شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

تخبط فتاوى التنظيم المتطرف في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح باب الخلافات والهزائم

TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

يواصل خمسة من المنشقين عن «داعش» من جنسيات سورية وليبية وتونسية، الإدلاء بشهاداتهم عن الأسباب والتفاصيل التي أدت إلى تخليهم عن القتال مع التنظيم المتطرف. واصطدم هؤلاء الشبان ومن كان معهم من مجموعات، بتوجهات وفتاوى دولة «الخلافة» المزعومة، بعد أشهر من التحاقهم بالقتال في سوريا والعراق، إلى أن قرّروا في نهاية المطاف، التوقف عن العمليات العسكرية والهروب بعد أن أصبحوا، هم أنفسهم، عرضة للقتل على يد التنظيم.
فرَّ «أبو هريرة» إلى بلدته في شمال ليبيا، قبل أن يواصل الهروب، بعد أن أهدر التنظيم المتطرف دمه، خصوصًا أن «داعش» له وجود في مدن مثل درنة وسرت وصبراتة في ليبيا. كما فرَّ «أبو شعيب» تاركًا بلدته، دير الزور، إلى تركيا. ويعيش هناك متخفيًا. بينما يفيد الوسطاء الذين قاموا بتأمين الردود التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أن التونسيين الثلاثة يعيشون في بلداتهم الأصلية في جنوب البلاد.
وفي هذه الحلقة يتذكر «أبو شعيب» ما وقع من أحداث مرعبة في تلك الليلة حين جاء مع «أبو هريرة» و«الإخوة التونسيين» وعدد من زملائهم المقاتلين، لكي ينظر تركي البنعلي، رئيس جهاز الحسبة في «داعش»، في الخلافات التي تتزايد بشأن سرعة تغيير التنظيم لمواقفه بينما الحرب تجري على الأرض.
الوقوف أمام المنظر الشرعي «تركي البنعلي» يُعد من المسائل الخطرة، فهو، وفقًا لأحد التونسيين الثلاثة، صموت وهدوء لكنه لا يتسامح في القضايا التي تمس أوامر «البغدادي» حتى من قبل أن يتولى رئاسة جهاز الحسبة.. «البنعلي» خطيب مفوَّه أيضًا، فقد سبق له، منذ عام 2005 ولعدة سنوات، التنقل بين كثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا، لتلقي الدروس على يد دعاة متطرفين أو إعطاء دروس للشبان الذين تعم بلادهم فوضى «الربيع العربي».
كان «البنعلي»، قبل ظهور الخلافة المزعومة، من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة. ويقول التونسي إنه غيَّر موقفه إلى العداء ضد القاعدة، لمصلحة «داعش»، ثم بدأ يطلب منا مهادنة القاعدة والمنتمين إليها. وبعدها، عرفنا أن هناك تواصلًا وصداقة ومعاملات طيبة لنفس الجهات التي كان قبل يوم أو اثنين يطلب منا مقاتلتها لأنها إما كافرة أو مرتدة أو أنصار للطواغيت.
يقول «أبو شعيب»: في هذه الأمسية قلنا لا بد أن نعرف ما يجري بالضبط من «البنعلي» وليحدث ما يحدث.. رغم أننا نعلم أنه لم يسبق لهذا الرجل أن تحمل الجدل والمناقشة. كانت له شهرة وصيت في «داعش»، بسبب تعصبه في موالاته لـ«البغدادي» ونشاطه في ضم شبان عرب وأجانب للقتال في صفوف التنظيم، واقتران اسمه بمفاوضات إطلاق سراح عامل الإغاثة الأميركي، بيتر كاسيغ، الذي جرى ذبحه فيما بعد.
