ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش
TT

ماكس فريش يهرب إلى بغداد

ماكس فريش
ماكس فريش

حتى الآن كانت النساء بالنسبة لماكس فريش هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة، وتكون هذه المرة بغداد؟
لا أظن أن ماكس فريش، الكاتب السويسري المولود في 15 مايو (أيار) 1911م، في زيوريخ، كان قد قرأ «قطار الشرق السريع» لجون دوس باسوس، الصادر بالإنجليزية عام 1927 في لندن ونيويورك، لكي يقوم بعد ثلاثة عقود من رحلة الروائي الأميركي الشاب، برحلة هي الأخرى طويلة ومتعرجة، قبل أن يصل إلى هدفه المنشود: بغداد. لكن متى كان ذلك ضروريا؟ الكتَّاب هم أصلا جوالو آفاق، مثلما هم جوالو كلمات. فريش نفسه يعرف ذلك: «إنه في النهاية قدر مهنتي، أنني أستطيع أن أكون متشردا»، كما كتب على بطاقة لأمه أرسلها لها في الطريق.
كان عمر فريش 46 عاما، وكان انتهى للتو من كتابة ما سيصبح أحد أشهر كتبه: «هومو فابر»، عندما قرر الذهاب إلى بغداد. في 31 يوليو (تموز) 1957 كتب إلى صديقه وناشره، بيتر سوركامب، يخبره كيف أنه عاش أسبوعين شاقين جدا، بسبب الموعد المحدد لتسليم الرواية التي ستجعل الروائي والمسرحي السويسري يحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي، لكن ذلك غير مهم، بقدر ما يريد أن يخبره أن طبيبا نمساويا يدير مستشفى للأطفال في بغداد، طلب منه أن يرافقه إلى بغداد. «لقد وافقت على الفور. هروب؟»، يكتب فريش لصديقه متسائلا.
من يتابع حياة ماكس فريش، فلن يستغرب أنه كتب ذلك. حياته كلها هروب. على الأقل حتى الآن، أو خاصة بعد انفصاله عن زوجته ومعها أطفالهما الثلاثة قبل ثلاث سنوات من رحلته تلك. سواء في فترة زواجه تلك، أم في الفترة التي لحقت، لم يستقر فريش في علاقة ثابتة. علاقات عابرة. ما إن يدخل في علاقة حتى يهرب منها إلى علاقة جديدة. جملته المشهورة التي كتبها لصديقته، وله من العمر ثلاثة وعشرين عاما، تقول: «أنا أومن بقوة الحب وعدم الإخلاص». صحيح أن عدم الإخلاص للنساء يوازيه عدم إخلاص للمكان أيضا. النهاية لا أظن أن هناك كاتبا في العالم فاق فريش في تنقلاته، لكن الشرق، أو بغداد، اسمان ظهرا فجأة في قاموس ماكس فريش. وفي عمر السادسة والأربعين.
اليوم يبدو ذلك ليس مهما، لكننا نتحدث عن عام 1957، عندما كان الشرق ما يزال عالما غامضا، يعرفه الأوروبيون فقط من قصص «ألف ليلة وليلة»، إذن لا نتحدث عن مغامرة السفر بسيارة، والطرق لم تكن معبدة مثلما هي اليوم. ذلك ما يفسر رد فعل صديقه وناشره سوركامب. «أنا مستغرب ومرتعب»، كتب له وهو لا يخفي قلقه. طبعا لا يستطيع ثنيه عن الرحلة، لكنه يريد أن يفهم. لماذا بغداد؟ لماذا هذا القرار المفاجئ وبالشكل البارد؟ لماذا هذه اللامبالاة، عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين؟ إن ليس تجاه صديقه وناشره، فعلى الأقل تجاه أمه التي لم تخف قلقها عليه، منذ أن فقد أباه الذي توفي مبكرا. فحتى ذلك التاريخ لم يكن فريش قد قام برحلة شبيهة في حياته، لا قبلها ولا بعدها.
في 22 أغسطس (آب) 1957، تبدأ الرحلة الجديدة والفريدة من نوعها في حياة فريش. تبدأ من سويسرا، حيث يلتقي فريش الطبيب وزوجته، رفيقيه في الرحلة، اللذين نعرف أنهما سيقودان السيارة، لأن فريش لم يملك في ذلك الحين إجازة قيادة. لا يبوح فريش باسميهما الصريحين يكتفي بالرمز لأحدهما (الزوج) بحرف «ب». الطريق الذي ستسلكه الرحلة والانطباعات التي سيمر بها فريش، والأحاديث التي دارت بينه وبين رفيقي الرحلة، كل ذلك سنعثر على أغلبه في البطاقات البريدية التي بعثها إلى أمه. الباقي في دفتر ملاحظات صغير يحمل عنوان «رحلة إلى بغداد»، يمكن العثور عليه في أرشيف فريش في زيوريخ.
