«أم القرى» ذاكرة الإعلام السعودي تحتفي اليوم بعامها المائة

تحت رعاية خادم الحرمين وبحضور أمير مكة المكرمة

«أم القرى» ذاكرة الإعلام السعودي تحتفي اليوم بعامها المائة
TT

«أم القرى» ذاكرة الإعلام السعودي تحتفي اليوم بعامها المائة

«أم القرى» ذاكرة الإعلام السعودي تحتفي اليوم بعامها المائة

تحتفي صحيفة «أم القرى» اليوم في مكة المكرمة بعامها المائة كأقدم صحيفة سعودية، وذلك تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبحضور الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة، ونخبة من الأمراء والوزراء ورجال الفكر والأدب.
وستحكي الصحيفة، شيئاً من تاريخها على هذا الجمع الذي دعت إليه وزارة الإعلام في السعودية، ومن أبرز تلك الحكايات أنها الصحيفة الأولى التي نالت شرف التأسيس بأمر من المؤسس الملك عبد العزيز، بعد دخوله إلى مكة المكرمة في عام 1924. وظلت من ذلك التاريخ حتى الألفية الجديدة إحدى الصحف التي تمتلك مخزوناً استراتيجياً من المعلومات بين صفحاتها وفي ذاكرتها الصامدة في وجه التحولات والتغيرات.
وتعد «أم القرى» مرجعاً حقيقياً للبحث والاستنباط في وقائع مختلفة المكان والزمان، رغم البداية التقليدية التي اقتصرت على البلاغات وبعض الأخبار المحلية، وقليل من الإعلانات الحكومية والأهلية، وملخصٍ عن العوارض الصحية المنتشرة آنذاك، إلا أنها سرعان ما تطورت مع المعطيات في حينه وتحولت آلية ومواد النشر في الصحيفة التي بدأت في نشر الأخبار المحلية وبعض الأخبار الدولية، إضافة إلى نشر قليل من القصائد، ونشر الأنظمة والقرارات والاتفاقات والمعاهدات الدولية، وإعلانات الوظائف وبيانات بالواردات والصادرات، وهو ما يراه مختصون في الإعلام البداية الفعلية لانطلاقة أم القرى.
وقبل 87 عاماً، وتحديداً في افتتاحية عددها 655 الصادر في عام 1356، ذكرت الجريدة مبادئ الصحافة وواجباتها وما يجب التعامل معه داخل السلطة الرابعة بأسلوب متميز في الطرح كأنها تنبه إلى أهمية دورها الريادي بوصفها نواة الإعلام والصحافة، الأمر الذي عزز موقعها على المستويين المحلي والإقليمي كقائدة بين أقرانها في المنطقة.

- أزمة الورق والحرب العالمية الثانية
واستمرت الصحيفة على هذا النهج في الطرح الراقي، مع تطور في محتوى الجريدة ليشمل العديد من المواد الثقافية والأبحاث العلمية والأدبية والقصائد الشعرية، وكذلك الإعلانات التجارية طيلة 4 عقود من عمرها، إلا أنها مرت بمرحلة وصفت بالتحول الحقيقي في عام 1942، عندما توقفت الصحف عن الصدور بسبب أزمة الورق التي اجتاحت العالم بسبب الحرب العالمية الثانية، إلا صحيفة «أم القرى» نجحت في نقل الأحداث المحلية والعالمية رغم تقليص صفحاتها ومقاس الصحيفة العام، بدعم الحكومة السعودية.

- سجلت رحلة المؤسس على الداكوتا
وكان لافتاً لصحيفة أم القرى اهتمامها بإصدار الملاحق الخاصة لمناسبة أو حدث ما، ولعل من أبرز تلك الملاحق ما صدر بمناسبة مرور 50 عاماً على دخول الملك عبد العزيز إلى الرياض، وكان ذلك في عددها 1320 لعام 1369، كذلك ما نشر عن رحلة الملك عبد العزيز على الطائرة الشهيرة الداكوتا قبل 75 عاماً، والتي تعد نواة تأسيس الخطوط الجوية العربية السعودية، ووثقت ذلك ضمن ملحق للعدد 1073 الذي صدر في نهاية شهر شوال عام 1364، كما أن الصحيفة تحولت من اللون الأصفر الذي صدرت به الصحيفة في البدايات إلى اللون الأبيض، ومن ثم في عام 2012 تلونت بشكل كامل، وظلت محافظة على مضمونها طريقة طرحها لكافة المواضيع والتقارير الصحافية.
وأخذت صحيفة أم القرى شكلاً متميزاً في صفحتها الأولى وحافظت على هذا النمط بافتتاحية يمين الصفحة الأولى وخبر أو مقتطفات من عدة أخبار موزعة على بقية الصفحة، إلا في بعض الحالات التي يكون لأهمية الخبر المنشور فيها حاجة إلى أن يكون بارزاً وعنواناً رئيسياً على صفحتها الأولى، وكان واضحاً عودة كتابة اسم رئيس التحرير وكان ذلك في عددها 4183، بعد انقطاع كامل من كتابة الاسم في أي من صفحات الجريدة طيلة 95 عاماً، كما شهدت الصحيفة تغيراً في خطها الصحافي وكتابة تصميمها، واستمر هذا الحال حتى مطلع عام 1433، الذي يصفه العاملون في الصحيفة بأنه النقلة النوعية والفعلية لديناميكية العمل التي تعتمد على التقنية والإخراج والألوان والخط التحريري فيها.

