هل خفت صوت «داعش»؟

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: تهويل وجوده باليمن خطوة مقصودة.. والحد من قدراته الترويجية مسؤولية دولية

فيديوهات داعش عوامل جذب للمقاتلين الأجانب ({الشرق الأوسط})
فيديوهات داعش عوامل جذب للمقاتلين الأجانب ({الشرق الأوسط})
TT

هل خفت صوت «داعش»؟

فيديوهات داعش عوامل جذب للمقاتلين الأجانب ({الشرق الأوسط})
فيديوهات داعش عوامل جذب للمقاتلين الأجانب ({الشرق الأوسط})

استغل «داعش» مساحات الإنترنت اللامتناهية ليبني ماكينة إعلامية متكاملة تنشر أفكاره وتجند عناصر في صفوفه، فأسس ذراعه الإعلامية بدءا بـ«الفرقان» لإنتاجاته المرئية وصحف بلغات أجنبية وعربية، وإذاعات في مناطقه. واستنزف التنظيم منابر التواصل الاجتماعي ليمارس عملية «غسل الأدمغة» بأخطر الأساليب.
انخفضت أخيرا مشاهدة عروض أخبار «داعش»، كما لو أنه توارى عن مجهر مؤسسات الإعلام الرئيسية. في ذلك يقول تشارلي ونتر الباحث البريطاني في التنظيمات المتطرفة لـ«الشرق الأوسط»، إنه «بعد نضوج الإعلام الرئيسي وفهمه لدور ماكينة التنظيم الإعلامية أصبح لا يعطيه متنفسا دعائيًّا ولا يسلّط الضوء على إصداراته».
ولكن لا يعني ركود نشاط ماكينة التنظيم وانخفاض وتيرة أخباره أنّ صوته خفت تماما، فلقد عاد الأسبوع الماضي بتسجيل لا يقل فظاعة عن إعداماته السابقة. وتناقلت مواقع تواصل اجتماعية متطرفة تسجيلاته الصادرة عن مكتب ما يسمى بـ«ولاية شبوة» الإعلامي حسب متطرفين. ويظهر التسجيل إعدامات لحوثيين ينفذها عناصر من «داعش» في اليمن. وهنا لا بدّ من التساؤل إن كانت «فقاعته» الإعلامية قد فجرتها ضربات التحالف التي تستهدف معاقله في سوريا والعراق أم أن المجريات السياسية في المنطقة خصوصا باليمن، قد أزاحته مؤقتا من الأجندة الإعلامية؟

سلاح التنظيم الأقوى.. ترسانة إلكترونية

يعتمد «داعش» في استمراريته على سلاح «ناعم» وهو ماكينته الإعلامية، إذ لم تشهد المنظمات المتطرفة سابقا إعلاما مرئيا متطورا ولا انتشارا إلكترونيا بقدر ما شهد «داعش»، الذي يستخدم الإعلام لتجييش الرأي العام وحثه على جعل المنظمات الإرهابية حديث الساعة لدى مؤيديه أو معارضيه.
والجدير بالذكر أن إعلام التنظيمات المتطرفة ليس جديدا، فكان لـ«القاعدة» أيضا مؤسسة «السحاب» لإنتاج أشرطة فيديو تحمل خطابات لقياديي التنظيم خصوصا زعيمها السابق أسامة بن لادن.
وربما ألهمت «السحاب» تنظيم داعش، ولكن التطور التقني الذي تسارع في حقبة نشوء الأخير، وإيقانه أن الإعلام أساس لبقائه يردي أشرطة السحاب عجوزة مقارنة بإصدارات «داعش» المتعددة.
تحتوي مظلة «داعش» على مؤسسات متفرعة معنية بإصدارات لوسائط عدّة. إمبراطورية إعلامية متكاملة. ففي عالم الإنتاج المرئي، تتوسط «مؤسسة «الفرقان» عرش التسجيلات السينمائية المحترفة.
وتحت إشراف مركز «الحياة» للإعلام التابع لـ«داعش» أصدرت «دابق» أول صحيفة رسمية للخلافة، توزع في العراق ومتاحة بالنسخة الإلكترونية بالعربية وبلغات أجنبية. أما مؤسسة «أجناد» فتعنى بنشر أناشيد التنظيم. ويوجد مكتب إعلامي مع طاقم كامل في كل «ولاية»، ويدّعي التنظيم امتلاك مكاتب بـ«ولايات» في العراق والشام واليمن وسيناء وليبيا وخراسان والجزائر ونيجيريا.
ويستنفد التنظيم منابر تطبيقات التواصل الاجتماعي لتجنيد مقاتليه ونشر آيديولوجيته. وتشير آخر الإحصاءات إلى أن عناصر ماكينته الإعلامية يغردون بأكثر من 100 ألف تغريدة يوميا من أكثر من 50 ألف حساب.

