فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

هل كانت «الأرض الخراب» صدى شعرياً لخواء الشاعر العاطفي؟

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت
TT

فيفيان هايوود وت. س. إليوت... الزواج في متاهته الموحشة

فيفيان هايوود وت. س. إليوت
فيفيان هايوود وت. س. إليوت

لم يحدث أن حظي أحد من شعراء القرن العشرين، عدا قلة نادرة، بالشهرة والمكانة والحظوة النقدية البالغة التي حظي بها الشاعر الأميركي – البريطاني توماس ستيرنز إليوت. وهي مكانة لم تقتصر دائرتها على العالم الأنجلوسكسوني وحده، بل هي تعدت ذلك الإطار لتبلغ تردداتها حدود العالم، ولتتم ترجمة أعمال الشاعر وكتاباته النقدية إلى عشرات اللغات الحية. والأدل على أصالة هذه التجربة وعمقها الإنساني، هو استعصاؤها على الضمور وثباتها الصلب في وجه الزمن. وإذا كان نتاج إليوت الشعري منذ باكورته «بروفروك وملاحظات أخرى» ووصولاً إلى أعمال لاحقة من مثل «الرجال الجوف» و«أربعاء الرماد» و«رباعيات أربع»، قد لقي الكثير من اهتمام القراء ودارسي الأدب، فإن قصيدته «الأرض الخراب» التي تم إنجازها عام 1922، والتي عمد الشاعر إلى حذف جزء كبير منها بناءً على نصيحة صديقه عزرا باوند، قد أحدثت من الأصداء والترجيعات المدوية، كما لم تحدثه أي قصيدة أخرى في الشعر المعاصر.
أما على المستوى الإنساني، فإن أي تتبّع عميق لطفولة الشاعر ونشأته المبكرة، لا بد أن يفسر بشكل أو بآخر الكثير من سلوكياته ومكوناته النفسية والفكرية، التي وجدت تعبيراتها في المجالين الديني والعاطفي على نحو خاص. فهو لم يكن يتجاوز السادسة من عمره، حين بدأت مربيته الشخصية آني ديون تحدثه عن وجود الله وماهيته وأشكال تجلياته في العالم، قبل أن تأخذه معها إلى إحدى الكنائس الكاثوليكية القريبة من منزله العائلي؛ الأمر الذي ترك أبلغ الأثر في بلورة معتقداته الروحية والفكرية اللاحقة. وفي كتابها المميز «الحياة غير الكاملة لـت. س. إليوت» تروي الناقدة البريطانية ليندال جونسون أن إليوت كان يجلس على مقعده الدراسي محاطاً بطفلتين مشاغبتين، وأنهما في أحد الأيام راحتا تتهامسان حول الحجم الكبير لأذنيه؛ الأمر الذي أصابه بالخجل، ودفعه للذهاب إلى المنزل وشدّ أذنيه بمادة لاصقة لكي تبدوا أصغر مما هما في الواقع.
لكن إيثاره طفلاً للعزلة والانفراد، كان له وجهه الإيجابي المتمثل بإدمانه على القراءة، حيث كان الشاعر الأميركي إدغار آلان بو، بتقصياته النفسية ومناخاته العصبية المؤرقة، أقرب الكتّاب إلى نفسه. ولعل مواقف أبيه المتشددة إزاء القضايا العاطفية والجنسية، ورؤيته إلى العلاقة الجسدية بوصفها نوعاً من القذارة، قد أسهمت من جهتها في ريبته من المرأة وحذره الشديد من «جانبها الشيطاني». كما أن نزوعه المطرد للابتعاد عن الفتيات، هو الذي دفعه إلى الإلحاح على لالتصاق بأمه وأخته شارلوتت اللتين شكّلتا حدود عالمه النسائي الأثير في تلك المرحلة. ولقد عبّرت أمه غير مرة، وهي الشاعرة بالفطرة التي لم تمكّنها التزاماتها الزوجية المرهقة من تنمية موهبتها، عن إيمانها الراسخ بموهبته، وكتبت إليه حين بات طالباً في هارفرد بأنها تريد منه «أن يكون شاعراً مرموقاً، ويحقق الحلم الذي عجزت هي نفسها عن تحقيقه». وقد انعكس موقفه المتوجس من النساء في أحد نصوصه المبكرة، حيث يصف المرأة بقوله «إنها العدو الأبدي للمطلق». ومع أن تلك الهواجس لم تمنعه من الوقوع في حب زميلته في هارفارد إميلي هيل، فإن إليوت لم يتمكن من مفاتحتها بمشاعره، بسبب الخجل والخوف، إلا بعد مغادرته أميركا والتحاقه بجامعة أكسفورد في لندن، حيث تبادل معها العديد من الرسائل العاطفية التي قطعها زواجه المفاجئ من فيفيان هايوود.