ويضيف أحد التونسيين المنشقين أن المشكلة في الأساس داخل التنظيم قد ترجع أسبابها إلى أكثر من سنة مضت، حين أعلن الظواهري الفصل بين «العراق والشام» بحيث تكون العراق تحت ولاية «البغدادي» باسم «دولة العراق الإسلامية» والشام (سوريا) تحت ولاية جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. هنا انحاز «البنعلي»، قبل حتى أن يصل إلى سوريا ومن ثم العراق، إلى موقف «البغدادي» الرافض لهذا الفصل متمسكًا باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
«أبو هريرة» يوضح أنه، حين كان يقف مع مجموعته والمتخاصمين معها في قضية تنظيم القاعدة، بين يدي «البنعلي»، تذكَّر أن موقفه، في الحقيقة، أفضل من موقف هذا الشاب البحريني المجرد من جنسية بلاده، لأنه؛ أي «أبو هريرة»، دخل جبهة الحرب قبل أن يعرفها «البنعلي»، وخاض معارك وتعرض لخطر القتل أكثر من مرة قرب الرِّقة وفي دير الزور والبوكمال والموصل.
«أبو هريرة» الذي انقطع عن دراسة الطب في بلاده، رغم أنه كان على وشك التخرج، نشأ في مدينة بنغازي، والده يحمل رتبة رائد سابق في الجيش الليبي. وبعد سقوط نظام معمر القذافي، التحق بتنظيم أنصار الشريعة في المدينة التي أصبحت معقلاً للمتطرفين. سافر من هناك، مع مجموعة من الشبان الليبيين، إلى تونس. وعقب تلقيه دروسًا دينية وتدريبات جديدة على القنص، جرى ترتيب سفره، مع التونسيين الثلاثة، إلى سوريا عبر تركيا.
مرَّ شريط الرحلة من «بنغازي» حتى «الرِّقة» في ذهن «أبو هريرة» وهو يستعد للمواجهة مع «البنعلي». ويبدو أن هذا الشاب الليبي لم يشأ أن يضع نفسه كرأس حربة في المناقشة، فقدم أحد زملائه من طلاب العلم الذين معه، ويطلق عليه «شيخنا» على أساس أنه مختص بهذا الفرع من الجدل. ويبدو أن «أبو شعيب» فهم الأمر.
يقول «أبو شعيب»: «كنت أرى غضبًا وشرًا مستطيرًا في عيني البنعلي.. كان يمد يده ويشدّ العمامة البيضاء التي يغطي بها رأسه، وكأنه يريد أن يبعد الضوء عن تعبيرات وجهه الغاضبة حتى لا نراها.. كنت أريد أن أفرَّ من أمامه، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في تلك اللحظة؛ ليل وطرق الهروب ملغمة بالأعداء. ثم كيف أتخلى عن أميري وإخوتي الذين يشاطرونني الرأي نفسه».
وعمّا جرى بعد ذلك، يوضح «أبو هريرة» قائلاً: «في البداية؛ أي حين دخلنا عليه.. سلّمنا، وقدّمنا طالب العلم الذي كان معنا لمناقشته. وبعد قليل كان الحديث يجري ونحن نراقب.. قام شيخنا (لم يذكر اسمه) بالتأصيل الفقهي الذي يقول إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي أمور التوحيد مطلقًا، وأن العاذر كافر من دون بيِّنة، وأن هذا ما وجدنا عليه التنظيم حين التحقنا به، وأنه لا توجد أسباب لتغيير الموقف، وإلا أصبح التنظيم مثله مثل التنظيمات الأخرى، وبالتالي لا يحق له أن يحتكر تفسير الإسلام حسب الظروف. هنا اعترض البنعلي، واختلف معنا في الأصل، فقال: نحن لا نعذِّر بالجهل في الشرك الأكبر، ولكننا لا نكفر العاذر بالجهل».
