فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

هل كانت «الأرض الخراب» صدى شعرياً لخواء الشاعر العاطفي؟

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت
TT

فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت

لم يحدث أن حظي أحد من شعراء القرن العشرين، عدا قلة نادرة، بالشهرة والمكانة والحظوة النقدية البالغة التي حظي بها الشاعر الأميركي – البريطاني توماس ستيرنز إليوت. وهي مكانة لم تقتصر دائرتها على العالم الأنجلوسكسوني وحده، بل هي تعدت ذلك الإطار لتبلغ تردداتها حدود العالم، ولتتم ترجمة أعمال الشاعر وكتاباته النقدية إلى عشرات اللغات الحية. والأدل على أصالة هذه التجربة وعمقها الإنساني، هو استعصاؤها على الضمور وثباتها الصلب في وجه الزمن. وإذا كان نتاج إليوت الشعري منذ باكورته «بروفروك وملاحظات أخرى» ووصولاً إلى أعمال لاحقة من مثل «الرجال الجوف» و«أربعاء الرماد» و«رباعيات أربع»، قد لقي الكثير من اهتمام القراء ودارسي الأدب، فإن قصيدته «الأرض الخراب» التي تم إنجازها عام 1922، والتي عمد الشاعر إلى حذف جزء كبير منها بناءً على نصيحة صديقه عزرا باوند، قد أحدثت من الأصداء والترجيعات المدوية، كما لم تحدثه أي قصيدة أخرى في الشعر المعاصر.
أما على المستوى الإنساني، فإن أي تتبّع عميق لطفولة الشاعر ونشأته المبكرة، لا بد أن يفسر بشكل أو بآخر الكثير من سلوكياته ومكوناته النفسية والفكرية، التي وجدت تعبيراتها في المجالين الديني والعاطفي على نحو خاص. فهو لم يكن يتجاوز السادسة من عمره، حين بدأت مربيته الشخصية آني ديون تحدثه عن وجود الله وماهيته وأشكال تجلياته في العالم، قبل أن تأخذه معها إلى إحدى الكنائس الكاثوليكية القريبة من منزله العائلي؛ الأمر الذي ترك أبلغ الأثر في بلورة معتقداته الروحية والفكرية اللاحقة. وفي كتابها المميز «الحياة غير الكاملة لـت. س. إليوت» تروي الناقدة البريطانية ليندال جونسون أن إليوت كان يجلس على مقعده الدراسي محاطاً بطفلتين مشاغبتين، وأنهما في أحد الأيام راحتا تتهامسان حول الحجم الكبير لأذنيه؛ الأمر الذي أصابه بالخجل، ودفعه للذهاب إلى المنزل وشدّ أذنيه بمادة لاصقة لكي تبدوا أصغر مما هما في الواقع.
لكن إيثاره طفلاً للعزلة والانفراد، كان له وجهه الإيجابي المتمثل بإدمانه على القراءة، حيث كان الشاعر الأميركي إدغار آلان بو، بتقصياته النفسية ومناخاته العصبية المؤرقة، أقرب الكتّاب إلى نفسه. ولعل مواقف أبيه المتشددة إزاء القضايا العاطفية والجنسية، ورؤيته إلى العلاقة الجسدية بوصفها نوعاً من القذارة، قد أسهمت من جهتها في ريبته من المرأة وحذره الشديد من «جانبها الشيطاني». كما أن نزوعه المطرد للابتعاد عن الفتيات، هو الذي دفعه إلى الإلحاح على لالتصاق بأمه وأخته شارلوتت اللتين شكّلتا حدود عالمه النسائي الأثير في تلك المرحلة. ولقد عبّرت أمه غير مرة، وهي الشاعرة بالفطرة التي لم تمكّنها التزاماتها الزوجية المرهقة من تنمية موهبتها، عن إيمانها الراسخ بموهبته، وكتبت إليه حين بات طالباً في هارفرد بأنها تريد منه «أن يكون شاعراً مرموقاً، ويحقق الحلم الذي عجزت هي نفسها عن تحقيقه». وقد انعكس موقفه المتوجس من النساء في أحد نصوصه المبكرة، حيث يصف المرأة بقوله «إنها العدو الأبدي للمطلق». ومع أن تلك الهواجس لم تمنعه من الوقوع في حب زميلته في هارفارد إميلي هيل، فإن إليوت لم يتمكن من مفاتحتها بمشاعره، بسبب الخجل والخوف، إلا بعد مغادرته أميركا والتحاقه بجامعة أكسفورد في لندن، حيث تبادل معها العديد من الرسائل العاطفية التي قطعها زواجه المفاجئ من فيفيان هايوود.