إنّما قد لا يعني الحضور الإنترنتي المكثف أن آيديولوجيته ستصل لجميع الناس. ففي مقابلة أجراها موقع «الهافنغتون بوست» مع الرئيس الأميركي باراك أوباما أواخر الشهر المنصرم، أكد الرئيس أن الاستخدام المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي بات يهوِّل المعلومات ويحول أي خبر كان لكارثة. مضيفا «أدت هذه المواقع إلى إنشاء حلقة أخبار على مدار الساعة». توفر كل الأخبار من شتى المصادر على الشبكة العنكبوتية، ولكن قد لا يعني ذلك أن تجتاز تلك الأخبار حدود الإعلام الاجتماعي إلى الإعلام الرئيسي، فلا تحظى جميعها بنفس الاهتمام ضمن الأجندة الإعلامية للصحف والقنوات والإذاعات وغيرها. ويؤكد ذلك اعتماد «داعش» على الإعلام الرئيسي لتغطية آخر أخباره المبعثرة على الشبكة.

التركيز على خبر الساعة
بالفعل استطاع «داعش» تكوين أوليغوبولية إعلامية على الشبكة العنكبوتية، ولكن قد لا تصل أخباره وإصداراته دائما لمحطات التلفزيون وصفحات الجرائد.
وقد يرجع ذلك إلى أجندة الأخبار التي يحددها الإعلام الرئيسي. فبعد فترة تغطية إعلامية مكثفة لحدث معين، قد يخسر المستهلكون اهتمامهم بتلك المسألة فتقل تغطيتها خصوصا عند نشوء حدث جديد يحتل مكان السابق. وإن لم يقل وطيس الحدث الأول إلا أن الإعلام يعكف على تغطية خبر «حديث الساعة» عوضا عن خبر مستهلك.
وقد نلاحظ أن الأجندة الإعلامية في الآونة الأخيرة اهتمت بعمليات «عاصفة الحزم» ضد المتمردين الحوثيين في اليمن بقيادة السعودية، وبعملية «إعادة الأمل» بعد 27 يوما من انتهاء الأولى.
حاليا، تنتقل مجاهر الإعلام من فظائع «داعش» في العراق وسوريا إلى تمرد الحوثيين. ويوضح الدكتور مصطفى العاني مدير قسم الدراسات الأمنية والدفاعية في مركز الخليج للأبحاث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلا «من الخطأ الاعتقاد بأن النشاطات الإرهابية حكر على (القاعدة) أو (داعش)، هناك أنواع ومصادر أخرى من الإرهاب لا تقل خطرا وتهديدا للأمن الوطني والإقليمي والدولي من تهديدات (القاعدة) ومن على شاكلتها».
ويشرح الدكتور عبد العزيز بن صقر رئيس ومؤسس مركز الخليج للأبحاث إجابة على أسئلة «الشرق الأوسط» أن «الميليشيات الحوثية تتمتع بقدرات إعلامية لا تناسب وضعها التنظيمي. وهذه الإمكانيات مصدرها الدعم الخارجي الذي تتمتع به الجماعة»، مضيفا: «لذلك تمتلك صوتا عاليا وحضورا إعلاميا كبيرا خدمة لأهدافها الجماعية منذ انطلاقها عام 2004».
وفي محاولة لجذب الإعلام من جديد، ازدحم موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي، بتغريدات ترويجية لثاني إصدار مرئي من اليمن في غضون أسبوع بعنوان «ضرب الرقاب». ويظهر إعدامات بإطلاق النار على 10 حوثيين وقطع رؤوس أربعة آخرين. ونشط «هاشتاغ ولاية شبوة (#ولاية_شبوة)» المرتبط بالتسجيل الثاني بعد تسجيل سابق لإعلان «داعش» ولاية في صنعاء بعنوان «جنود الخلافة»، يهدد من خلاله الحوثيين.
ويسعى التنظيم لكسب الأنظار بعد تطور الأحداث في اليمن والتفات الإعلام لمجريات النزاع. لذلك يحاول تضخيم دوره في مناطق الصراع.
من جانبه، أكد ونتر الباحث البريطاني أن التنظيم الإرهابي «حاول لفت الأنظار إليه بعد أن أخذت أحداث اليمن الوهج الإعلامي العالمي الأكبر»، مضيفا: «الإصدار عبارة عن خطوة محسوبة من قبل مروجيه ضمن ماكينته الرئيسية بعد غياب أخباره عن الإعلام. ولا تستقطب تلك الخطوة الجمهور الغربي فحسب، بل تحاول الوصول إلى مؤيدي التنظيم لتجنيدهم».
ويصلح الجزم بأن محاولة «داعش» استرجاع الأضواء باءت بالفشل، إذ لم يتلقَ تسجيله الأخير زخما إعلاميا. ويُرجع ونتر ذلك إلى «الشهية الإعلامية في تغطية أحداث معينة». موضحا «في ملف اليمن، أُشبعت أخبار الإعلام بضربات (عاصفة الحزم) وعملية (إعادة الأمل). كان هناك القليل من التغطية لإصدارات (داعش) في الإعلام الغربي التي باتت بمحتوياتها اللإنسانية معروف وغير مفاجئة».

