لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

انقسامها بقي محدوداً وتخوض الانتخابات في كل الدوائر

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح
TT

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

لبنان: «قوى التغيير» واثقة من قدرتها على خرق اللوائح

يقف لبنان على مسافة 26 يوماً من موعد إجراء الانتخابات النيابية في 15 مايو (أيار) المقبل التي تشكّل أول محطة لاختبار مدى قدرة القوى التغييرية والثورية التي وُلدت من الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول 2019 على إحداث تغيير في البرلمان الجديد يمكن أن يؤثر في إعادة تكوين السلطة برغم أنها اصطدمت بصعوبات حالت دون توحّدها على لوائح واحدة لخوض الانتخابات لمواجهة اللوائح المدعومة من المعارضة التقليدية أو تلك التي تتزعّمها الأطراف الموالية المنتمية إلى قوى «8 آذار» المتحالفة مع «التيار الوطني الحر».
فالقوى التغييرية تخوض الانتخابات في جميع الدوائر الانتخابية، وإن كانت بعض اللوائح القليلة تشكّلت بالتحالف مع حزب «الكتائب» بذريعة أن نوابه استقالوا من البرلمان فور حصول الانفجار في مرفأ بيروت وأن ما يجمع بينهما وحدة الخطاب السيادي المناهض لـ«حزب الله» وسلاحه الذي يتصدّر أيضاً البرامج الانتخابية لحزبي «التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» مع فارق أساسي يعود إلى أنهما يدخلان في مواجهة مع محور «الممانعة» المدعوم من إيران والنظام السوري.
ويبدو أن اللوائح الانتخابية المنبثقة عن تحالف «وطني» هي أكثر حضوراً في المبارزة من اللوائح الأخرى التي تحصر مرشحيها بالمنتمين إلى القوى التغييرية ويراهن عليها لإحداث خرق في اللوائح المدعومة من الأحزاب أكانت في الموالاة أو في المعارضة باستثناء لائحة «لوطني» التي تتزعّمها النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان في دائرة بيروت الأولى (8 مقاعد نيابية) والتي تخوض منافسة متوازية مع اللوائح المدعومة من حزبي «الكتائب» و«القوات» و«التيار الوطني الحر» المتحالف مع حزب «الطاشناق» وجميع هؤلاء يحسبون لها ألف حساب وتضم مرشّحين مستقلّين من بينهم من يُعرف بالحرس القديم المنشقّ عن رئيس «التيار الوطني» جبران باسيل منذ أن ورث عمّه رئيس الجمهورية في قيادته للتيار.
كما أنه لا يمكن التقليل من الحضور الانتخابي للائحة «شمالنا» في دائرة الشمال الثالثة (10 مقاعد نيابية) وتضم أقضية البترون، والكورة، وزغرتا، وبشري، وتتشكل من مستقلين وقوى «14 آذار» سابقاً وقدامى «القوات اللبنانية»، وتدخل في مواجهة مع 4 لوائح مدعومة من «القوات» وتيار «المردة» والتيار «الوطني الحر» وتحالف «الكتائب» والنائب المستقيل ميشال رينه معوّض ومجد بطرس حرب، علماً بأن هذه الدائرة مسيحية بامتياز.
