طالب الرفاعي: أبقى على مسافة من أبطال رواياتي وأتابعهم كأي قارئ

أصدر روايته الأخيرة «خطف الحبيب» بالتزامن في 15 عاصمة عربية

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
TT

طالب الرفاعي: أبقى على مسافة من أبطال رواياتي وأتابعهم كأي قارئ

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي

هل كانت بدعة أم حرصاً على التواصل الأوسع، أن يصدر الروائي الكويتي طالب الرفاعي روايته الجديدة «خطف الحبيب» في 15 عاصمة عربية في وقت واحد وبالتزامن؟ هذا الأمر الذي فاجأ الكثيرين يراه الرفاعي طبيعياً ومحاولة مشروعة لكاتب في إيصال روايته إلى القراء العرب في مختلف بلدانهم؛ لأن «الكاتب العربي يطبع في القاهرة فلا يصل كتابه إلى بيروت». صدر للرفاعي عدد من الأعمال القصصية والروائية اللافتة، منها «أبو عجاج طال عمرك»، و«سرقات صغيرة»، و«ظل الشمس»، و«الثوب»... قام بتأسيس وإطلاق «جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» بالكويت. هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة...

> في روايتك الجديدة «خطف الحبيب» ينجرف «أحمد» الشاب الثري الهادئ المتعلم إلى دوامة العنف والإرهاب، هل قصدت بذلك تحطيم الصورة الذهنية النمطية التي ترى أن المتطرف إفراز البيئات الفقيرة مهمشة؟
- شخصية «أحمد» في الرواية تقدّم صورة فنية تحاكي حياة الواقع، وتؤكد ألا جنسية للعنف، ولا مذهباً، ولا مستوى اقتصادياً. وبالتالي، مثلما يذهب أبناء البيئات الفقيرة والمهمّشة إلى العنف لسبب يخصّهم ويدفعهم، يندفع أبناء الأغنياء، ومن مختلف بلدان العالم، إلى العنف وهم محمولون على القناعات التي تخصّهم أيضاً. أرى أن الواقع الإنساني الراهن يدحض بوضوح فكرة أن المتطرف يأتي دائماً من البيئات الفقيرة، وإذا كان هذا يكسر الصورة الذهنية النمطية عن بيئات التطرف فأنا سعيد بذلك.
> هل كان عنوان الرواية نوعاً من «التمويه» للتغطية على موضوع التطرف الذي يضرب فجأة عائلة خليجية ثرية؟
- الكتابة برمّتها تمويه، تتكئ على جذر من الواقع، والكثير من الخيال وسبك اللغة والمحاكاة، لتبدو للقارئ وكأنها واقع. وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن عنوان أي قصة قصيرة أو رواية، هو عنصر صعب ومهم من عناصر الكتابة الإبداعية السردية. وهو في الوقت نفسه، جزء مكمّل لحكاية الرواية؛ لذا فإن العنوان «خطف الحبيب»، هو الحكاية برمتها، وهو واقع الرواية تماماً، مثلما قد يكون تمويهاً قُصد به اصطياد بعض القرّاء، وأظن أن هذا قصد مشروع!
> أليس غريباً أن تصدر الرواية في 15 عاصمة عربية في وقت واحد، ألم تخشَ أن يحدِث ذلك نوعاً من التشتت؟
- نعم، هو شأن غريب على الرواية العربية، فلم يسبق أن صدرت رواية في وقت واحد، وفي جميع العواصم من الخليج إلى المحيط. ولا أدري أي تشتت تقصدين؟ فأنا أرى العكس تماماً، فهي محاولة مشروعة لكاتب في إيصال روايته إلى القراء العرب في مختلف بلدانهم. فتجربتي في نشر أعمالي القصصية والروائية، التي جاوزت العقود الأربعة تقول: بأن الكاتب العربي يطبع في القاهرة فلا يصل كتابه إلى بيروت، ويطبع في بيروت فلا يصل كتابه إلى الرياض، ويطبع في الرياض فلا يصل كتابه إلى الكويت. أقنعت 14 ناشراً عربياً من الصف الأول بطباعة ونشر روايتي في بلدانهم، ولم يكن ذلك أبداً بالأمر الهيّن. نعم، لقد تحقق هدفي الأدبي، فمنذ صدور رواية «خطف الحبيب»، وحتى اللحظة وأنا أتلقى ردود القراء، برسائل في «تويتر» و«فيسبوك» والإيميل، قراء عرب، من مختلف البلدان العربية، تعرّفوا عليّ عبر هذه الرواية، وأتواصل معهم ويدور نقاش بيننا وأسئلة حول عوالم الرواية وأحداثها وما قصدت من نهايتها المفتوحة!
> إلى أي حد حاولت أن تأتي الرواية، على مستوى الشكل والمضمون، مختلفة عن نظيراتها التي تتناول هذا الموضوع؟
- حسب علمي، ليس هناك رواية خليجية أو عربية كشفت عن تورط الأسرة الكويتية - الخليجية، الآباء والأبناء، بحروب الإرهاب، وتحديداً في سوريا، وخاضت في وحلها وعذاباتها وتلوثت به. ولذا؛ حينما كنت أكتب الرواية، لم يكن أمامي مثال بعينه، أو رواية بعينها، وأنني في سباق لتجاوزها والتفوق عليها. كنتُ أكتب حكاية أبطالي على ألسنتهم، وبمشاعرهم وعواطفهم، تاركاً مسافة بيني وبينهم، وكنت كأي قارئ أتابع خطواتهم علّني أصل معهم إلى نهاية الرواية.

