شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

تخبط فتاوى التنظيم المتطرف في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح باب الخلافات والهزائم

TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

يواصل خمسة من المنشقين عن «داعش» من جنسيات سورية وليبية وتونسية، الإدلاء بشهاداتهم عن الأسباب والتفاصيل التي أدت إلى تخليهم عن القتال مع التنظيم المتطرف. واصطدم هؤلاء الشبان ومن كان معهم من مجموعات، بتوجهات وفتاوى دولة «الخلافة» المزعومة، بعد أشهر من التحاقهم بالقتال في سوريا والعراق، إلى أن قرّروا في نهاية المطاف، التوقف عن العمليات العسكرية والهروب بعد أن أصبحوا، هم أنفسهم، عرضة للقتل على يد التنظيم.
فرَّ «أبو هريرة» إلى بلدته في شمال ليبيا، قبل أن يواصل الهروب، بعد أن أهدر التنظيم المتطرف دمه، خصوصًا أن «داعش» له وجود في مدن مثل درنة وسرت وصبراتة في ليبيا. كما فرَّ «أبو شعيب» تاركًا بلدته، دير الزور، إلى تركيا. ويعيش هناك متخفيًا. بينما يفيد الوسطاء الذين قاموا بتأمين الردود التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أن التونسيين الثلاثة يعيشون في بلداتهم الأصلية في جنوب البلاد.
وفي هذه الحلقة يتذكر «أبو شعيب» ما وقع من أحداث مرعبة في تلك الليلة حين جاء مع «أبو هريرة» و«الإخوة التونسيين» وعدد من زملائهم المقاتلين، لكي ينظر تركي البنعلي، رئيس جهاز الحسبة في «داعش»، في الخلافات التي تتزايد بشأن سرعة تغيير التنظيم لمواقفه بينما الحرب تجري على الأرض.
الوقوف أمام المنظر الشرعي «تركي البنعلي» يُعد من المسائل الخطرة، فهو، وفقًا لأحد التونسيين الثلاثة، صموت وهدوء لكنه لا يتسامح في القضايا التي تمس أوامر «البغدادي» حتى من قبل أن يتولى رئاسة جهاز الحسبة.. «البنعلي» خطيب مفوَّه أيضًا، فقد سبق له، منذ عام 2005 ولعدة سنوات، التنقل بين كثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا، لتلقي الدروس على يد دعاة متطرفين أو إعطاء دروس للشبان الذين تعم بلادهم فوضى «الربيع العربي».
كان «البنعلي»، قبل ظهور الخلافة المزعومة، من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة. ويقول التونسي إنه غيَّر موقفه إلى العداء ضد القاعدة، لمصلحة «داعش»، ثم بدأ يطلب منا مهادنة القاعدة والمنتمين إليها. وبعدها، عرفنا أن هناك تواصلًا وصداقة ومعاملات طيبة لنفس الجهات التي كان قبل يوم أو اثنين يطلب منا مقاتلتها لأنها إما كافرة أو مرتدة أو أنصار للطواغيت.
يقول «أبو شعيب»: في هذه الأمسية قلنا لا بد أن نعرف ما يجري بالضبط من «البنعلي» وليحدث ما يحدث.. رغم أننا نعلم أنه لم يسبق لهذا الرجل أن تحمل الجدل والمناقشة. كانت له شهرة وصيت في «داعش»، بسبب تعصبه في موالاته لـ«البغدادي» ونشاطه في ضم شبان عرب وأجانب للقتال في صفوف التنظيم، واقتران اسمه بمفاوضات إطلاق سراح عامل الإغاثة الأميركي، بيتر كاسيغ، الذي جرى ذبحه فيما بعد.