لكن المرشحين يتطلعون لكسب تأييد الصوت السنّي الذي يفوق الحضور الشيعي في هذه الدائرة في ضوء ما يتردّد بأن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يميل لتأييد لائحة «المردة» في مقابل تأييد «حزب الله» لباسيل، فيما يتمتع معوض بتأييد سنّي، مع أن استنهاض الشارع السنّي بعد عزوف رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن الترشُّح لا يزال متواضعاً ودون المستوى المطلوب إلا إذا حصلت مفاجأة من شأنها أن تُحدث تغييراً في المزاج السنّي.
وبالنسبة إلى طرابلس فإن القوى التغييرية ما زالت غائبة عن السمع ولم يسجّل لها حتى الساعة الحضور الانتخابي ترشُّحاً واقتراعاً، مع أن «ساحة النور» في وسط المدينة كانت من كبرى الساحات التي احتضنت الانتفاضة فور انطلاقتها وشكّلت الخزّان الشعبي الذي تمدّد باتجاه الساحات الأخرى وتحديداً في بيروت، فيما تشكّلت في عكار أكثر من لائحة تغييرية ومنها لائحة «التغيير» التي تضم مرشحين مستقلين إلى آخرين يدورون في فلك الحريرية السياسية، إضافة إلى لائحة مدعومة من حركة «سوا لبنان» التي يشرف عليها مباشرة رجل الأعمال بهاء رفيق الحريري.
لكن تعدُّد اللوائح المدعومة من القوى التقليدية يفتح الباب أمام تشتُّت أصوات الناخبين، ما يعطي فرصة لإحداث خرق لا يبدو حتى الساعة أنه في متناول اليد لأن من السابق لأوانه التكهُّن بكيفية توزيع الأصوات ما لم تتلازم مع استنهاض الشارع السني لأن عكار تتمتع بثقل سنّي ويعود له ترجيح كفة على أخرى.
وبالنسبة إلى دائرة كسروان - جبيل فإن إمكانية الخرق من قبل القوى التغييرية تبقى متواضعة جداً في ظل ارتفاع منسوب المواجهة فيها بشكل غير مسبوق وتدور بين القوى التقليدية، وهذا ما ينسحب أيضاً على دائرة المتن الشمالي التي تشهد مبارزة بين 4 لوائح مدعومة من «التيار الوطني» وتحالف حزب «الطاشناق» ونائب رئيس الحكومة السابق إلياس المر بترشيح نجله ميشال المر عن أحد المقعدين المخصّصين للطائفة الأرثوذكسية ومعها الحزب «السوري القومي الاجتماعي» وحزبي «الكتائب» و«القوات» اللذين تحالفا مع مرشحين مستقلين وبعضهم ليس بعيداً عن الحراك المدني.
أما في دائرة بيروت الثانية ذات الثقل السني فإن لائحة «لبيروت» تبقى الأكثر تمثيلاً للقوى التغييرية وتضم من بين مرشحيها نقيب المحامين السابق ملحم خلف وتتشكّل من تحالف «وطني» و«خط أحمر» و«مرصد» بعد أن تعذّر التوافق مع «بيروت مدينتي» التي تخوض الانتخابات بلائحة مستقلة غير مكتملة بعد أن غاب عنها عدد من أبرز الوجوه المحسوبة عليها وانضموا إلى لائحة خلف، فيما تشكّلت لائحة غير مكتملة مدعومة من حركة «سوا لبنان».
كما أن القوى التغييرية تخوض المعركة في دائرة البقاع الغربي - راشيا بلائحة «سهلنا والجبل» وتضم مجموعة من المرشحين المستقلين ومن بينهم من يدور في فلك الحريرية السياسية، إضافة إلى لائحة «بعلبك للتغيير» التي تضم مرشحين مستقلين كان بعضهم انخرط في العمل الحزبي ويتمتع بحضور لا بأس به في دائرة بعلبك - الهرمل، إلا إذا تعرّض إلى مضايقات من قبل «حزب الله»، برغم أن مصادر بقاعية تستبعد محاصرته كما يجب أسوة بمحاصرة الحزب للّائحة المدعومة من «القوات» إصراراً منه على منع عودة مرشّحها النائب أنطوان حبشي إلى الندوة البرلمانية.
