فوز ماكرون بولاية ثانية لم يعد مؤكداً

صور المرشحين الـ12 للانتخابات الرئاسية حاملين كتيبات لبرامجهم الانتخابية في باريس أمس (أ.ف.ب)
صور المرشحين الـ12 للانتخابات الرئاسية حاملين كتيبات لبرامجهم الانتخابية في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

فوز ماكرون بولاية ثانية لم يعد مؤكداً

صور المرشحين الـ12 للانتخابات الرئاسية حاملين كتيبات لبرامجهم الانتخابية في باريس أمس (أ.ف.ب)
صور المرشحين الـ12 للانتخابات الرئاسية حاملين كتيبات لبرامجهم الانتخابية في باريس أمس (أ.ف.ب)

48 مليون ناخب فرنسي مدعوون للتوجه إلى صناديق الاقتراع، الأحد المقبل، لانتخاب تاسع رئيس للجمهورية الخامسة لولاية من خمس سنوات، وسط توقعات بأن يكون الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، هو نفسه الرئيس الجديد. ولم يتبق للمرشحين الـ12 سوى يومين لإلقاء جميع قواهم في ساحة المعركة، إذ إن فترة الصمت الانتخابي تبدأ منتصف ليل الجمعة - السبت، وتستمر حتى الساعة الثامنة من مساء الأحد، حيث تظهر أولى نتائج هذه الانتخابات التي تُعدّ الحجر الرئيسي للديمقراطية الفرنسية بالنظر للسلطات الواسعة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في نظام رئاسي - برلماني هجين.
حتى فترة قريبة، كان الرئيس المنتهية ولايته ينام على حرير حصول انتخابات مضمونة النتائج، بعدما نجح في تهميش الحزبين اللذين حكما فرنسا، منذ مجيء الجمهورية الخامسة؛ «الجمهوريون» اليميني المعتدل، وريث الحزب الذي أسسه الجنرال ديغول وأعطى البلاد خمسة رؤساء، و«الحزب الاشتراكي» الذي نجح في إيصال رئيسين إلى قصر الإليزيه: فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند. ثم جاء إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد في عهد هولاند، من صفوف اليسار الليبرالي حاملاً مشروع تخطي الأحزاب. وللمرة الأولى خرج الحزبان الرئاسيان في انتخابات عام 2017 من المنافسة، بحيث لم يتبق في الميدان سوى ماكرون ومنافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن.
اليوم، قبل 72 ساعة على الجولة الأولى، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، وأن ماكرون ولوبان، سيحتلان، الأحد، المرتبتين الأولى والثانية، وسيخوضان الجولة الثانية (الحاسمة) يوم 24 أبريل (نيسان) الحالي.
ليس سراً أن ماكرون، بتهميشه اليمين الكلاسيكي واليسار المعتدل، أصاب عصفورين بحجر واحد؛ أزاح ممثلي الحزبين التاريخيين مصدر التهديد. ومن جهة ثانية، جعل اليمين المتطرف، ممثلاً بمارين لوبن، خصمه المفضل انطلاقاً من قراءة مفادها أن المجتمع الفرنسي ليس مستعداً بعد لوصول رئيس يميني متطرف إلى الإليزيه. وبالتالي فإن إلحاق الهزيمة بـمارين لوبن أسهل بالنسبة إليه.
بكلام آخر، يستطيع ماكرون استخدام لوبن «الفزاعة» ليبقى خمس سنوات إضافية في قصر الإليزيه. من هنا، دأب خلال الأشهر الماضية على تقديم نفسه على أنه ممثل معسكر الإصلاح والانفتاحيين والتقدميين وأنصار الاندماج الأوروبي والاقتصاد الليبرالي، في مواجهة معسكر التقوقع والقومية والرجوع إلى الماضي.
