رحلة تطور اللقاحات عبر الألفية الماضية

أسبوع التحصين العالمي تحت شعار «حياة طويلة للجميع»

رحلة تطور اللقاحات عبر الألفية الماضية
TT

رحلة تطور اللقاحات عبر الألفية الماضية

رحلة تطور اللقاحات عبر الألفية الماضية

يشهد الأسبوع الأخير من شهر أبريل (نيسان) (24 - 30) من كل عام، احتفالاً عالمياً بأسبوع التحصين العالمي. ويهدف في هذا العام إلى تسليط الضوء على العمل الجماعي المطلوب والتشجيع على استخدام اللقاحات لحماية الناس من جميع الأعمار من الأمراض، وتحفيز مزيد من المشاركة حول التطعيم على مستوى العالم، لتأكيد أهمية التطعيم وتحسين صحة ورفاهية الجميع في كل مكان، رافعين شعار «حياة طويلة للجميع» (Long life for all)، سعياً وراء العيش بحياة طويلة وبشكل جيد.
بهذه المناسبة، أقام قطاع الصحة العامة وصحة المجتمع بوزارة الصحة بدولة الإمارات العربية المتحدة مؤتمراً توعوياً بعنوان «التطعيم حياة» للتعريف بأهمية التحصينات في صحة المجتمع وجودة الحياة. ترأس المؤتمر الدكتور حسين عبد الرحمن الرند الوكيل المساعد لقطاع المراكز والعيادات الصحية في وزارة الصحة بدولة الإمارات، الذي أكد أنه بفضل التحصينات، عاش المليارات من البشر في جميع أنحاء العالم حياة أطول، كبروا وطالت أعمارهم وتحسنت جودة حياتهم. حقاً، لقد وفرت اللقاحات الفرصة والأمل لنا جميعاً للاستمتاع بحياة أكثر إرضاءً، ما يحفزنا لنكافح جميعاً من أجل اللقاحات، وحماية الناس من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، سعياً وراء حياة طويلة وجيدة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحياة الطويلة للجميع ليست وعداً، وإنها هي طموح، لأن كل شخص يستحق فرصة في حياة مُرْضِية.

- أهمية اللقاحات
تحدث إلى «صحتك» الأستاذ الدكتور أشرف أمير أحد المتحدثين في المؤتمر، نائب رئيس الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع واستشاري طب الأسرة، مؤكداً أن اللقاحات أنقذت الأرواح بشكل كبير منذ بداياتها في عام 1796، حيث كان أول تحصين ضد الجدري (Smallpox) وهو بمثابة الحرب ضد الأمراض، وأُعْطيت من خلاله، لأول مرة، الفرصة لتحصين الجميع، تلتها عشرات اللقاحات لاحقاً، عبر قرنين وربع قرن من الزمن.
منذ القدم، بحث الناس عن طرق لحماية أنفسهم من الأمراض المعدية. فمن ممارسة «التجدير» (الذي يعني التلقيح بفيروس الجدري للتطعيم) في القرن الخامس عشر إلى لقاحات «مرسال الرنا» (mRNA vaccines) المستخدمة اليوم للتحصين.
وقد كان لمنظمة الصحة العالمية (WHO) دور كبير ومهم وحاسم في الحد من الأمراض الخطيرة من خلال التحصين العالمي في القرنين العشرين والحادي والعشرين. وفي أسبوع التحصين العالمي، تتعاون جميع المؤسسات من جميع أنحاء العالم لإضفاء الحيوية على هذا الأسبوع.