ولم يكن لدراسة إليوت في هارفرد والسوربون وأكسفورد، أن تغير كثيراً من طبعه الخجول أو سلوكياته المتحفظة إزاء النساء. وإذا كان عام 1915 هو العام الذي شهد ولادة ديوانه الأول «بروفروك وملاحظات أخرى»، فهو في الوقت ذاته العام الذي التقى خلاله بفيفيان هايوود، الشابة الشغوفة بالحياة والكتابة والفن، والتي ما لبث أن اقترن بها خلال وقت قصير. وقد رأى الناقد الإنجليزي بيتر أكرويد، في مقالة له في الملحق الصحافي لجريدة «الأوبزرفر» البريطانية، أن إليوت لم يكن لدى تعرفه بهايوود قد اختبر بعد أي تجربة جنسية فعلية، وأنه كان يفتقر حينها إلى النضج الوجداني، في حين كانت فيفيان تفتقر إلى الاتزان العاطفي والعقلي. أما الناقد الإنجليزي أوزبرت ستويل فيعتبر أنها كانت «أقرب إلى الحيوية منها إلى الجمال، كما كانت شديدة الوعي بذاتها وبالآخرين، ويقظة إلى درجة الحساسية المفرطة. كما كانت تميل إلى ارتياد المسارح وإلى الرقص على موسيقى الفونوغراف». وإذ وصفها بعض أقارب إليوت بأنها شخصية مبهجة وجذابة وحساسة إزاء الجمال، فقد اعتبر ستويل أنها بدت في نظر إليوت، رغم مساواتها له في السن، تجسيداً ملموساً لانطلاقة الشباب وجرأته.
ولما كان والدا فيفيان، تشارلز وروز هايوود، ينتميان إلى طبقة ميسورة، ويجسدان الطابع الإنجليزي بامتياز، فقد وجد إليوت نفسه منجذباً بكليته إلى جو العائلة، وإلى ابنتها فيفيان التي وصفها البعض بأنها كانت مصدر إلهامه الشعري، ووصفها البعض الآخر بأنها كانت مصدر عذابه الدائم، في حين ذهب البعض الثالث إلى أنها كانت مزيجاً من كلا الأمرين. غير أن من يقرأ يوميات فيفيان، وبخاصة تلك المكتوبة قبل لقائها بإليوت بعام واحد، يتبين له أنها كانت تعاني من مرض في الأعصاب يجعلها معرضة لنوبات من القلق والكآبة حيناً، ولنوبات من المرح والابتهاج بالحياة حينا آخر. وعندما التقى بها برتراند رسل، وقد كان أستاذاً لإليوت في مادة الفلسفة، وصفها بأنها «خفيفة ومغامرة وسوقية على نحو ما».