ومنذ الخريف الماضي، كان واضحاً أن مقاربة ماكرون هي الصحيحة. الأمر الذي كانت تبينه استطلاعات الرأي أسبوعاً وراء أسبوع. ورغم أن هذه الاستطلاعات ليست منزهة عن الأخطاء، فإنها تعكس صورة عن حالة الرأي العام وميزان القوى السياسي.
وخلال أشهر طويلة، كان ماكرون يحتل المرتبة الأولى بفارق كبير عمن يتبعه من المرشحين. ومع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ارتفعت شعبيته. وأفادت الاستطلاعات أنه يتخطى نسبة الـ30 في المائة للدورة الأولى، بينما كانت منافسته دون الـ20.
وكان المحللون السياسيون يرون أن ماكرون استفاد من كونه رئيساً للجمهورية ورئيساً للاتحاد الأوروبي حتى يونيو (حزيران) المقبل، ليرسي صورته كأحد زعماء العالم الغربي. كما أن ديناميته الدبلوماسية برزت من خلال الدور الذي أداه مع نظيريه الروسي والأوكراني، وبالتعاون مع القادة الغربيين، ليمنع بداية اندلاع الحرب ثم لإيجاد مخرج وحل سياسي لها. بيد أن هذا الرصيد الانتخابي تراجع كثيراً في الأيام الأخيرة، وتقلص الفارق الذي كان يتمتع به إزاء لوبن بحيث إن الشك بدأ يتسلل إلى مسؤولي حملته الانتخابية.
يبين استطلاع شمل عينة واسعة من 12 ألف ناخب، ونشرت نتائجه صحيفة «لو موند» في عددها ليوم أمس، أن ماكرون يمكن أن يحصل على 26.5 في المائة من الأصوات، بينما يتوقع حصول لوبن على 21.5 في المائة من الأصوات.
ويظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة «إيلاب» أن نسبة 28 في المائة من المنتخبين ستعطي صوتها لماكرون، مقابل 23 في المائة لمرشحة اليمين المتطرف. وفي الحالتين، فإن الفارق بين الاثنين لا يتجاوز الخمسة في المائة، بينما كان يتأرجح بين 10 و12 في المائة في الأشهر الماضية. والأخطر من ذلك، أن الفارق في الجولة الثانية تراجع بدوره؛ إذ من المقدّر أن يحصل ماكرون على 52 في المائة أو 53 في المائة من الأصوات مقابل 47 في المائة أو 48 في المائة لصالح لوبن. وبما أن الاستطلاعات ليست من العلوم الثابتة الحسابية، فإنها تعاني من هامش الخطأ الذي قد يصل إلى 2 في المائة أو 3 في المائة صعوداً ونزولاً. وبكلام آخر، فإن إعادة انتخاب ماكرون اليوم، رغم أنها مرجحة، ليست أكيدة.
حقيقة الأمر أن ماكرون المأخوذ بقضايا العالم، كان الأخير الذي دخل المعترك الانتخابي، بينما منافسوه، ومنهم لوبن، سبقوه إلى ذلك بأشهر. ورصدت صحيفة «جي جي دي» الأسبوعية عشرة مخاطر تهدد الرئيس الحالي، وقدرته على الفوز بولاية ثانية. أولها تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً ضعيفي الدخل، وتفاقم هذه الأزمة مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والمواد الغذائية... بفعل الحرب في أوكرانيا. وثانيها، الجدل المتواصل بخصوص استعانة الحكومة بمكاتب الاستشارات الخارجية الفرنسية والدولية لتنفيذ مشاريع أو مهام بعيدة كل البعد عن أن تكون استثنائية. وقد كلفت هذه الاستعانة الدولة الفرنسية، وفق تقرير لمجلس الشيوخ، مليار يورو عام 2021. ما اعتبره العديد من المرشحين بمثابة «فضيحة دولة»، خصوصاً أن أبرز المكاتب المعنية هو «مكتب استشارات ماكينزي» الأميركي الذي لم يدفع قرشاً واحداً من الضرائب في فرنسا منذ عشر سنوات. وثالثها، تردي صورة ماكرون الشخصية، واستمرار النظر إليه على أنه إما «رئيس الأغنياء» أو أنه «مكتفٍ بنفسه» و«متكبر» منقطع عن العالم الحقيقي. ورابع التهديدات، حملته الانتخابية القصيرة وما اعتبر ضحالة برنامجه للسنوات المقبلة، وعدم تردده في اقتناص الأفكار الجيدة من برامج الآخرين، علماً بأنه الأخير الذي نزل إلى ساحة المعركة، ثم هناك خطر الامتناع الواسع عن المشاركة في الانتخابات الذي قد يصل إلى 30 في المائة من المقترعين بسبب قناعة شريحة واسعة منهم أن النتيجة معروفة سلفاً.