- تاريخ اللقاحات
تحدث الدكتور أمير عن قصة هذه الاكتشافات غير العادية التي أنقذت حياة الملايين، وفقاً لتواريخ حدوثها، كالتالي:
> من 1400 إلى 1700، منذ القرن الخامس عشر على الأقل، حاول الناس في أجزاء مختلفة من العالم منع المرض عن طريق تعريض الأشخاص الأصحاء للجدري عمداً - وهي ممارسة تُعرف باسم التجدير (variolation)، (من اسم الجدري، فاريول variole). تشير بعض المصادر إلى أن هذه الممارسات كانت تحدث منذ 200 قبل الميلاد. تصف الروايات المكتوبة من منتصف القرن السادس عشر شكلاً من أشكال التجدير المستخدم في الصين يُعرف بالنفخ، حيث يتم تجفيف قشور الجدري وطحنها ونفخها في فتحة الأنف باستخدام أنبوب!
> في عام 1721، جلبت السيدة ماري وورتلي مونتاغو (Lady Mary Wortley Montagu) التطعيم ضد الجدري إلى أوروبا، من خلال طلب تلقيح ابنتيها ضد الجدري كما لاحظت ممارسته في تركيا.
> في عام 1774، حقق بنيامين جيستي (Benjamin Jesty) تقدماً كبيراً باختبار فرضيته القائلة إن الإصابة بجدري البقر - وهو فيروس بقري يمكن أن ينتشر إلى البشر - ويمكن أن يحمي الشخص من الجدري.
> في مايو (أيار) 1796، توسع الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر (Edward Jenner) في هذا الاكتشاف، وقام بتلقيح جيمس فيبس البالغ من العمر 8 سنوات بمواد تم جمعها من قرحة جدري البقر، على الرغم من معاناته من رد فعل محلي والشعور بتوعك لعدة أيام، تعافى فيبس تماماً.
> بعد شهرين، في يوليو (تموز) 1796، قام جينر بتلقيح فيبس بمادة من قرحة الجدري البشرية من أجل اختبار مقاومة فيبس الذي ظل في صحة تامة، وأصبح أول إنسان يتم تطعيمه ضد الجدري. تمت صياغة مصطلح «لقاح vaccine» لاحقاً، مأخوذاً من الكلمة اللاتينية التي تعني بقرة، فاكا (vacca).
> في عام 1872، ابتكر لويس باستير (Louis Pasteur) أول لقاح تم إنتاجه في المختبر: لقاح كوليرا الطيور في الدجاج، على الرغم من تعرضه لسكتة دماغية ووفاة اثنتين من بناته بسبب التيفود.
> في عام 1885، نجح لويس باستير في منع داء الكلب (Rabies) من خلال التطعيم بعد التعرض. وكان أول شخص يتلقى التطعيم بنجاح (جوزيف مايستر)، من 13 حقنة، كل منها يحتوي على جرعة أقوى من فيروس داء الكلب.
> في عام 1894، عزلت الدكتورة آنا ويسيلز ويليامز (Anna Wessels Williams) سلالة من بكتيريا الدفتيريا (Diphtheria) التي تعد حاسمة في تطوير مضاد السموم لهذا المرض.

- لقاحات العصر الجديد
> من عام 1918 إلى عام 1919، قتلت جائحة الإنفلونزا الإسبانية ما يقدر بنحو من 20 إلى 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جندي واحد من بين كل 67 جندياً أميركياً، ما جعل لقاح الإنفلونزا أولوية عسكرية أميركية. تم إجراء تجارب مبكرة على لقاحات الإنفلونزا: اختبرت كلية الطب بالجيش الأميركي مليوني جرعة عام 1918، لكن النتائج غير حاسمة.
> في عام 1937، طور ماكس ثيلر وهيو سميث ويوجين هاجن لقاح 17 د ضد الحمى الصفراء (yellow fever). تمت الموافقة على اللقاح في عام 1938 وتلقاه أكثر من مليون شخص في ذلك العام. وحصل ثيلر على جائزة نوبل.
> في عام 1939، أظهر عالما البكتيريا بيرل كندريك وجريس إلدرينج فاعلية لقاح السعال الديكي (whooping cough). أظهر العلماء أن التطعيم يقلل من معدلات إصابة الأطفال بالمرض من 15.1 لكل 100 طفل إلى 2.3 لكل 100.
> بحلول عام 1945، تمت الموافقة على لقاح الإنفلونزا الأول للاستخدام العسكري، تلاه في عام 1946 الاستخدام المدني. يقود البحث الطبيبان توماس فرنسيس جونيور وجوناس سالك، وكلاهما مرتبط ارتباطاً وثيقاً بلقاح شلل الأطفال.
> من 1952 إلى 1955، طور جوناس سالك أول لقاح فعال ضد شلل الأطفال وبدأت التجارب. قام سالك باختبار اللقاح على نفسه وعائلته في العام التالي، وأجريت تجارب جماعية شملت أكثر من 1.3 مليون طفل في عام 1954.
> بحلول عام 1960، تمت الموافقة على استخدام النوع الثاني (OPV) من لقاح شلل الأطفال، الذي طوره ألبرت سابين، باستخدام الفيروس المضعف ويمكن إعطاؤه عن طريق الفم، وكانت تشيكوسلوفاكيا أول دولة في العالم تقضي على شلل الأطفال.
> في عام 1967، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن البرنامج المكثف لاستئصال الجدري، مستهدفة أكثر من 30 دولة من خلال المراقبة والتطعيم. تم القضاء على الجدري في الغالب بأوروبا الغربية وأميركا الشمالية واليابان.
> في عام 1969، بعد أربع سنوات من اكتشاف الدكتور باروخ بلومبرغ (Baruch Blumberg) لفيروس التهاب الكبد بي، طور أول لقاح مضاد مع عالم الأحياء الدقيقة إيرفينغ ميلمان، باستخدام شكل من الفيروس معالج بالحرارة.
> من 1981 إلى 1990، تمت الموافقة على لقاح معطل مشتق من البلازما وآخر معدّل وراثياً (DNA recombinant)، ولا يزال قيد الاستخدام حتى اليوم.
> في عام 1971، تم دمج لقاح الحصبة مع النكاف والحصبة الألمانية (rubella) في لقاح واحد (MMR) بواسطة الدكتور موريس هيلمان.
> في عام 1974، أنشأت منظمة الصحة العالمية البرنامج الموسع الأساسي للتحصين (EPI) لتطوير برامج التحصين في جميع أنحاء العالم. الأمراض الأولى التي يستهدفها برنامج التحصين الموسع هي الدفتيريا والحصبة وشلل الأطفال والتيتانوس والسل والسعال الديكي.
> في أعوام 1978 - 1983، تم ترخيص لقاح متعدد السكاريد يقي من 14 إلى 23 سلالة مختلفة من الالتهاب الرئوي بالمكورات.
> في عام 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية القضاء على الجدري، الوباء الأكثر فتكاً منذ أقدم العصور، تاركاً وراءه الموت والعمى والتشوه.
> في عام 1976، سجلت حالات السعال الديكي أدنى مستوى لها على الإطلاق في الولايات المتحدة.
> في عام 1985، تم ترخيص أول لقاح ضد الأمراض التي تسببها المستدمية النزلية من النوع ب (Haemophilus influenzae type b (Hib)
> في عام 1988، بعد استئصال الجدري، أطلقت منظمة الصحة العالمية مبادرة عالمية لاستئصال شلل الأطفال المنتشر في 125 دولة، بحلول عام 2000.
> بحلول عام 1994، تم القضاء على شلل الأطفال من الأميركتين، تلتهما أوروبا عام 2002، وبحلول عام 2003، أصبح المرض متوطناً في 6 دول فقط.
> في عام 1995، قادت الدكتورة آن ساريويسكي (Anne Szarewski) فريقاً للبحث عن لقاح لفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) المتسبب لحالات طبية أخرى، منها سرطان عنق الرحم. وقد تمكن من تقليل حدوث