ويضيف أحد التونسيين المنشقين أن المشكلة في الأساس داخل التنظيم قد ترجع أسبابها إلى أكثر من سنة مضت، حين أعلن الظواهري الفصل بين «العراق والشام» بحيث تكون العراق تحت ولاية «البغدادي» باسم «دولة العراق الإسلامية» والشام (سوريا) تحت ولاية جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. هنا انحاز «البنعلي»، قبل حتى أن يصل إلى سوريا ومن ثم العراق، إلى موقف «البغدادي» الرافض لهذا الفصل متمسكًا باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
«أبو هريرة» يوضح أنه، حين كان يقف مع مجموعته والمتخاصمين معها في قضية تنظيم القاعدة، بين يدي «البنعلي»، تذكَّر أن موقفه، في الحقيقة، أفضل من موقف هذا الشاب البحريني المجرد من جنسية بلاده، لأنه؛ أي «أبو هريرة»، دخل جبهة الحرب قبل أن يعرفها «البنعلي»، وخاض معارك وتعرض لخطر القتل أكثر من مرة قرب الرِّقة وفي دير الزور والبوكمال والموصل.
«أبو هريرة» الذي انقطع عن دراسة الطب في بلاده، رغم أنه كان على وشك التخرج، نشأ في مدينة بنغازي، والده يحمل رتبة رائد سابق في الجيش الليبي. وبعد سقوط نظام معمر القذافي، التحق بتنظيم أنصار الشريعة في المدينة التي أصبحت معقلاً للمتطرفين. سافر من هناك، مع مجموعة من الشبان الليبيين، إلى تونس. وعقب تلقيه دروسًا دينية وتدريبات جديدة على القنص، جرى ترتيب سفره، مع التونسيين الثلاثة، إلى سوريا عبر تركيا.
مرَّ شريط الرحلة من «بنغازي» حتى «الرِّقة» في ذهن «أبو هريرة» وهو يستعد للمواجهة مع «البنعلي». ويبدو أن هذا الشاب الليبي لم يشأ أن يضع نفسه كرأس حربة في المناقشة، فقدم أحد زملائه من طلاب العلم الذين معه، ويطلق عليه «شيخنا» على أساس أنه مختص بهذا الفرع من الجدل. ويبدو أن «أبو شعيب» فهم الأمر.
يقول «أبو شعيب»: «كنت أرى غضبًا وشرًا مستطيرًا في عيني البنعلي.. كان يمد يده ويشدّ العمامة البيضاء التي يغطي بها رأسه، وكأنه يريد أن يبعد الضوء عن تعبيرات وجهه الغاضبة حتى لا نراها.. كنت أريد أن أفرَّ من أمامه، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في تلك اللحظة؛ ليل وطرق الهروب ملغمة بالأعداء. ثم كيف أتخلى عن أميري وإخوتي الذين يشاطرونني الرأي نفسه».
وعمّا جرى بعد ذلك، يوضح «أبو هريرة» قائلاً: «في البداية؛ أي حين دخلنا عليه.. سلّمنا، وقدّمنا طالب العلم الذي كان معنا لمناقشته. وبعد قليل كان الحديث يجري ونحن نراقب.. قام شيخنا (لم يذكر اسمه) بالتأصيل الفقهي الذي يقول إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي أمور التوحيد مطلقًا، وأن العاذر كافر من دون بيِّنة، وأن هذا ما وجدنا عليه التنظيم حين التحقنا به، وأنه لا توجد أسباب لتغيير الموقف، وإلا أصبح التنظيم مثله مثل التنظيمات الأخرى، وبالتالي لا يحق له أن يحتكر تفسير الإسلام حسب الظروف. هنا اعترض البنعلي، واختلف معنا في الأصل، فقال: نحن لا نعذِّر بالجهل في الشرك الأكبر، ولكننا لا نكفر العاذر بالجهل».
