باسيل يقاتل في الانتخابات بـ«عضلات» «حزب الله»

(تحليل إخباري)

TT

باسيل يقاتل في الانتخابات بـ«عضلات» «حزب الله»

يبقى الخلاف الذي اندلع بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري، على خلفية إخلال الأول بالتوازن الطائفي في تعيين رؤساء غرف محاكم التمييز، تحت سيطرة «حزب الله» الذي يتولى حالياً مهمة ضابط الإيقاع بين «حليفيه اللدودين» أسوة بمهمة مماثلة يتولاها بين زعيم تيار «المردة» سليمان فرنجية وبين رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي يستقوي بحاجة الحزب إلى حليف مسيحي يوفر له الغطاء السياسي لسلاحه في الداخل في ضوء تصاعد الحملات عليه من خصومه الذين أدرجوا سلاحه كبند أساسي في برامجهم الانتخابية.
فباسيل يستقوي في مواصلته لحملاته على الرئيس بري بعضلات «حزب الله» وهو يحاول توظيفها في الشارع المسيحي لعله، كما يقول مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط»، يستعيد جمهوره في الشارع المسيحي بعد أن أخذ يتراجع ليتمكن من إعادة تعويم نفسه، برغم أنه يدرك أنه يسعى للتعويض عن خسارته لعدد من المقاعد النيابية بضمان فوز تياره السياسي بمقاعد رديفة في الدوائر الانتخابية ذات الثقل الشيعي فيها لثنائية «حزب الله» وحركة «أمل».
كما أن باسيل يجيز لنفسه، كما يقول المصدر السياسي، ما لا يجيزه لغيره باعتماده على صوت الناخب الشيعي في دوائر بعلبك - الهرمل، زحلة، البقاع الغربي - راشيا، بيروت الثانية وصولاً إلى بعبدا - المتن الجنوبي لردم الهوة الانتخابية التي يمكن أن يتضرر منها بتمرد الحرس القديم في «التيار الوطني» على باسيل واستعداده لخوض المعركة الانتخابية على لوائح بعضها يتشكل من القوى الثورية والتغييرية.
ناهيك أن باسيل يحاول حشر «حزب الله» في الزاوية بذريعة أنه الحليف المسيحي الوحيد له، وأن لا مصلحة للحزب بالتفريط بعلاقته به؛ لأن البديل سيكون حزب «القوات اللبنانية» الذي يخطط الحزب لمحاصرته باعتباره يشكل رأس حربة في تصديه لسلاحه في الداخل، مستقوياً في نفس الوقت بتناغم رئيس الجمهورية ميشال عون مع مواقفه التصعيدية؛ لأنه يؤمن له استمرارية إرثه السياسي فور انتهاء ولايته الرئاسية.
ويؤكد المصدر نفسه أن رد المعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل على رئيس الجمهورية، الذي اتهم الثنائي الشيعي بتعطيل جلسات مجلس الوزراء وبعرقلة التحقيق القضائي في انفجار مرفأ بيروت، يبقى تحت سقف احتفاظه بربط النزاع مع عون وفريقه السياسي لتقطيع الفترة الزمنية الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية في 15 مايو (أيار) المقبل، وبعد إنجاز هذا الاستحقاق لكل حادث حديث.
ويلفت إلى أن مبادرة عون لـ«التحرش» سياسيا برئيس المجلس لن تُصرف في تعويمه لوضعه السياسي في الشارع المسيحي، ويقول إن رد الرئيس بري بلسان النائب خليل لن يبدل من واقع الحال الذي كان وراء تحالف الثنائي الشيعي مع «التيار الوطني» في الدوائر الانتخابية التي يطغى فيها صوت الناخب الشيعي.
ويرى المصدر السياسي أن حركة «أمل» وافقت بشق النفس على تحالفها مع «التيار الوطني» مراعاة منها لرغبة حليفها «حزب الله»، ويسأل: كيف يؤيد باسيل معظم ما قاله البطريرك الماروني بشارة الراعي في خطبته لمناسبة عيد الفصح، وهو من ضغط في الوقت نفسه لضم مرشحه إلى لائحة الثنائي الشيعي عن دائرة بعلبك - الهرمل ولم يعترض على برنامجها الانتخابي الذي يتناقض كلياً مع المواقف السيادية لبكركي.