- سرطان عنق الرحم في جميع أنحاء العالم بمقدار الثلثين.
> في عام 2006، تم تطوير نسخة أقل خطورة من اللقاح المضاد لفيروس الروتا (rotavirus) المسبب للإسهال الحاد عند الأطفال الصغار، وحتى عام 2019 تم استخدامه في أكثر من 100 دولة.
> في عام 2006، تمت الموافقة على أول لقاح لفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، كجزء من جهود القضاء على سرطان عنق الرحم.
> في عام 2016، نجح مشروع لقاح التهاب السحايا (Meningitis)، في القضاء على مرض المكورات السحائية من المجموعة المصلية A في بلدان حزام التهاب السحايا في أفريقيا، ويتم الآن دمجه في برامج التحصين الوطنية الروتينية.
> في عام 2019، تم إطلاق أول لقاح (RTS / S) للملاريا يمكن أن يقلل بشكل كبير من أكثر سلالات الملاريا فتكاً وانتشاراً بين الأطفال الصغار، وهي المجموعة الأكثر عرضة للوفاة من المرض.
> في عام 2021، تم إنشاء مخزون عالمي من اللقاحات لضمان الاستجابة لفاشية إيبولا (Ebola)، واستخدامه في البلدان المعرضة لخطر كبير.

- جائحة كورونا واللقاحات
> في 30 يناير (كانون الثاني) 2020، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أن تفشي فيروس كورونا الجديد 2019 (SARS-CoV-2) يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً. في 11 مارس (آذار)، أكدت المنظمة أن «COVID-19» أصبح جائحة.
> في ديسمبر (كانون الأول) 2020، وبعد عام واحد فقط من اكتشاف الحالة الأولى لـ«كوفيد - 19»، تم تطوير وإنتاج وتوزيع لقاحات «كوفيد - 19» بسرعة غير مسبوقة، وبعضها يستخدم تقنية mRNA الجديدة، وتم إعطاء جرعات اللقاح الأولى.
> بدءاً من يوليو (تموز) 2021، تم إعطاء ما يقرب من 85 في المائة من لقاحات «كوفيد - 19» في البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط.
وهكذا فقد تم، لأكثر من قرنين من الزمان، تطعيم الناس ضد الأمراض الفتاكة، منذ أن تم ابتكار أول لقاح في العالم ضد الجدري إلى التقنيات الجديدة المستخدمة في لقاحات «كوفيد - 19». وقد ساعدت اللقاحات، حتى الآن، في الحماية من أكثر من 20 مرضاً. وفي السنوات الثلاثين الماضية فقط، انخفضت وفيات الأطفال بنسبة تزيد على 50 في المائة، ويرجع الفضل في ذلك لحد كبير إلى اللقاحات. وسوف تحتاج العقود المقبلة إلى تعاون وتمويل والتزام ورؤية عالمية لضمان عدم إصابة أي طفل أو بالغ بمرض يمكن الوقاية منه باللقاحات أو وفاته.
لقد علمنا التاريخ أن الاستجابة العالمية الكاملة والفعالة للأمراض، التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، تستغرق وقتاً ودعماً مالياً وتعاوناً - وتتطلب يقظة مستمرة.
- استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك النظام الغذائي الصحي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم (أ.ف.ب)

4 أطعمة قد تقلل خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم

يُعد سرطان القولون والمستقيم أحد أكثر السرطانات شيوعاً في العالم، لكن خبراء الصحة يؤكدون أن للنظام الغذائي دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
TT

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم
الأمراض النادرة تنتشر عبر العالم

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة، وتصف أعراضاً لمرض لم يُسمَّ بعد، يعاني منه صغيرها منذ سنوات... إنها تعيش معه ما يسميه المختصون «رحلة البحث عن التشخيص» (Diagnostic Odyssey). هذه ليست قصة فردية؛ بل تجربة يعيشها ملايين الأسر حول العالم.