والواضح من سياق السيرة، أن صاحب «رباعيات أربع» لم يكن قد عرف عن الشابة التي اقترن بها، سوى الوجه المتعلق بمكانة عائلتها الاجتماعية المرموقة، مع الإشارة إلى أن الأب كان رساماً موهوباً في مجال البورتريه والمناظر الطبيعية. أما حالتها المرضية ومشكلاتها العصبية التي كانت تسبب لها صداعاً حاداً وتقلصات في البدن وفقدان التوازن، فلم يكتشفها إليوت، وفق كتّاب سيرته، إلا بعد الزواج. واللافت هنا أن أياً من والدي فيفيان لم يعمد إلى اطلاع الشاب الخجول والمفتقر إلى الخبرة العاطفية، الذي كانه إليوت، على وضع الابنة الصحي، علماً بأن أطباءها كانوا يحقنونها بالمورفين حين يشتد بها الألم، وكانت أمها تخشى أن يكون ما تعاني منه نوعاً من الهستيريا أو الجنون. وحيث لم يتردد والدا فيفيان في الموافقة على زواجها من إليوت، الذي رأيا فيه نموذجاً للتهذيب والسلوك المؤدب، فإن والدي هذا الأخير أظهرا، وقد بوغتا بالحدث، الكثير من الامتعاض وعدم الارتياح. وإذ تمنيا على ابنهما العودة مع زوجته الشابة إلى أميركا ومواصلة دراساته العليا في هارفارد، رفضت فيفيان فكرة السفر، بحجة أن الغواصات الألمانية التي كانت تذرع المحيط في فترة الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تعرّض الزوجين لمخاطر غير محمودة العواقب. ومع أن والد إليوت لم يكن راضياً عن خطوة ابنه المتسرعة وغير المحسوبة، فهو لم يشأ أن تسود القطيعة بينهما بشكل كامل، ولم يوقف المعونة المالية التي كان يمده بها بشكل دوري. أما أمه التي كانت شديدة التعلق به، فقد كان رد فعلها أكثر عصبية وتوتراً من رد فعل الأب. لكن المحزن في الأمر أن الشاعر الذي غادر منزل أبويه مغموماً ومحبطاً من تلك الزيارة، لم يقدّر له أن يرى أباه على الإطلاق بعد تلك الزيارة.
أما لحظات الهناءة التي عاشها الطرفان في بداية اقترانهما، فقد بدأت، وفق بيتر أكرويد، تخلي مكانها للعديد من تباينات الأعماق التي أتاح لها واقع الحياة اليومية الظهور على السطح. إذ سرعان ما تبين أن الزوجة المفرطة في حيويتها الجنسية والعاطفية، هي النقيض الضدي للزوج «العذري» الذي جعلته نشأته المحافظة أسير الكثير من العقد والمفاهيم المتزمتة والرغبات المكبوتة. ومع أن ألدوس هكسلي، صديق الشاعر، كان يرى بأن فيفيان استطاعت، بما تمتلكه من عوامل الإثارة والاندفاع الغريزي نحو الحياة، أن تدفع الزوج إلى مجاراتها في كل ما تفعله، إلا أن تلك المجاراة ما لبثت أن أعطت مفعولها العكسي، متسببة بتعاسة الشاعر وانشقاقه على نفسه، بعد أن بدت مفتعلة ومتكلفة، وبعيدة عن طبيعته الأصلية.
