ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش
TT

ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش

حتى الآن كانت النساء بالنسبة لماكس فريش هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة، وتكون هذه المرة بغداد؟
لا أظن أن ماكس فريش، الكاتب السويسري المولود في 15 مايو (أيار) 1911م، في زيوريخ، كان قد قرأ «قطار الشرق السريع» لجون دوس باسوس، الصادر بالإنجليزية عام 1927 في لندن ونيويورك، لكي يقوم بعد ثلاثة عقود من رحلة الروائي الأميركي الشاب، برحلة هي الأخرى طويلة ومتعرجة، قبل أن يصل إلى هدفه المنشود: بغداد. لكن متى كان ذلك ضروريا؟ الكتَّاب هم أصلا جوالو آفاق، مثلما هم جوالو كلمات. فريش نفسه يعرف ذلك: «إنه في النهاية قدر مهنتي، أنني أستطيع أن أكون متشردا»، كما كتب على بطاقة لأمه أرسلها لها في الطريق.
كان عمر فريش 46 عاما، وكان انتهى للتو من كتابة ما سيصبح أحد أشهر كتبه: «هومو فابر»، عندما قرر الذهاب إلى بغداد. في 31 يوليو (تموز) 1957 كتب إلى صديقه وناشره، بيتر سوركامب، يخبره كيف أنه عاش أسبوعين شاقين جدا، بسبب الموعد المحدد لتسليم الرواية التي ستجعل الروائي والمسرحي السويسري يحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي، لكن ذلك غير مهم، بقدر ما يريد أن يخبره أن طبيبا نمساويا يدير مستشفى للأطفال في بغداد، طلب منه أن يرافقه إلى بغداد. «لقد وافقت على الفور. هروب؟»، يكتب فريش لصديقه متسائلا.
من يتابع حياة ماكس فريش، فلن يستغرب أنه كتب ذلك. حياته كلها هروب. على الأقل حتى الآن، أو خاصة بعد انفصاله عن زوجته ومعها أطفالهما الثلاثة قبل ثلاث سنوات من رحلته تلك. سواء في فترة زواجه تلك، أم في الفترة التي لحقت، لم يستقر فريش في علاقة ثابتة. علاقات عابرة. ما إن يدخل في علاقة حتى يهرب منها إلى علاقة جديدة. جملته المشهورة التي كتبها لصديقته، وله من العمر ثلاثة وعشرين عاما، تقول: «أنا أومن بقوة الحب وعدم الإخلاص». صحيح أن عدم الإخلاص للنساء يوازيه عدم إخلاص للمكان أيضا. النهاية لا أظن أن هناك كاتبا في العالم فاق فريش في تنقلاته، لكن الشرق، أو بغداد، اسمان ظهرا فجأة في قاموس ماكس فريش. وفي عمر السادسة والأربعين.
اليوم يبدو ذلك ليس مهما، لكننا نتحدث عن عام 1957، عندما كان الشرق ما يزال عالما غامضا، يعرفه الأوروبيون فقط من قصص «ألف ليلة وليلة»، إذن لا نتحدث عن مغامرة السفر بسيارة، والطرق لم تكن معبدة مثلما هي اليوم. ذلك ما يفسر رد فعل صديقه وناشره سوركامب. «أنا مستغرب ومرتعب»، كتب له وهو لا يخفي قلقه. طبعا لا يستطيع ثنيه عن الرحلة، لكنه يريد أن يفهم. لماذا بغداد؟ لماذا هذا القرار المفاجئ وبالشكل البارد؟ لماذا هذه اللامبالاة، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين؟ إن ليس تجاه صديقه وناشره، فعلى الأقل تجاه أمه التي لم تخف قلقها عليه، منذ أن فقد أباه الذي توفي مبكرا. فحتى ذلك التاريخ لم يكن فريش قد قام برحلة شبيهة في حياته، لا قبلها ولا بعدها.
في 22 أغسطس (آب) 1957، تبدأ الرحلة الجديدة والفريدة من نوعها في حياة فريش. تبدأ من سويسرا، حيث يلتقي فريش الطبيب وزوجته، رفيقيه في الرحلة، اللذين نعرف أنهما سيقودان السيارة، لأن فريش لم يملك في ذلك الحين إجازة قيادة. لا يبوح فريش باسميهما الصريحين يكتفي بالرمز لأحدهما (الزوج) بحرف «ب». الطريق الذي ستسلكه الرحلة والانطباعات التي سيمر بها فريش، والأحاديث التي دارت بينه وبين رفيقي الرحلة، كل ذلك سنعثر على أغلبه في البطاقات البريدية التي بعثها إلى أمه. الباقي في دفتر ملاحظات صغير يحمل عنوان «رحلة إلى بغداد»، يمكن العثور عليه في أرشيف فريش في زيوريخ.