ولم يكن لدراسة إليوت في هارفرد والسوربون وأكسفورد، أن تغير كثيراً من طبعه الخجول أو سلوكياته المتحفظة إزاء النساء. وإذا كان عام 1915 هو العام الذي شهد ولادة ديوانه الأول «بروفروك وملاحظات أخرى»، فهو في الوقت ذاته العام الذي التقى خلاله بفيفيان هايوود، الشابة الشغوفة بالحياة والكتابة والفن، والتي ما لبث أن اقترن بها خلال وقت قصير. وقد رأى الناقد الإنجليزي بيتر أكرويد، في مقالة له في الملحق الصحافي لجريدة «الأوبزرفر» البريطانية، أن إليوت لم يكن لدى تعرفه بهايوود قد اختبر بعد أي تجربة جنسية فعلية، وأنه كان يفتقر حينها إلى النضج الوجداني، في حين كانت فيفيان تفتقر إلى الاتزان العاطفي والعقلي. أما الناقد الإنجليزي أوزبرت ستويل فيعتبر أنها كانت «أقرب إلى الحيوية منها إلى الجمال، كما كانت شديدة الوعي بذاتها وبالآخرين، ويقظة إلى درجة الحساسية المفرطة. كما كانت تميل إلى ارتياد المسارح وإلى الرقص على موسيقى الفونوغراف». وإذ وصفها بعض أقارب إليوت بأنها شخصية مبهجة وجذابة وحساسة إزاء الجمال، فقد اعتبر ستويل أنها بدت في نظر إليوت، رغم مساواتها له في السن، تجسيداً ملموساً لانطلاقة الشباب وجرأته.
ولما كان والدا فيفيان، تشارلز وروز هايوود، ينتميان إلى طبقة ميسورة، ويجسدان الطابع الإنجليزي بامتياز، فقد وجد إليوت نفسه منجذباً بكليته إلى جو العائلة، وإلى ابنتها فيفيان التي وصفها البعض بأنها كانت مصدر إلهامه الشعري، ووصفها البعض الآخر بأنها كانت مصدر عذابه الدائم، في حين ذهب البعض الثالث إلى أنها كانت مزيجاً من كلا الأمرين. غير أن من يقرأ يوميات فيفيان، وبخاصة تلك المكتوبة قبل لقائها بإليوت بعام واحد، يتبين له أنها كانت تعاني من مرض في الأعصاب يجعلها معرضة لنوبات من القلق والكآبة حيناً، ولنوبات من المرح والابتهاج بالحياة حينا آخر. وعندما التقى بها برتراند رسل، وقد كان أستاذاً لإليوت في مادة الفلسفة، وصفها بأنها «خفيفة ومغامرة وسوقية على نحو ما».
والواضح من سياق السيرة، أن صاحب «رباعيات أربع» لم يكن قد عرف عن الشابة التي اقترن بها، سوى الوجه المتعلق بمكانة عائلتها الاجتماعية المرموقة، مع الإشارة إلى أن الأب كان رساماً موهوباً في مجال البورتريه والمناظر الطبيعية. أما حالتها المرضية ومشكلاتها العصبية التي كانت تسبب لها صداعاً حاداً وتقلصات في البدن وفقدان التوازن، فلم يكتشفها إليوت، وفق كتّاب سيرته، إلا بعد الزواج. واللافت هنا أن أياً من والدي فيفيان لم يعمد إلى اطلاع الشاب الخجول والمفتقر إلى الخبرة العاطفية، الذي كانه إليوت، على وضع الابنة الصحي، علماً بأن أطباءها كانوا يحقنونها بالمورفين حين يشتد بها الألم، وكانت أمها تخشى أن يكون ما تعاني منه نوعاً من الهستيريا أو الجنون. وحيث لم يتردد والدا فيفيان في الموافقة على زواجها من إليوت، الذي رأيا فيه نموذجاً للتهذيب والسلوك المؤدب، فإن والدي هذا الأخير أظهرا، وقد بوغتا بالحدث، الكثير من الامتعاض وعدم الارتياح. وإذ تمنيا على ابنهما العودة مع زوجته الشابة إلى أميركا ومواصلة دراساته العليا في هارفارد، رفضت فيفيان فكرة السفر، بحجة أن الغواصات الألمانية التي كانت تذرع المحيط في فترة الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تعرّض الزوجين لمخاطر غير محمودة العواقب. ومع أن والد إليوت لم يكن راضياً عن خطوة ابنه المتسرعة وغير المحسوبة، فهو لم يشأ أن تسود القطيعة بينهما بشكل كامل، ولم يوقف المعونة المالية التي كان يمده بها بشكل دوري. أما أمه التي كانت شديدة التعلق به، فقد كان رد فعلها أكثر عصبية وتوتراً من رد فعل الأب. لكن المحزن في الأمر أن الشاعر الذي غادر منزل أبويه مغموماً ومحبطاً من تلك الزيارة، لم يقدّر له أن يرى أباه على الإطلاق بعد تلك الزيارة.
أما لحظات الهناءة التي عاشها الطرفان في بداية اقترانهما، فقد بدأت، وفق بيتر أكرويد، تخلي مكانها للعديد من تباينات الأعماق التي أتاح لها واقع الحياة اليومية الظهور على السطح. إذ سرعان ما تبين أن الزوجة المفرطة في حيويتها الجنسية والعاطفية، هي النقيض الضدي للزوج «العذري» الذي جعلته نشأته المحافظة أسير الكثير من العقد والمفاهيم المتزمتة والرغبات المكبوتة. ومع أن ألدوس هكسلي، صديق الشاعر، كان يرى بأن فيفيان استطاعت، بما تمتلكه من عوامل الإثارة والاندفاع الغريزي نحو الحياة، أن تدفع الزوج إلى مجاراتها في كل ما تفعله، إلا أن تلك المجاراة ما لبثت أن أعطت مفعولها العكسي، متسببة بتعاسة الشاعر وانشقاقه على نفسه، بعد أن بدت مفتعلة ومتكلفة، وبعيدة عن طبيعته الأصلية.