وبالنسبة إلى دائرة بعبدا - المتن الجنوبي فإن القوى التغييرية انقسمت على نفسها بتشكيل لائحتين، وهذا ما يقلل من حظوظها في إحداث خرق، وستبقى المعركة محصورة بين لائحة تحالف «التيار الوطني» والثنائي الشيعي وبين لائحة تحالف أحزاب «القوات» - «التقدمي» - «الوطنيين الأحرار»، ويمكن لـ«حزب الله» تهريب فائض من الأصوات الشيعية لمرشحي «التيار» لضمان حصر خرق اللائحة بالماروني بيار بو عاصي والدرزي هادي أبو الحسن مع أنهما في وضع انتخابي يؤمن فوزهما، وكان سبق لهما أن فازا في دورة الانتخابات السابقة.
وعلى صعيد دائرة الشوف - عاليه، فإن لائحة «توحّدنا للتغيير» لا تخوض الانتخابات رغبة منها بتسجيل حضور انتخابي، وإنما لديها القدرات في إحداث خرق للائحتين المتنافستين الأولى تضم تحالف «التقدمي» و«القوات» و«الأحرار» والثانية تتشكل من تحالف «التيار الوطني» وحزبي «الديمقراطي اللبناني» برئاسة طلال أرسلان و«التوحيد العربي» برئاسة وئام وهّاب وجمعية «المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش)، إضافة إلى حزبي «السوري القومي الاجتماعي» و«البعث» الموالي للنظام السوري.
فاللائحة التغييرية تضم شخصيات مستقلة من أبرزهم نجاة عون صليبا، سعود أبو شبل، مارك ضو، حليمة القعقور وآخرين، وكانوا من السباقين على رأس الذين انتفضوا في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في وجه المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية.
وبالنسبة إلى دوائر الجنوب، فإن حضور الحراك يكاد يكون محدوداً في دائرة صيدا - جزين ويخوض المعركة الانتخابية بلائحة تضم مستقلين، والأمر نفسه ينطبق على دائرة الزهراني - صور برغم أن المنافسة محصورة بين لائحة الثنائي الشيعي وبين لائحتين من المستقلين، لكنهما ليستا مكتملتين، وكانت واحدة منها تعرضت إلى مضايقات واستخدمت ضدها العصي لمنعها من الوجود في الصرفند للإعلان عن لائحتها ما اضطرها للانتقال إلى بلدة مغدوشة، وهي تراهن على إحداث خرق في المقعد الكاثوليكي لكنها تواجه صعوبة لإسقاط النائب ميشال موسى في دائرة ذات فائض وبنسبة كبيرة في الصوت الشيعي.
وتبقى دائرة الجنوب الثالثة (11 مقعداً نيابياً) وتضم أقضية النبطية، بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا، وتحصر المعركة فيها بين الثنائي - الشيعي وبين لائحة تغييرية تضم مستقلين وشيوعيين حاليين وسابقين وناشطين يساريين وحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» برئاسة الوزير السابق شربل نحاس الذي رشّح 56 مرشحاً في جميع الدوائر الانتخابية، وتراهن القوى الثورية على إحداث خرق باستهداف الحلقة الأضعف في لائحة الثنائي النائبين أسعد حردان الذي هو على خلاف مع جناح الحزب «القومي» برئاسة ربيع بنات والبعثي الموالي للنظام السوري قاسم هاشم.
لكن هناك صعوبة في خرقها لقدرة الثنائي على تجيير فائض من الأصوات التفضيلية لمصلحتها، علماً بأن حزب «القوات» كان عزف عن خوض المعركة ترشّحاً واقتراعاً بسبب خلافه مع القوى التغييرية.



مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.


الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)

بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن) كثَّفت الجماعة الحوثية حملات الملاحقة والاعتقال في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستهدفة مواطنين تتهمهم بتأييد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز، أو التعبير عن مواقف رافضة للتصعيد العسكري الذي تشهده المحافظة.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين نفَّذوا خلال الأيام الأخيرة عمليات مداهمة واستدعاء في عدد من أحياء صنعاء، بحثاً عن أشخاص تتهمهم الجماعة بالتعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة في تعز.

وأضافت المصادر أن الحملة شملت مداهمة منازل واستدعاء أشخاص وتوقيف آخرين في الطرقات وأماكن عملهم، قبل اقتياد عدد منهم إلى جهات أمنية تابعة للجماعة، وسط مخاوف أسرهم من استمرار احتجازهم وعدم الكشف عن أماكن وجودهم أو التهم الموجهة إليهم.

حملة حوثية سابقة استهدفت سكاناً في إحدى المناطق اليمنية (إكس)

وحسب المصادر، جاءت الاعتقالات على خلفية مواقف شخصية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول التطورات الميدانية في تعز، أو تنتقد التصعيد العسكري الحوثي، إلى جانب اتهامات لبعض السكان بإبداء التعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

عائلات تبحث عن أبنائها

وكشفت أسر بعض المختطفين الجدد في صنعاء عن محاولات متكررة لمعرفة أماكن احتجاز ذويها، الذين قالت إن مسلحي الجماعة اعتقلوهم خلال اليومين الماضيين من مناطق متفرقة في العاصمة، وسط خشية من نقلهم بين مواقع احتجاز مختلفة أو إبقائهم بمعزل عن أسرهم.

وأوضحت الأسر أن أبناءها لم يكونوا طرفاً في القتال، وأن توقيفهم جاء نتيجة مواقف أو منشورات تتناول الأحداث في تعز. كما تخشى عائلات أخرى في صنعاء من أن تؤدي التطورات العسكرية المتسارعة في المحافظة إلى توسيع دائرة الاشتباه داخل صنعاء؛ خصوصاً مع تشدد الجماعة في التعامل مع المنشورات والتعليقات التي تتناول سير المعارك أو خسائرها.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبَّدهم مئات القتلى والجرحى (إعلام عسكري)

ويقول «عصام»، قريب أحد المختطفين، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته فوجئت باقتياد قريبه من وسط حي الأصبحي في مديرية السبعين بصنعاء، بعد اتهامه بالتعاطف مع القوات الحكومية في تعز، مؤكداً أن العائلة تحاول منذ ذلك الوقت معرفة مكان احتجازه.

وفي حالة أخرى، أوضحت أسرة أحد السكان في حي الحصبة بمديرية الثورة شمال صنعاء، أن قريبها لم يكن مقاتلاً، وأن ما أثار غضب الحوثيين -حسب الأسرة- كان تفاعله مع أخبار المعارك في تعز، ومشاركته منشورات تتحدث عن تطورات المواجهات.

مراقبة إلكترونية

وحسب المصادر المحلية، كثفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة إجراءات المراقبة داخل صنعاء، بما في ذلك متابعة نشاط السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد المنشورات والتعليقات ذات الصلة بالمعارك والتطورات العسكرية في تعز.

وتقول المصادر إن أجهزة الجماعة الحوثية تعتمد كذلك على شبكة من العناصر والمخبرين لمتابعة تحركات السكان، وجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يُشتبه في تعاطفهم مع القوات الحكومية أو المقاومة الشعبية.

ولا تقتصر المخاوف -وفق المصادر- على الأشخاص الذين يشاركون بصورة مباشرة في القتال؛ إذ تقول إن مجرد التعبير عن موقف مؤيد للقوات الحكومية أو التعاطف مع المقاومة الشعبية في تعز قد يثير الشبهات لدى أجهزة الحوثيين.

عدد الفارِّين من الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد حملات أمنية سابقة شهدتها صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، واستهدفت ناشطين وإعلاميين ووجاهات اجتماعية، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.

وكانت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» قد أعلنت توثيق 1033 جريمة وانتهاكاً قالت إن الجماعة الحوثية ارتكبتها خلال الفترة من 3 إلى 27 سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع التصعيد العسكري، وشملت حالات قتل واختطاف وإخفاء قسري ومداهمة منازل.


مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)

تستضيف مدينة العلمين المصرية بالساحل الشمالي، الأحد، «قمة رباعية» تجمع زعماء مصر وإريتريا والسودان والصومال، على هامش اجتماعات «منتدى العلمين - أفريقيا»، وذلك للتنسيق بشأن التطورات الأمنية في منطقة «القرن الأفريقي».