هكذا نعرف أنهم قطعوا آلاف الكيلومترات، مروا في شوارع سيئة، ناموا في الطريق، كان عليهم تبديل إطارات السيارة أو تصليحها في بعض الأحيان، سوء الجو داخل السيارة بين رفاق الرحلة، صديقه يلجأ للصمت، حتى الآن محادثات قليلة، أمر يزعج فريش. لكنه رغم ذلك يواصل الرحلة. كانوا ما يزالون في نيش، في يوغوسلافيا، وكان بإمكانه أن يقول لصديقه وداعا، أن يعود أدراجه، خاصة أنه يعرف أن أمامهم ما زالت آلاف الكيلومترات، وطريق صعب، لكنه لم يفعل ذلك. كأن الصعوبات تلك هي تأكيد للمغامرة التي بدأ بها. التغلب على الصعاب يجعله يشعر بالراحة. ها هم يقطعون جبال صربيا ومقدونيا، الريف اليوناني ببيوته البيضاء وأبوابها المطلية بلون اللازورد. بعد سالونيكي، تركيا، وبعد الاستحمام في البحر، يشعر رفاق الرحلة بالراحة، التوتر ينتهي، حتى إنهم يبدأون يخاطبون بعضهم من دون ضمير الجمع (حضرتكم في اللغة العربية)، بعد ذلك تأخذ الرحلة إيقاعا آخر، كل شيء يجري بسرعة، ها هم في الشرق، يقتربون من هدفهم بغداد. وبدل أن يتجهوا في سيارتهم ناحية العراق، باتجاه بغداد، قرروا اختيار طريق آخر. ساروا باتجاه الحدود السورية. حتى في سوريا، لم يقرروا الذهاب شرقا أو إلى الجنوب الشرقي باتجاه بغداد، بل ساروا باتجاه بيروت، ومنها إلى دمشق، ثم إلى عمان، من هناك إلى القدس، ثم العودة مجددا إلى عمان، ثم بعد تصليح فرامل السيارة، إلى بغداد.
باستثناء القدس، لم تجد أغلب المدن التي مروا بها طريقها إلى دفتر ملاحظات فريش. وهو يعترف لناشره سوركامب كيف أن القدس (اليوم) تركت عنده أقوى الانطباع. عكس بيروت «باريس الشرق الأوسط». لم تترك عنده ولو القليل من الانطباع. كل ما كتبه عنها، أنهم بعد رحلة جميلة على الطريق الساحلي، وصلوا إلى بيروت، وتناولوا عشاءهم مع النبيذ، وأنه سيمرض في اليوم الثاني، في المعدة. تفاصيل مقتضبة، كأنه أمين لأمه التي عندما سألته عن حاله، في برقية بعثها لها من القدس، أخبرها بأنه سيكتب لها مفصلا من بغداد.
كل شيء سيتغير عندما يصلون إلى بغداد. وهذا ما شعر به فريش مباشرة حتى قبل عبورهم الحدود العراقية. 800 كيلومتر هي المسافة بين عمان وبغداد. أغلبها صحراء مشتعلة باتجاه العراق. درجة حرارة بحرارة الجمر. عند استراحة على الطريق ووسط الحر، يلمس فريش معدن السيارة. إنه يحترق تحت لهيب الشمس. لكن لا حرارة حارقة تزعج. لا غبار. الطريق ينبسط أكثر أمامهم، قائلا لهم ها أنتم على أبواب ميزوبوتاميا، الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، ها هي بغداد أخيرا، تلوح في الأفق، ها هي المدينة التي كانت مدينة الخلافة يوما، مدينة «ألف ليلة وليلة»، وهدف الرحلة المنشود. ومباشرة عند وصولهم هناك، لا يكادون يصدقون ذلك، كأنهم قاموا برحلة عابرة للتاريخ، لا بد أن يجري كل شيء بسرعة، تناولهم العشاء، ثم ذهابهم المبكر إلى الفراش، هذه المرة النوم على سطح الفندق. تجربة أولى له. لكن التجربة الأقوى هي النهوض مبكرا، والذهاب عبر شوارع وأزقة وأسواق بغداد. فريش نفسه لا يصدق أنه أخيرا وصل بغداد؟ بدل أن يتجول في اليوم الثاني في بغداد، يذهب ومعه رفيقاه إلى 90 كيلومترا ناحية الجنوب الغربي، إلى بابل. كأنه حتى وهو في بغداد يؤجل لقاءه بها، مثل عاشق يحمل في جيبه رسالة حب ولا يريد فتحها لكي لا يصبح ما سيقرأه جزءا من الماضي.