على أن الصعاب المختلفة التي واجهت الزوجين، لم تثن إليوت عن محاولة إنقاذ وضعهما المترنح، مؤثراً الابتعاد عن عائلة زوجته والسفر إلى إيستبورن، على أمل أن ينعما هناك بالراحة والهدوء. لكن الرحلة تلك بدت أشبه بشهر عسل زائف، كما عبّر برتراند رسل، الذي وصله من فيفيان رسالة قانطة وصفها لاحقاً بأنها تشبه إلى حد بعيد الرسائل التي يتركها اليائسون خلفهم قبل أن يُقدموا على الانتحار. وفي قراءته الشخصية لتدهور العلاقة بين الزوجين، رأى رسل، الذي اعترف في وقت لاحق بخيانة صديقه الأثير عبر دخوله في مغامرة عاطفية قصيرة مع هايوود، بأن مردّ ذلك التدهور هو نظرتهما المتباينة إلى الشهوة الجسدية، الأمر الذي دفع إليوت إلى اعتبار الفعل الجنسي شكلاً من أشكال العنف والفعل العدائي. والأرجح أن هذا الخلل المطرد في علاقة الزوجين، هو الذي دفع بعض الدارسين إلى الحديث عن ضعف الشاعر الجنسي، والبعض الآخر إلى الحديث عن نزوعه المثلي، في حين عمد البعض الثالث إلى نفي الأمرين معاً، معتبرين أن السبب الفعلي لابتعاده عن الفراش الزوجي، هو نفوره من شراهة زوجته الجنسية من جهة، والتفاقم المأساوي لحالتها العصبية والعقلية من جهة أخرى. وإذا كان الشعر في دلالاته العميقة هو الترجمة الأصدق لخلجات النفس، فإن إليوت يعبّر في بعض قصائده عما ينتابه إزاء رغبات الجسد وغرائزه المتأججة من عُقد وكوابيس ففي قصيدة له بعنوان «أنشودة»، نشرها عام 1920 ولم يعد إلى نشرها في أي من دواوينه، يتحدث إليوت عن عريس شاب يرى دماً على فراش عروسه ليلة الزفاف، فيصاب بنوع من الفوبيا الشديدة ويتخيلها منزوعة الأحشاء. وفي قصيدة أخرى له بعنوان «هستيريا»، يتحدث عبر أنا المتكلم، عن امرأة غير سوية تضع رجلاً على المائدة، هو إليوت بالذات، ثم تشرع في التهامه بشكل وحشي.
وإذا كان للمرء في هذه الحالة أن يتساءل عن السبب الحقيقي الذي جعل ت. س. إليوت، الذي تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية عام 1927، يرضخ لذلك الواقع المزري لثلاثة عقود من الزمن، فإن الإجابة عن مثل هذا التساؤل المشروع تنقسم إلى قسمين اثنين، يتصل أولهما بتكوين الزوج النفسي والسلوكي، الأقرب إلى التسليم الديني والقدري بالواقع، في حين يتصل الثاني بالنتاج الإبداعي، وبالشعر على نحو خاص، حيث تم تصعيد الألم والحزن الفرديين نحو مستويات أخرى تتعلق بانهيار الحضارة الغربية وتفريغ الإنسان من معنى وجوده الفعلي، كما يظهر من قصيدتي «الأرض الخراب» و«الرجال الجوف»، على سبيل المثال لا الحصر.
ومع أن إليوت قد آثر بعد مخاض عسير، الابتعاد التدريجي عن زوجته التي أثخنتها الأمراض، وصولاً إلى انفصال الطرفين الرسمي عام 1933، إلا أن متاعبه العاطفية والنفسية لم تتوقف على الإطلاق، إلا لحظة رحيلها عن هذا العالم عام 1947. وهو إذ عمد في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاة زوجته، إلى تجديد علاقته بإيميلي هيل، التي سبق أن أولع بها زمن شبابه الأول، إلا أنه لم يستجب لرغبتها الملحة في الزواج منه، دون أن تُعرف على نحو جلي الأسباب الحقيقية لذلك الرفض. غير أن القدر الذي شاء لإليوت، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1948، أن يرزح تحت وطأة الألم والحزن والخواء العاطفي لعقود ثلاثة متلاحقة، لم يلبث أن وفر له الشعور بالراحة والأمان والحب الحقيقي، حين تزوج في سنوات حياته الأخيرة من سكرتيرته فاليري فلتشر. ورغم أن فلتشر كانت تصغره بثمانية وثلاثين عاماً، فهي قد استطاعت بما تختزنه في داخلها من حب وحكمة ونضج، أن تكون حتى لحظة وفاته عام 1965، ظهيره الفعلي وملاكه الحارس وصمام أمانه الأمثل، في الحقبة الفاصلة بين الكهولة والموت.



تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.


صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود
TT

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

في روايتها «ليالي سان دوني» الصادرة أخيراً عن دار «العين» بالقاهرة، لا تراهن الروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن على الإيقاعات الباريسية الصاخبة، بقدر ما تنحاز إلى ظلالها الخفية؛ حيث يتحول قصر «لو شاتو» القابع في ضاحية «سان دوني» إلى مقصد للغرباء والنازحين، والهاربين، وفي هذا الفضاء الهامشي الذي «تختلط فيه الأوراق بالأرواح، والفنون بالطبقات والهويات»، تتشابك الحكايات التي تتقاطع مع سؤال «الوطن» كسؤال حتمي لا مهرب منه.

يقود سؤال الهُوية والوطن في الرواية إلى تأمل طويل عن ماهية «البيت»، فهل هو المكان الذي نعود إليه؟ أم الفضاء الذي تُشبهنا جدرانه؟

عبر هذا الأفق، تبني الكاتبة مُعادلاً رمزياً يتمثَّل في قصر «لو شاتو»، الذي لا يبدو مجرَّد فضاءٍ مكاني؛ إذ تُضفي عليه الكاتبة معالم مؤنسنة، ليغدو كائناً حياً يتنفس بأنفاس قاطنيه من فنانين عرب مهاجرين يمارسون الفن باختلاف أطيافه؛ ما بين الموسيقى والغناء والرسم، وحتى صناعة المحتوى وألعاب السيرك.

فمنذ المشهد الافتتاحي يُبصره السرد بلسان سارِد مجهول، له عينٌ متلصصة تلتقط القصر من مسافة سينمائية بانورامية: «في الداخل يتنفس (لو شاتو) عبر حياة قاطنيه، فنانين، مشرَّدين، غرباء، لاجئين، يملؤون فوضاه الأزلية بأصوات الضحك والغناء»، قبل أن يكشف السارِد العليم عن تاريخه القديم؛ إذ كان يوماً ملكاً لكونت فرنسي إسباني قيل إنه فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة؛ حيث انتهت حياته، تاركاً القصر للنسيان، غير أن السرد الروائي لا ينشغل بتتبع سيرة القصر، أو تقصِّي تاريخ الكونت، بقدر ما يحوِّله إلى فضاءٍ تخييلي يؤسس لعالم أبطاله، ليغدو ملاذاً هشاً، وبيتاً حنوناً مؤقتاً، يتشكَّل عبر حيواتهم، بقدر ما يتداعى بتداعيهم، وبما يحوِّل المكان من خلفية للأحداث إلى مركز لتقاطع الأفكار والمصائر.