استمر الحوار على هذه الشاكلة. يضيف «أبو هريرة»: «كان شيخنا ولله الحمد، وهو يرد على البنعلي، متمكنًا ملمًا بالأدلة، فكان البنعلي يصمت قليلاً ثم يقول: ما رأيكم بأحمد بن حنبل؟ هو لم يكفر المأمون. قلنا: وما أدراك؟ فأحمد بن حنبل قال إن من قال بخلق القرآن كافر، ومن لم يكفره كافر. ثم صار البنعلي يسأل من جديد: ما رأيكم بابن عربي وبالذي لا يكفره؟.«
يقول «أبو شعيب» إن عددًا من مساعدي «البنعلي» انبروا في استعادة وقائع تاريخية بعضها يعود لعام 218 للهجرة عن الخلافات التي نشبت وقتذاك بين الخليفة المأمون وابن حنبل بشأن القول بخلق القرآن واعتراض ابن حنبل على هذا. كما تطرقت المناقشات إلى موقف الشيخ الأندلسي، محيي الدين بن عربي، ذي التوجهات الصوفية، إلى مسألة التكفير، قبل وفاته في دمشق سنة 638 للهجرة. ويقول إنه لاحظ وجود خلط، من جانب جماعة البنعلي، بين ابن عربي هذا، وأبو بكر بن العربي، الذي له كتابات قديمة عن العاذر بالجهل، والمتوفي سنة 543 للهجرة في المغرب.
ويضيف أنه حين أراد أن يعترض على هذا الاسترسال في وقائع قديمة بطريقة فيها خلط ولبس وأخطاء، أشار له عدد من مساعدي «البنعلي» بالتزام الصمت حتى ينتهي من حديثه الذي تطرق فيه أيضًا لشيوخ آخرين من بينهم فخر الدين الرازي، المشهور بالرد على أفكار المعتزلة، والمتوفي في أفغانستان عام 606 للهجرة.
مثل هذا التخبط وما لدى أتباع «البنعلي» وغيرهم من خلفيات ضبابية عن فتاوى فقهاء التراث والخلط بين أقوال الشيوخ القدامى وتضارب التعليمات في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الخلافات والهزائم. وبدا أن «أبو شعيب» امتلأ بالغضب والغيظ من تشعب الأسانيد التاريخية بهذه الطريقة وعدم وضوح الرؤية تجاه الواقع القتالي المتأزم على الأرض، أو وجود تحديد دقيق للخصوم والأصدقاء بشكل يجعل المحاربين يعرفون أين يوجهوا مواسير البنادق. يقول إنه نظر إلى وجوه مجموعته ووجد أنهم هم أيضا مستاءون من سير المناقشات مع «البنعلي» ومساعديه.
هنا رد «أبو شعيب» بنفاذ صبر وبطريقة كانت تحمل كثيرًا من المعاني، موضحًا: «قلنا له نحن لا نعرف من هو ابن عربي، أو ابن العربي، ولا نعرف من هو الرازي». وبدأ فصل جديد من العلاقة بين مقاتلي التنظيم.
من جانبه، يقول «أبو هريرة»: المهم استمر حوارنا مع البنعلي لفترة ساعتين ونصف الساعة.. طبعًا كنا نسجل الحوار.. المهم، شيخنا قمع البنعلي ودحض حججه، وأسكت لسانه، فخرج مُكَبًا على وجهه.. وقلنا إن هذا مؤشر خطر جديد على حياتنا.. المهم، ورغم ما حدث خلال الجدل، إلا أنه، بعد هذا النقاش، رجع بعض الأشخاص عن تكفير العاذر، ربما خوفًا من انتقام التنظيم منهم. ففي ذلك الوقت كان كثير من الإخوة من المقاتلين يعانون الأمرَّين في سجون «داعش» بسبب خلافات من هذا النوع، مثل قتل الشيعة حتى لو لم يحملوا السلاح ضد الخلافة.
في اليوم الثاني - يواصل «أبو هريرة» - أتانا أبو بكر القحطاني (قيادي آخر في داعش) وناقشنا أيضا.. و«أيضا خرج دونما نتيجة، لكنه قبل خروجه قال لنا كلامًا متناقضًا: كل من أراد تكفير الظواهري والعاذر فليس مشكلة، ومن لم يكفر العاذر والظواهري ليس مشكلة أيضًا، ولا تلزموا بعضكم بأقوالكم، فإن المسألة يسع فيها الخلاف»، لكن القحطاني، بعد قليل عاد وتحدث مجددًا بطريقة فيها تهديد لنا، وكان أكثر حدة من السابق. وقال: «أي أحد يكفر الظواهري ويكفر العاذر بالجهل فسوف يسجن ويعاقب بأشد العقوبات».
