دمشق ترفض إعمار المناطق المدمرة وتريد بناء «مدن جديدة»

أجهزة الأمن صادرت 120 منزلاً لـ«معارضين» في الغوطة

دمار في حلب في اغسطس 2016 (أ.ب)
دمار في حلب في اغسطس 2016 (أ.ب)
TT

دمشق ترفض إعمار المناطق المدمرة وتريد بناء «مدن جديدة»

دمار في حلب في اغسطس 2016 (أ.ب)
دمار في حلب في اغسطس 2016 (أ.ب)

علمت «الشرق الأوسط»، أن دمشق ترفض إعادة إعمار المناطق المدمرة التي استعادت السيطرة عليها خلال سنوات الحرب، وتريد بناء «مدن سكنية جديدة» خارج تلك المناطق أو في محيطها، وترك أهالي المناطق المدمرة النازحين المشردين يواجهون مصيرهم بأنفسهم. وتتحدث المعلومات عن «اقتراحات على النظام السوري إعادة إعمار الأحياء الشرقية من مدينة حلب بأموال من جهات عربية وتفاهمات إقليمية، لكن النظام رفض ذلك واقترح بناء مدن سكنية جديدة».
وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أمس، إن «أجهزة النظام الأمنية، متمثلة بفرع الأمن العسكري (الفرع 277) عمد منذ مطلع عام 2022 إلى تنفيذ حملات أمنية واسعة في مناطق متفرقة من جنوب دمشق والغوطة الشرقية أفضت إلى الاستيلاء على أكثر من 120 عقاراً تعود ملكيتها لأشخاص معارضين أو آخرين صدر بحقهم قرار الحجز على ممتلكاتهم على خلفية آرائهم السياسية ممن ما زالوا موجودين في مناطق سيطرة النظام». وأوضح أن «دوريات الفرع استولت على نحو 50 منزلاً ومحلاً تجارياً في مناطق السبينة وببيلا والسيدة زينب والحجر الأسود من جنوب دمشق، حيث عمدت دوريات الفرع المذكور أعلاه إلى إغلاق المنازل والمحال بالشمع الأحمر والكتابة عليها (محجوز لصالح الفرع 277)، بالإضافة إلى مناطق جنوب العاصمة دمشق، فإن دوريات الفرع ذاته استولت على أكثر من 70 منزلاً ومحلاً تجارياً وأرضاً زراعية منذ مطلع عام 2022 في كل من حزة وعين ترما وزملكا والنشابية وبيت سوا في الغوطة الشرقية، تعود ملكية تلك العقارات لأشخاصٍ غالبيتهم موجودون خارج سوريا ممن شاركوا بالاحتجاجات السلمية ضد النظام في بدايات انطلاقة الثورة السورية».
وتحدثت مصادر أهلية من داخل الغوطة الشرقية، بأن بعض العقارات التي جرى الاستيلاء عليها حولتها أجهزة النظام الأمنية إلى مقرات عسكرية، وبعضها الآخر جرى تشميعها والكتابة عليها «محجوز لصالح الفرع 277».
من جانبها، تحدثت مصادر «المرصد السوري»، بأن «عناصر أمنية تابعة لفرع الأمن العسكري (277) يقومون خلال الفترة الأخيرة بالتنسيق مع أعضاء الفرق الحزبية ومتعاونين معها من أبناء الغوطة الشرقية وجنوب العاصمة دمشق، بكتابة تقارير شبه يومية عن أشخاص معارضين ممن شاركوا بالحراك ضد النظام، سواء في الشق المدني أم العسكري للاستيلاء على ممتلكاتهم وفق قانون (الحجز الاحتياطي)، حيث تقوم العناصر الأمنية في بعض المناطق بعمليات ابتزاز للأهالي الذين يتم إجراء دراسات أمنية عليهم بهدف الحجز على ممتلكاتهم لدفع الأموال مقابل إيقاف تلك الدراسات وعدم رفعها لقيادة الفرع».
وأشار «المرصد» إلى أن «الأجهزة الأمنية سبق وصادرت آلاف العقارات بمختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، وعلى وجه الخصوص المناطق التي شهدت حراكاً ضده والعائدة ملكيتها لأشخاص معارضين أو ممن اعتقلوا قسرياً، وجرى تغييبهم في السجون، أو باتوا خارج البلاد هرباً من بطشه في إطار معاقبة المعارضين من خلال استملاك عقاراتهم بعد صدور قانون (الحجز الاحتياطي) على أملاكهم».