استمر الحوار على هذه الشاكلة. يضيف «أبو هريرة»: «كان شيخنا ولله الحمد، وهو يرد على البنعلي، متمكنًا ملمًا بالأدلة، فكان البنعلي يصمت قليلاً ثم يقول: ما رأيكم بأحمد بن حنبل؟ هو لم يكفر المأمون. قلنا: وما أدراك؟ فأحمد بن حنبل قال إن من قال بخلق القرآن كافر، ومن لم يكفره كافر. ثم صار البنعلي يسأل من جديد: ما رأيكم بابن عربي وبالذي لا يكفره؟.«
يقول «أبو شعيب» إن عددًا من مساعدي «البنعلي» انبروا في استعادة وقائع تاريخية بعضها يعود لعام 218 للهجرة عن الخلافات التي نشبت وقتذاك بين الخليفة المأمون وابن حنبل بشأن القول بخلق القرآن واعتراض ابن حنبل على هذا. كما تطرقت المناقشات إلى موقف الشيخ الأندلسي، محيي الدين بن عربي، ذي التوجهات الصوفية، إلى مسألة التكفير، قبل وفاته في دمشق سنة 638 للهجرة. ويقول إنه لاحظ وجود خلط، من جانب جماعة البنعلي، بين ابن عربي هذا، وأبو بكر بن العربي، الذي له كتابات قديمة عن العاذر بالجهل، والمتوفي سنة 543 للهجرة في المغرب.
ويضيف أنه حين أراد أن يعترض على هذا الاسترسال في وقائع قديمة بطريقة فيها خلط ولبس وأخطاء، أشار له عدد من مساعدي «البنعلي» بالتزام الصمت حتى ينتهي من حديثه الذي تطرق فيه أيضًا لشيوخ آخرين من بينهم فخر الدين الرازي، المشهور بالرد على أفكار المعتزلة، والمتوفي في أفغانستان عام 606 للهجرة.
مثل هذا التخبط وما لدى أتباع «البنعلي» وغيرهم من خلفيات ضبابية عن فتاوى فقهاء التراث والخلط بين أقوال الشيوخ القدامى وتضارب التعليمات في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الخلافات والهزائم. وبدا أن «أبو شعيب» امتلأ بالغضب والغيظ من تشعب الأسانيد التاريخية بهذه الطريقة وعدم وضوح الرؤية تجاه الواقع القتالي المتأزم على الأرض، أو وجود تحديد دقيق للخصوم والأصدقاء بشكل يجعل المحاربين يعرفون أين يوجهوا مواسير البنادق. يقول إنه نظر إلى وجوه مجموعته ووجد أنهم هم أيضا مستاءون من سير المناقشات مع «البنعلي» ومساعديه.
هنا رد «أبو شعيب» بنفاذ صبر وبطريقة كانت تحمل كثيرًا من المعاني، موضحًا: «قلنا له نحن لا نعرف من هو ابن عربي، أو ابن العربي، ولا نعرف من هو الرازي». وبدأ فصل جديد من العلاقة بين مقاتلي التنظيم.
من جانبه، يقول «أبو هريرة»: المهم استمر حوارنا مع البنعلي لفترة ساعتين ونصف الساعة.. طبعًا كنا نسجل الحوار.. المهم، شيخنا قمع البنعلي ودحض حججه، وأسكت لسانه، فخرج مُكَبًا على وجهه.. وقلنا إن هذا مؤشر خطر جديد على حياتنا.. المهم، ورغم ما حدث خلال الجدل، إلا أنه، بعد هذا النقاش، رجع بعض الأشخاص عن تكفير العاذر، ربما خوفًا من انتقام التنظيم منهم. ففي ذلك الوقت كان كثير من الإخوة من المقاتلين يعانون الأمرَّين في سجون «داعش» بسبب خلافات من هذا النوع، مثل قتل الشيعة حتى لو لم يحملوا السلاح ضد الخلافة.
في اليوم الثاني - يواصل «أبو هريرة» - أتانا أبو بكر القحطاني (قيادي آخر في داعش) وناقشنا أيضا.. و«أيضا خرج دونما نتيجة، لكنه قبل خروجه قال لنا كلامًا متناقضًا: كل من أراد تكفير الظواهري والعاذر فليس مشكلة، ومن لم يكفر العاذر والظواهري ليس مشكلة أيضًا، ولا تلزموا بعضكم بأقوالكم، فإن المسألة يسع فيها الخلاف»، لكن القحطاني، بعد قليل عاد وتحدث مجددًا بطريقة فيها تهديد لنا، وكان أكثر حدة من السابق. وقال: «أي أحد يكفر الظواهري ويكفر العاذر بالجهل فسوف يسجن ويعاقب بأشد العقوبات».