ويتهم باسيل بالغوغائية وبازدواجية المعايير السياسية التي تسمح له من دون الآخرين بأن يجمع بين الأضداد تحت سقف واحد، من أجل الحصول على مقعد نيابي بأصوات الناخبين الشيعة كحاله في الدوائر الأخرى.
ويكشف أن الوجه الآخر لهجوم عون على بري من دون أن يسميه يتجاوز الشأن الانتخابي إلى رئاسة الجمهورية إدراكاً منه لموقف بري المسبق من ترشيح باسيل لرئاسة الجمهورية، وإن كان الأخير يحاول عبثاً استدراج رئيس المجلس للدخول في مقايضة تقوم على تجديد انتخابه رئيساً للبرلمان لولاية جديدة في مقابل تأييده لترشحه لرئاسة الجمهورية.
ويضيف المصدر نفسه أن باسيل وهو يخوض الانتخابات في عدد من الدوائر يراهن على الصوت الشيعي في الدوائر المحكومة بمنافسة انتخابية محصورة بالمرشحين المسيحيين، مع أنه أخفق في إقناع «أمل» بما لديها من فائض بتأييد مرشحه عن المقعد الماروني في البقاع الغربي - راشيا لأنها تصر على دعم نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي.
ويؤكد أن المنافسة في هذه الدائرة وإن كانت محصورة بين لائحة تحالف الوزير السابق حسن مراد مع مرشح «أمل» قبلان قبلان وآخرين، وبين لائحة تحالف النائب محمد القرعاوي مع زميله مرشح الحزب «التقدمي الاشتراكي» وائل أبو فاعور و«الجماعة الإسلامية» ومستقلين، إضافة إلى لوائح تضم مرشحين عن الحراك المدني، فإن للمنافسة طعما آخر يتمثل في المواجهة بين الفرزلي ومرشح «التيار الوطني».
ويجزم أن باسيل وإن كان يراهن على «حزب الله» بتهريب أصوات شيعية للائحته في جزين، فإن رهانه ليس محسوماً حتى الساعة بسبب التزام الحزب بدعمه للائحة التي يرعاها بري، إلا إذا عدل موقفه في حال أن لديه قناعة بأن فوز النائب إبراهيم عازار العضو في كتلة «التنمية والتحرير» بات محسوماً، ويسأل ما إذا كان باسيل توصل إلى قناعة بأن قانون الانتخاب الحالي لم يعد يضمن إلى حد كبير انتخاب النواب المسيحيين بالصوت المسيحي لقطع الطريق على طغيان الصوت المسلم في ترجيحه لكفة العشرات من النواب من غير المسلمين؟
وعليه، فإن لبنان وإن كان يقف حالياً أمام مرحلة انتقالية استعداداً للانتقال إلى مرحلة ما بعد إنجاز الاستحقاق الانتخابي وعلى جدول أعمالها تشكيل حكومة جديدة يليها انتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً لعون، فإن باسيل يذهب بعيداً في وضع «حزب الله» أمام خيارين: إما الرضوخ لابتزازه للاستجابة لمطالبه أو البحث عن بديل مسيحي ليس في متناول اليد، ما دام أن القوى المسيحية الأخرى تتموضع على الضفة السياسية المناوئة للحزب وتصر على موقفها الرافض لسلاحه الذي يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة على كامل أراضيها، كما يقول المصدر السياسي، لأن من دونها لا يمكن تحقيق الإصلاحات من جهة، وضبط الحدود اللبنانية لمنع التهريب من جهة ثانية.
فـ«حزب الله» وإن كان يمتلك فائض قوة، فإن حليفه «التيار الوطني» لم يعد قادراً على مواجهة خصومه في الشارع المسيحي، وهو يدفع حالياً الثمن السياسي الذي يضطره لمطالبة حليفه بتعويض يبدأ من الانتخابات النيابية وينتهي بدعم ترشح باسيل للرئاسة، مع أنه يدرك سلفاً أن الأبواب المحلية أو الخارجية باتت مقفلة أمام تحقيق مبتغاه.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».