وخلال الحرب المستمرة في سوريا منذ منتصف مارس (آذار) 2011، شكلت مدينة حلب شمال البلاد، منذ عام 2012، مسرحاً لمعارك عنيفة بين فصائل المعارضة المسلحة والجيش النظامي الحكومي وحلفائه روسيا وإيران، وتسببت بمقتل آلاف من المدنيين وبدمار هائل في الأبنية والبنى التحتية في شرق المدينة.
وأعلن الجيش النظامي في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2016 استعادته السيطرة على كامل مدينة حلب، ثاني أهم المدن السورية، بعد تهجير عشرات الآلاف من المدنيين ومقاتلي المعارضة من المناطق التي كانت تحت سيطرتهم، وذلك في عملية تمت بموجب اتفاق روسي - إيراني - تركي بعد نحو شهر من هجوم عنيف شنه الجيش النظامي الحكومي على الأحياء الشرقية التي شكلت معقلاً للمعارضة المسلحة.
وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن استطلعت الأحياء الشرقية من مدينة حلب، بعدما استعاد الجيش النظامي الحكومي السيطرة عليها، ورصدت حينها نسبة دمار عالية في الأبنية والبنى التحتية، إذ من النادر وجود مبنى لم يطله التدمير، وبعضها يوشك على الانهيار في أي لحظة، بينما باتت المياه والتيار الكهربائي من المنسيات.
ورغم الوضع السابق، عادت عشرات آلاف الأسرة النازحة إلى منازلها أو إلى مبانٍ غير مسكونة تبدو صالحة للعيش، ولو لفترة على الأقل، وذلك تحت ضغوط الوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه أغلبية سكان مناطق سيطرة الحكومة.
وتشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن «النظام يرفض عملية إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب، ويريد بناء مدن جديدة مثل (ماروتا سيتي) و(باسيليا سيتي) في مدينة دمشق». وتلفت إلى أن «النظام يريد لأهالي المناطق التي دمرتها الحرب أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم، أي أن يقوموا بإعادة إعمار مناطقهم على نفقاتهم الخاصة».
و«ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي» هما منطقتان أعلن عنهما الرئيس بشار الأسد في عام 2012 بمرسوم تشريعي حمل الرقم 66، ونص على إحداث منطقتين تنظيميتين واقعتين ضمن المصور العام لمدينة دمشق، لتطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي، وفق الدراسات التنظيمية التفصيلية المعدة لهما.
وتضم المنطقة الأولى، حسب المرسوم، منطقة جنوب شرقي حي المزة شمال غربي مدينة دمشق من المنطقتين العقاريتين مزة – كفر سوسة، فيما تضم الثانية جنوب «الجسر المتحلق الجنوبي» من المناطق العقارية «مزة – كفر سوسة - قنوات بساتين - داريا - قدم».
وما يعده النازحون مفارقة، أن وسائل الإعلام الرسمية المحلية تواظب على نقل أخبار الجولات التي يقوم بها مسؤولون على «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، وتفقدهما لعمليات الإنجاز المستمرة في المشروعين، وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء دائماً بضرورة الإسراع في عمليات التنفيذ، في حين يعاني النازحون من مناطق جنوب دمشق (مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، حي التضامن، القدم) ومدينة الحجر الأسود بريف دمشق، التي استعاد الجيش النظامي الحكومي السيطرة على جميعها منتصف عام 2018 من بطء شديد ومماطلة مستمرة ومتزايدة من قبل الحكومة في عمليات إزالة الأنقاض من تلك المناطق وفتح الطرقات وإعادة الخدمات الأساسية إليها من أجل عودة الأهالي إلى منازلهم، خصوصاً أن الغالبية العظمى من السكان باتت تعيش تحت خط الفقر بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضار والمستلزمات المنزلية وإيجارات المنازل.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.