هل غيّرت الحرب الأوكرانية الحسابات الاستراتيجية في أوروبا؟

العلاقة الألمانية ـ الفرنسية محورية... لكنها لا تخلو من الخلافات

هل غيّرت الحرب الأوكرانية الحسابات الاستراتيجية في أوروبا؟
TT

هل غيّرت الحرب الأوكرانية الحسابات الاستراتيجية في أوروبا؟

هل غيّرت الحرب الأوكرانية الحسابات الاستراتيجية في أوروبا؟

بعد ثلاثة أيام على بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يوم 24 فبراير (شباط) الماضي، وقف أولاف شولتس، مستشار ألمانيا، أمام البرلمان الفيدرالي الألماني (البوندستاغ) ليكشف عن قرارات «ثورية» اتخذها رداً على ما وصفه بأنه «نقطة تحول» في أوروبا. كان رد شولتس على العملية الروسية بالإعلان عن تخصيص مبلغ 200 مليار يورو لزيادة قدرة الجيش الألماني الهرِم وزيادة الإنفاق العسكري ليصل إلى 2 في المائة، وهي النسبة التي يوصي بها حلف شمال الأطلسي (ناتو) للدول الأعضاء. وكشف شولتس أيضاً عن خطوات لتسريع الخروج من حالة الاعتماد على الغاز الروسي الذي تستورده بلاده، وكان هذان القراران، بالذات، بعيدين تماماً عن التصوّر قبل الحرب في أوكرانيا. إذ إن إضعاف الجيش الألماني عمداً طوال السنوات الماضية، والاعتماد الكبير على الغاز الروسي، كانا من أبرز السياسات التي سعت الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ عقود لرسمها وتطبيقها.
لسنوات عديدة، تجاهلت الحكومات الألمانية - من اليمين واليسار - مناشدات حلفائها الذين كانوا يطالبون برلين بزيادة إنفاقها العسكري ووقف الاعتماد على الغاز الروسي. ولكن في لحظة واحدة، لحظة دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا، تغيّرت المعادلة.
خطاب المستشار أولاف شولتس، وبالذات، في شقيه التسليحي والغازي، قابله الحلفاء بالكثير من الترحيب والارتياح. وبدا وكأن ألمانيا أوقفت أخيراً ترددها الذي تسبب لسنوات عدة بأرق مزعج لحلفائها ولا سيما في أوروبا. ولكن، مع هذا، لم تمرّ أسابيع معدودة على الخطاب التاريخي، حتى عادت الشكوك تساور الحلفاء بمدى جدية برلين والتزامها بالتحول فعلاً. ذلك أن المستشار الألماني تردّد في دعم عقوبات شاملة تفرض على القطاع المصرفي الروسي، وبدا متلكئاً في تأييد مطالب الدول الأوروبية بحظر الغاز والنفط الروسيين، كما رفض لأسابيع إرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا.
كل هذه الأمور عادت لتطرح تساؤلات غير مريحة: هل عادت ألمانيا لتعتمد سياسة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل في المواربة وتأجيل اتخاذ القرارات؟ وهل كان خطاب شولتس حول «نقطة التحوّل» مجرّد كلمات أطلقت في لحظات عاطفية انتهت بعد أيام؟
ارتياح فرنسي
قد يكون أكثر مَن ابتهج بخطاب شولتس الذي تحدث فيه عن «نقطة تحوّل» في أوروبا، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي فاز خلال الأسبوع الماضي بولاية رئاسية ثانية جديدة.
ماكرون كان يحاول أن يدفع ألمانيا للانضمام إليه ودعم رؤيته لأوروبا أقوى وأكثر وحدة وتماسكاً منذ فوزه بالرئاسة في فرنسا عام 2017، بيد أن «سيد قصر الإليزيه» اصطدم آنذاك بمقاومة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل التي رفضت الانسياق وراء «حلمه الأوروبي» وتوسيع سلطة «الاتحاد الأوروبي» على ألمانيا، وإصرارها – أي ميركل – على الحفاظ على علاقة «متميّزة» مع روسيا رغم التحذيرات الأوروبية والأميركية من أن موسكو قد تستخدم مزاياها الاقتصادية في ألمانيا للابتزاز السياسي.
