«كوفيد الطويل الأمد»... تجربة صعبة معذّبة لآلاف المرضى

إخفاق النظام الصحي المتعدد الاختصاصات الحالي في علاج أعراضه

«كوفيد الطويل الأمد»... تجربة صعبة معذّبة لآلاف المرضى
TT

«كوفيد الطويل الأمد»... تجربة صعبة معذّبة لآلاف المرضى

«كوفيد الطويل الأمد»... تجربة صعبة معذّبة لآلاف المرضى

بدخول العالم سنته الثالثة مع فيروس «كوفيد»، وصل عدد المصابين حول العالم إلى 425 مليوناً، يقدّر الباحثون أنّ ما يتراوح بين 10 و30 في المائة منهم قد يعانون من عوارض «كوفيد طويل الأمد» التي تمتدّ لأشهر عديدة بعد الإصابة بالعدوى.

رحلة عذاب
في ورقة بحثية نُشرت أخيراً في دورية «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين»، كتب كلّ من ستيفن فيليبس، نائب رئيس العلوم والاستراتيجية في تحالف الخبراء بمؤسسة «كوفيد كولابوراتيف» Covid Collaborative، وميشال ويليامز، عميدة كلية تشان للصحّة العامّة التابعة لجامعة هارفرد، «ستواجه مجموعة المرضى الذين يعانون من عوارض (كوفيد الطويل) تجربة صعبة ومعذّبة مع نظامنا الصحي المتعدّد الاختصاصات والذي يركّز على كلّ عضو على حدة في ضوء تقديمٍ عيادي معقّد وضبابي».
وسلّطت ملحمة المعاناة التي عاشتها سيدة شابة أميركية اسمها ليندسي بوليغا مع «كوفيد»، الضوء على خذلان النظام الصحي الأميركي للكثير من المرضى وفقاً لوسائل الإعلام الأميركية. إذ وبعد عامين، وثلاث إصابات بفيروس «كوفيد»، وزيارة 11 طبيباً، لم يستطع أحد معرفة لماذا لا تزال ليندسي بوليغا مريضة إلى هذه الدرجة.
تبلغ ليندسي 28 عاماً من العمر ولم تكن تواجه أي مشاكل صحية قبل إصابتها بالفيروس، ولكنّ الشابّة التي تخرّجت من كلية الحقوق العام الماضي، تعاني اليوم من آلام في الصدر وارتفاع ضغط الدمّ وخدرٍ في اليد، وغيرها الكثير من العوارض.
وقد تحوّلت حياتها إلى سلسلة من مواعيد الأطبّاء الموزّعين في أرجاء مدينتها سان بيترسبرغ، فلوريدا. فقد أرسلها طبيب الرعاية الصحية الأولية إلى طبيب متخصص بالمناعة أحالها إلى طبيب متخصص بالقلب أحالها بدوره إلى طبيب للكلى، وآخر متخصص بالغدد. شعر الأخير أنّه قد يحصل على المزيد من المعلومات من طبيب أعصاب، ولكن عندما فشلت فحوص طبيب الأعصاب في تحديد سبب لمرض ليندسي الشديد، عاد وأرسلها إلى طبيب المناعة.
في مرحلة معيّنة، نصحها أحد أطبّائها المذهول من عجز العلوم الطبية عن تفسير حالتها، بدراسة فكرة عزل نفسها في منزلها على أمل أن يساعدها هذا الأمر في تجنّب مسببات المرض.