- بنية رقمية لتواكب التطور
وقبل هذا الحراك سجلت أم القرى حراكاً نوعياً وتنقلات تقنية متعددة في عام 2008 عندما حدثت بنيتها الرقمية لتبدأ رحلة المحتوى فيها تتنقل رقمياً بين أقسامها، وشملت هذه المرحلة إطلاق موقع إلكتروني مر بعدها بعدة تحديثات حتى عام 2021 الذي شهد آخر تحديث له، كما توسطت هذه المراحل مرحلة تحديث للبنية الرقمية بشكل أوسع.
ومن التنقلات التطويرية التي مرت بها الصحيفة ما يعرف بالتقنية الطباعية؛ إذ أوجدت أحدث أجهزة طباعة الأوفيست، وأجهزة طباعة الألواح الطباعية (ctp)، ومرت بعد ذلك بتحديثات في تقنيات الطباعة إلى عام 1441هـ، الذي أضافت فيه أم القرى إلى بنيتها الطباعية أحدث طابعات الديجيتال للمساهمة في جودة الطباعة وتعدد قدراتها ومنتجاتها، وما زالت أم القرى تمر بعملية تطوير جديدة لتواكب التطورات التقنية والفنية للسير على الشكل الأمثل.

- مرجع الباحثين والدراسين
وقال الدكتور عبد العزيز خوجة، وزير الإعلام السابق لـ«الشرق الأوسط» إن صحيفة أم القرى هي أول الصحف التي أصدرها المؤسس الملك عبد العزيز، ومنذ تلك الحقبة أخذت الصحيفة مكانها في طرح الموضوعات؛ إذ كانت مصدرًا للأخبار والتقارير المختلفة، إذ لم تكن الصحيفة مقتصرة على نشر الأوامر الملكية والقرارات الصادرة من مجلس الوزراء ومتابعة توصيات مجلس الشورى، بل شكلت الذائقة الثقافية والأدبية في البلاد، وكانت تطرح العديد من الموضوعات الأدبية التي كانت تلقى رواجاً في تلك الحقبة.
وتابع: «لو درس واقع صحيفة أم القرى في الثلاثة العقود الأولى قبل صدور (صوت الحجاز) لوجد أن الصحيفة تربعت على عرش الإعلام وكانت المصدر الوحيد للحراك الثقافي والأدبي في السعودية، كما أنها المرجع التاريخي لتلك الفترة، إضافة إلى أهميتها في توثيق كل ما تم من قرارات وغيرها».
وأضاف خوجة، أننا نشاهد في صحيفة أم القرى تاريخ السعودية منذ نشأتها قبل 100 عام، وهي في الواقع سجل صغير لتاريخ أمة عظيمة منذ عهد الملك عبد العزيز حتى يومنا في عهد الملك سلمان، إذ رصدت الصحيفة النهضة التي تحققت في السعودية بأدق تفاصيلها، وفي اعتقادي أن الصحيفة مرجع مهم ومصدر للباحثين وأصحاب الاختصاص للتنقيب في معلومة أو قرارات صدرت في أزمنة مختلفة.
ومرت الصحيفة بمنعطفات عدة، يستذكر خوجة، منها التحول الكبير للصحيفة، إبان توليه وزارة الإعلام، عندما عقد العزم مع فريق الصحيفة لإخراجها من حالتها التقليدية في الشكل العام، وإلباسها ثوباً جديداً يتوافق مع التغيرات الحاصلة في عام 2012، إذ يقول خوجة: «كنا نعمل بخطى متسارعة وقوية في لحاق التغيرات على أرض الواقع التي كان أبرزها تغير الشكل العام حتى وصلنا للشكل الحالي الملون، وكم أنا سعيد أن هذا التحول حدث عندما كنت وزيراً للحركة الإعلامية والثقافية وبجهد كافة الزملاء في الصحيفة»، مشدداً على ضرورة أن تستمر الصحيفة في التطور وأن تأخذ منحى جديداً في هذه المرحلة لمواكبة التطور والتحول إلى صحيفة رقمية على كونها ورقية وإلكترونية.

- مصدر القرارات الرسمية
إلى ذلك قال الدكتور فهد الخريجي، أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود لـ«الشرق الأوسط» إن صحيفة أم القرى عزيزة على كل متابع لواقع الإعلام في السعودية، وقد مرت بمراحل مختلفة ولربما أضاعت على نفسها بعض الفرص، إلا أن الصحيفة طرأ عليها في الأعوام الأخيرة تحسن كبير وأداء جيد، وبدأ وكان واضحاً وجلياً في الاهتمام بالمقال الصحافي والتحقيقات، كما أنها المصدر للقرارات الرسمية والأوامر الملكية، وهي إضافة جيدة للصحافة السعودية وفي اعتقادي أنه من الممكن أن تقود الصحافة المحلية بإعطاء أنموذج للصحافة الرصينة الوطنية وإن تحقق ذلك فهي تعطي السبب الحقيقي لوجودها.
وأشار الخريجي، لأهمية أن تخرج الصحيفة من قالبها التقليدي كتلك الصحف التي حصرت نفسها في زوايا محددة ومنها «الرياضة، والاقتصاد» وأخبار التشويق، وما تحتاجه الصحيفة في المرحلة القادمة هو أن تكون متوازنة توضح بشكل مبسط ما يطرح من قرارات وتحليل الميزانية بعيداً عن الأرقام وتوضيحها في قوالب متعددة يسهل على القارئ فهمها، إضافة إلى حاجة أم القرى بإجراء التحقيق الصحافي والمتابعة للموضوعات وعكس العطاء بصورة عملية وميدانية وهذا يزيد من قوة وصلابة الصحيفة في المرحلة القادمة.


مقالات ذات صلة

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.