> ما بين القصة القصيرة والرواية، تمضي تجربتك الأدبية. على أي أساس تحدد هوية عملك الإبداعي، وكيف تقاوم غواية الرواية بحيث لا تطغى على عالمك؟
- بدأت حياتي كاتب قصة، وكنتُ ولم أزل أعشق فن القصة، وأذهب إليه بفكرة أساسية هي الحفر في زمن رأسي قصير. قصة قصيرة تصطاد وتثبت لحظة إنسانية عابرة، وبالتالي كل من زمن القص، وزمن الحكاية قصير. وهذا يختلف تماماً عن فكرة العمل الروائي الذي يعتمد على فكرة زمن أفقي، زمن طويل بأبطال وأحداث ومصائر قد تمتد لعقود، ومن ثم، هو في حاجة إلى زمن قص يستوعبه. منذ بدأت دراساتي وتدريسي لمادة الكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة الأميركية وفي بريطانيا، أصبحت اتجاهات بوصلتي واضحة: القصة لقطة عابرة بحدث رئيسي واحد، والرواية حكاية بأزمان وأبطال، وبالضرورة سلسلة من الأحداث المتداخلة والمتقاطعة.
> تُرجِمت أعمالك الروائية للغات عدة، منها: الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والصينية، والتركية، والهندية، كيف ترى قضية الترجمة... هل تحقق حلم الوصول إلى العالمية ؟
- مؤكد ترجمة أي كاتب في العالم للغة أخرى هو اعتراف، ولو ضمنياً، بأهمية وقيمة ما كتب؛ لذا يسعدني ترجمة أعمالي الروائية للغات عالمية كثيرة، وبما يعني قراءة فئات أجنبية للأدب الكويتي والعربي والتعرف على البيئات التي يتحرك فيها. أما قضية الكاتب العربي وحلم تحقيق العالمية، فهذه عبارة لا معنى لها؛ لأن أي كاتب ولكي يبلغ العالمية، أمامه أن يحصل على اعتراف باتفاق عالمي على قيمة أعماله، وأنا هنا أتكلم عن إنتاج إبداعي معرفي تراكمي، أو أن يحصل على جائزة نوبل. خلاف ذلك، فإن الترجمات العربية هي جهد ممتاز لتقديم الكاتب والرواية لجمهور من القراء على ضفاف العالم الأخرى المختلفة.
> في العام 2002 صدرت لك دراسة بعنوان «المسرح في الكويت... رؤية تاريخية». ما ملاحظاتك حول الواقع المسرحي الكويتي الآن بعد مرور 20 عاماً على تلك الدراسة؟
- الواقع المسرحي في الكويت مؤلم، يراوح مكانه منذ 1991، وحتى اللحظة نجد الجميع: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والمعهد العالي للفنون المسرحية، والفرق المسرحية الأهلية، الجميع يجتر أشكالاً مسرحية لا جديد فيها، ومعظم عروض مهرجان المسرح المحلي، عروض تجريبية، لا تتجاوز الليلة الواحدة. وربما حالة المسرح في الكويت هي امتداد لحالة المسرح في أقطار الوطن العربي والعالم. فالكتابة المسرحية، والعروض المسرحية في العالم تعاني من تراجع. لسبب أو لآخر، استطاعت فنون أخرى، مثل الرواية والسينما والقصة القصيرة، سحب البساط من العروض المسرحية، وحتى لندن وبرودواي، اكتفتا بتقديم عروض موسيقية استعراضية، بينما انزوت العروض المسرحية الجادة والمؤثرة، التي تحظى بجماهيرية تضمن لها استمرار العرض المسرحي.
> لك دراسة أخرى عن أحد رموز الأدب الكويتي وهو الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، كيف امتدت علاقتك به إبداعياً وإنسانياً؟
- علاقة القربى بيني وبين الروائي إسماعيل فهد إسماعيل هي التي أخذتني لطريق الأدب، وربما لو لم يأخذ بيدي ويسحبني خلفه في دروب القراءة والكتابة والصداقات الإنسانية مع القصاصين والروائيين والمسرحيين والتشكيليين، لكنت شخصاً آخر. أنا درست الهندسة المدنية، وتخرجت وعملت لمدة 15 سنة مهندساً إنشائياً، وبالتالي كان من الممكن أن أكون صاحب شركة مقاولات، أو مكتب هندسي. لكن القراءة، في الرواية والشعر والقصة والفلسفة وعلم النفس، كانت دائماً تأخذني لسواحل جديدة من الحياة، ومن ثم جاءت الكتابة والنشر في منتصف السبعينات، فانعطفت بي الطريق حتى ما عدتُ أعرف لحياتي درباً إلا القراءة والكتابة وتدريس ورش الكتابة الإبداعية.
> لم تكرر تجربتك المسرحية بعد «عرس النار» لماذا؟
- بعد كتابة مسرحيتي «عرس النار» ونشرها عام 2001، اكتشفت أن المسرح ليس ملعبي، وأني أنتمي إلى القصة القصيرة والرواية، وهذا يكفي جداً.
> أنت مؤسس ومدير كل من «الملتقى الثقافي»، و«الملتقى الكويتي»، كما أنك رئيس مجلس أمناء جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، فماذا كان الهدف من وراء تلك الجائزة؟ ولماذا اقتصر فضاؤها على القصة القصيرة دون غيرها؟
- الهدف من تأسيس وإطلاق جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» هو تشجيع ودعم القصة العربية والقاص العربي، فقد استولت الرواية على اهتمام: الناشر والكاتب وجمهور القراءة والجوائز. ولأني عاشق للقصة القصيرة، ولأنها أحد أجمل الأجناس الأدبية أسست الجائزة، ويكفي أن أقول: إن جامعة الشرق الأوسط الأميركية (AUM)، تتلقى سنوياً ما يزيد على مائتي مجموعة قصصية لكتّاب عرب من كل أنحاء الدنيا، وبما يوحي كم هي القصة القصيرة حية وحاضرة دائماً. وبفضل جائزة الملتقى، أصبحت الكويت حاضنة وعاصمة للقصة القصيرة العربية.
> ترأست لجنة تحكيم جائزة «البوكر» في دورتها عام 2009... كيف ترى الجدل المثار حولها الآن، خاصة أن هناك من يشتهيها سراً ويلعنها جهراً؟
- علينا أن نعترف بأن جائزة «البوكر» العربية صنعت لنفسها مكانة متميّزة ولافتة، وبخصوص الجدل المثار حولها، فهو في المحصلة يقدم لها دعاية إيجابية، ويجدد بين وقت وآخر حضورها الإعلامي. وإجابة عن الشطر الأخير من سؤالك، نعم عدد كبير من الأصدقاء كتّاب الرواية العرب، يشتهيها سراً، ويلعنها جهراً!



بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى... وإسرائيل تحتل المركز الثاني 

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.


«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال
TT

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد. و«اللّاروب» هي تحريف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيءٍ غير مكتمل، شيءٍ مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في 320 صفحة، وتعبر عن قلب الثقافة المغربية محتوًى ولغةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والواقع بالخيال في سرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعاً محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلى استخدام السورياليّة برهافة شديدة، لينفذ من خلالها إلى قضايا معقّدةٍ ومسكوتٍ عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكانٍ، حيث يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء.

تدور أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله؛ إذ يحكي السارد قصة بنيس، الذي يعمل واشياً لدى سلطات الاستعمار الفرنسي. ويُكلف مراقبة «كباريه سنترا»، وهو أحد الملاهي الترفيهية التي تتمتع بحضور خاص، حيث يجتمع على طاولاته مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضي والمستقبل، والواقع والخيال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الدار البيضاء في زمنٍ لاحق، وفي جغرافيا جديدة، يبدأ في استكشافها، واستيعاب تضاريسها. وهكذا أيضاً، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزاً، بعد أن قالوا له إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلاً وطفلة.

يذكر أن المؤلف حسن أوريد، كاتب وروائي مغربي حصل في عام 2015 على جائزة «بوشكين» للآداب عن مجمل رصيده الأدبي، ومن ضمنه: «رَواء مكّة»، «رباط المتنبي»، «ربيع قرطبة»، «الموريسكي»، «سيرة حمار». كما حقّقت كتبه الفكرية انتشاراً واسعاً، ومن ضمنها «عالم بلا معالم» و«أفول الغرب»، و«إغراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخّ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل».

من أجواء الرواية نقرأ: «رفع بنيس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير متوقّفاً على الرقم 9. اللاّروب. إلاّ رُبعا. لم تعد تقويماً زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يوميّات بوعيّاد. حكمة اليوم: في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمنٍ متوقّف، ولا التأنّي في وضعٍ بلا علامات ولا معايير. المفاهيم زئبقيّةٌ في زمنٍ متوقّف، أو في وضعٍ تتداخل فيه الأزمنة».