اليوم العالمي للأمراض النادرة

اليوم العالمي للأمراض النادرة

في اليوم العالمي للأمراض النادرة، الذي يُصادف اليوم الأخير من شهر فبراير (شباط) من كل عام، تتجه الأنظار إلى أكثر من 7000 مرض نادر موثق علمياً، تؤثر مجتمعة في نحو 300 مليون شخص عالمياً، وفق بيانات التحالف الأوروبي للأمراض النادرة (EURORDIS). ورغم أن كل مرض منها يصيب نسبة ضئيلة من السكان، فإن مجموعها يمثل عبئاً صحياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله.

ما المقصود بالمرض النادر؟

يُعرَّف المرض النادر في الاتحاد الأوروبي بأنه المرض الذي يصيب أقل من شخص واحد من كل 2000 فرد، وفق تعريف وكالة الأدوية الأوروبية (EMA). وفي الولايات المتحدة يُعرَّف بأنه المرض الذي يؤثر في أقل من 200 ألف شخص على المستوى الوطني.

هذه التعريفات العددية تُخفي خلفها تنوعاً هائلاً في الأنماط المرضية؛ إذ تشمل الأمراض النادرة اضطرابات عصبية، واستقلابية، ومناعية، وأمراض دم وراثية، وتشوهات خلقية معقدة.

80 في المائة منها ذات أصل جيني

ويُقدَّر أن نحو 80 في المائة من الأمراض النادرة ذات أصل جيني، وأن ما يقارب 70 في المائة منها يبدأ في مرحلة الطفولة، وفق تقارير «EURORDIS» ومنظمة «الصحة العالمية». هذا البعد الوراثي يضع مسألة الفحص المبكر والاستشارة الجينية في صلب أي استجابة صحية فعالة.

أزمة التشخيص المتأخر

يُعدّ التأخر في التشخيص أحد أعقد التحديات في هذا المجال. وتشير دراسات منشورة في مجلات طبية مرموقة، إلى أن متوسط مدة الوصول إلى تشخيص دقيق قد يتراوح بين 5 و7 سنوات في بعض الحالات.

خلال هذه السنوات، يخضع المرضى لسلسلة طويلة من الفحوص، ويتلقون أحياناً تشخيصات خاطئة، أو علاجات لا تعالج السبب الجذري للمرض.

ولا ينعكس هذا التأخر على الحالة الصحية فقط؛ بل يمتد إلى البعدين النفسي والاجتماعي؛ فالأسرة تعيش قلقاً مزمناً، والطفل قد يفقد فرصاً مبكرة للتدخل العلاجي الذي يمكن أن يغيّر مسار المرض.

هنا تبرز أهمية بناء أنظمة إحالة متخصصة، وتدريب أطباء الرعاية الأولية على الاشتباه المبكر، وإنشاء سجلات وطنية للأمراض النادرة تسهّل الربط بين الحالات المتشابهة.

الأمراض النادرة في الواقعين العربي والسعودي

* إقليمياً، يكتسب موضوع الأمراض النادرة بُعداً إضافياً في بعض المجتمعات العربية، نظراً لانتشار زواج الأقارب، ما قد يزيد من احتمالية ظهور بعض الاضطرابات الوراثية المتنحية. وتشير دراسات إقليمية إلى أن نسبة من الأمراض الوراثية النادرة تكون أعلى في المجتمعات ذات الروابط العائلية القوية.

* محلياً، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة في هذا المجال، من بينها برامج الفحص الطبي قبل الزواج، التي تهدف إلى تقليل انتقال بعض الأمراض الوراثية الشائعة، إضافة إلى برامج المسح المبكر لحديثي الولادة للكشف عن عدد من الاضطرابات الاستقلابية والغددية في الأيام الأولى من الحياة.

تمثل هذه المبادرات حجر زاوية في الوقاية الثانوية، إذ يسمح التشخيص المبكر بالتدخل السريع قبل حدوث مضاعفات دائمة.

وفي إطار رؤية السعودية 2030، التي تضع جودة الحياة وتعزيز كفاءة النظام الصحي ضمن أولوياتها، يشكل تطوير خدمات الأمراض النادرة فرصة لتعزيز الرعاية المتخصصة عالية الدقة، والانتقال نحو الطب الشخصي القائم على الخصائص الجينية لكل مريض.

