بسيطة تدخل القلب دون استئذان، هذا أقل ما يمكن أن يقال عن قطع المجوهرات التي تصممها المهندسة دينا كمال.
عملت دينا في مجال الهندسة المعمارية، قبل أن تنقل حساباتها ومقاييسها وأشكالها الهندسية من على الإسمنت إلى الذهب، فتشكل قفزة نوعية في مجال المجوهرات. التاريخ هو المنبع الذي غرفت منه، حسبما تقول: «فأنا لم أتطلع إلى ما يقوم به غيري واكتفيت بالبحث في كتب التاريخ وأطوع ما أعجبني بطريقة ملائمة للعصر الحالي».
عندما تنظر إلى تصاميم دينا كمال، تشعر بأنها نابعة من خلفية رصينة مشبعة بالفن والجمال، فلا تكرار في مشاهدها ولا ابتذال في أشكالها حتى يخيّل إليك أنها قطع مجوهرات تنبئك بالموضة المتوقعة بعد 20 عاما وربما أكثر.
اختارت الذهب الخالص وسيلة للوصول إلى المرأة والعالمية على حد سواء، وعندما أزاحت الستارة عن لون جديد فيه «البيج» الأملس غير اللماع، اعتقد البعض أنها لن تحقق أي نجاح وقد تنسحب من جو المنافسة بهدوء، لكن العكس حصل. «هذا اللون جذبني رغم أنه قديم، لأنه لون الذهب الخالص من عيار 24 قبل أن تضاف إليه مادة النحاس ليصبح من عيار 18 بالأبيض أو الأصفر، كما أن قلّة من المصممين استخدموه، باستثناء ساعات اليد». أما سبب إقبالها على الذهب بدل الإسمنت والحجارة، فتردّ قائلة: «الذهب يشعرني بطاقة إيجابية كبيرة وراحة نفسية تامة». عندما قررت دينا كمال أن تترك مركز عملها في الولايات المتحدة حيث تلقت دروسها الهندسية، انتابتها رغبة البحث في التاريخ والبحث عن مواد تكون أدوات لها في عملها الجديد، وسرعان ما أثارها خاتم «الشوفاليار» الذي يوضع في إصبع الخنصر، واستعادت صورة وأدلتها وهي تضعه إلى جانب إصبع خاتم زواجها كلما أرادت أن تزيد من جرعة أناقتها، فقررت أن تجعله مادتها وأداتها للوصول إلى زبوناتها.
بدأت علاقتها الحقيقية بهذا الخاتم منذ نحو 15 عاما عندما كانت تقوم بتصميمه شخصيا وتهديه لنفسها مرة من كل عام. وكانت دائما تتساءل عن سبب إقبال الرجل على هذا الخاتم، وتتابع شخصيات من يستعملونه، بمن فيهم سائقو التاكسيات، واستنتجت أنه يمنحهم إحساسا بالقوة والتميز، تماما كما تشعر المرأة عندما ترتدي حذاء كعب عال.
وإثر عودتها من أميركا إلى لبنان في عطلة طويلة بدأت تفكر جديا بضرورة إعادة الاعتبار إلى خاتم الـ«شوفاليير». كانت تريد أن تقدمه للمرأة أيضا، بعد أن ارتبط بالرجال منذ عهد الرومان، ثم أصبح مرافقا للملوك والأمراء والباباوات، وبعدهم ظهر على أصابع رجال المافيا والـ«ونا بي» ومغني الجاز والراب. وتشير دينا أيضا إلى أنها تتذكره يزين إصبع أم كلثوم وكوكو شانيل وغيرهما من نجمات حقبتي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. لهذا تؤكد أنها لم تخترع هذا الخاتم، بل فقط أعادته إلى الواجهة بعد طول غياب.
«لقد جذبتني هذه الفكرة ورأيت أنها جديدة في عالم تصميم المجوهرات، تماما كتلك التي ابتدعها إيف سان لوران في تصاميمه للأزياء عندما خلط ما بين بدلة الرجل وتايور المرأة، ونجح في تحويل اللوك الرجالي إلى نسائي». هكذا تشرح دينا كمال أولى خطواتها في هذا المجال، وتتابع: «مع أول خاتم صممته وحوّلته من ذكوري إلى أنثوي قررت أن أبتكر مجموعة صغيرة منه، وبعدها توجهت إلى لندن إلى (دوفر ستريت ماركت) بالتحديد لأدق بابه وأنتظر الجواب. وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما اتصل بي رئيس مجلس إدارة هذه السوق في اليوم الثاني طالبا مني تسليمه ملف سيرتي الذاتية وليقول لي (أهلا بك بيننا)».