هكذا نعرف أنهم قطعوا آلاف الكيلومترات، مروا في شوارع سيئة، ناموا في الطريق، كان عليهم تبديل إطارات السيارة أو تصليحها في بعض الأحيان، سوء الجو داخل السيارة بين رفاق الرحلة، صديقه يلجأ للصمت، حتى الآن محادثات قليلة، أمر يزعج فريش. لكنه رغم ذلك يواصل الرحلة. كانوا ما يزالون في نيش، في يوغوسلافيا، وكان بإمكانه أن يقول لصديقه وداعا، أن يعود أدراجه، خاصة أنه يعرف أن أمامهم ما زالت آلاف الكيلومترات، وطريق صعب، لكنه لم يفعل ذلك. كأن الصعوبات تلك هي تأكيد للمغامرة التي بدأ بها. التغلب على الصعاب يجعله يشعر بالراحة. ها هم يقطعون جبال صربيا ومقدونيا، الريف اليوناني ببيوته البيضاء وأبوابها المطلية بلون اللازورد. بعد سالونيكي، تركيا، وبعد الاستحمام في البحر، يشعر رفاق الرحلة بالراحة، التوتر ينتهي، حتى إنهم يبدأون يخاطبون بعضهم من دون ضمير الجمع (حضرتكم في اللغة العربية)، بعد ذلك تأخذ الرحلة إيقاعا آخر، كل شيء يجري بسرعة، ها هم في الشرق، يقتربون من هدفهم بغداد. وبدل أن يتجهوا في سيارتهم ناحية العراق، باتجاه بغداد، قرروا اختيار طريق آخر. ساروا باتجاه الحدود السورية. حتى في سوريا، لم يقرروا الذهاب شرقا أو إلى الجنوب الشرقي باتجاه بغداد، بل ساروا باتجاه بيروت، ومنها إلى دمشق، ثم إلى عمان، من هناك إلى القدس، ثم العودة مجددا إلى عمان، ثم بعد تصليح فرامل السيارة، إلى بغداد.
باستثناء القدس، لم تجد أغلب المدن التي مروا بها طريقها إلى دفتر ملاحظات فريش. وهو يعترف لناشره سوركامب كيف أن القدس (اليوم) تركت عنده أقوى الانطباع. عكس بيروت «باريس الشرق الأوسط». لم تترك عنده ولو القليل من الانطباع. كل ما كتبه عنها، أنهم بعد رحلة جميلة على الطريق الساحلي، وصلوا إلى بيروت، وتناولوا عشاءهم مع النبيذ، وأنه سيمرض في اليوم الثاني، في المعدة. تفاصيل مقتضبة، كأنه أمين لأمه التي عندما سألته عن حاله، في برقية بعثها لها من القدس، أخبرها بأنه سيكتب لها مفصلا من بغداد.
كل شيء سيتغير عندما يصلون إلى بغداد. وهذا ما شعر به فريش مباشرة حتى قبل عبورهم الحدود العراقية. 800 كيلومتر هي المسافة بين عمان وبغداد. أغلبها صحراء مشتعلة باتجاه العراق. درجة حرارة بحرارة الجمر. عند استراحة على الطريق ووسط الحر، يلمس فريش معدن السيارة. إنه يحترق تحت لهيب الشمس. لكن لا حرارة حارقة تزعج. لا غبار. الطريق ينبسط أكثر أمامهم، قائلا لهم ها أنتم على أبواب ميزوبوتاميا، الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، ها هي بغداد أخيرا، تلوح في الأفق، ها هي المدينة التي كانت مدينة الخلافة يوما، مدينة «ألف ليلة وليلة»، وهدف الرحلة المنشود. ومباشرة عند وصولهم هناك، لا يكادون يصدقون ذلك، كأنهم قاموا برحلة عابرة للتاريخ، لا بد أن يجري كل شيء بسرعة، تناولهم العشاء، ثم ذهابهم المبكر إلى الفراش، هذه المرة النوم على سطح الفندق. تجربة أولى له. لكن التجربة الأقوى هي النهوض مبكرا، والذهاب عبر شوارع وأزقة وأسواق بغداد. فريش نفسه لا يصدق أنه أخيرا وصل بغداد؟ بدل أن يتجول في اليوم الثاني في بغداد، يذهب ومعه رفيقاه إلى 90 كيلومترا ناحية الجنوب الغربي، إلى بابل. كأنه حتى وهو في بغداد يؤجل لقاءه بها، مثل عاشق يحمل في جيبه رسالة حب ولا يريد فتحها لكي لا يصبح ما سيقرأه جزءا من الماضي.