إعلام «داعش» و«ويكيليكس».. وجهان لعملة واحدة؟
 يظهر اعتماد الإعلام الإلكتروني على التقليدي في كتاب «ويكيليكس: الأخبار في عصر شبكات التواصل» لشارلي بيكيت وجيمس بول. يذكر الكتاب أنه في عام 2010 وقع جوليان أسانج، صاحب «ويكيليكس» لنشر الوثائق والبيانات الحكومية المسربة، عقودا مع صحف مرموقة مثل «الغارديان» البريطانية و«نيويورك تايمز» الأميركية و«دير شبيغل» الألمانية، تنصّ بأن يزود الموقع الصحف بالوثائق الغنية بالمعلومات وهي بدورها تبسط هذه البيانات وتحررها إلى أخبار وتحقيقات مقروءة.
ويشرح بيكيت وبول في كتابهما العلاقة المتغيرة بين الإعلام الجديد والرئيسي والعلاقة المتوترة التي تجبر الطرفين على الاعتماد بعضهما على بعض، فيعتمد الإعلام الجديد على الرئيسي بالوصول إلى الأجندة الإعلامية التي تهم المستهلك، ويعتمد الرئيسي على الجديد للحصول على أحدث القصص.
وبدوره يشبه التعاون الترويجي بين «ويكيليكس» والصحف، اعتماد ماكينة إعلام «داعش» الإلكترونية على الإعلام الرئيسي، فمنذ انتشار مقاطعه ومدوناته وحساباته في الفضاء الإنترنتي، بات الإعلام الرئيسي الغربي والعربي يتتبع أخباره على مواقع التواصل. وانشغلت صفحات جرائد التابلويد بقصص التحاق الفتيات الغربيات بالتنظيم وبمغريات تجنيد الشباب في صفوفه.
وعند سؤاله عن هذا التشبيه، يتردد البروفسور تشارلي بيكيت، أحد كتاب «ويكيليكس: الأخبار في عصر شبكات التواصل» ورئيس مركز أبحاث الإعلام لدى جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، بالموافقة على التشبيه ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لقد حرص الإعلام الرئيسي على أن لا يقع بفخ ماكينة (داعش) الإعلامية ولم يعط التنظيم حيِّزا شاسعا لترويج المقاطع المرئية التي ينتهجها». مضيفا «على سبيل المثال، اختارت القنوات والصحف والمطبوعات عدم مشاركة مشاهد الذبح العنيفة».
كما أكد البروفسور أن السبب الأهم وراء ذلك أخلاقي تحت أسس تندد بتنظيم يستنزف مواقع التواصل الاجتماعي لتجنيد متطرفين ومؤيدين. والسبب الثاني هو أن الإعلام الرئيسي بات أكثر وعيا ونضوجا في تعاطيه مع الإعلام الجديد.
ويشير بيكيت إلى الفرق بين إعلام «داعش» ووثائق «ويكيليكس» فيقول «بخلاف (ويكيليكس) الذي احتاج التعاون مع الإعلام الرئيسي لتصل وثائقه السرية المسربة إلى الناس، لا يحتاج تنظيم إرهابي مثل (داعش) لهذا الأمر ليصل لمبتغاه بتجنيد المتطرفين والتأثير على عقول الناس».
من جهته يقول الدكتور بن صقر إن «داعش» بات «يتعرض لضغوط كبيرة في الآونة الأخيرة، وعلى ما يبدو فإن طاقاته الأساسية توجه لخدمة الجهد الميداني، مما يضعف التركيز على المجال الإعلامي»، مضيفا: «هناك في نفس الوقت، حصار إلكتروني على مستوى العالم يحاول منعه من التواصل مع قواعده الشعبية وداعميه، وهذه الإجراءات تمكنت من إفشال اختراقات (داعش) بنسبة عالية خلال الفترة الماضية».

