هل اقتنعت واشنطن بأخذ مخاوف جيران اليمن في الاعتبار؟

مشاورات الرياض تفتح صفحة جديدة

المبعوث الأميركي لليمن متحدثاً مع «الشرق الأوسط» خلال المشاورات اليمنية - اليمنية في الرياض مطلع أبريل الحالي
المبعوث الأميركي لليمن متحدثاً مع «الشرق الأوسط» خلال المشاورات اليمنية - اليمنية في الرياض مطلع أبريل الحالي
TT

هل اقتنعت واشنطن بأخذ مخاوف جيران اليمن في الاعتبار؟

المبعوث الأميركي لليمن متحدثاً مع «الشرق الأوسط» خلال المشاورات اليمنية - اليمنية في الرياض مطلع أبريل الحالي
المبعوث الأميركي لليمن متحدثاً مع «الشرق الأوسط» خلال المشاورات اليمنية - اليمنية في الرياض مطلع أبريل الحالي

(تحليل إخباري)
عندما عيّن الرئيس الأميركي جو بايدن في 4 فبراير (شباط) عام 2021 الدبلوماسي المخضرم تيم ليندركينغ، مبعوثاً خاصاً لليمن، اتخذ أيضاً قرارات عدّها مراقبون تشير إلى نية إدارته إعطاء الأولوية لحل النزاع دبلوماسياً.
لكن تعيينه أُرفق أيضاً بقرار رئاسي يزيل الحوثيين من قائمة الإرهاب، في عودة عن قرار سلفه دونالد ترمب، الذي رأت إدارته في أيامها الأخيرة، أن هذا التصنيف هو جزء من حملة الضغوط القصوى التي كانت تفرضها على إيران، الراعي الأكبر لهذه الجماعة. وأيضاً محاولة لقطع الطريق على الميول القديمة- الجديدة، للإدارة الديمقراطية المقبلة، لتجديد الاتفاق النووي معها، عبر الإشارة إلى أن أي اتفاق لا يعالج أدوار إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار، لا يمكنه أن يقدم حلاً للمشكلات التي تعانيها المنطقة.
- ردود ملتبسة
بعيداً عن الجدال السياسي، الذي لا يزال، وسيبقى دائراً، بين الديمقراطيين والجمهوريين، حول المقاربة الأنجح لمعالجة ملف الحرب في اليمن. فالسؤال الذي لا يزال مطروحاً اليوم، هو عمّا إذا كانت تلك القرارات تشكل قطيعة مع سياسة كل من الإدارتين السابقتين لإدارة بايدن؟ لكن في حقيقة الأمر، البعض يرى أنها لا تزال استمراراً لعملية تغيّر بطيئة بدأت في الأشهر الأخيرة من عمر إدارة أوباما، وتابعت نموها خلال عهد ترمب، لتصل إلى حالتها الراهنة مع قرارات بايدن.
ويبدو أن واشنطن قد تكون اقتنعت بضرورة اعتماد مقاربة سياسية تأخذ في الاعتبار مخاوف جيران اليمن. تجوّل المبعوث الأميركي في المنطقة 3 أسابيع وشملت جولته دولاً عدة. الخارجية الأميركية وصفت الجولة بالناجحة، نظراً لتزامنها مع الإعلان عن تشكيل مجلس رئاسي يمني.
وتدعم واشنطن المبادرات السلمية التي ما انفكت تطرحها تلك الدول، خصوصاً السعودية، لإظهار الطرف المسؤول عن عرقلة التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
وتعتقد الخارجية الأميركية أن جولة ليندركينغ أسفرت عن نتائج ملموسة لتحسين حياة اليمنيين، وتعزيز السلام، إذ دعمت الولايات المتحدة جهود الأمم المتحدة لتأمين هدنة لمدة شهرين بدأت في الثاني من أبريل (نيسان) المنصرم، لتوفير إغاثة فورية لليمنيين من خلال تسهيل حركة الأشخاص والبضائع، بما في ذلك الوقود. وحث المبعوث الخاص ليندركينغ في لقاءاته اللاحقة الأطراف على الالتزام بشروط الهدنة التي حددتها الأمم المتحدة لتمهيد الطريق لحل دائم للصراع يكون قابلاً للاستمرار.