صورة أرشيفية لمصاب بمرض نادر يحيي فعاليات اليوم العالمي للأمراض النادرة في جنوب أفريقيا

العبء الاقتصادي

تُعرف العلاجات المخصصة للأمراض النادرة باسم «الأدوية اليتيمة» (Orphan Drugs)، وهو مصطلح يعكس محدودية السوق المستهدفة، ما يجعل الاستثمار فيها أقل جذباً للشركات من دون حوافز تنظيمية. لذلك تبنت دول عديدة تشريعات خاصة لدعم تطوير هذه الأدوية، كما فعلت الولايات المتحدة منذ عام 1983 بإصدار قانون الأدوية اليتيمة.

غير أن التحدي لا يتوقف عند تطوير الدواء؛ بل يمتد إلى تكلفته، فبعض العلاجات الجينية الحديثة قد تتجاوز تكلفته مئات الآلاف، أو حتى ملايين الدولارات للحالة الواحدة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق العدالة الصحية وضمان وصول المرضى إلى علاجات منقذة للحياة دون إنهاك ميزانيات الأنظمة الصحية؟

وتتطلب الاستجابة مزيجاً من التفاوض على الأسعار، وتبني نماذج دفع مبتكرة قائمة على النتائج العلاجية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي المحلي لتقليل الاعتماد الكامل على الخارج.

أضواء على ثورة العلاج الجيني والطب الشخصي

* أولاً: التدخل في الجذر الجزيئي للمرض. يحمل العقد الحالي تحولاً نوعياً في مقاربة علاج بعض الأمراض النادرة، خصوصاً ذات المنشأ الجيني؛ فبدل الاكتفاء بعلاج الأعراض أو إبطاء تطور المرض، أصبح الهدف هو التدخل في الخلل الجزيئي ذاته.

وتعتمد العلاجات الجينية الحديثة على نقل نسخة سليمة من الجين المعيب إلى خلايا المريض باستخدام نواقل معدلة، بحيث تستعيد الخلايا قدرتها الطبيعية على إنتاج البروتين المفقود أو المختل. وقد أثبت هذا النهج فاعلية في بعض اضطرابات الدم الوراثية وأمراض نقص المناعة وحالات الضمور العضلي الشوكي.

* ثانياً: تقنيات تحرير الجينوم. أما تقنيات التحرير الجيني مثل «CRISPR-Cas9»، فقد فتحت آفاقاً أوسع في تصحيح الشفرة الوراثية؛ إذ لا تكتفي بإضافة جين جديد، بل تقوم بتصحيح الطفرة في موقعها الأصلي داخل الحمض النووي. هذا التطور يمثل نقلة مفاهيمية من «تعويض الخلل» إلى «إصلاحه».

وقد شهدت السنوات الأخيرة موافقات تنظيمية على أول علاجات قائمة على تحرير الجينوم لبعض أمراض الدم الوراثية، في إنجاز عُدّ علامة فارقة في تاريخ الطب الحديث.

* ثالثاً: العلاج الخلوي والهندسة المناعية. لا تقتصر الثورة على الجينات وحدها؛ بل تمتد إلى العلاج الخلوي، حيث تُسحب خلايا من جسم المريض، وتُعدَّل وراثياً في المختبر، ثم تُعاد إليه بعد إعادة برمجتها لأداء وظيفة علاجية محددة. هذا التكامل بين الهندسة الجينية وعلم المناعة، أعاد رسم حدود الممكن في علاج أمراض كانت تُعد مستعصية قبل سنوات قليلة.

* رابعاً: الذكاء الاصطناعي وتسريع التشخيص. يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الطفرات المسببة للأمراض النادرة؛ فتحليل الجينوم الكامل ينتج ملايين المتغيرات الوراثية، ويصعب فرزها يدوياً. وهنا تتدخل الخوارزميات المتقدمة لربط البيانات الجينية بقواعد معلومات عالمية، واقتراح تشخيصات محتملة بناءً على أنماط دقيقة قد لا تكون واضحة للعين البشرية.

كما أن دمج البيانات الجينية مع الصور الشعاعية والسجلات الصحية الإلكترونية يسمح ببناء نماذج تنبؤية تساعد في اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

* خامساً: من الطب العام إلى الطب الشخصي. هذا التداخل بين علم الجينات والتقنيات الرقمية يرسّخ مفهوم «الطب الشخصي» أو «الطب الدقيق»، حيث يُصمَّم العلاج وفق البصمة الجينية والبيولوجية للفرد بدلاً من اعتماد مقاربة موحدة للجميع.

ورغم التحديات الأخلاقية والتنظيمية المرتبطة بهذه التقنيات، فإن الاتجاه العام واضح: الطب ينتقل تدريجياً من مرحلة السيطرة على المرض إلى مرحلة إعادة صياغة مساره البيولوجي.

