كانت عودة صناع الساعات والمجوهرات إلى جنيف في آخر شهر مارس (آذار) وبداية شهر أبريل (نيسان)، احتفالا بكل المقاييس. كان أول معرض يقام بعد غياب أكثر من عامين، الأمر الذي جعل البعض يشبهونه بلقاء عائلي حميم. كان أيضاً احتفالا على مستوى الإصدارات المبدعة التي أكدت أنهم لم يجلسوا مربوطي الأيادي، بل استغلوا أوقاتهم ووظفوا كل طاقاتهم في إبداع ساعات أقرب إلى التحف أو الاختراعات. وهذا ما أكده تغيير اسم المعرض الذي تحتضنه جنيف السويسرية سنويا، من «صالون جنيف للساعات الرفيعة» إلى «ساعات وعجائب» Watches & Wonders. فبعضها كان بالفعل بمثابة عجائب تشد الأنفاس.
تراديسيونل بيربتشويل كالندر كرونوغراف من «فاشرون كونستانتين}
باتريك برينيو، الرئيس التنفيذي ليوليس ناردين، وهي واحدة من أكثر الشركات التي أكدت ديناميكيتها خلال الجائحة، قال بأن الشركة استغلت وقتها وكانت من أوائل من اتخذوا قرار فتح حوار مباشر مع المستهلك لكي تدخله عالمها الخاص وتعرفه بها. كانت النتائج إيجابية حسب رأيه «ما حدث خلال الجائحة كان صادما ومثيرا في آن واحد» حسب تعليقه، متابعا: «الجميل أنه في الوقت الذي كان فيه الناس يعانون من العزلة التي فرضها الحجر الصحي، كنت وعلى المستوى الشخصي أتعمق في دراسة عالم الساعات وأغوص فيه أكثر. ولا شك أن العودة إلى المعرض شيء رائع».
نفس الحماس عبر عنه إيمانويل بيرينغ، نائب رئيس المعرض بقوله: «إنه شعور جميل أن نعود للعرض الحي، فأنا متأكد أن الغالبية ملوا من لقاءات «زووم» وغيرها» وأضاف: «تعرف قيمة الأشياء فقط عندما تفقدها، فقد كان البعض يتساءلون قبل 2019 عن مدى جدوى هذه المعارض، لكن خلال الجائحة بدأوا يتحسرون عليها ويحسبون الأيام والأسابيع للعودة».
ساعة Arceau Le Temps Voyageur من هيرميس
ما لا يقل عن 20.000 زائر حضر المعرض، أغلبهم من هواة الاقتناء الذين أتوا من كل صوب، ما عدا آسيا وتحديدا الصين، ليعاينوا بشكل مباشر ما أبدعته حوالي 38 ماركة عالمية، من بينها باتيك فيليب، روليكس، فاشرون كونستانتين، شانيل، هيبلو، بانيراي، تاغ هيور، فان كليف أند أربلز، هيرميس، شانيل وغيرهم. كان من الطبيعي أن تتسع مساحة المعرض بعد التحاق ماركات كانت تعرض في بازل سابقا، مثل روليكس، باتيك فيليب، شانيل، وأسماء تنضوي تحت أجنحة مجموعة «إل. في.إم.إش» مثل «تاغ هيور»، الأمر الذي أعطى المعرض زخما، وجعل سبعة أيام غير كافية لاستيعاب كل المعروضات. نقص عوضه المعرض ببث لقاءات وحوارات على اليوتيوب وعلى موقع «ساعات وعجائب»، وهو ما كان يستهدف أيضاً من لم يتمكنوا من السفر لحضور المعرض، خاصةً من الصين.
ساعة «باتيك فيليب» بميناء رمادي فحمي مع تدرج دقيق على الأطراف مستوحى من كاميرات التصوير القديمة
منذ اليوم الأول، كان واضحا أن عيون هواة اقتناء الساعات كانت موجهة صوب الكبار مثل روليكس التي عرضت ستة إصدارات جديدة أبرزها GMT Master II «جي. إم. ي ماستر II ببيزل باللون الأخضر كانت مطمع هواة اقتناء الساعات. كان هناك أيضاً اهتمام بالصناع المستقلين لما يعرف عنهم من جنون فني وجنوح إلى الاختراعات العجيبة. والحقيقة أنهم لم يخيبوا الآمال، مع العلم أن القاسم المشترك بين كل المشاركين كان تركيزهم على إصدار أعداد محدودة نجحت فعلا في تحقيق المراد وهو تأجيج الرغبة في الاقتناء. شركة «روجيه ديبويه» مثلا باعت كل إصداراتها الجديدة قبل أن تتمكن من عرضها أمام وسائل الإعلام.