يبدو أن «القحطاني» يحظى بمكانة رفيعة داخل القيادة العليا للتنظيم (وغير معروف ما إذا كان ما زال في «داعش» أم تركها، أو إن كان على قيد الحياة). لكن كان معلومًا، وهو يرد على «أبو هريرة» ومجموعته، أنه ذو سياسة مرنة إلى حد ما في حل المشكلات التي تعترض عناصر التنظيم، على عكس «البنعلي» الصارم.
بيد أنَّ «أبو شعيب» يزيد موضحًا أن اختتام القحطاني بتهديد المخالفين بالسجن، والمعاقبة بأشد العقوبات، ترك المناقشات بشأن الموقف من الظواهري وغيرها من قضايا، معلقة دون حل.. «كنا نريد أن نعرف ماذا يجري.. ما سبب صدور رسالة من الخليفة عن عدم تكفير القاعدة. لماذا الخوف من المناظرات.. لم نتلقَ إجابة. فقط كان التشديد على ضرورة السمع والطاعة للخليفة وما يصدر عنه».
في الأيام التالية، بدا أن المجموعات القتالية التي كانت تعود من المواجهات في ريف دمشق وفي حلب، إلى مقر التنظيم في مدينة الرِّقة، تنحاز في شكوكها إلى وجهة نظر المقاتلين والفقهاء الصغار مثل «أبو هريرة» و«أبو شعيب». كما كان جواسيس «البنعلي» و«القحطاني» يقدمون معلومات مقلقة عن تراجع ثقة كثير من المحاربين في «الخليفة».
ربما لهذا السبب جرت محاولة لتعزيز الموقف بإرسال أحد المقربين من مقاتلي «داعش» على الجبهة السورية، وكان يحمل مرتبة «والي دمشق» في ذلك الوقت، ويقول «أبو هريرة» إن اسم هذا الوالي «أبو اليمان الأردني».
ويضيف أنه مع الشعور بتزعزع الثقة في ولائنا، أرسل التنظيم، الوالي الذي كان علينا.. والي دمشق، «أبو اليمان».. و«أيضا تكلم بنفس الكلام، وهدَّدنا بأنه سيسجننا. ثم بعدها تم تفريقنا لأماكن مختلفة، وبشكل متعمد، وكأنه كانت هناك محاولة من قادة التنظيم لتخفيف حدة الانتقادات والمجادلات والتركيز على الاستمرار في القتال. المهم.. بعضٌ منا جرى إعادته إلى جبهة حلب، وبعض منا جرى إرساله إلى المرابطة في الصحراء على الحدود بين العراق وسوريا».
ويتابع قائلاً: أما الشيخ الذي كان معنا، الذي كنا قد قدمناه للرد على البنعلي، والقحطاني، فقد أبقوه وحيدًا في مدينة الرِّقة في مبنى السفارة (لم يفصح عن اسم هذه السفارة).. المهم، فيما بعد، انتقلنا، وذهبنا للعراق، فرأينا في العراق جنود الدولة (داعش) العراقيين، ولا أحد منهم ملمًا بمبادئ الشرع، ولا بموضوع الكفر بالطاغوت.. لا يعرفون سوى أن الرافضة (المقصود الشيعة) مرتدون.
وعن انطباعه حين وصل للقتال مع جنود «داعش» في العراق، يوضح «أبو هريرة»: «سبحان الله.. عندما سألناهم ألم تدخلوا في دورات للدروس الشرعية، قالوا لنا: لا.. إنما تأتي الدولة وتفتح (أي تحتل) منطقة من المناطق، وتفتح المجال للانتساب.. ومباشرة تحصل البيعة. حينئذ يعطونك سلاحًا لتقاتل وتجاهد، دون أي تعليم عن الدين أو أي شيء».
المهم، كما يضيف «أبو هريرة»: «جلسنا هنا وسط جنود الدولة (داعش).. كانوا كلهم شبانًا وصبية عراقيين. حاولنا أن نعلِّمهم قدر استطاعتنا، لكن الوقت لم يسعفنا.. بعدها، ورغم احتجاجنا على تضارب مواقف التنظيم، أخبرنا القادة أنه جرى عقد هدنة مع جبهة النصرة في منطقة البوكمال (مدينة سوريا على الحدود مع العراق) وأن الجبهة بايعت، وأن علينا - وكان من تبقى معي من مجموعتي يتكون من 18 مقاتلاً من ليبيا وسوريا وتونس والشيشان - أن نذهب إلى هناك لنر الوضع ونراقبه، وإذا وقع قتال مع الجيش الحر (التابع للمعارضة السورية) نقاتل».