حرب إعلامية وميدانية لإخماد التنظيم
ولكن قد لا يعني غياب قصص «داعش» عن صفحات الجرائد الأولى ونشرات الأخبار أن الحرب ضده انتهت، فقد أكد موقع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في آخر إحصاءاته في الحرب على «داعش» لشهر مارس (آذار) المنصرم، أن العمليات العسكرية ضد التنظيم في العراق وسوريا كلفت منذ انطلاقها في سبتمبر (أيلول) الماضي 1.83 مليار دولار، كما تستنزف 8.5 مليون دولار يوميا من جعبة أميركا العسكرية. فيما توسعت العمليات العسكرية والضربات ضده وانضمت نيوزيلندا وكندا للتحالف.
ومن جانبه، دعا المتحدث باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إدوين سمولا الشهر الماضي إلى «المزيد من تنسيق الجهود الدولية لتجفيف المنابع المالية للتنظيم». وأظهر تقرير للأمم المتحدة أن التنظيم جمع مبلغا يتراوح بين 35 إلى 45 مليون دولار خلال سنة من مدفوعات الفدية، فقط.
إلى ذلك، قالت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في تقريرها إن «التنظيم يجمع ضرائب تصل قيمتها إلى ثمانية ملايين دولار شهريًا من الموصل وحدها»، مشيرا إلى «فرض ضريبة قدرها 200 دولار على الشاحنات في شمال العراق للسماح لها بالعبور بأمان».
ويضيف بن صقر أن «تبني استراتيجية للحد من القدرات الإعلامية للتنظيم مسؤولية دولية تتقاسمها جميع الدول. ودون شك أن النصيب الأكبر للحرب الإعلامية – الإلكترونية، سيقع على الدول المتقدمة تكنولوجيا، لامتلاكها قدرات تقنية وخبرات مطلوبة للتعامل مع النشاطات الإعلامية لـ(داعش) وباقي التنظيمات الإرهابية». ويستطرد: «نتيجة للمعاهدات الدولية وقرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب عُدّلت أعداد كبيرة من القوانين مما أفسح المجال لفرض رقابة ومتابعة فعالة على بعض المواقع التي تنشر الفكر الإرهابي. لذا فإن تغير البيئة القانونية الدولية وإجبار المؤسسات والدول على التعاون في مهمة مكافحة الإرهاب كان له دون أدنى شك مردودات إيجابية».

ركود في إعلام «داعش»
بدأ العالم يرى نتائج الحرب الإعلامية والعسكرية للقضاء على التنظيم، ولا شك أن لضربات التحالف الجوية دور كبير في إضعافه، ولكن التنظيم يعلم كيفية التعايش مع هذه الضربات.
إلى ذلك، يؤكد بن صقر أن «جميع التنظيمات الإرهابية لا تزال فعالة على الأرض وبدرجات مختلفة، وما انخفضت حدته أو وتيرته هو البروز الإعلامي لبعض التنظيمات على حساب أخرى». ويضيف: «تتحكم بالنشاط الإعلامي عوامل بعضها يعود لوضعية التنظيم وبعضها يعود للظروف المحيطة به»
وأخيرا، يشير الدكتور العاني إلى نقطة بقلب الجدل ويقول إن، «إعلام (داعش) يمر بمراحل متقطعة، بعضها يشهد ارتفاعا في حدة المادة الإعلامية وكثافتها، وبعضها يشهد خفوتا ملحوظا في النشاط الإعلامي للتنظيم». ويكمل: «ما نشاهده الآن هو مرحلة ركود نسبي في النشاط الإعلامي لـ(داعش)».
وإن كان التنظيم يشهد ركودا إعلاميا، فلا بدّ من القول إن الحرب على «داعش» لم تعد إعلامية أو عسكرية، بل هي معركة للقضاء على آيديولوجية متطرفة قد تستمر حتى بعد اختفاء التنظيم.
 



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.