وقالت الرئاسة المصرية، في بيان، السبت، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيشارك في «قمة العلمين التشاورية»، التي ستجمع أيضاً قادة إريتريا آسياس أفورقي، والسودان الفريق عبد الفتاح البرهان، والصومال حسن شيخ محمود، مشيرة إلى أن «القمة تأتي في إطار التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وتأتي القمة في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تطورات أمنية متصاعدة مرتبطة بالصراعات في إثيوبيا وتأثيراتها على دول الجوار.

وعشية انعقاد القمة، أجرى الرئيس المصري لقاءات ثنائية مع رئيسي إريتريا والصومال، على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا»، وناقش معهما «التطورات الإقليمية خصوصاً في القرن الأفريقي»، حسب الرئاسة المصرية.

الرئيس المصري في مشاورات موسعة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالعلمين (الرئاسة المصرية)

وخلال لقائه الرئيس الإريتري، أكد السيسي «دعم بلاده الكامل لأمن واستقرار إريتريا، واحترام سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وشدد على «رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول أو مساس بوحدتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي، والنظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي».

وحسب الرئاسة المصرية، أكد السيسي «حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور مع إريتريا، بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، ودعم جهود تسوية الأزمات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون لتحقيق أمن واستقرار البحر الأحمر».

الرسالة نفسها أكدها الرئيس المصري، خلال لقائه مع نظيره الصومالي، وشدد على «ثوابت مواقف القاهرة الداعمة لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية»، ودعا السيسي إلى «تعزيز التوافق الوطني بين مختلف المكونات الصومالية، بما يدعم وحدة الدولة ويحافظ على استقرارها ويجنبها التحديات الأمنية».

وتركز القمة الرباعية التشاورية في العلمين على تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، وتداعيات الصراع المسلح الداخلي في إثيوبيا على دول الجوار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، الذي قال إن «قمة العلمين تأتي لتأكيد تضامن الدول الأربع بشأن التهديدات التي تشهدها تلك المنطقة، وتعزيز التنسيق لصون استقرارها».

ويرى حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة ستركز على التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً ما يتعلق بالتصرفات الأحادية في نهر النيل، وتأثيرها على الأمن المائي المصري، ومحاولات دول، منها إثيوبيا، الحصول على منفذ بحري بالبحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «القاهرة تستهدف تعزيز التنسيق مع تلك الدول، لضمان ضبط النفس وعدم التصعيد، واحتواء الصراعات القائمة، على أساس المواثيق والقوانين الدولية».

وأكد الرئيس الإريتري، خلال لقائه مع الرئيس المصري، «وجود توافق كبير بين القاهرة وبلاده بشأن التطورات الإقليمية، لا سيما ما يتعلق بضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، حسب الرئاسة المصرية.

ويأتي اجتماع العلمين الرباعي في توقيت مهم تواجه فيه المنطقة تحديات بالممرات البحرية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، وقال إن «الاجتماع يجب أن يخرج برسالة واضحة، ضد أي محاولات لإشعال الوضع بمنطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات الإقليمية أو الداخلية»، مشيراً إلى أن «عدم الاستقرار لا يؤثر فقط على أطراف الصراع، ولكن يمتد للمحيط الجغرافي وأيضاً الدولي».

ويؤكد عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «اجتماعات الرئيس المصري مع قادة إريتريا والصومال والسودان، ليست موجهة ضد أحد»، لكنها تستهدف «التنسيق والتشاور لحماية سلامة تلك الدول الإقليمية، والتصدي لتحركات أي كيانات انفصالية بالمنطقة»، وقال إن التطورات الأخيرة في إثيوبيا وفي جنوب البحر الأحمر، «تستدعي التنسيق المستمر بين القاهرة وهذه الدول».