كان الزمن قد مضى وسط عدم يقين من جانب «أبو هريرة» و«أبو شعيب» عن مستقبل العمل في صفوف «داعش» بينما لا توجد خطوط ثابتة لعمل التنظيم، سواء بشأن القاعدة أو الشيعة في العراق وسوريا، أو بخصوص التعامل مع الجيش السوري الحر والعشائر؛ نقاتلهم أم لا؟ وكيف؟ وما هي الحدود الفاصلة بين مقاتلتهم أو التعاون معهم. كانت التعليمات متضاربة.. فقد جرى قتل قيادات وعناصر محسوبة على هذه الفرق، ثم جاءت تعليمات جديدة فجأة بالتوقف عن مهاجمة هؤلاء أو أولئك، دون أي سبب. إذن هذا ليس تطبيقًا للشريعة، كما يزعم قادتنا، ولكنها سياسة.. وهذا أمر يقوم به الجميع في كل مكان، فلماذا إذن القتل والزعم بأننا نريد تطبيق شرع الله.
يقول «أبو هريرة»: حين طلبوا مني أخذ المجموعة والتوجه إلى مدينة «البوكمال»، للتعاون مع جبهة النصرة التي كنا نكفرها قبل أيام، قلت إنهم يضعونني ومجموعتي أمام الأمر الواقع. أيام الصيف طويلة والحر شديد والغبار يغطي مركباتنا ويسد أنوفنا. كانت أصداء أحاديث أمراء المناطق تصلنا ونحن متوجهون إلى تلك المدينة.. أحاديث تدور عن أن جبهة النصرة بايعت «دولة الخلافة» و«الخليفة البغدادي». قلت في نفسي إن هذا تحول مهم يعزز من مكانة دولتنا ويعد بمثابة انتصار لنا، بعد الاقتتال الذي كان بيننا في الأسابيع والشهور الماضية.
بعد ساعات، استقبل مندوب مما كان يعرف بـ«ولاية حمص» التابعة لـ«داعش» المقاتلين الـ18 المقبلين من العراق، ومن بينهم «أبو هريرة»، قرب الحدود، وقدم لهم ما يفيد بمبايعة جبهة النصر للتنظيم، وقال لهم إنهم في أمان، وأن «البوكمال» أصبحت مدينة تابعة لهم، بعد أن قدم قيادي في «النصرة» يدعى «أبو يوسف» البيعة لقيادي من «داعش» كان قد سبقهم إلى هنا، يدعى «أبو عمر الشيشاني».
يقول «أبو هريرة»: «على كل حال ذهبنا وجلسنا مع جنود جبهة النصرة، خائفين منهم، فقد كنا، كما قلت، 18 مقاتلاً فقط، بينما كان جنود النصرة نحو 150، هذا بالإضافة إلى أن جنود الجيش الحر كانوا قريبين من موقعنا. المهم كنا خائفين منهم خوفًا شديدًا. إذا كانت خدعة وإذا كانوا يفكرون في الانتقام منا، فسنهزم وننتهي.. نخشى نهارًا وليلاً من أن يهجموا علينا.. كنا ننام وأحزمتنا معنا. بعد يومين اجتمعنا مع جنود الجبهة وسألناهم: هل قامت الدولة (داعش) باستتابتكم؟ فقالوا لنا: لا.. لم تستتب أي منا. ولماذا نقدم الاستتابة للدولة؟».
كانت هذه الواقعة بمثابة صدمة جديدة يتعرض لها «أبو هريرة» ومجموعته، وطارت أخبارها إلى «أبو شعيب» الذي كان يرابط مع مجموعته في معسكر بالصحراء جنوب دير الزور.