ملعب خلفي

في سرد يتنقَّل بين لسان سارِد عليم وضمير المتكلم، تبني الكاتبة عالمها «متعدد الأصوات» مستثمرة تنوُّع أطياف شخصياتها وخلفياتهم، ومن خلال نحو عشرة أصوات لمهاجرين ولاجئين وهاربين، تتشكَّل خريطة إنسانية مُصغَّرة، تُدار في زخم سردي يؤجِّل اكتمال ملامح كل شخصية، فلا تتكشف إلا عبر انعكاسها في مرآة الآخر، أو عبر مونولوجها الداخلي.

وبذلك لا يعود لكل شخصية مسار مستقل مُكتمل؛ بل يغدو الوصول إلى سرديتها الخاصة رحلة تصاعدية لا تنفصل عن تداخلها المستمر مع سرديات الآخرين، بما يعكس حالة التشظي واللايقين التي تحكم هذا العالم.

وإذا كانت ضاحية «سان دوني» الباريسية تمثِّل الفضاء المكاني الرئيسي للسرد، فإن الحمولة الشخصية للذاكرة التي يحملها القادمون إلى القصر تظل حاضرة كملعبٍ خلفي للأحداث؛ حيث تتجاور آثار الحرب والقمع والهجرة، لتُنازع أصحابها في سعيهم للعثور على بيوتٍ بديلة آمنة داخل جدرانه، هرباً من تعقُّب الخارج لهم.

تضع الكاتبة، بين أطياف المغتربين من سكان القصر، بطليها الفرنسيين: «يوهانس» و«كامي» في مركز القصر الذي يديرونه، وفي الوقت نفسه على هامش «المؤسسة» الغربية التي تميل إلى تقويض الهجرة وزحف اللاجئين. فتبدو «كامي»، الناشِطة البيئية، التي تهجر باريس لتسكن في كوخٍ مبني بين شجرتين في محيط قصر «لو شاتو»، صوتاً ينحاز إلى الغرباء، تدعم بقاءهم وتسهِّل إقامتهم غير الشرعية، انطلاقاً من إيمانها بأن «الحدود والملكيات والقوانين تعزِّز الفروق بين البشر وتفرِّقهم. ومن هذا التصور، تربط كامي بين تهجير الإنسان والاعتداء على البيئة، معتبرة أن كليهما ينذر بـ«خراب كونيٍّ»، في رؤية تُوسِّع معنى الهجرة، من كونها أزمة إنسانية إلى سؤال أعمق يتعلق بهشاشة فكرة الحدود نفسها.

فوضى رائعةيبدو منطق الشخصيات المتضارب جزءاً أصيلاً من نسيج السرد القائم على خَلق توترٍ بين اختلافاتهم، يتجاور مع انسجامهم داخل غربة واحدة، فـ«أبو الطيب» السوري يُلخِّص موقفه العدمي باعتبار أن «الحياة ما هي إلا مزحة كبيرة»، بينما «نايا» اللبنانية، التي تنتقل من حياتها الصاخبة كراقصة إلى سيدة بساقٍ مكسورة عاجزة، تجد ضالتها في العزلة داخل هذا القصر البعيد، وكأنها تُعيد تأويل وجودها بمنطق أن «الحياة فوضى رائعة»، في مقابل ذلك، يتبنى «مازن»، المُلقَّب بـ«عمدة المهاجرين»، منطق «كل شيء قابل للتفاوض»، الذي يُقاوض به ماضيه وحاضره معاً، دون أن ينسى لحظة ركوبه قارب الموت بعد أن شهد احتراق حلب.

غير أن هذا التماسك الظاهري يتصدَّع في لحظة هشاشة كاشفة، مع وفاة والدته، بعد أن أخفق في تحقيق وعده لها باصطحابها لباريس وزيارة برج «إيفل»، رغم صورته التي كرَّسها لنفسه بوصفه «جنِّي القارورة»، الذي يلوذ به المهاجرون في أعصى مشكلاتهم.

لا تبدو الهُوية في الرواية معطى ثابتاً، بقدر ما تنكشف بوصفها بناءً متغيراً، يعاد تشكيله مراراً تحت ضغوط السياسة، والذاكرة وآلياتها الدفاعية، والتكيُّف ومراوغاته؛ كما يقول أحد الأبطال: «تعلمت في باريس أن المرونة هي المفتاح للبقاء».