مرض محيّر
كانت ليندسي بوليغا من بين مصابي الموجة الأولى في الولايات المتّحدة قبل بدء الإغلاق العام في البلاد في 15 مارس (آذار) 2020 – أي قبل فرض قواعد التباعد الاجتماعي وارتداء أقنعة الوجه واللقاحات. نظرياً، كان يجب أن تتجاوز الشابّة المرض دون مشاكل جدية لأنّها صغيرة السنّ وتتمتّع بصحّة جيّدة ولياقة بدنية عالية كونها كانت تمارس الجري أو السباحة أو أي نوعٍ من التمارين بشكلٍ يومي. ولكن الفيروس أنهكها لشهر ونصف ولم تعد منذ ذلك الحين كما كانت قبل المرض.
وتقول أريانا إنجونغ تشا الكاتبة الأميركية التي تحدثت بالتفصيل عن معاناة بوليغا، أن المريضة شعرت بعوارض عدّة، منها الألم في الصدر الذي كان يظهر ويختفي أحياناً، ليعود ويظهر في الأشهر القليلة المقبلة. وتعاني من ارتفاع ضغط الدم خلال النهار الذي وصل في إحدى المرّات إلى 153-210 ملم زئبق– مسجلاً ارتفاعاً قياسياً عن المعدّل الطبيعي لها 70-120. وتصاب أيضاً بالدوار والتشويش والارتباك أثناء تصفّحها الهاتف. وأحياناً، تُصاب بالدوار وتسمع طنيناً في الأذنين. وتعاني من آلام شديدة في المفاصل.
أكّدت بوليغا أنّها خلال هذه الفترة كانت تشتمّ رائحة سمك حتّى ولو لم يكن موجوداً، حتّى أنّها في أحد الأيّام بحثت في كلّ مكان في سيارتها مصرّة على وجود فطيرة سمك متعفّنة كانت قد نستها؛ ما دفع حبيبها المرتبك للبحث معها.
اليوم، ومع ظهور ما يسمّى بـ«كوفيد الطويل» الذي يسبب عوارض كثيرة تتداخل مع عوارض متلازمة الإرهاق المزمن، انطلقت أخيراً الأبحاث المخصصة لدراسته. فقد أطلقت معاهد الصحة الوطنية العام الماضي مبادرة بقيمة 1.5 مليار دولار لتكوين فهمٍ أفضل عن «كوفيد الطويل»، وستشمل 40 ألف شخص بالغ وطفل.

فرضيات ونظريات
يركّز البحث على استكشاف مجال أساسي هو الاختلال الوظيفي في الجهاز العصبي اللاإرادي الذي يتحكّم بالوظائف غير الواعية كالتنفّس ومعدّل ضربات القلب والهضم.
يرجّح الباحثون نظرية ثانية تقول إنّ الفيروس قد يستمرّ في التخفّي في «خزانات» في الجسم، مسبباً التهابات تؤدّي إلى جميع أنواع العوارض، وثالثة تقول، إن الجهاز المناعي يفرط بالتفاعل أو يضطرب في هذه الحالات ويهاجم نفسه.
قدّر تقرير مكتب محاسبة الحكومة الذي نُشر في مارس، أنّ ما يقارب 23 مليون أميركي تأثّر بحالة «كوفيد الطويل»، مليون منهم اضطرّوا إلى ترك عملهم. ورجّح التقرير، أنّ الضرر الذي يصيب الأعضاء جرّاء الفيروس والتخثّر الجزئي في الأوعية الدموية قد يكون على صلة بالحالة أيضاً.

رحلة بين الأطباء
> طبيب المناعة. أدركت بوليغا في صيف 2020 أنّها لا تشعر بأي تحسّن. عندها، أحالها طبيب الرعاية الأولية إلى طبيب متخصص بالمناعة – فقد تساءل الأوّل ما إذا كانت عوارضها تشير إلى الالتهاب المفصلي الروماتويدي أو أي حالة أخرى يضطرب فيها الجهاز المناعي ويهاجم نفسه.
تشير سجلّات المريضة إلى أنّ طبيب المناعة أخضعها في يوليو (تموز) 2020 للكثير من فحوص الدم. وبعد صدور النتائج، استبعد داء الذئبة وغيره من أمراض المناعة الذاتية، ولكنّ بوليغا كانت تعاني من ارتفاع في مؤشرات الالتهاب، وهذا ما يفسّر آلام المفاصل. عمد الطبيب أخيراً مذهولاً إلى إحالتها إلى طبيب متخصص بالقلب أمِلت المريضة أن تجد لديه معلومات أكثر.
> طبيب القلب. عندما ضرب «كوفيد» الولايات المتّحدة، تفاجأ الجميع بأن الفيروس يمكن أن يهاجم القلب والأوعية الدموية مباشرة ويؤدي إلى مشاكل لا تعدّ ولا تحصى، بعضها نادر والبعض الآخر شائع، كتصلّب جدران القلب والتهاب الأنسجة الشبيهة بالأكياس التي تحيط به، والتخثّر والجلطة الدماغية.
خضعت بوليغا لفحوص شاملة للقلب والأوعية الدموية بسبب ألم الصدر وجدية ارتفاع ضغط الدمّ اللذين تعاني منهما. أعطى تخطيط صدى القلب، وهو اختبار تصويري يفحص ضخّ صمامات وحجرات القلب، نتائج جيّدة. وكانت نتائج اختبار آلة المشي التي تفحص نشاط القلب في حالات الضغط والتوتر، سليمة أيضاً. وجاءت نتائج تصوير كالسيوم الشرايين التاجية الطبقي المبرمج الذي يساعد في تقييم عدد الصفائح المتكلّسة في القلب، مطمئنة.
> طبيب الكلى. كان موعد بوليغا لدى طبيب الكلى الأسهل والأبسط. عانى بعض البالغين الذين أصيبوا بفيروس «كوفيد» من مشكلة في الكلى اضطرّت البعض منهم إلى الخضوع للغسيل الكلوي، وهو علاج يُصار خلاله إلى ضخّ الدم إلى خارج الجسم لتنظيفه من السموم وفائض السوائل. لم تنطبق هذه الحالة على بوليغا على ما يبدو لأنّ قراءات القياسات لكليتيها كانت «طبيعية جداً».

