كانت هالة كاظم في السابعة عشرة حين تزوجت؛ وبعدها بسنة، أنجبت أنس بوخش. وحيدة في نيويورك، «طفلة» مع طفل، والزوج في الجامعة يستجيب لنداء الحياة. في حلقة خاصة من برنامج «ABTalks» («يوتيوب» و«نتفليكس»)، عنوانها «أم الرجال»، يجلس الشبان الخمسة، أولادها، على سجادة تفترش الأرض، حفاة الأقدام، والأم في الوسط، يحاورونها ويصارحونها.
يُسمع صوت الهواء عالياً، فتتمايل معه أوراق الشجر كأنّهما في رقصة مساء. تُسأل الأم في بدايات فصل الربيع، عن أي نوع من الأمهات كانت تظن أنّها ستكون؟ تجيب بأنّها فعلت أقصى ما تستطيع، وظلّت تغرف من المعارف وتتعلم. خمسة أبناء وخمس شخصيات، لم تطبّق عليهم قواعد تربية واحدة، ولم تسحق وجودهم المستقل عن وجودها. في لحظة مؤثرة، يُجمعون على أنّها أفضل ما حدث لهم، فتجدد الاعتراف أمامهم بأنّهم أعظم رجال يمرّون في العمر، برغم عثراتها؛ وتستحق اليوم الجائزة الكبرى لوجود أبناء تصفهم بالناجحين والأصحاء نفسياً، حبها لهم أكبر منها ومن الحياة.
يعدّ فريق البرنامج أسئلة بعضها للأم، وبعضها للأم وأبنائها، أو للأبناء فقط، فيما صوت العصافير يملأ الحديقة بأصناف الطرب. يؤكد أنس عدم الاطلاع على الأسئلة، فهو اليوم ضيف، كأشقائه، في حضرة الأمومة. يكتفي بوصف عائلته بـ«الخلطة الغريبة - الفريدة». هدف الجَمعة تثقيفي، توعوي، يشجّع على الغاية السامية: الانفتاح العاطفي. لا يعود الدمع، إن هطل، مهماً؛ بل روح الإنسان وهي تعبّر عن ذاتها، بالوجع أو الفرح، وتتشارك مع أرواح هائمة في الفضاء اللامتناهي شيئا من الآهات البشرية ومعانيها والعِبر النبيلة.
تشكل الأمومة جزءاً كبيراً من كيان هالة كاظم، مدرّبة الحياة ورائدة الأعمال الاجتماعية الإماراتية. حياتها لم تكن من ورود وزقزقة، جميل ما فيها تمحورها حول خمسة أبناء، علّمت نفسها تربيتهم على الاستقلال والانشغال والإنتاج. قال الناس: «أعانكِ الله! لديكِ خمسة ذكور!». بابتسامة تتذكّر جملة «الأسى»، وتقول للمجتمعين حولها إنّهم لم يتعبوها في التربية. والسبب؟ «تعلّمتُ تبسيط تفكيري وبرغم عاطفتي، التحلي بشيء من العقلانية. التعامل مع الرجال يفترض سير الأمور وفق تراتبية: واحد اثنان ثلاثة. فارتحتُ وأرحتهم».
لم يأتِ الإماراتي أنس بوخش بعائلته إلى حلقة خاصة من برنامجه ذريعتها عيد الأم، ليقدّم للناس نموذجاً مفبركاً عن «العائلة المثالية». بل أراد تكريماً للتضحيات وتحية للصبر والإصرار ومعاندة الظرف. وأراد لهذه الأم الحائزة على «دكتوراه في الحياة» من دون أن تكمل دراستها الجامعية، «مواجهة» مع أبناء أكبرهم أربعيني وأصغرهم في السابعة عشرة، تنتهي بخلاصات كثيرة أهمها أنّ الأبناء ليسوا صكوك ملكية للآباء، والتربية تفصيل، كما يفصّل خياط الأثواب، خارج المقولة الجاهزة: «One size fits for all».
تغيب الشمس، فينتقل موقع التصوير إلى زاوية أخرى من الحديقة. يداعب وجدان هالة كاظم، المُكرّمة قبل سنوات في لندن بمجال التحفيز ضمن مهرجان المرأة العربية، سؤالٌ عما إن تمنّت يوماً إنجاب ابنة. بلا تردّد: «طبعاً».
مدرّبة الحياة الإماراتية هالة كاظم
كانت اختارت لها اسم ياسمين، وأمام ابنها الأصغر حسن، استعادت بكاءها في العيادة يوم بيّن الفحص حملها به، فاعتذرت له على الصراحة بكثير من الحب: «عوّضني الله بك، أنت هديتي».
لم تكن أمها صديقتها، فقررت أن تكون صديقة أبنائها. عاهدت نفسها بتقبلهم وتفهمهم ومدّهم بالقوة والحضن. وحين سُئل الأبناء عن أفضل خصالها، ردّوا بأنّها تصغي بلا إدانة، ولا يخجلون في التعبير عن أنفسهم أمامها. علّمتهم دروساً في حب الذات كمقدّمة لحب الآخرين. وبألا يحكموا على البشر، فلكل ظروفه. وعلّمتهم أنّ لهم رحلتهم في الحياة، لا يستطيع أحد إيقاف قطارها. منذ صغرهم وهي تتساءل: «هل هذه الطريقة الصحيحة في التربية؟». ظلت تتعلم، مدركة أنّ النتيجة ستظهر بعد سنوات، كطبخة لا تترجم نكهاتها إلا بعد الاستواء. اليوم هي صديقة للخمسة، بعدما تجاوزوا مرحلة الحاجة إليها كوالدة. نصيحة واحدة لم تنفع مع ابنها حارث: «ضع حزام الأمان». تدخل من أذن وتهرب من أخرى!
يلفت أنس الانتباه إلى ما يكاد يُنسى: قيمة الأشخاص في حياتنا. يقول إنّ الإنسان لفرط الانشغال والأنانية، يفوته تقدير النعمة. ويتوجه إلى المتابعين: «لا تنسوا الأم والأب. هما ليسا مثاليين دائماً، وقد لا يطابقان الصورة المرسومة في أذهاننا، لكنهما يعطفان على طريقتهما. في النهاية، هما بشر، لديهما نقاط ضعف وقوة. علينا التقبّل».
يتأثر بكلام أمه لو قالت له إنّ القميص لا يليق أو هذا الصديق عِشرة سوء. هو الأقرب إلى طباعها، ومع ذلك تلتقي والخمسة في قواسم مشتركة، كالأفلام المفضلة والوفاء لأنواع مأكولات تكاد تتكرر يومياً برضى الجميع. يتحدث أنس عن وَقْع كلام الأهل على الأولاد في الصغر والكبر. يستعمل وصف «وشم على المخ لا يُزال حتى باللايزر» لتأكيد الترسّخ. علاقتهما اليوم تشمل ثلاثية الأمومة والصداقة والأخت التي لم تُنجبها. «Special»، يفضل وصفها بالإنجليزية. وبالإنجليزية تختصر حياتها: «Great Mother». عظيمة الأم التي تربّي أبناء لا يخذلونها.

