلهي.

هذه الاتفاقية تهدف لتأمين سلاسل إمداد تكنولوجيا السيليكون، وهو ما يمثل رداً استراتيجياً مباشراً لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. ورغم أن بكين وقعت على البيان العام للقمة، فإن «باكس سيليكا» خلقت محوراً تقنياً مغلقاً يضمن تدفق الرقائق والخبرات الأميركية نحو الهند، مما يجعل نيودلهي الحصن الرقمي الأول في آسيا.


واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
TT

واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)

في خطوة تعيد إحياء أدوات الدبلوماسية الأميركية الكلاسيكية بروح العصر الرقمي، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق مبادرة «فيلق التكنولوجيا» (Tech Corps)، وهي نسخة مطورة من «فيلق السلام» (Peace Corps) التاريخي.

تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى إرسال آلاف المتطوعين من خريجي العلوم والرياضيات إلى الدول النامية، لا لتعليم الزراعة ولا الإسعافات الأولية هذه المرة؛ بل لترسيخ السيادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، وصد الزحف الصيني المتصاعد في دول «الجنوب العالمي».

«فيلق السلام» برداء تقني

المبادرة التي كشف عنها مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، خلال «قمة تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، تسعى لاستقطاب نحو 5 آلاف متطوع ومستشار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة. وسيعمل هؤلاء المتطوعون في الدول الشريكة لفيلق السلام لمساعدة المستشفيات والمزارع والمدارس على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية في بنيتها التحتية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح «فيلق السلام» الذي تأسس في عهد كنيدي عام 1961: «هدفاً وجودياً جديداً» يتناسب مع عصر السيادة التقنية؛ حيث تتحول الدبلوماسية من مجرد المساعدات الإنسانية إلى «تصدير التكنولوجيا والقيم الرقمية».

المواجهة مع «طريق الحرير الرقمي»

تأتي هذه التحركات الأميركية رداً مباشراً على الشعبية الجارفة التي بدأت تحققها النماذج الصينية المفتوحة مثل «Qwen3» من شركة «علي بابا» و«كيمي» و«ديب سيك». ففي الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة البحوث المتقدمة بنماذج مغلقة ومكلفة مثل «تشات جي بي تي– 5»، تكتسح الصين أسواق الدول النامية بنماذج تمتاز بـ«كفاءة التكلفة» والقدرة على التشغيل المحلي دون الحاجة لبنية سحابية باهظة.

وتشير التقارير إلى أن النماذج الصينية باتت الأكثر تحميلاً على منصات المطورين مثل (Hugging Face)، نظراً لسهولة تخصيصها وتشغيلها بتكاليف حوسبة منخفضة، وهو ما تراه واشنطن تهديداً لهيمنتها التقنية طويلة الأمد.

هل تغلب «الدبلوماسية» لغة الأرقام؟

رغم الطموح الأميركي، يشكك خبراء في قدرة «فيلق التكنولوجيا» على مواجهة الإغراءات الاقتصادية الصينية. ويرى كايل تشان، الزميل في معهد بروكينغز، أن «الإقناع الودي» من قبل المتطوعين قد لا يصمد أمام الفجوة الكبيرة في التكاليف؛ فالمؤسسات في الدول النامية تبحث عن الحلول الأرخص والأكثر مرونة، وهو ما توفره بكين حالياً، وفق «بلومبرغ».

ولمعالجة هذه الفجوة، أعلنت واشنطن أن المبادرة لن تكتفي بالبشر؛ بل ستدعمها حزم تمويلية من وزارة الخارجية وبنك التصدير والاستيراد (إكزيم)، لتقديم «باقات متكاملة» تشمل الرقائق، والخوادم، والخدمات السحابية الأميركية بأسعار تنافسية تحت مظلة «برنامج صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي».

«صُنع في أميركا»

لا تقتصر أهداف «فيلق التكنولوجيا» على بيع البرمجيات؛ بل تمتد لفرض معايير تقنية عالمية تتماشى مع المصالح الأميركية. ويشمل ذلك مبادرة لوضع معايير «وكلاء الذكاء الاصطناعي» لضمان أن تكون الأنظمة العالمية متوافقة مع التكنولوجيا الأميركية.

وتحت شعار «تقنية أميركية... خير عالمي»، سيعمل المتطوعون لمدة تتراوح بين 12 و27 شهراً على الأرض، ليكونوا بمثابة «سفراء تقنيين» يبنون القدرات المحلية، ويخصصون الأنظمة الأميركية لتناسب اللغات والاحتياجات المحلية، في محاولة لقطع الطريق على «طريق الحرير الرقمي» الصيني الذي بنى شبكات الاتصالات في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.

تمثل مبادرة «فيلق التكنولوجيا» تحولاً جذرياً في كيفية استخدام واشنطن قوتها الناعمة. فبينما يتم تفكيك بعض برامج المساعدات التقليدية، يتم ضخ الموارد في «جيش تقني» يسعى لضمان ألا يخرج العالم النامي عن فلك التكنولوجيا الأميركية. المعركة الآن ليست على الأرض فقط؛ بل على «النماذج» و«الأكواد» التي ستدير مستشفيات ومدارس وجيوش المستقبل.


ماكرون يشيد بحكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية

ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
TT

ماكرون يشيد بحكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية

ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ​ماكرون، السبت، إن حكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب يُظهر أنه من الجيد وجود موازين للسلطة وسيادة ‌القانون في ‌البلدان الديمقراطية.

وقال ​في ‌المعرض ⁠الزراعي ​الدولي السنوي ⁠في باريس: «ليس من السيئ وجود محكمة عليا وسيادة قانون»، رداً على سؤال حول قرار المحكمة العليا الأميركية بأن ⁠الرسوم الجمركية التي فرضها ‌الرئيس دونالد ‌ترمب بموجب قانون ​طوارئ اقتصادية، ‌غير قانونية.

وأضاف: «من الجيد ‌وجود سلطة وموازين للسلطة في البلدان الديمقراطية».

وذكر أن فرنسا ستنظر في تداعيات الرسوم الجمركية العالمية ‌الجديدة التي فرضها ترمب بنسبة 10 في المائة وستتكيف معها، ⁠وأن ⁠فرنسا تريد أن تواصل تصدير منتجاتها، بما في ذلك السلع الزراعية والفاخرة والأزياء ومنتجات قطاع الطيران.

وقال إن هناك حاجة ماسة إلى عقلية هادئة، وإن القاعدة الأكثر إنصافاً هي «المعاملة بالمثل»، لا «الخضوع لقرارات ​أحادية ​الجانب».