الغدد والاعصاب
> طبيب الغدد. يتألّف جهاز الغدد الصمّاء في الجسم من غدد عدة تفرز الهرمونات، ويعمل المختصّون في هذا المجال على دراسة جميع أنواع الحالات الطبية المرتبطة به كالتمثيل الغذائي والنمو والتطوّر الجسدي، ووظائف الأنسجة، والنوم. لاحظ الأطبّاء خلال الجائحة عدداً من العوارض المرتبطة بالجهاز كخسارة حاستي الشمّ والتذوّق، والإرهاق، وتفاقم حالات السكريّ، والإصابة بالسكري في بعض الأحيان.
اعتقد طبيب الغدد الصمّاء أولاً أنّ بوليغا تعاني من شيءٍ مختلفٍ كلياً، وأنّها مصابة بورم لا علاقة له بـ«كوفيد».
لم يلتقط جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي أي شيء، فبدأ الطبيب يبحث عن نقص في الأدرينالين تفرز خلاله الغدد الكظرية – أعضاء صغيرة مثلثة موجودة فوق الكلى – كمية غير كافية من الكورتيزول المعروف بهورمون التوتّر ومهمّته المساعدة في الحفاظ على استقرار سكر الدمّ، وتقليل الالتهابات، وتكوين الذاكرة. رُصدت هذه الحالة منذ وقتٍ طويل لدى مرضى «كوفيد»، ولكن في حالة بوليغا، ارتفع معدل الكورتيزول خلال إصابتها بالفيروس ومن ثمّ عاد إلى طبيعته بعد بضعة أسابيع، ما حال دون تفسير مشاكلها المستمرّة.
ولكنّ فحوص الدم أظهرت مشكلة مختلفة وهي الإفراز المفرط لهرمون مختلف من الغدّة نفسها – الألدوستيرون، المنظّم الرئيسي للملح والمياه في الجسم والذي يمكن أن يسبب السمنة في القسم الأعلى من الجسم، وضعف في العظام والعضلات، وارتفاع في ضغط الدم. لم تقدّم هذه النتائج شرحا وافيا لمشاكل بوليغا ولكنّها كانت البداية.
> طبيب الأعصاب. عادت بوليغا والتقطت عدوى «كوفيد» مرّة أخرى في فبراير (شباط) 2021، كانت العدوى الثانية أقلّ شدّة من الأولى ومرّت وكأنّها زكام قويّ. ولكنّ عوارض «كوفيد الطويل» التي كانت تعاني منها عادت – وبدأت تلاحظ ظهور عارض آخر غريب وهو خدر يدها عند الاستيقاظ لبضع مرّات في الأسبوع في البداية، ثمّ أصبح حالة يومية.
أظهرت الفحوص التي أجراها طبيب الأعصاب، أنّ لا شيء مثير للشبهة في الدماغ، وكتب في التقرير أنّ صورة الرنين المغناطيسي لم ترصد شيئاً «مهماً». قالت بوليغا، إنّ نتائج الدراسة كانت غير طبيعية ولكنها لم تحدّد «شيئاً يشرح الخدر التام».
> عيادة «كوفيد الطويل». في حالة بوليغا، طلبت كاثلين هاغرتي، الطبيبة المتخصصة بالطب الباطني والتي ترأس عيادة واتسون لبرنامج «كوفيد الطويل»، إجراء فحوص مخبرية واسعة ومتنوّعة وجاءت نتائجها جميعها جيّدة. اعتبرت هاغرتي أنّ هذا النمط عادي ورصدته لدى 450 مريضاً و«لكن هذا لا يعني أنّه لا يوجد أمر سيئ شديد ما». فقد وجدت أنّ السبب الرئيسي هو اضطراب في الغدد الصمّاء في الجهاز العصبي اللاإرادي الذي يحدّد استجابة الجهاز المناعي في حالة الدفاع أو الهرب.



كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»