التحول الصحي في المملكة: رؤية 2030 والانتقال إلى الطب الشخصي

في السياق السعودي، تتقاطع هذه الثورة العلمية مع التحول الصحي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، حيث يشكل الاستثمار في التقنيات الحيوية والبحث الجيني، محوراً واعداً لتعزيز جودة الرعاية الصحية وتنويع الاقتصاد المعرفي.

وقد أولت المملكة اهتماماً متزايداً ببرامج الطب الشخصي (الدقيق)، وتطوير المختبرات الجينية المتقدمة، ودعم مراكز الأبحاث المرتبطة بعلم الجينوم، إضافة إلى إنشاء قواعد بيانات صحية رقمية واسعة النطاق، تُسهّل الربط بين المعطيات السريرية والوراثية. كما أن التوسع في برامج المسح المبكر لحديثي الولادة، وتعزيز خدمات الاستشارة الوراثية، يعكسان توجهاً استباقياً نحو الوقاية والكشف المبكر، لا سيما في مجتمع يتميز بترابط أسري قوي يستدعي عناية خاصة بالأمراض الوراثية.

إن موقع المملكة ضمن الخريطة العالمية للبحث في الجينوم البشري، وتنامي الشراكات بين الجامعات والمراكز التخصصية والقطاع الحيوي، يهيئان بيئة مناسبة لأن تصبح السعودية مركزاً إقليمياً في تشخيص وعلاج الأمراض النادرة. وهذا لا يخدم المرضى محلياً فحسب؛ بل يعزز دور المملكة في إنتاج المعرفة الطبية، بدل الاكتفاء باستهلاكها.

وفي عالم يتجه سريعاً نحو الطب الشخصي، فإن الاستثمار المبكر في البنية التحتية الجينية والرقمية ليس خياراً تقنياً فحسب؛ بل قرار استراتيجي يضع صحة الإنسان في صميم التنمية المستدامة.

ختاماً: واقع صحي يتطلب رؤية واضحة

لقد بات واضحاً أن «ندرة المرض» لا تعني ندرة المعاناة، فـ300 مليون إنسان حول العالم ليسوا هامشاً إحصائياً؛ بل واقع صحي يتطلب رؤية واضحة، وتمويلاً عادلاً، وإرادة سياسية مستدامة.

فعشية اليوم العالمي للأمراض النادرة، لا يكفي رفع شعار التوعية؛ بل يجب أن نترجم الوعي إلى سياسات، والسياسات إلى إجراءات، والإجراءات إلى خدمات تصل إلى المريض في الوقت المناسب.

ويتضح لنا جلياً أن الأمراض النادرة ليست قضية سريرية فحسب؛ بل اختبار لقدرة الأنظمة الصحية على تحقيق العدالة والإنصاف. فبناء سجل وطني شامل، وتسهيل الوصول إلى الاختبارات الجينية المتقدمة، وتطوير مراكز تميز متعددة التخصصات، ليست إجراءات تقنية فقط؛ بل تعبير عن إرادة مؤسسية ترى في كل مريض حالة تستحق الاهتمام، مهما كانت ندرة مرضه. كما أن دعم جمعيات المرضى يوفّر بعداً إنسانياً لا يقل أهمية، إذ يمنح الأسر شبكة أمان نفسية واجتماعية في مواجهة مسار مرضي طويل ومعقد.

وبين رحلة البحث عن التشخيص، وتحديات التكلفة، وبوادر الثورة الجينية، يقف العالم أمام فرصة تاريخية: إما أن تبقى الأمراض النادرة في الهامش، أو تتحول إلى نموذج يُحتذى به في تكامل العلم والسياسة والرحمة.

والأمل، كما تؤكد الاكتشافات العلمية المتسارعة، لم يعد وعداً نظرياً؛ بل صار تحولاً فعلياً بدأ في إعادة رسم مستقبل هؤلاء المرضى.


هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟
TT

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً. وهو خلاصة مستخرجة من الثمار التي تنمو على أشجار البلميط المنشاري (saw palmetto)، وموطنها الأصلي في جنوب شرقي الولايات المتحدة.

فوائد مفترضة لصحة البروستاتا

* مكملات شائعة. وفقاً لإحدى التقديرات، يحصل أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة، الذين يتناولون المكملات الغذائية، على مكملات البلميط المنشاري على وجه التحديد. وتُشير بعض الأدلة إلى أن البلميط المنشاري يملك خصائص مضادة للالتهابات، ويعود استخدامه دواءً في الطب الشعبي إلى أكثر من قرن.

ومع ذلك، يجب على الرجال النظر إلى فوائده المفترضة لصحة البروستاتا بعين الحذر. وتقول الدكتورة هايدي رايالا، جرّاحة المسالك البولية في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، التابع لجامعة هارفارد، والأستاذة المساعدة في طب المسالك البولية في كلية الطب بنفس الجامعة: «من غير المرجح أن يضر البلميط المنشاري بصحتك، لكنه على الأرجح لن يقدم أي فوائد كبيرة أيضاً».