ومع أن ماكرون لم يُقنع ميركل بتغيير سياساتها، ولم يكن متفائلاً جداً بأن يكون له شريكٌ ألماني يماثل تفكيره السياسي عندما خلف «الاشتراكي» شولتس «المحافظة» ميركل، فإن ما قاله المستشار الألماني في خطابه يوم 27 فبراير عن «بداية عهد جديد» قد يكون أعطاه بعض الأمل في أن الشريك الذي كان يبحث عنه في ألمانيا بات موجوداً. ذلك أن كلام شولتس عن العمل لتحقيق استقلالية أوروبية في مجال الطاقة، وتقوية الأسس الدفاعية لألمانيا وحدود الاتحاد الأوروبي انعكاس لرؤية ماكرون التي عرضها على ميركل بهدف تجديد الاتحاد الأوروبي، وهي التي رفضتها.
من ناحية أخرى، مع أن العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في أوروبا لطالما كانت نقطة محورية داخل الاتحاد الأوروبي، فهي لم تكن يوماً خالية من الخلافات. وهذه خلافات تمتد من رؤية كل دولة لشكل الاتحاد الأوروبي ودوره، إلى مقاربة القضايا الدولية وإدارتها. وماكرون، الفائز للتو بولاية ثانية جديدة، قد يجد نفسه مرة أخرى مصطدماً بحواجز ألمانية تمنعه من تحقيق العديد من أهدافه الأوروبية، بعدما كان بدأ يأمل في إمكانية العمل مع برلين «المتحوّلة» إثر الغزو الروسي لأوكرانيا. ومن ثم، فالتردد الذي عاد ليتسرب إلى صناعة القرارات في برلين، لن يسهم بزيادة ثقة الرئيس الفرنسي بـ«شريكه» المستشار الألماني.
توريد السلاح نقطة خلافية
أيضاً، بينما حاول ماكرون - مثل شولتس - في بداية الحرب في أوكرانيا، مد يده إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإبقاء خط اتصال مفتوح معه، فإنه توصل بسرعة إلى قناعة بأن بوتين غير قابل للنقاش... وأن إبقاء خط اتصال مفتوح معه لن يساعد على إنهاء الحرب في أوكرانيا. وعليه، لم تتأخر باريس باتخاذ قرار ببدء إرسال أسلحة ثقيلة فرنسية الصنع إلى أوكرانيا. إلا أن شولتس، الذي استنتج أيضاً قلة جدوى الاتصالات التي كان يجريها مع بوتين، ظل متمسكاً بتحاشي توريد الأسلحة الثقيلة إلى أوكرانيا حتى لم يعد باستطاعته ذلك.
لقد بقي المستشار الألماني لأسابيع يدافع عن قراره بألا يتجاوب مع مطلب كييف التسليحي. وبرر ذلك تارة بالقول إنه يريد تفادي تصعيد الصراع خوفاً من توسيعه ليطول دول «ناتو»، وطوراً بالإشارة إلى أن ألمانيا تسعى لإرسال أسلحة بسيطة من بقايا العهد السوفياتي في ألمانيا الشرقية يجيد الأوكرانيون استخدامها، تفادياً لتورط الجيش الألماني أكثر بعمليات تدريب على أسلحة جديدة. ولكن في النهاية، قبل شولتس أخيراً بإرسال أسلحة ثقيلة ألمانية الصنع بعد حملة انتقادات داخلية وخارجية ما عاد باستطاعته احتواؤها.