وبينما تنشغل الشخصيات «العربية» بتدبير بقائها داخل القصر هروباً من تعقب السلطات لأوراقهم الرسمية، تسود خارجه سردية «فرنسية» تنظر لهم بوصفهم «كائنات وافِدة إلى عالمهم، تشاركهم في الأرض والماء ومكاسب الوطن، ثم رويداً رويداً، يتناسلون ويحتلون مكانهم في المجتمع، الغرباء القادمون من بعيد، من الأرض المحترقة»، غير أن الرواية لا تتتبَّع خيط هذه السردية ولا تنخرط فيها، بقدر ما تُعرِّي منطقها، كاشفة عن الكيفية التي يُعاد بها إنتاج صورة المهاجر، داخل خطاب يختزله في موقع «الوافِد» المهدِد.

تعتني لنا عبد الرحمن باختيار عوالم شديدة التباين لأبطالها، لا سيما بطلاتها، من «عبير» الليبية التي تدفعها تقلبات الحياة إلى أن تصبح «يوتيوبر» عبر قناتها «عبير في بلاد الله»؛ حيث تغدو نسب المشاهدة زادها المادي في الغربة، ووسيلتها لإعالة بناتها الثلاث، إلى «درصاف» الأفغانية، الهاربة من إرث «طالبان»، التي تسعى إلى تعلُّم الفرنسية وشقِّ طريقها في باريس، ولكنها تظل عالقة بين خيارين متنازعين: الانجراف وراء علاقة حب، أو القبول بزواج مصلحة يضمن لها قدراً من الاستقرار، في محاولة للإفلات من ماضيها الأفغاني.

تضع «ليالي سان دوني» سؤال «البيت» موضع شكٍّ؛ حيث يبدو الانتماءُ رهينَ لحظات عابرة، والفنُ ملاذاً لا يخذل أهل القصر الذين لم يكفُّوا عن الغناء بلهجاتهم حتى لحظة النهاية، التي ينصهر فيها مصيرهم مصحوباً بصوت كسير يُردد: «لا بيت يدوم».


«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه
TT

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»، لأبيبي زيغايي (Abebe zegeye)، كتاب غني بالرسوم التوضيحية، المثيرة للتفكير. وهدف الكتاب، كما يدل عنوانه، هو استكشاف معنى ومفهوم الفن من منظور أفريقي، وعبر ذاكرة أفريقية. ويدعونا المؤلف عبر محتويات الكتاب أن نختبر نقاط مراجعنا، وأن نتفكّر مرة أخرى ونحن في رحلة داخل مواقع للتذكّر، بدءاً بإثيوبيا حيث نصطحب مولاتو، كأول موسيقار جاز إثيوبي... وقد مزج هذا الفنان الموسيقى الغربية بالموسيقى الإثيوبية، لا أن يفعل العكس؛ وبذا حفظ للموسيقى الإثيوبية نكهتها. وفي إثيوبيا أيضاً يقودنا المؤلف لندخل العالم السحري للفنان ييت غيتا، الذي يعتبر فنه ذو الطراز الإثيوبي قمة في الإلهام.

وتأتي أهمية أي أرشيف يبتدعه إنسان أفريقي وهو يقوم بتصوير الأفارقة وفنهم مثل ترياق مضاد لهيمنة الرؤية الاستعمارية.

يقدم المؤلف زيغايي في هذا الكتاب تحليلاً نقدياً في الفصل الذي يتطرق للصور الفوتوغرافية لشيستر هيجينز ذات الصلة بغربة المكان، والتي تغطي أمور السياسة والفن والدين والمجتمع وغيرها. ويختم كتابه بفصل حول معرض مهم وفهرس (كتالوج) عن الفن والمقالات ذات الصلة، والمكان والعملات في الفن الأفريقي المعاصر.

كثيراً ما نطالع في التاريخ الحديث أنّ الأوروبيين هم من يقومون بمعالجة قضايا الفن الأفريقي والكتابة عنه. لكنّ هذا الكتاب يعتبر مساهمة قيمة في حصيلة الكتابة الأفريقية في الفن الأفريقي.

لقد أنجز أبيبي زيغايي (Abebe zegeye) بحثاً شاملاً في الهويات الأفريقية والاجتماعية، وهو يعمل حالياً مديراً لمركز البحوث والتنمية في التعلّم (CRADLE)، ومقرّه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.