يبدو أن «القحطاني» يحظى بمكانة رفيعة داخل القيادة العليا للتنظيم (وغير معروف ما إذا كان ما زال في «داعش» أم تركها، أو إن كان على قيد الحياة). لكن كان معلومًا، وهو يرد على «أبو هريرة» ومجموعته، أنه ذو سياسة مرنة إلى حد ما في حل المشكلات التي تعترض عناصر التنظيم، على عكس «البنعلي» الصارم.
بيد أنَّ «أبو شعيب» يزيد موضحًا أن اختتام القحطاني بتهديد المخالفين بالسجن، والمعاقبة بأشد العقوبات، ترك المناقشات بشأن الموقف من الظواهري وغيرها من قضايا، معلقة دون حل.. «كنا نريد أن نعرف ماذا يجري.. ما سبب صدور رسالة من الخليفة عن عدم تكفير القاعدة. لماذا الخوف من المناظرات.. لم نتلقَ إجابة. فقط كان التشديد على ضرورة السمع والطاعة للخليفة وما يصدر عنه».
في الأيام التالية، بدا أن المجموعات القتالية التي كانت تعود من المواجهات في ريف دمشق وفي حلب، إلى مقر التنظيم في مدينة الرِّقة، تنحاز في شكوكها إلى وجهة نظر المقاتلين والفقهاء الصغار مثل «أبو هريرة» و«أبو شعيب». كما كان جواسيس «البنعلي» و«القحطاني» يقدمون معلومات مقلقة عن تراجع ثقة كثير من المحاربين في «الخليفة».
ربما لهذا السبب جرت محاولة لتعزيز الموقف بإرسال أحد المقربين من مقاتلي «داعش» على الجبهة السورية، وكان يحمل مرتبة «والي دمشق» في ذلك الوقت، ويقول «أبو هريرة» إن اسم هذا الوالي «أبو اليمان الأردني».
ويضيف أنه مع الشعور بتزعزع الثقة في ولائنا، أرسل التنظيم، الوالي الذي كان علينا.. والي دمشق، «أبو اليمان».. و«أيضا تكلم بنفس الكلام، وهدَّدنا بأنه سيسجننا. ثم بعدها تم تفريقنا لأماكن مختلفة، وبشكل متعمد، وكأنه كانت هناك محاولة من قادة التنظيم لتخفيف حدة الانتقادات والمجادلات والتركيز على الاستمرار في القتال. المهم.. بعضٌ منا جرى إعادته إلى جبهة حلب، وبعض منا جرى إرساله إلى المرابطة في الصحراء على الحدود بين العراق وسوريا».
ويتابع قائلاً: أما الشيخ الذي كان معنا، الذي كنا قد قدمناه للرد على البنعلي، والقحطاني، فقد أبقوه وحيدًا في مدينة الرِّقة في مبنى السفارة (لم يفصح عن اسم هذه السفارة).. المهم، فيما بعد، انتقلنا، وذهبنا للعراق، فرأينا في العراق جنود الدولة (داعش) العراقيين، ولا أحد منهم ملمًا بمبادئ الشرع، ولا بموضوع الكفر بالطاغوت.. لا يعرفون سوى أن الرافضة (المقصود الشيعة) مرتدون.
وعن انطباعه حين وصل للقتال مع جنود «داعش» في العراق، يوضح «أبو هريرة»: «سبحان الله.. عندما سألناهم ألم تدخلوا في دورات للدروس الشرعية، قالوا لنا: لا.. إنما تأتي الدولة وتفتح (أي تحتل) منطقة من المناطق، وتفتح المجال للانتساب.. ومباشرة تحصل البيعة. حينئذ يعطونك سلاحًا لتقاتل وتجاهد، دون أي تعليم عن الدين أو أي شيء».
المهم، كما يضيف «أبو هريرة»: «جلسنا هنا وسط جنود الدولة (داعش).. كانوا كلهم شبانًا وصبية عراقيين. حاولنا أن نعلِّمهم قدر استطاعتنا، لكن الوقت لم يسعفنا.. بعدها، ورغم احتجاجنا على تضارب مواقف التنظيم، أخبرنا القادة أنه جرى عقد هدنة مع جبهة النصرة في منطقة البوكمال (مدينة سوريا على الحدود مع العراق) وأن الجبهة بايعت، وأن علينا - وكان من تبقى معي من مجموعتي يتكون من 18 مقاتلاً من ليبيا وسوريا وتونس والشيشان - أن نذهب إلى هناك لنر الوضع ونراقبه، وإذا وقع قتال مع الجيش الحر (التابع للمعارضة السورية) نقاتل».