حتى بابل لا تجد طريقها بالشكل الذي تستحقه في دفتر ملاحظاته. فالمدينة التي وصفها مؤرخ الأنتيك هيرودوت بأنها ليست «أشهر وأقوى مدينة، إنما هي أيضا أجمل مدينة بين كل المدن التي نعرفها»؛ أو المدينة التي أراد البشر فيها بناء برج يصعد إلى السماء «برج بابل»، لكي يكونوا بموازاة السماء؛ المدينة الأسطورية هذه التي «هرب» إليها فريش، لم تترك انطباعا قويا عنده. كل ما نعرفه هو «ويسكي على ضفاف الفرات، القمر، نخل، نواعير سقي تجرها خيول، النهر، سفينة، واحة»! لكن ماذا عن بغداد؟ فبعد العودة من بابل، لم يعد هناك مفر أمام فريش. لا بد من مواجهة بغداد. ولا ندري إذا كان السبب درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الفصل من السنة التي تصل حتى الخمسين درجة مئوية، أم هي الخيبة التي استحوذت على «الهارب» فريش، والتي جعلته أشبه بمشلول عن الحركة؟ «كل يوم هذه الحرارة العالية، الظهيرة الحارة، النوم حتى التصبب عرقا....»، يكتب فريش، دون أن يقول لماذا اختار الذهاب في الصيف؟ كما أن بغداد ليست المتحف العراقي فقط، الذي سيزوره ورفيقاه، وحيث سيرى بنفسه «المخطوطات الأولى في تاريخ البشرية»، الحلي والأختام، مثلما هي ليست فقط مسجد الكاظمين، الذي يصفه فريش بـ«المسجد الذهبي»، يلمع بقببه ومناراته التي تشع ذهبا. صحيح أن المتحف الوطني لفت نظر فريش، مثلما فعل جامع الكاظمين، لكن بغداد التاريخية، بغداد التي كانت ذات يوم العاصمة التاريخية للعالم الإسلامي، خاصة في زمن هارون الرشيد الذي يعرفه الغربيون من «ألف ليلة وليلة»، ومن العلاقة الدبلوماسية والتجارية والصداقية التي ربطته بالملك شارلمان، حتى إنه أهداه عام 902 فيلا تعبيرا عن تفاهمهما: «الخليفة والقيصر عمودان للعالم» رغم اختلافهما في الدين، بغداد التاريخية في القرن التاسع الميلادي، التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والفنون، بغداد هذه كما يبدو لم تهم فريش كثيرا. وحسب دفتر ملاحظاته، اعتمدنا عليه هنا، لا نكتشف أي عطش عنده للتعرف على بغداد التي جاء إليها، بعد تحمل المغامرة تلك. أما منح الحيز الأكبر من الملاحظات بالكتابة عن بغداد، كمكان للحفلات، وسهرات شرب الكوكتيل فيجب ألا يكون سببا لتحمل رحلة بهذا العناء. لنلاحظ: بعد زيارة مسجد الكاظمين مباشرة يكتب فريش عن حفلة عند جوس.. ويسكي ومشروبات أخرى وسهرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
إحدى أول الروايات التي قرأتها في اللغة الألمانية بعد وصولي هامبورغ، كانت رواية «شتيلير» لماكس فريش، وذلك عام 1982، على ما أتذكر، سحرتني الرواية، وأذهلني فيها في المقام الأول الإصرار العجيب عند بطله شتيلير على الهروب. ليس من المكان وحسب، بل من نفسه أيضا. ولو كنت قرأت قبلها روايته «هومو فابر»، التي سأقرأها لاحقا، لما أذهلتني فكرة الهروب التي حوتها، لأن الهروب ولاحقا الخوف، هما العمودان اللذان بنا عليهما فريش رواياته ومسرحياته.
في روايته «هومو فابر»، يتحدث فريش عن الخوف الذي يلاحق بطله، و«يصطاده من مكان إلى آخر». هومو فابر، البطل العقلاني، تسحقه الأحداث غير العقلانية في حياته، حتى تجعله ينهار. وفريش؟ ألم يجرب الهروب مثل بطله مرات عدة؟ أليست تلك الوسيلة الوحيدة لتجنب الانهيار، إن لم تكن الوحيدة لتجنب الانتحار؟ حتى الآن كانت النساء هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة ويكون ملاذه هذه المرة بغداد؟ وهم جديد يختلف عن وهم الهروب إلى النساء.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.