السفير الأوكراني في برلين أندريه ميلنيك - الموجود في منصبه منذ عام 2014 حين احتلت روسيا شبه جزيرة القرم - لا يتردد بتوجيه انتقادات لاذعة للحكومة الألمانية، وهو ضيف دائم على برامج الحوار في القنوات الألمانية والصحف اليومية والأسبوعية. وقبل بضعة أسابيع قال ميلنيك إنه «لا حوار مع برلين حتى حول الأسلحة التي تحتاج إليها كييف». وجاء كلامه هذا رداً على وزيرة الدفاع كريستين لامبريشت، التي تنتمي لحزب شولتس (الديمقراطي الاشتراكي)، إذ قالت لامبريشت إن عدم إعلام الحكومة عن نوع الأسلحة التي تُرسل إلى أوكرانيا «لا يعني أنه لا أسلحة ترسل، بل هو تجاوب مع طلب أوكراني بالإحجام عن إعلان ذلك».
غير أن السفير الأوكراني لم يتردد بتكذيبها، ولم يكتفِ بذلك فقط، بل قال أيضاً: «لا حوار حتى حول نوع الأسلحة التي تحتاج إليها بلاده للدفاع عن نفسها». وبعد مجزرة بوتشا، قال السفير الأوكراني: «باستطاعة ألمانيا فعل المزيد... وستكون هناك بوتشا جديدة» ما لم تحصل بلاده على المزيد من الأسلحة الثقيلة.
من جهة أخرى، لم ينسَ ميلنيك أن المستشارة السابقة ميركل كانت قد رفضت تزويد بلاده بالسلاح بعد عملية روسيا الأولى عام 2014، بل نجحت حتى في إقناع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بالتصرف بالمثل. وللعلم، قبل أن تغيّر الحكومة الألمانية، قبل أيام، قرارها وتوافق على إرسال أسلحة ثقيلة وتدرب الجيش الأوكراني على استخدامها - في قرار صوّت عليه نواب البرلمان بغالبية كبيرة - كانت برلين تكتفي بإرسال أسلحة من مخزون الجيش الألماني من مخلّفات الاتحاد السوفياتي المتروكة في ألمانيا الشرقية سابقاً.
إلا أن فضائح كثيرة نشرت حول هذه الأسلحة التي قيل إن الكثير منها لم يكن يعمل، ووصلت إلى أوكرانيا تالفة. وحتى إن الصحافة الألمانية تداولت أخباراً حول لائحة أسلحة طلبتها أوكرانيا من ألمانيا، وعندما وصلت اللائحة إلى مكتب المستشار تقلصت من أكثر من 10 أنواع أسلحة مختلفة إلى مجرد ثلاثة.
انتقادات داخل الحكومة
ولم تقتصر الانتقادات الموجهة لشولتس فقط على كييف والسفير الأوكراني في برلين، بل كانت الأقوى تلك الآتية من داخل شركاء شولتس في الحكومة من حزب «الخضر» والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي، إلى جانب المعارضة التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
الحزبان الشريكان في الحكومة التي يرأسها الاشتراكيون، دفعا منذ تفجّر الأزمة لتسليح أكبر لأوكرانيا ويحاولان الآن جر الاشتراكيين لصفهم. وقبل موافقة شولتس على إرسال أسلحة ثقيلة قبل أيام، قال النائب عن حزب «الخضر» أنتون هوفرايتر «إن المشكلة في المستشار. على أولاف شولتس أن يثبت وجوده في أوروبا. أينما أسافر في أوروبا أتلقَّ السؤال نفسه: أين هي ألمانيا؟. وانتقادات شبيهة عبرت عنها ماري-أغنس شتراك-زيمرمان، عضو البرلمان عن الحزب الديمقراطي الحر، التي قالت إن على شولتس «الإمساك بالعصا وضبط الإيقاع»، ملمحة إلى أنه لا يتخذ موقفاً قيادياً في الأزمة.