كان الزمن قد مضى وسط عدم يقين من جانب «أبو هريرة» و«أبو شعيب» عن مستقبل العمل في صفوف «داعش» بينما لا توجد خطوط ثابتة لعمل التنظيم، سواء بشأن القاعدة أو الشيعة في العراق وسوريا، أو بخصوص التعامل مع الجيش السوري الحر والعشائر؛ نقاتلهم أم لا؟ وكيف؟ وما هي الحدود الفاصلة بين مقاتلتهم أو التعاون معهم. كانت التعليمات متضاربة.. فقد جرى قتل قيادات وعناصر محسوبة على هذه الفرق، ثم جاءت تعليمات جديدة فجأة بالتوقف عن مهاجمة هؤلاء أو أولئك، دون أي سبب. إذن هذا ليس تطبيقًا للشريعة، كما يزعم قادتنا، ولكنها سياسة.. وهذا أمر يقوم به الجميع في كل مكان، فلماذا إذن القتل والزعم بأننا نريد تطبيق شرع الله.
يقول «أبو هريرة»: حين طلبوا مني أخذ المجموعة والتوجه إلى مدينة «البوكمال»، للتعاون مع جبهة النصرة التي كنا نكفرها قبل أيام، قلت إنهم يضعونني ومجموعتي أمام الأمر الواقع. أيام الصيف طويلة والحر شديد والغبار يغطي مركباتنا ويسد أنوفنا. كانت أصداء أحاديث أمراء المناطق تصلنا ونحن متوجهون إلى تلك المدينة.. أحاديث تدور عن أن جبهة النصرة بايعت «دولة الخلافة» و«الخليفة البغدادي». قلت في نفسي إن هذا تحول مهم يعزز من مكانة دولتنا ويعد بمثابة انتصار لنا، بعد الاقتتال الذي كان بيننا في الأسابيع والشهور الماضية.
بعد ساعات، استقبل مندوب مما كان يعرف بـ«ولاية حمص» التابعة لـ«داعش» المقاتلين الـ18 المقبلين من العراق، ومن بينهم «أبو هريرة»، قرب الحدود، وقدم لهم ما يفيد بمبايعة جبهة النصر للتنظيم، وقال لهم إنهم في أمان، وأن «البوكمال» أصبحت مدينة تابعة لهم، بعد أن قدم قيادي في «النصرة» يدعى «أبو يوسف» البيعة لقيادي من «داعش» كان قد سبقهم إلى هنا، يدعى «أبو عمر الشيشاني».
يقول «أبو هريرة»: «على كل حال ذهبنا وجلسنا مع جنود جبهة النصرة، خائفين منهم، فقد كنا، كما قلت، 18 مقاتلاً فقط، بينما كان جنود النصرة نحو 150، هذا بالإضافة إلى أن جنود الجيش الحر كانوا قريبين من موقعنا. المهم كنا خائفين منهم خوفًا شديدًا. إذا كانت خدعة وإذا كانوا يفكرون في الانتقام منا، فسنهزم وننتهي.. نخشى نهارًا وليلاً من أن يهجموا علينا.. كنا ننام وأحزمتنا معنا. بعد يومين اجتمعنا مع جنود الجبهة وسألناهم: هل قامت الدولة (داعش) باستتابتكم؟ فقالوا لنا: لا.. لم تستتب أي منا. ولماذا نقدم الاستتابة للدولة؟».
كانت هذه الواقعة بمثابة صدمة جديدة يتعرض لها «أبو هريرة» ومجموعته، وطارت أخبارها إلى «أبو شعيب» الذي كان يرابط مع مجموعته في معسكر بالصحراء جنوب دير الزور.