ساعة «جي إم تي ماستر II» الجديدة من روليكس
السفر والترحال
بعد غياب عامين تقريبا، وبعد معاناة العزل الصحي، كان من البديهي أن يسيطر السفر على البال وينعكس على الإبداعات. كان الموضوع الأكثر تكررا وتجسد فعليا في ساعات أخذت بعين الاعتبار أن صاحبها مسافر دائم أو مستكشف ومغامر يحتاج إلى ساعة تسهل عليه حياته وتزيدها ترفا شكلا ومضمونا.
لدى باتيك فيليب وبارميجياني فلورييه وآي.دبليو. سي وفاشرون كونستانتين وجيجير لوكولتر وآي.دبليو. سي وهيرميس وآخرين، كانت الوظائف والتعقيدات التي زينت الساعات تتوجه إما إلى رجال الأعمال كما إلى عشاق السفر والمغامرات مثل تسلق الجبال أو الغوص في أعماق المحيطات.
«باتيك فيليب» استعرضت «آنيوال كالندر ترافل تايم» Annual Calendar Travel Time بتقويم سنوي للسفر، جمعت فيها لأول مرة بين اثنين من التعقيدات المتميزة الحاصلة على براءة اختراع في ساعة واحدة: التقويم السنوي، الذي يتطلب تصحيحا يدويا مرة واحدة فقط في السنة ونظام وقت السفر الذي يعرض منطقة زمنية ثانية. وبهذا كانت معتزة بنفسها وهي تقدم هذه الساعة التي تعرض التاريخ متماشيا مع التوقيت المحلي المعني،
ساعة Tonda PF GMT Rattrapante
من «بارميجياني فلورييه»
وتضبط التاريخ في نفس الوقت عندما يتم تصحيح المنطقة الزمنية. تم إثراء ماكينة عيار الملء الذاتي الجديدة بثماني براءات اختراع غلفته باتيك فيليب بـكالترافا جديد ليليق بها. جوانبها مزينة بفن جلوشا بنمط مخرز فريد من نوعه، وميناؤها يحيطه إطار بنقش عتيق مستوحى من كاميرات التصوير القديمة. وتجدر الإشارة إلى أن علاقة باتيك فيليب بالسفر ليست بالجديدة، فقد سبق وقدمت آلية وقت السفر حصرية بقابض مبني على براءة اخترا ع في عام 1959 لكنها لم تتوقف يوما عن تطويره لتحافظ على تصدرها المشهد. الدليل أن الميكانيكية هذه المرة جاءت أكثر تطورا بربطها بين التقويم السنوي ووظيفة وقت السفر. لم تكن المشكلة تتعلق فقط باستيعاب الآليتين في نفس الغالف، بل في التفاعل من حيث توافق التاريخ المعروض مع التوقيت المحلي، ومن ثم الوقت في موقع مرتدي الساعة. قد تحتاج إلى تعديل عند تصحيح المنطقة الزمنية، لكن يمكن التحكم في التقويم السنوي في العيار الجديد بواسطة عجلة ساعة التوقيت المحلي التي تحرك التقويم.
للتأكد من أن الساعة تعرض دائما التاريخ الذي يتطابق مع التوقيت المحلي المطلوب، كان على المهندسين أيضاً تعديل آلية التقويم السنوي. في التقويم التقليدي، كان العرض يتقدم في منتصف الليل ويستمر حوالي 90 دقيقة، ما قد يتسبب في اختلال في التاريخ إذا تم ضبط المنطقة الزمنية في هذه الفترة. للتأكد من أن المستخدمين يرون التاريخ الصحيح لفترة أطول، تم تقصير تقدم عرض أقراص التقويم السنوي من 5 إلى حوالي 18 دقيقة، وبفضل نظام الكامة المسنن جزئيا والمتصل بعجلة ساعة تعمل على الـ24 ساعة بتنفيذ دورانها على أربع مراحل بدلا من الدوران المستمر: دوران 180 درجة في 3 ساعات نحو منتصف الليل، 9 ساعات من التوقف التام، دوران 180 درجة في 3 ساعات نحو الظهر، 9 ساعات توقف. يؤدي ذلك إلى تحسين تنسيق مرحلة تبديل التقويم مع التوقيت المحلي. لكن كلمة تسريع تشير أيضاً إلى زيادة استهلاك الطاقة.
