تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

ازدادت شعبيتها بعد ترجمتها إلى الإنجليزية

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي
TT

تسعة كتب نالت الشهرة ببطء

عبد الرزاق قرنح  -  نجيب محفوظ  -  فاسيلي غروسمان  -  موراكامي
عبد الرزاق قرنح - نجيب محفوظ - فاسيلي غروسمان - موراكامي

- «الغابة النرويجية»، لهاروكي موراكامي
أحدثت رواية هاروكي موراكامي الخامسة، «الغابة النرويجية»، ضجة في اليابان عندما صدرت للمرة الأولى سنة 1987. وبرغم نجا حها، لم تكن متوفرة باللغة الإنجليزية على نطاق واسع حتى سنة 2000، لكن قلة من الأشخاص خارج بلد المؤلف كانوا قد سمعوا عنها إلى حين صدور بعض مؤلفاته الأخرى لاحقا باللغة الإنجليزية. ويُقال إن الناشرين الأميركيين افترضوا في البداية أن «الغابة النرويجية» لن تحظى بقبول جمهور واسع. لكن بمجرد أن ظهرت أخيرا في العالم الناطق بالإنجليزية، كانت الضجة في كل مكان، وانتهى بها المطاف إلى بيع ملايين النسخ عالميا.
هذا مجرد مثال واحد لظاهرة معروفة: والواقع أن بعض الكتب والمؤلفين تُقرأ على نطاق واسع في الخارج، ولكنها تجد شعبية في الأسواق الأميركية بعد عقود من الزمان فقط.

- «لماذا هذا العالم؟» لبنجامين موسر
كتاب بنجامين موسر عن سيرة الكاتبة البرازيلية، الأوكرانية المولد، «كلاريس ليسبر» سنة 2009 بعنوان «لماذا هذا العالم؟»، ساعد على إطلاق مشروع لإعادة ترجمة أعمالها إلى اللغة الإنجليزية. رغم أن الروائي التنزاني «عبد الرزاق قرنح» يكتب باللغة الإنجليزية بالأساس، فإن الكاتب لم يكن معروفا بشكل كبير بالنسبة للجمهور الأميركي قبل فوزه بجائزة نوبل في الأدب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برغم أنه كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر سنة 1994 ونشر 10 روايات. والآن، هرعت دار النشر الأميركية «ريفرهيد» للاستحواذ على بعض عناوين روايات قرنح الجديدة والقديمة، مثل «الهروب» (2005)، و«بحر» (2001)، وسوف تُنشر روايته الأخيرة «بعد الحياة» في الولايات المتحدة بعد عامين فقط من إصدارها الأولى. أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي قط.
العناوين التسعة المعروضة أدناه هي مجرد بعض من الكتب الكثيرة التي مضت لتعيش نوعا من حياة ثانية في الترجمة الإنجليزية بعد بروزها الأول أو إنجازها بلغة أخرى. وتدين الطبعات المتأخرة بالكثير للعاطفة المتفانية لدى المترجمين والناشرين - لكن، كما جرى تذكيري أثناء البحث في هذه المقالة - ربما كان من حسن الحظ أيضا.