كذلك، الانتقادات التي تحيط بشولتس توجهها إليه الصحافة الألمانية التي تدعو في افتتاحيات لمواقف أكثر تشدداً من روسيا. وتنتقد تردده في اتخاذ قرارات حول تسليح ووقف واردات الطاقة الروسية. فكتبت «دير شبيغل»، قبل أيام، إن «المستشار الألماني ليس أبداً الأول، وغالباً الأخير عندما يتعلّق الأمر بالرد في هذه الحرب، أما السبب خلف تصرفاته، أو غيابها، فيبقى لغزاً». وأردفت: «في الأشهر الماضية، أظهر شولتس أمراً واحداً، هو أنه لا يتخذ قراراً إلا عندما لا يعود أمامه خيار آخر».
وفي هذا الوصف الكثير من السمات التي طبعت ميركل قبله، فهي أيضاً كانت تماطل في اتخاذ قرارات صعبة، وكان أسلوبها تأجيل اتخاذ قرار إلى أن لا يعود أمامها خيار آخر، وغالباً ما كانت تأتي قراراتها متأخرة وكرد فعل على حدث بعد وقوعه.
وحقاً، حاول شولتس التشبه بميركل في حملته الانتخابية، إذ قال إن انتخابه سيكون «إكمالاً» لسياستها. وهو يعتمد الأسلوب الهادئ ذاته في الكلام، متجنباً ردات الفعل السريعة والقرارات المستعجلة. لكن سرعة اتخاذ قرارات بعد بدء الحرب في أوكرانيا، إن كانت حول زيادة الإنفاق العسكري أو وقف مشروع «نورد ستريم 2»، أعطت الانطباع بأنه مختلف عن ميركل التي ما كانت لتتخذ قرارات مثيلة بهذه السرعة، بحسب محللين.
دفاع عن ميركل وشتاينماير
شولتس دافع في مقابلة «دير شبيغل» أيضاً عن سياسات ميركل والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (اشتراكي) المتهم أيضاً من كييف، التي رفضت استقباله، بالحفاظ على علاقات وثيقة داخل روسيا. إذ قال إنه لا يمكن تحميل أي منهما مسؤولية ما يحدث اليوم في أوكرانيا، «لقد بذلا ما في وسعهما لمنع ما يحدث وخلف نظام في أوروبا، حيث لا تحتل أي دولة الأخرى». وتابع: «الواقع أن هذه السياسة لم تنجح في تحقيق أهدافها، ليس بسبب ميركل أو شتاينماير، بل بسبب إمبريالية بوتين الذي ضرب - على حد قوله - بعرض الحائط كل الاتفاقيات والتفاهمات التي تم التوصل إليها».
وبالفعل، فإن هذه السياسات من التقارب والوفاق التي اعتمدتها ألمانيا في العقود الماضية، دمرتها لحظة دخول روسيا إلى أوكرانيا. وحتى وإن كانت ردود فعل شولتس بطيئة بنظر منتقديه، فهي غيّرت سياسة ألمانيا الخارجية والدفاعية والاقتصادية بشكل كبير.
قد يستغرق وقف الاعتماد على الغاز الروسي سنوات، لكنه في النهاية سيحصل. وعندما يحصل، ستكون ألمانيا قد أعادت كتابة علاقتها مع روسيا وألغت عقوداً من التقارب عملت عليها الحكومات ال - وهو تحدٍّ سيواجه الرئيس الفرنسي أيضاً في السنوات المقبلة - هو إبقاء ألمانيا ملتزمة بأوروبا أقوى وبميزانية دفاعية تصل إلى 2 في المائة التي يوصي بها «ناتو» للدول الأعضاء. فجيش ألماني قوي «لم يعد يخيف أوروبا»، بكلمات شولتس نفسه، الذي قال أيضا إن «الديمقراطية في ألمانيا التي نتجت عن الكارثتين في الحربين العالميتين كفيلة بإبعاد هذه المخاوف».



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.