بدورها قدمت شركة «بارميجياني فلورييه» ساعة موجهة إلى المسافرين والرحالة، هي «توندا بي. إف جي. إم. ي راترابونت»
Tonda PF GMT Rattrapante، جمعت فيها التعقيد المتطور بالتصميم البسيط وسهل الاستخدام.
يتضمن تعقيدها عقربين متراكبين: أحدهما من الذهب المطلي بالروديوم والآخر من الذهب الوردي. يؤدي الضغط على زر الدفع عند موضع الساعة 8 إلى قفز العقرب العلوي المصنوع من الذهب المطلي بالروديوم والمخصص للتوقيت المحلي ساعة واحدة للأمام، وبالتالي الكشف عن العقرب المصنوع من الذهب الوردي الذي يعرض الوقت في مكان إقامة مرتديها، والمعروف باسم «التوقيت في البلد الأم - home time». بمجرد أن تصبح الحاجة إلى معلومات المنطقة الزمنية الثانية غير مطلوبة، يؤدي الضغط على الزر المدمج في التاج والمصنوع من الذهب الوردي إلى إعادة وضع العقرب المطلي بالروديوم إلى مكانه أعلى العقرب الثاني المصنوع من الذهب الوردي تماماً مثل طريقة عقرب الكرونوغراف لأجزاء الثواني. وهذا يجعله تعقيداً سهل الاستخدام...
ساعة بولاريس بيربتشوال كالندر من «جيجير لوكولتر»
هيرميس قدمت تحفة اختزلت فيها مفهومها الخاص للسفر، وهو مفهوم بنته منذ قرون ويشكل حاليا جزءا من تاريخها وجيناتها. أطلقت عليها Arceau Le Temps Voyageur تتحرك «بسرعة الزمان والمكان مجتمعين» كما تشرح الدار. حجم علبتها يتراوح بين 41 ملم لساعة مصنوعة من البلاتين بحواف من التيتانيوم الأسود المطفي وبين 38 ملم لأخرى من الفولاذ. يزدان الإصداران بسوار من جلد التمساح أو جلد العجل بالاعتماد على خبرات السراجة والجلد المتجدرة في جينات الدار. وتفخر الدار بأن ساعتها هاته تتضمن 122 مكونا يمنحه المسافر الأنيق كل ما يحتاجه من خفة وزن ووظائف مهمة سواء كان في شواطئ الكاريبي أو في أعماق الألسكا أو بين تلال سيدني أو في أعالي الهيملايا، إذ لا يهم بالنسبة لخبراء الدار «أين أتواجد، بل وقد لا أستطيع تحديد وجهتي، لكن عالمي يدور على نفسه فوق ميناء الساعة. فهو الذي يوجهني إلى حد أنه لا حاجة لي لغيره».
يتم تشغيل العداد المتحرك ومؤشر توقيت الموطن عند الساعة 12 من خلال وحدة مشكلة من 122 مكونا تبلغ سماكتها 4.4 ملم فقط، مدمجة في نظام الحركة ذاتي التعبية، تشير إلى الساعات والدقائق ومنطقة زمنية ثانية مع إشارة إلى المدن.