* تضخم البروستاتا الحميد وتأثير البلميط المنشاري المحتمل. من الشائع أن يصاب الرجال بتضخم البروستاتا، أو تضخم البروستاتا الحميد (BPH) benign prostatic hyperplasia، مع تقدمهم في العمر. ويُعيق تضخم البروستاتا الحميد تدفق البول عبر مجراه، ما يسبب أعراضاً انسدادية يمكن أن تتفاقم مع مرور الوقت.

ومع ذلك، فإن الكيفية التي قد يؤثر بها البلميط المنشاري على البروستاتا لتحسين الأعراض ليست واضحة تماماً. وتشير بعض الأدلة إلى أنه يحاكي تأثيرات بعض الأدوية المستخدمة لعلاج تضخم البروستاتا الحميد، بما في ذلك مثبطات إنزيم «5-ألفا ريدوكتيز» (5-alpha reductase inhibitors)، مثل فيناسترايد (finasteride) وبروسكار (Proscar)، التي تعمل على تقليص حجم غدة البروستاتا.

* تحذير طبي. في الولايات المتحدة، لا يوجد أي مكمل عشبي معتمد لعلاج تضخم البروستاتا الحميد. وتحذر الجمعية الأميركية لجراحة المسالك البولية من أن الدراسات التي تدعم استخدام البلميط المنشاري في علاج تضخم البروستاتا يشوبها العديد من العيوب، بما في ذلك قصر مدتها وغياب المجموعات الضابطة المعتمدة على أدوية وهمية. وتنبع أغلب الأدلة الداعمة من دراسات صغيرة تمولها الشركات، التي تسوق المكملات الغذائية.

نتائج التجارب

ماذا تُظهر التجارب السريرية العشوائية؟ تظهر أفضل الأبحاث عدم وجود فوائد للبلميط المنشاري في علاج تضخم البروستاتا الحميد. وخلال إحدى الدراسات، عولج 225 رجلاً يعانون من تضخم البروستاتا الحميد المتوسط إلى الشديد، إما بعلاج وهمي أو بـ160 ملّيغراماً من البلميط المنشاري، تؤخذ مرتين يومياً لمدة عام. ولم يكتشف الباحثون أي فرق في النتائج، لكنهم أقروا أيضاً بأن الجرعات التي جُرّبت في الدراسة ربما كانت منخفضة للغاية، بحيث لم تُنتج تأثيرات قابلة للقياس.

لذا، خلال دراسة لاحقة أوسع نطاقاً، اختبر الباحثون جرعات أعلى من البلميط المنشاري تصل إلى 320 ملّيغراماً تؤخذ 3 مرات يومياً. مع توزيع ما يقرب من 370 رجلاً في سن 45 عاماً أو أكثر عشوائياً على مجموعات العلاج أو الدواء الوهمي. وبعد مرور عام ونصف عام، أفاد الرجال في كلا المجموعتين أنهم لا يشعرون بتدهور أو أنهم يشعرون بتحسن طفيف. واللافت للنظر أن 40 في المائة من الرجال الذين عولجوا بدواء وهمي، قالوا إن الأعراض قد تحسنت، ما يشير إلى أن مجرد تناول حبة دواء قد تكون له علاقة بالفوائد المتصورة للمكمل الغذائي.

وقاد الدراسة الدكتور مايكل باري، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد. وهو يحثّ الرجال على استشارة أطبائهم قبل تجربة البلميط المنشاري، وذلك بالأساس لاستبعاد الأسباب المحتملة الأخرى لانسداد المسالك البولية، التي يمكن أن تتضمن سرطان المثانة أو البروستاتا. كذلك، قد يتداخل البلميط المنشاري مع قدرة الدم على التجلط، ما يجعله خطيراً على الرجال الذين يتناولون أدوية مميعات الدم.

النتائج الحديثة

تأتي الأدلة الحديثة حول البلميط المنشاري وتضخم البروستاتا الحميد من «مراجعة كوكرين» (Cochrane Review)، التي اشتملت على 27 دراسة منضبطة بالعلاج الوهمي، شارك فيها 4656 مشاركاً. وقد أظهرت النتائج المنشورة عام 2024 عدم حدوث تحسن في الأعراض البولية أو جودة الحياة ناتجة عن تناول البلميط المنشاري (سواء بمفرده أو مع مكملات عشبية أخرى) على مدى فترات تراوحت حتى 17 شهراً.

في هذا الصدد، تقول الدكتور رايالا: «إذا كانت المكونات الموجودة في هذه المنتجات العشبية فعالة في علاج الأعراض البولية، لكانت شركات الأدوية قد حصلت بالفعل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية عليها كدواء يجب على شركات التأمين تغطيته. وعليه، فإنه لا بأس بتناولها، لكن كن حذراً بشأن إنفاق كثير من أموالك على مثل هذه البدائل».