في الأثناء، يواصل بعض أعضاء الكونغرس الأميركي الإعراب عن اهتمامهم بإنهاء الصراع، رغم الانقسامات الحزبية، حول من يجب تحميله مسؤولية الحرب في اليمن؟ وهو ما أعاق قدرة الكونغرس على فرض قيود إضافية على سياسة الولايات المتحدة، خصوصاً تجاه الموقف من احتمال العودة إلى الاتفاق النووي، الأمر الذي يُلقي مسؤولية حل الصراع اليمني، على عاتق البيت الأبيض أكثر من الكونغرس.
ونشر الكونغرس الكثير من الوثائق لشرح دوره في تشكيل سياسة الولايات المتحدة تجاه الصراع في اليمن، وقدم مقترحات تعكس أولوياته، من مراقبة أنشطة القوات المسلحة الأميركية المتعلقة بالنزاع؛ والدعم اللوجيستي والمادي والاستشاري والاستخباري الأميركي للتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية؛ والموافقة على مبيعات الأسلحة الأميركية إلى السعودية والإمارات أو رفضها أو اشتراطها؛ وتخصيص الأموال للعمليات الأميركية لدعم تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية؛ إلى جانب المطالبة بزيادة وصول المساعدات الإنسانية إلى اليمن؛ والدعوة إلى إجراء تقييم حكومي أوسع لسياسة الولايات المتحدة تجاه اليمن ودعم الولايات المتحدة لأطراف النزاع؛ فضلاً عن طبيعة ومدى التعاون بين الولايات المتحدة والسعودية في مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني على الحدود؛ ودور إيران في إمداد جماعة الحوثي بتكنولوجيا الصواريخ والأسلحة الأخرى.
- تغيرات ميدانية وسياسية
التطورات الأخيرة التي نجمت عن دعوة مجلس التعاون الخليجي، الأطراف المتحاربة لإجراء محادثات في الرياض، شكّلت منعطفاً، ينبغي البناء عليه، على الرغم من رفض الحوثيين المشاركة. وبدلاً من ذلك، شنّوا سلسلة ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ على محطات للغاز الطبيعي وتحلية المياه في السعودية، فضلاً عن الهجمات غير المسبوقة التي تعرضت لها دولة الإمارات، بطائرات مسيّرة، كان من الواضح أن الذي يقف وراءها إيران، نظراً لتعقيداتها اللوجيستية، رغم تبني الحوثيين لها. وأحدثت المشاورات اليمنية - اليمنية التي رعاها المجلس، اختراقاً في الجمود السياسي، خصوصاً أنها جاءت في ظروف دولية وإقليمية، وجهود أممية نجحت في ترتيب هدنة عسكرية لمدة شهرين، قابلة للتجديد، رغم الخروقات الحوثية. كما بدا أن واشنطن تأخذ في الاعتبار أن غياب الحوثيين سيكون تفصيلاً، في ظل الدعم الذي تقدمه مع القوى الدولية، للجهود التي يبذلها المبعوث الأممي، لمشروع استعادة الدولة اليمنية.
فالوضع الميداني تغير جذرياً بعد وقف اندفاعات الحوثيين شرقاً وصولاً إلى مأرب وتقدُّم القوى الشرعية على الساحل الغربي وصولاً إلى الحديدة. كما أن انضمام قوى سياسية يمنية عدة إلى عضوية المجلس الرئاسي، على رأسها حزب المؤتمر الشعبي العام، وتجمع الإصلاح، والمجلس الانتقالي الجنوبي، عُدّ تغييراً كبيراً في ميزان القوى الداخلي. وهو ما أنتج في نهاية المطاف ليس فقط تغييراً لدى اليمنيين، بل تغييراً أميركياً في مقاربة الأزمة اليمينة، عبر الإشارة إلى الجهة التي تتحمل المسؤولية عن إطالتها، في ظل براغماتية أميركية، لمعالجة سوء العلاقة التي سببتها سياساتها، مع حلفائها وشركائها في المنطقة. وهو ما عكسته الجهود الأخيرة التي شارك فيها بشكل مباشر المبعوث الأميركي ليندركينغ، إلى توضيح التوازنات اليمنية التي ينبغي أن تُبنى عليها أي تسوية سياسية.
- مشاورات الرياض