- ثلاثية نجيب محفوظ
كانت جائزة نوبل في الأدب لمحفوظ سنة 1988، هي أول جائزة يفوز بها مصري أو عربي. وصدرت الثلاثية كاملة للمرة الأولى باللغة العربية سنة 1957، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية بين عامي 1990 و1992. وتتبع الرواية المؤلفة من ثلاثة أجزاء ثلاثة أجيال من عائلة «السيد أحمد عبد الجواد» خلال الصعود المضطرب للهوية الوطنية المصرية، بدءا من السنوات السابقة على سقوط الإمبراطورية العثمانية. البنية المعمارية لمنزلهم ذات الطوابق المختلفة هي رمز لعلاقاتهم الاجتماعية، إما مفتوحة أو هي محظورة على بعض أفراد الأسرة (سيما النساء). هذا التراتب الهرمي يتجلى في إيقاعات تقاسم الوجبات والمناقشات السياسية، بما في ذلك الآيديولوجيات التي تشعل أحيانا الثورات.
يركز محفوظ على شخصية «أمينة»، الأم، رئيسة الأسرة، كصورة مصغرة لعقود من التغيير. وفي رواية «السكرية»، ثالثة الثلاثية، تلتصق النساء سويا حول دفء الموقد في يوم بارد من يناير (كانون الثاني) القارس، ورغم استمرار الطقوس الخاصة بساعة القهوة العائلية، فإنها ينتابها التغيير الواضح إثر الاضطرابات في السنوات الماضية: إذ تبقى بعض الكراسي فارغة.
«الصدور والبيض»، لميكو كواكامي لأي مدى يتحكم الجسد في وجود المرأة؟ يبحث كواكامي في رواية «الصدور والبيض» في قضية الأنوثة، بالإضافة إلى فحص الذات، والحكم الخارجي الذي يلهمه. ثلاث نساء من الطبقة العاملة يجتمعن في طوكيو: «ماكيكو»، أم لابنتها المراهقة تقريبا، و«ميدوريكو»، التي تزور أختها الصغرى وخالة «ميدوريكو»، و«ناتسوكو»، وهي فتاة غير متزوجة بالغة من العمر 30 عاما، وتعاني لاحقا من عدم الإنجاب وتحديد مكانتها في المجتمع. إنهن يواجهن العذاب الداخلي. تُبحر ناتسوكو في أوجاع عائلتها الماضية والحاضرة، فنرى ماكيكو، التي تواجه الشيخوخة وعدم الأمن، تفكر في تكبير ثدييها، بينما صامت ميدوريكو، التي لجأت إلى مذكراتها، عن الكلام وقد أرهقتها أعباء المراهقة العاطفية. ينقل كواكامي الأخوية، والتضحية، والتوترات بين الأجيال إلى علاقة حميمة مثيرة للمشاعر في الجزء الأول من الرواية، عبر ملاحظات تبدو ملطفة للأجواء. «ماذا يمكن أن نصنع بالبيض فقط؟» تسأل إحدى الشخصيات، وهي تتفقد الثلاجة أمامها. يمكن صناعة الكثير بالبيض كما يتضح. توسعت الرواية من نسختها القصيرة سنة 2008 إلى رواية كاملة من جزأين، ونُشرت باللغة الإنجليزية سنة 2020، ثم تتباطأ وتيرة رواية «الصدور والبيض» مع انتقال ناتسوكو من الوساطة في الصراع بين شقيقتها وابنة أخيها إلى الاهتمام بأحلامها المكبوتة. وهذا، على نحو مفهوم، يستلزم جهدا كبيرا ومزيدا من التصميم.

- رواية «التألق والشروق»، للوبي ك. سانتوس
ظهرت رواية «التألق والشروق» في البداية في شكل كتاب سنة 1906، وتُرجمت إلى الإنجليزية سنة 2021. لقد كتب سانتوس، المؤلف البارز، والمترجم، والسيناتور في الفلبين، رواية متأثرة بالحياة إبان الحرب الفلبينية الأميركية أثناء تبنيه آيديولوجيات يسارية نشطة في ذلك الوقت، وكان مشاركا في أول اتحاد نقابي حديث في البلاد، «الاتحاد الديمقراطي الفلبيني».
في قصة الحب هذه، والتي تبدو وكأنها نشرة سياسية، تقاسم الصديقان ديلفين وفيليب، المشاعر السلبية والإيجابية عبر مجريات الحياة اليومية. فالأولى اشتراكية، والثاني فوضوي. ولا تتواءم أفكارهما على الدوام، وهما يناضلان لإقصاء الرأسمالية عن حياتهما، لا سيما عندما تؤدي لتعقيد علاقاتهما.

- «ثلاثية كوبنهاغن: الطفولة والشباب والتبعية»، لتوف ديتليفسن «الطفولة طويلة وضيقة كالتابوت، ولا يمكنك مغادرتها من تلقاء نفسك»، هذا ما كتبته توف ديتليفسن في الجزء الأول من الثلاثية بعنوان «الطفولة» في كوبنهاغن. وكانت المجلدات الأولى من مذكراتها قد نُشرت سنة 1967 قبل 9 سنوات من وفاتها انتحارا، ورغم ذلك لم تُنشر ترجمتها الإنجليزية الكاملة إلا في سنة 2019. في البداية تسعى المؤلفة إلى فهم المغزى من الحياة في الوقت الذي تواجه فيه وصمة الفقر، ثم يعلو صوت «الشباب» الرافض للسقوط في مثل هذه الورطة. تتوق ديتليفسن كثيرا إلى الحرية، حتى وهي تتأرجح بين الالتزام بالقواعد الراسخة والتخلي عنها.