كان الجميع ضد فكرة دينا كمال وخاتم الـ«شوفاليير» لهذا عندما جاءتها الموافقة من قبل «دوفر ستريت» في لندن اعتبرتها إشارة إيجابية وقررت أن تستمر في مشوارها.
أكثر ما يزعجها قول البعض بأن خواتمها متشابهة وتقول: «لا أدري كيف يجدونها متشابهة فتفاصيلها وألوانها وقياساتها والنسب المستعملة في طريقة صبّ الذهب في أطراف كل قطعة تختلف. كل شيء يكمن في النسبية، وعدم التناسق، فنظرة واحدة إلى الطبيعة تؤكد لنا أن جمالها نابع من عدم تناسقها أو تشابه تفاصيلها الدقيقة».
ليس بالأمر السهل إجادة تفاصيل النسبية، حسب رأي المصممة، إذ يخيّل للبعض أنه باستطاعته تقليدها بسهولة، ولكن هذا مفهوم خاطئ لأنه في حال ضيّع ولو ربع سنتيمتر من قياساتها فسيضيع جمالها. هذه الدقة جعلتها تبحث عمن يفهم أفكارها ويتمتع بقوة ملاحظتها، وبعد بحث طويل وعدة تجارب، اختارت مشغل أنطوان حكيّم في منطقة برج حمود (في بيروت) ليتسلّم هذه المهمة «فهو شخص دقيق مثلي ويهتم بالتفاصيل لذلك انسجمت مع شخصيته».
بحثها عما يميزها لا يتوقف، خصوصا أنها لا تريد أن تكون تصاميمها نسخة من الماضي من دون لمسة عصرية، لهذا توظف خبرتها الهندسية دائما في صياغتها؛ فالمساحة تلعب دورا مهما في كل قطعة، وكذلك الألوان، وكيفية تنعيم الذهب والتصميم لتأتي لائقة بالمرأة. تشير إلى قطعة وهي تقول: «انظري إلى هذا الخاتم مثلا، فقد يبدو لك عاديا، لكن ما إن تضعينه على إصبعك حتى يلتصق بك، ويتناغم مع بشرتك، وهذا ما أريده: أن تبدأ القصة معك ويصبح جزءا منك، ومن ثم يثير شعورا بالسعادة والراحة والطاقة في نفسك. فقد كان من المهم بالنسبة لي أن لا تلاحظ المرأة ولا للحظة واحدة أنها تضع قطعة مجوهرات قد تعيق حركة يدها، بل يجب أن ترتاح فيها إلى حدّ أن تنساها، سواء كانت تلف إصبعها أو جيدها».
تأتي تصاميمها عموما بألوان ثلاثية (ذهبي وبولد؛ أي بيج، وأبيض) وبمساحات مسطحة. يشمل الأمر أيضا الأساور والقلادات؛ فحتى بالنسبة للأساور عادت إلى التاريخ وأعادت موضة السوار الذهبي «Plaque» الذي كان يضعه الصغار، تاركة مساحة كافية من الأعلى لتحفر عليها أسماء أصحابها. كما استوحت موديلات أخرى من إسوارة الجدات، المعروفة بالـ«مبرومة» وحوّلتها إلى خاتم يتميز بسطحه الناعم أيضا. جميعها أفكار قديمة جددتها بشكل بسيط ومدروس.
تتوفر تصاميم دينا كمال حاليا في أماكن قليلة لكن مهمة مثل «كوليت» بباريس أو «دوفر ستريت ماركت» بلندن، وغيرهما، فهي لا تحب أن تتوفر تصاميمها بكميات كبيرة في كل مكان حتى لا تفقد خصوصيتها وتفردها، فضلا عن أن عملية الإنتاج بكميات كبيرة أمر صعب بالنسبة لها؛ فهي لا تزال تمتهن الهندسة وفن العمارة لكي تمول عشقها لصناعة المجوهرات، وهذا ما يفسر ويبرر أن كل تصميم يخرج من أناملها يحمل بصماتها الهندسية.
10:17 دقيقه
دينا كمال المهندسة المعمارية التي تحولت إلى تصميم المجوهرات
https://aawsat.com/home/article/359656/%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%B5%D9%85%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%88%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA
دينا كمال المهندسة المعمارية التي تحولت إلى تصميم المجوهرات
من كتب التاريخ وفن العمارة وعالم الرجل تصوغ مجوهراتها
دينا كمال - قد تتشابه الخواتم لكنها مختلفة جدا في تفاصيلها - خاتم البنصر كان البداية لكنه تطور سريعا إلى قطع أخرى
دينا كمال المهندسة المعمارية التي تحولت إلى تصميم المجوهرات
دينا كمال - قد تتشابه الخواتم لكنها مختلفة جدا في تفاصيلها - خاتم البنصر كان البداية لكنه تطور سريعا إلى قطع أخرى
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


