رغم أن الجميع يسلّم بأن التحديات لا تزال كبيرة، إلّا أن ما انبثق عن مشاورات الرياض والإجماع الشعبي اليمني، يؤسسان لواقع جديد، يزيل الالتباسات التي لطالما استغلها «صقور كثر» في واشنطن. فاتهام السعوديين بعرقلة الحلول السلمية بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان، على الرغم من التغييرات العميقة التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، بات يحتاج إلى الكثير من أدوات الإقناع التي يستخدمها المشككون للنيل من دورها في المنطقة. ولعل المبعوث الأميركي ليندركينغ، مدركٌ لهذه المتغيرات، وقد يكون ساهم في إقناع المتشككين، بأهمية موقع السعودية الحيوي والضخم، في المعادلات الإقليمية والدولية. فالمملكة تدرك من خلال رعايتها الأخيرة للحوار اليمني، أن الحل في اليمن سياسي وليس عسكرياً.
اليوم، ومع تراجع الحرب ضد الإرهاب، بعد تدهور كل من تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية و«داعش» في اليمن، نتيجة الضربات الأميركية، بالتعاون مع دول المنطقة، بات من الطبيعي التساؤل عن طبيعة السياسة الأميركية المجدية، لمعالجة مشكلات اليمن. فالتهديد الأكبر للإرهاب هو ما قد يأتي بعد انتهاء الحرب الأهلية. يقول بعض المحللين إن سنوات من الحرب تركت البلاد من دون أي حكم فعال، وكثير من الذين حاربوا الحوثيين، هم من الشباب مدفوعين جزئياً بمخاوف دينية أو طائفية، وقد ينضمون إلى الجماعات المتطرفة العنيفة بعد انتهاء الحرب الأهلية. وهذا قد يترك اليمن عرضة لعودة ظهور «القاعدة» أو تنظيم «داعش» أو الجماعات المتطرفة الأخرى.
ويوضح بيان الخارجية الأميركية الذي صدر في أعقاب زيارة تيم ليندركينغ الأخيرة التي شملت المملكة العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، أن الولايات المتحدة «ترحب بتأسيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، وتحث هذا الأخير على تعزيز الجهود الشفافة والشاملة بقيادة يمنية لإصلاح الحكومة، بغرض ضمان تلبيتها لاحتياجات كل المواطنين وتلبية مطالباتهم بالعدالة والمساءلة والتعويض عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان، بالشراكة مع المجتمع المدني اليمني وأفراد المجتمعات المهمشة». وحث البيان مجلس القيادة على العمل بشكل وثيق مع رئيس الوزراء وحكومته لتعزيز الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي في أقرب وقت ممكن، حتى يتمكن اليمنيون من الاستفادة من الفوائد الملموسة للإصلاحات الأخيرة. وأضاف البيان أن الخارجية الأميركية رحبت بتعهد كل من «المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بتقديم مليار دولار كدعم اقتصادي للبنك المركزي اليمني، وتعهد المملكة العربية السعودية بتقديم مليار دولار لمشاريع التنمية ودعم الوقود، بالإضافة إلى 300 مليون دولار لخطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة». وأكدت «الخارجية» أنه يجب الاستفادة من هذا الزخم الإيجابي والفريد من خلال تأمين وقف دائم للقتال وعملية سلام متجددة وشاملة. فاليمنيون يعبّرون للمرة الأولى منذ سنوات، عن تفاؤل حذر نتيجة الخطوات البناءة في الأسابيع الأخيرة. ودعت جميع أطراف النزاع للاستجابة لمطالب اليمنيين بالسلام من خلال اختيار الحوار بدل الدمار والتعاون مع جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.