وخلال الأيام الماضية، حض ماكرون في كل خطاباته ومداخلاته على ارتياد مراكز الاقتراع، وسعى إلى إدخال دينامية افتقدتها حملته الانتخابية، ما يظهر في مشاركته اليتيمة في مهرجان انتخابي واحد.
ثم هناك مسألتان «مزعجتان» لماكرون: الأولى، العنف الذي شهدته ضاحية «سيفران» الواقعة شمال باريس عقب مقتل سائق شاحنة «مسروقة» أرداه رجل شرطة لرفضه الانصياع له والتوقف، وما استتبع ذلك من أعمال عنف يستغلها اليمين بجناحيه للتنديد بسياسة ماكرون الأمنية. والثانية، ما عرفته جزيرة كورسيكا من عنف بعد وفاة أريك كولونا، المحكوم بالسجن المؤبد بسبب قتله محافظ الجزيرة عام 1998. وكان الأخير تعرض لعملية خنق على يدي سجين إسلاموي داخل السجن. وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى «الشائعات» التي سارت في الأيام الأخيرة عن ثروة ماكرون الشخصية التي يعتبرها أنصاره «مفبركة» بينما يسعى منافسوه لاستغلالها.
واليوم، سيحيي سبعة من المرشحين مهرجانات انتخابية ستكون الأخيرة قبل الأحد المقبل، وليس ماكرون من بين هؤلاء. وسبق له أن رفض المشاركة في مناظرات جماعية تضم جميع المرشحين، كما رفض قبول دعوة القناة الثانية في التلفزة الفرنسية في برنامج «إليزيه 2022»، يوم الثلاثاء، بينما قبل جميع المرشحين الآخرين الدعوة.
ثمة كثير مما قد يقال حول هذه الحملة الانتخابية، وأول الكلام نجاح لوبن في تقديم صورة «مهذبة» ومعتدلة لها، بينما برنامجها الانتخابي بالغ التشدد، ويستعيد أساسيات مقاربة اليمين المتطرف. واستفادت لوبن من منافسة أريك زيمور، مرشح اليمين الشعبوي بالغ التطرف، ومن طروحاته المعادية للإسلام والمسلمين والمهاجرين إذ بدت إلى جانبه معتدلة. كذلك نجحت في قيادة حملتها الحالية التي ركزتها على القدرة الشرائية التي تأتي في مقدمة اهتمامات المواطنين.
كذلك تتعين الإشارة إلى الحملة الناجحة التي قادها مرشح اليسار المتشدد، جان لوك ميلونشون، الذي يحتل المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي (16 في المائة) وهو يراهن على انضمام نسبة من ناخبي اليسار إليه، نظراً لضعف منافسيه يساراً؛ أكانت مرشحة الحزب الاشتراكي آن هيدالغو (2 في المائة) أو المرشح الشيوعي فابيان روسيل (3.5 في المائة) من أجل ردم الهوة التي تفصله عن لوبن.
أما معسكر اليمين التقليدي، فإنه يعاني من حالة إحباط، إذ إنه لا يرى ضوءاً في آخر النفق، نظراً لضعف شعبيتها ولبقائها بعيدة جداً عن طليعة المرشحين حيث إنها دون العشرة في المائة.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».