- «الحياة والمصير» لفاسيلي غروسمان
يوضح كتاب «الحياة والمصير»، الذي ألفه غروسمان، الطبيعة الغريبة للحرب في حالة نثرية جاذبة، ورائعة، ويقدم رواية واقعية لا مثيل لها عن معركة ستالينغراد بين عامي 1942 و1943. لقد أتم تأليف الرواية سنة 1959، في أعقاب ما بعد الستالينية، وتضم شخصيات الرواية عائلة «شابوشنيكوف» و«شتروم»، فضلا عن الجنود الألمان والسوفيات والمثقفين والناس العاديين. إن مصائرهم الفردية متشابكة ومرتبطة ببقاء المدينة، والشخصيات السوفياتية عالقة ما بين الدفاع عن بلادها ودعم نظامها السفاح. وبرغم وجود تلميحات على الانفتاح السياسي في نهاية الخمسينات فإن إدانة «الحياة والمصير» للفظائع التي أقرتها الدولة تجاوزت الحدود؛ وقد صادرت الاستخبارات السوفياتية مسودة رواية غروسمان أثناء عرضها على الناشرين. وتمكن أصدقاء له من تهريب نسخة خفية من المسودة إلى سويسرا، حيث نُشرت الرواية أخيرا سنة 1980، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية سنة 1985. حقيقة الرواية مستمدة من الوضوح الأخلاقي الاستثنائي لمؤلفها. ولأنه صحافي، شهد غروسمان بنفسه على مجازر لا يُسبر غورها، وكتب تقارير مبكرة عن الجرائم النازية. ومع ذلك، لم يتمكن غروسمان من إنقاذ والدته من بيرديشيف في أوكرانيا، حيث قتلها النازيون مع ما يقرب من 30 ألف يهودي آخرين.

- «كتابات مختارة» لنمرود
نشر الكاتب «نمرود»، المولد في تشاد، أكثر من 20 كتابا باللغة الفرنسية منذ 1989، ونال جائزة «إدوار غليسان» وجائزة «أبولينير» الشعرية، من بين امتيازات أدبية أخرى بالفرنكوفونية. وقد أشرفت «فريدا إكوتو»، أستاذة الأدب في جامعة ميشيغان، على نشر معظم نصوص «نمرود» المثيرة للعواطف والذكريات سنة 2018 مما جعلها متاحة للجمهور الناطق بالإنجليزية للمرة الأولى. يستكشف نمرود من خلال هذه المقالات، والقصص القصيرة، والقصائد ما إذا كانت اللغة الفرنسية يمكن أن تجسد العواطف والرغبات والحب في عالم ما بعد الاستعمار.
«الطريق إلى المدينة والقلب الجاف» لناتاليا جينزبورغ
تُرجمت هذه الرواية للمرة الأولى من الإيطالية بعد بضع سنوات من نشرها في أربعينات القرن الماضي، ثم أعيد نشرها مؤخرا سنة 2021، وهي عبارة عن حكايات الرغبة المعقدة واكتمال الأنوثة في سن الرشد ما بين قوسي: الزواج والأمومة. وفي هذه الأقاصيص المترابطة، التي نُشرت بين دفتي كتاب واحد، تتوق شخصيات الرواية إلى المعنى والحب المتبادل. إحداهما تحمل طفلا بلا زواج، وتصارع الأخرى للحفاظ على زواجها السعيد مع زوجها البارد عاطفيا. وتُغري المدينة السيدة الأولى، في حين تعيش الثانية حياة منعزلة في ضواحيها. والمؤلفة ناتاليا جينزبورغ صوت أدبي ظهر في إيطاليا الأربعينات والخمسينات، وقد شغلها موضوع الخيانة وعواقبها، وطرحت أسئلة عما إذا كان على النساء المطالبة بالمزيد بدلا من الاستقرار.

- «مذكرات براس كوباس بعد وفاته» لماشادو دي أسيس
كان الكاتب البرازيلي «ماشادو دي أسيس» من فترة أواخر القرن التاسع عشر، متقدما بشكل حاسم على زمانه لما أعاد تفسير الشخصية الرئيسية في روايته «مذكرات براس كوباس بعد وفاته»، التي ألفها سنة 1881. وتُرجمت إلى الإنجليزية في السنوات 1952 و1955، و1997، مع ترجمتين جديدتين ظهرتا سنة 2020، في كتاب ينضح بروعة الحداثة. كان براس كوباس، الشخصية المتوفاة، قد ولد سنة 1805، ولم يبلغ النعمة أو المجد في حياته قط.

- «الحرفيون: قرية صينية متلاشية» لشين فويو
تتسع محبة شين فويو لقريته التي يبلغ عمرها 600 عام في جنوب شرقي الصين، كمثل سعيه للحفاظ على ذكريات الأسرة. إنها مهمة ملحة بالنسبة لمؤلف أكثر من 12 كتابا يعيش في باريس، ذلك لأن أسلوب حياة قريته يتلاشى بمرور الأيام بصورة مؤلمة. وفي كل مرة يعود إلى القرية، يلاحظ أن المزيد من المنازل ينالها التدهور، وأن القرية يجري «تطويرها» بوتيرة مقلقة. وعبر هذا التحول السريع، يمثل الحرفيون طبقة متلاشية. يرسم شين فويو لوحة اجتماعية وعاطفية لمكان على مدى قرن كامل من الزمان.

خدمة: «تريبيون ميديا»



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.