هذا يعني أن مندوب «داعش» الذي استقبل مجموعة «أبو هريرة» على الحدود كان يكذب بخصوص الاستتابة، والبيانات التي صدرت عن التنظيم وجرى تعميمها على أمراء المناطق، وبالتالي على الجنود، بشأن مبايعة «النصرة»، لا تعكس ما يجري على الواقع. كان «أبو هريرة» يعتقد، مثل مجموعته، في كفر جبهة النصرة، وأن مبايعة الجبهة لـ«داعش» لا بد أن تقترن باستتابة جنودها.
ماذا فعل وكيف رد على جنود «النصرة»؟ يقول: «أجبناهم.. قلنا لهم إنكم كفار، وعليكم أن تتبرأوا من كفركم. فقالوا لنا: نحن بايعنا الدولة (داعش) فقط لحقن الدماء. صرنا نسألهم عن أمور دينهم فوجدناهم غير ملمين بالشرع مثل الصبية العراقيين. شعرنا بالخوف الشديد، وطلبنا مددًا من إخوتنا في الجبهات المجاورة لكي يأتوا بأسلحتهم ويبقوا معنا في البوكمال، حتى لا تغدر بنا جبهة النصرة التي كنا نشعر أن لها تواصلاً مع قادة من الجيش الحر. حين سألت أحد زعماء (النصرة) عن هذا الأمر قال لي إن الجيش الحر إخواننا، ولا نريد أن نقتتل».
ومع ذلك، كما يقول «أبو هريرة»، كان قائد «داعش» في شمال سوريا في ذلك الوقت، وهو «أبو عمر الشيشاني»، يشعر بما أصبحت عليه المجموعة من قلق بسبب قلة عددها بعد وصولها إلى البوكمال، فأمر بالاستجابة إلى طلبها ودفع بمقاتلين لتعزيزها.. «حتى زاد عددنا وأصبحنا 70 مقاتلاً».
ويوضح أحد التونسيين الثلاثة ممن كان مع مجموعة «أبو هريرة» أن الشيشاني، واسمه الحقيقي «ترخان بيترشفيلي»، كان يتفهم المشكلات التي نتعرض لها وقصة الخلافات الفقهية عن التعامل مع جبهة النصرة والعشائر والأسرى والغنائم، ولقاءاتنا مع «البنعلي» و«القحطاني»، إلا أنه، في المرة التي زارنا فيها على جبهة البوكمال، لم يشأ أن يفتح المجال للحديث حول هذه الأمور، خاصة في قضية عدم استتابة من يعلنون البيعة. دعانا فقط إلى الاطمئنان هنا، وأننا لن نتعرض لأذى لا من جبهة النصرة ولا من الجيش الحر، ومضى.
«الشيشاني» خلال تلك الزيارة، كان قد أعطى «الجيش الحر» مهلة يومين لكي يبايع «داعش»، وهو أمر لم يحدث أبدًا بطبيعة الحال. يقول «أبو هريرة»: المهم.. كانت الدولة في هذه المنطقة تحت قيادة الشيشاني، قد أعطت الجيش الحر مهلة يومين ليبايع.. لكنه لم يلتزم، ثم عاد وطلب مهلة أخرى، بينما كان يصله الدعم من جهات مختلفة.. ثم إن الدولة (داعش في شمال سوريا)، في حينها، أعطت الجيش الحر مهلة ثالثة.
ويتابع، وهو يشرح ما حدث بشكل مفاجئ. يقول: «استيقظنا.. ووجدنا الجيش الحر قد حاصرنا بنحو 1500 مقاتل من مناطق شعيطات والبوكمال، بينما نحن عندها كنا، كما قلت لك، 70 مقاتلاً فقط».
ويضيف: طلبنا دعمًا من جبهة النصرة التي بايعتنا قبل أيام، حيث كان عددهم، كما ذكرت، 150 مقاتلاً. لكن قادة «النصرة» قالوا لنا: نحن لن نقاتل معكم ولن نقاتل مع الجيش الحر، لأننا نريد حقن الدماء.. واستمرت المعركة ثلاثة أيام، لتبدأ بعدها فصول جديدة من الخلافات مع قادة التنظيم.



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.