أخيراً، ضع في الاعتبار هذه الملحوظة حول البلميط المنشاري من خبير آخر في جامعة هارفارد، وهو الدكتور مارك غارنيك، أستاذ الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد ومركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، ورئيس تحرير دليل كلية الطب بجامعة هارفارد لأمراض البروستاتا. يقول الدكتور غارنيك: «من السهل فهم سبب إقبال كثيرين على تناول مكمل غذائي طبيعي لعلاج مشاكل المسالك البولية في منتصف العمر. ومع ذلك، لا توجد أدلة على فاعلية البلميط المنشاري، وينبغي تجنب استخدامه لعلاج تضخم البروستاتا الحميد وأعراض المسالك البولية الشائعة الأخرى دون إجراء تقييم كامل للأسباب المحتملة».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»، خدمات «تريبيون ميديا».


ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
TT

ضوضاء المرور ليلاً تزيد ضربات القلب وتسبب الالتهابات

ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)
ضوضاء الطرق تعد أحد أبرز مصادر التلوث الضوضائي في المدن (رويترز)

أظهرت دراسة دولية أن التعرض لضوضاء حركة المرور ليلاً، حتى لمدة ليلة واحدة فقط، قد يسبب إجهاداً ملحوظاً للقلب والأوعية الدموية، ويزيد مستويات الالتهاب، ويؤثر على جودة النوم.

وأوضح الفريق البحثي التابع للجمعية الأوروبية لطب القلب، بقيادة جامعة يوهانس غوتنبرغ في ألمانيا، أن هذه الدراسة تُساعد على تفسير ارتفاع معدلات ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين بين الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الطرق المزدحمة، ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «Cardiovascular Research».

وتُعد ضوضاء الطرق أحد أبرز مصادر التلوث الصوتي في المدن، إذ تنتج بشكل رئيسي عن حركة السيارات والشاحنات والدراجات النارية. وتتسبب هذه الأصوات في اضطراب النوم، وزيادة معدل ضربات القلب، وإحداث تغيرات التهابية في الجسم، مما يؤثر سلباً على صحة القلب والأوعية الدموية.

وشارك في الدراسة 74 متطوعاً بصحة جيدة، على مدار ثلاث ليالٍ، حيث تعرضوا في كل ليلة لأحد السيناريوهات التالية: إما من دون ضوضاء (المجموعة الضابطة)، وإما للتعرض لـ30 حدثاً متفرقاً من ضوضاء المرور خلال الليل، وإما 60 حدثاً متفرقاً من الضوضاء. وكان كل «حدث» عبارة عن تسجيل قصير لحركة المرور، مثل مرور سيارة، أو شاحنة، أو مجموعة سيارات في وقت محدد، تصل ذروتها إلى نحو 60 ديسيبلاً. وكانت الدراسة مزدوجة التعمية، بحيث لم يكن المشاركون ولا الباحثون على علم بمستوى الضوضاء في كل ليلة.

تغيرات مناعية

وفي صباح اليوم التالي، خضع المشاركون لسلسلة من الاختبارات الصحية، أبرزها اختبار تمدد الأوعية الدموية، وهو اختبار معتمَد طبياً لقياس صحة الأوعية الدموية. وأظهرت النتائج انخفاض نسبة التمدد من 9.35 في المائة في المجموعة الضابطة إلى 8.19 في المائة مع التعرض لـ30 حدثاً، وإلى 7.73 في المائة مع التعرض لـ60 حدثاً، مما يشير إلى ضعف وظيفة الأوعية الدموية وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.

كما أظهرت تحاليل الدم تغيرات في مسارات مناعية مرتبطة بالالتهاب والاستجابة للتوتر، بالإضافة إلى ارتفاع متوسط معدل ضربات القلب بنحو 1.23 نبضة في الدقيقة. وأفاد المشاركون بتدهور واضح في جودة النوم والشعور بالراحة بعد التعرض للضوضاء.

وأشار الباحثون إلى أن الجسم يظل «يقظاً» حتى في أثناء النوم، وأن تنشيط استجابات التوتر بشكل متكرر ليلاً قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تطور أمراض قلبية مزمنة.

وأضافوا أن الحد من التعرض للضوضاء يُعد جزءاً مهماً من استراتيجيات الوقاية من أمراض القلب في المدن.

ونصح الفريق البحثي بعدة إجراءات فردية لتقليل تأثير ضوضاء المرور، منها إبعاد غرف النوم عن مصادر الضوضاء قدر الإمكان، واستخدام نوافذ عازلة للصوت، واتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني، إلا أنهم أكدوا أن الأثر الأكبر يتطلب حلولاً مجتمعية وهيكلية، مثل تقليل حركة المرور ليلاً، واستخدام طرق أقل ضوضاء، وتحسين التخطيط العمراني والعزل الصوتي للمباني.