من جهتها قدمت «فاشرون كونستانتين» ساعة «تراديسيونل بيربتشويل كالندر كرونوغراف»Traditionnelle Perpetual Calendar Chronograph مزودة بحركة يدوية التعبئة مصنعة من قبل الدار بكاليبر QP 1142 ما يجعلها واحدة من أرقى حركات الكرونوغراف المعززة بوظيفة التقويم الدائم. وليس من المبالغة القول إن الشركة التي يعود تاريخها إلى 1755 استعرضت فيها كل خبراتها الفنية في مجال التعقيدات الكبرى. وكما يوحي اسمها، فهي تجسد رموز صناعة الساعات التقليدية، مثل العقارب من نوع «دوفين» ومسار دقائق من نوع السكك الحديدية وعلبة متدرجة مع خدود مميزة على الخلفية. فيما يتعلق بوضوح الوظائف وسهولة قراءتها فقد تم تنسيقهما بعناية بين الكرونوغراف والتقويم الدائم، بينما نجح خبراء الدار في توفير مؤشرات الوقت بواسطة عقارب من الذهب الأبيض، وعرض وظائف الكرونوغراف والتاريخ بواسطة عقارب من الفولاذ الأزرق. يظهر عداد الكرونوغراف لمدة 30 دقيقة وعداد الثواني الصغيرة بترتيب متماثل، بينما تظهر أطوار القمر على قرص بلاتيني عند موضع الساعة 6، مدمج في شاشة عرض التاريخ من نوع المؤشر. أما قراءة دورة اليوم والشهر والسنة الكبيسة فتتم من خلال فتحات في الجزء العلوي من الميناء.
جيجر - لوكولتر أخذت السفر إلى مرحلة أبعد بكثير. كان إصدارها Stellar Odyssey رحلة نحو السماء والنجوم وقراءة للظواهر الفلكية باعتبار أن حركة الكواكب والنجوم ركن أساسي لقياس الوقت استعان بها الإنسان في وقت مبكر جداً، بعد أن انتبه أن بعض الظواهر الطبيعية تحدث في فترات منتظمة وأدرك مرور الوقت لأول مرة عند الانتقال من الظلام إلى النور عند تحرك الشمس في السماء. ولاحظ المسافرون آنذاك أن شروق الشمس وغروبها يحدث في أوقات مختلفة بحسب الأماكن. تزايد وسهولة السفر في القرن العشرين «زاد الطلب على الساعات التي تتيح الاطلاع على مختلف المناطق الزمنية بنظرة خاطفة، مما أسفر عن ابتكار ساعات «مثل «ميموفوكس وورلد تايمر» المزودة بمنبه» حسب قول الدار.
هذا العام تطور هذا الإصدار لتولد ساعة POLARIS PERPETUAL CALENDAR «بولاريس بيربتشوال كالندر» استناداً إلى حركة التقويم الدائم وتعديلات كثيرة تتجلى في العرض الارتجاعي لأطوار القمر في نصف الكرة الجنوبي بالإضافة إلى العرض الكلاسيكي لأطوار القمر في نصف الكرة الشمالي وزيادة احتياطي الطاقة إلى 70 ساعة، بالإضافة إلى مؤشرات التقويم. أما الطوق الداخلي الدوار الذي يرمز إلى مجموعة «بولاريس»، فيوفر وظيفة عملية لقياس الوقت المنقضي.
ويعكس اللون الأزرق المتدرج على الميناء الانتقال من النهار إلى الليل بينما تعرض مؤشرات التقويم في ثلاثة موانئ فرعية، حيث توجد كل من مؤشرات التاريخ والشهر واليوم على التوالي عند مواقع علامات الساعات 9 و12 و3 في حين يعرض العام في مؤشر الشهر. وتذكيراً بأصل التقاويم الذي يعود إلى الظواهر الفلكية، عرضت أطوار القمر عند موقع علامة الساعة 6 بعرض ارتجاعي لنصف الكرة الجنوبي يؤطر العرض التقليدي لنظيره الشمالي.
وتبدو كل الموانئ الفرعية غائرة قليلاً وتزدان بتفاصيل مختلفة تميز بعضها عن بعض، مما يضيف تنوعاً بصرياً عندما تتلاعب عليها الأضواء. في منتصف الميناء زرع مؤشر صغير لمنطقة الأمان يشار إليها بلون أحمر بين الساعة الثامنة ليلاً والساعة الرابعة صباحاً كي تنبه المسافر من ضبط الوقت أو مؤشرات التقويم، كما طليت العقارب والمؤشرات بمادة مضيئة لتعزيز الوضوح في كل ظروف الإضاءة، وهي سمة أساسية للساعات الرياضية.