هذا يعني أن مندوب «داعش» الذي استقبل مجموعة «أبو هريرة» على الحدود كان يكذب بخصوص الاستتابة، والبيانات التي صدرت عن التنظيم وجرى تعميمها على أمراء المناطق، وبالتالي على الجنود، بشأن مبايعة «النصرة»، لا تعكس ما يجري على الواقع. كان «أبو هريرة» يعتقد، مثل مجموعته، في كفر جبهة النصرة، وأن مبايعة الجبهة لـ«داعش» لا بد أن تقترن باستتابة جنودها.
ماذا فعل وكيف رد على جنود «النصرة»؟ يقول: «أجبناهم.. قلنا لهم إنكم كفار، وعليكم أن تتبرأوا من كفركم. فقالوا لنا: نحن بايعنا الدولة (داعش) فقط لحقن الدماء. صرنا نسألهم عن أمور دينهم فوجدناهم غير ملمين بالشرع مثل الصبية العراقيين. شعرنا بالخوف الشديد، وطلبنا مددًا من إخوتنا في الجبهات المجاورة لكي يأتوا بأسلحتهم ويبقوا معنا في البوكمال، حتى لا تغدر بنا جبهة النصرة التي كنا نشعر أن لها تواصلاً مع قادة من الجيش الحر. حين سألت أحد زعماء (النصرة) عن هذا الأمر قال لي إن الجيش الحر إخواننا، ولا نريد أن نقتتل».
ومع ذلك، كما يقول «أبو هريرة»، كان قائد «داعش» في شمال سوريا في ذلك الوقت، وهو «أبو عمر الشيشاني»، يشعر بما أصبحت عليه المجموعة من قلق بسبب قلة عددها بعد وصولها إلى البوكمال، فأمر بالاستجابة إلى طلبها ودفع بمقاتلين لتعزيزها.. «حتى زاد عددنا وأصبحنا 70 مقاتلاً».
ويوضح أحد التونسيين الثلاثة ممن كان مع مجموعة «أبو هريرة» أن الشيشاني، واسمه الحقيقي «ترخان بيترشفيلي»، كان يتفهم المشكلات التي نتعرض لها وقصة الخلافات الفقهية عن التعامل مع جبهة النصرة والعشائر والأسرى والغنائم، ولقاءاتنا مع «البنعلي» و«القحطاني»، إلا أنه، في المرة التي زارنا فيها على جبهة البوكمال، لم يشأ أن يفتح المجال للحديث حول هذه الأمور، خاصة في قضية عدم استتابة من يعلنون البيعة. دعانا فقط إلى الاطمئنان هنا، وأننا لن نتعرض لأذى لا من جبهة النصرة ولا من الجيش الحر، ومضى.
«الشيشاني» خلال تلك الزيارة، كان قد أعطى «الجيش الحر» مهلة يومين لكي يبايع «داعش»، وهو أمر لم يحدث أبدًا بطبيعة الحال. يقول «أبو هريرة»: المهم.. كانت الدولة في هذه المنطقة تحت قيادة الشيشاني، قد أعطت الجيش الحر مهلة يومين ليبايع.. لكنه لم يلتزم، ثم عاد وطلب مهلة أخرى، بينما كان يصله الدعم من جهات مختلفة.. ثم إن الدولة (داعش في شمال سوريا)، في حينها، أعطت الجيش الحر مهلة ثالثة.
ويتابع، وهو يشرح ما حدث بشكل مفاجئ. يقول: «استيقظنا.. ووجدنا الجيش الحر قد حاصرنا بنحو 1500 مقاتل من مناطق شعيطات والبوكمال، بينما نحن عندها كنا، كما قلت لك، 70 مقاتلاً فقط».
ويضيف: طلبنا دعمًا من جبهة النصرة التي بايعتنا قبل أيام، حيث كان عددهم، كما ذكرت، 150 مقاتلاً. لكن قادة «النصرة» قالوا لنا: نحن لن نقاتل معكم ولن نقاتل مع الجيش الحر، لأننا نريد حقن الدماء.. واستمرت المعركة ثلاثة أيام، لتبدأ بعدها فصول جديدة من الخلافات مع قادة التنظيم.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.