على أن الصعاب المختلفة التي واجهت الزوجين، لم تثن إليوت عن محاولة إنقاذ وضعهما المترنح، مؤثراً الابتعاد عن عائلة زوجته والسفر إلى إيستبورن، على أمل أن ينعما هناك بالراحة والهدوء. لكن الرحلة تلك بدت أشبه بشهر عسل زائف، كما عبّر برتراند رسل، الذي وصله من فيفيان رسالة قانطة وصفها لاحقاً بأنها تشبه إلى حد بعيد الرسائل التي يتركها اليائسون خلفهم قبل أن يُقدموا على الانتحار. وفي قراءته الشخصية لتدهور العلاقة بين الزوجين، رأى رسل، الذي اعترف في وقت لاحق بخيانة صديقه الأثير عبر دخوله في مغامرة عاطفية قصيرة مع هايوود، بأن مردّ ذلك التدهور هو نظرتهما المتباينة إلى الشهوة الجسدية، الأمر الذي دفع إليوت إلى اعتبار الفعل الجنسي شكلاً من أشكال العنف والفعل العدائي. والأرجح أن هذا الخلل المطرد في علاقة الزوجين، هو الذي دفع بعض الدارسين إلى الحديث عن ضعف الشاعر الجنسي، والبعض الآخر إلى الحديث عن نزوعه المثلي، في حين عمد البعض الثالث إلى نفي الأمرين معاً، معتبرين أن السبب الفعلي لابتعاده عن الفراش الزوجي، هو نفوره من شراهة زوجته الجنسية من جهة، والتفاقم المأساوي لحالتها العصبية والعقلية من جهة أخرى. وإذا كان الشعر في دلالاته العميقة هو الترجمة الأصدق لخلجات النفس، فإن إليوت يعبّر في بعض قصائده عما ينتابه إزاء رغبات الجسد وغرائزه المتأججة من عُقد وكوابيس ففي قصيدة له بعنوان «أنشودة»، نشرها عام 1920 ولم يعد إلى نشرها في أي من دواوينه، يتحدث إليوت عن عريس شاب يرى دماً على فراش عروسه ليلة الزفاف، فيصاب بنوع من الفوبيا الشديدة ويتخيلها منزوعة الأحشاء. وفي قصيدة أخرى له بعنوان «هستيريا»، يتحدث عبر أنا المتكلم، عن امرأة غير سوية تضع رجلاً على المائدة، هو إليوت بالذات، ثم تشرع في التهامه بشكل وحشي.
وإذا كان للمرء في هذه الحالة أن يتساءل عن السبب الحقيقي الذي جعل ت. س. إليوت، الذي تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية عام 1927، يرضخ لذلك الواقع المزري لثلاثة عقود من الزمن، فإن الإجابة عن مثل هذا التساؤل المشروع تنقسم إلى قسمين اثنين، يتصل أولهما بتكوين الزوج النفسي والسلوكي، الأقرب إلى التسليم الديني والقدري بالواقع، في حين يتصل الثاني بالنتاج الإبداعي، وبالشعر على نحو خاص، حيث تم تصعيد الألم والحزن الفرديين نحو مستويات أخرى تتعلق بانهيار الحضارة الغربية وتفريغ الإنسان من معنى وجوده الفعلي، كما يظهر من قصيدتي «الأرض الخراب» و«الرجال الجوف»، على سبيل المثال لا الحصر.
ومع أن إليوت قد آثر بعد مخاض عسير، الابتعاد التدريجي عن زوجته التي أثخنتها الأمراض، وصولاً إلى انفصال الطرفين الرسمي عام 1933، إلا أن متاعبه العاطفية والنفسية لم تتوقف على الإطلاق، إلا لحظة رحيلها عن هذا العالم عام 1947. وهو إذ عمد في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاة زوجته، إلى تجديد علاقته بإيميلي هيل، التي سبق أن أولع بها زمن شبابه الأول، إلا أنه لم يستجب لرغبتها الملحة في الزواج منه، دون أن تُعرف على نحو جلي الأسباب الحقيقية لذلك الرفض. غير أن القدر الذي شاء لإليوت، الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1948، أن يرزح تحت وطأة الألم والحزن والخواء العاطفي لعقود ثلاثة متلاحقة، لم يلبث أن وفر له الشعور بالراحة والأمان والحب الحقيقي، حين تزوج في سنوات حياته الأخيرة من سكرتيرته فاليري فلتشر. ورغم أن فلتشر كانت تصغره بثمانية وثلاثين عاماً، فهي قد استطاعت بما تختزنه في داخلها من حب وحكمة ونضج، أن تكون حتى لحظة وفاته عام 1965، ظهيره الفعلي وملاكه الحارس وصمام أمانه الأمثل، في الحقبة الفاصلة بين الكهولة والموت.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».