حتى بابل لا تجد طريقها بالشكل الذي تستحقه في دفتر ملاحظاته. فالمدينة التي وصفها مؤرخ الأنتيك هيرودوت بأنها ليست «أشهر وأقوى مدينة، إنما هي أيضا أجمل مدينة بين كل المدن التي نعرفها»؛ أو المدينة التي أراد البشر فيها بناء برج يصعد إلى السماء «برج بابل»، لكي يكونوا بموازاة السماء؛ المدينة الأسطورية هذه التي «هرب» إليها فريش، لم تترك انطباعا قويا عنده. كل ما نعرفه هو «ويسكي على ضفاف الفرات، القمر، نخل، نواعير سقي تجرها خيول، النهر، سفينة، واحة»! لكن ماذا عن بغداد؟ فبعد العودة من بابل، لم يعد هناك مفر أمام فريش. لا بد من مواجهة بغداد. ولا ندري إذا كان السبب درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الفصل من السنة التي تصل حتى الخمسين درجة مئوية، أم هي الخيبة التي استحوذت على «الهارب» فريش، والتي جعلته أشبه بمشلول عن الحركة؟ «كل يوم هذه الحرارة العالية، الظهيرة الحارة، النوم حتى التصبب عرقا....»، يكتب فريش، دون أن يقول لماذا اختار الذهاب في الصيف؟ كما أن بغداد ليست المتحف العراقي فقط، الذي سيزوره ورفيقاه، وحيث سيرى بنفسه «المخطوطات الأولى في تاريخ البشرية»، الحلي والأختام، مثلما هي ليست فقط مسجد الكاظمين، الذي يصفه فريش بـ«المسجد الذهبي»، يلمع بقببه ومناراته التي تشع ذهبا. صحيح أن المتحف الوطني لفت نظر فريش، مثلما فعل جامع الكاظمين، لكن بغداد التاريخية، بغداد التي كانت ذات يوم العاصمة التاريخية للعالم الإسلامي، خاصة في زمن هارون الرشيد الذي يعرفه الغربيون من «ألف ليلة وليلة»، ومن العلاقة الدبلوماسية والتجارية والصداقية التي ربطته بالملك شارلمان، حتى إنه أهداه عام 902 فيلا تعبيرا عن تفاهمهما: «الخليفة والقيصر عمودان للعالم» رغم اختلافهما في الدين، بغداد التاريخية في القرن التاسع الميلادي، التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة والفنون، بغداد هذه كما يبدو لم تهم فريش كثيرا. وحسب دفتر ملاحظاته، اعتمدنا عليه هنا، لا نكتشف أي عطش عنده للتعرف على بغداد التي جاء إليها، بعد تحمل المغامرة تلك. أما منح الحيز الأكبر من الملاحظات بالكتابة عن بغداد، كمكان للحفلات، وسهرات شرب الكوكتيل فيجب ألا يكون سببا لتحمل رحلة بهذا العناء. لنلاحظ: بعد زيارة مسجد الكاظمين مباشرة يكتب فريش عن حفلة عند جوس.. ويسكي ومشروبات أخرى وسهرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
إحدى أول الروايات التي قرأتها في اللغة الألمانية بعد وصولي هامبورغ، كانت رواية «شتيلير» لماكس فريش، وذلك عام 1982، على ما أتذكر، سحرتني الرواية، وأذهلني فيها في المقام الأول الإصرار العجيب عند بطله شتيلير على الهروب. ليس من المكان وحسب، بل من نفسه أيضا. ولو كنت قرأت قبلها روايته «هومو فابر»، التي سأقرأها لاحقا، لما أذهلتني فكرة الهروب التي حوتها، لأن الهروب ولاحقا الخوف، هما العمودان اللذان بنا عليهما فريش رواياته ومسرحياته.
في روايته «هومو فابر»، يتحدث فريش عن الخوف الذي يلاحق بطله، و«يصطاده من مكان إلى آخر». هومو فابر، البطل العقلاني، تسحقه الأحداث غير العقلانية في حياته، حتى تجعله ينهار. وفريش؟ ألم يجرب الهروب مثل بطله مرات عدة؟ أليست تلك الوسيلة الوحيدة لتجنب الانهيار، إن لم تكن الوحيدة لتجنب الانتحار؟ حتى الآن كانت النساء هن الملاذ الذي يهرب إليه. فلماذا لا يغير البوصلة ويكون ملاذه هذه المرة بغداد؟ وهم جديد يختلف عن وهم الهروب إلى النساء.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.