كيف تحول تامي أبراهام إلى آلة لا تتوقف عن إحراز الأهداف مع روما؟

المهاجم الإنجليزي يقدم مستويات رائعة تحت قيادة مورينيو ويقود فريقه إلى البطولات الأوروبية

أبراهام (وسط) يهزّ شباك لاتسيو (أ.ب)
أبراهام (وسط) يهزّ شباك لاتسيو (أ.ب)
TT

كيف تحول تامي أبراهام إلى آلة لا تتوقف عن إحراز الأهداف مع روما؟

أبراهام (وسط) يهزّ شباك لاتسيو (أ.ب)
أبراهام (وسط) يهزّ شباك لاتسيو (أ.ب)

صرح المهاجم الإنجليزي الشاب تامي أبراهام بأنه انضم إلى روما الإيطالي من أجل الاستمتاع بالشمس والحصول على أكبر قدر ممكن من فيتامين «د»! وروى عدة مرات كيف اتصل به المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو ليقنعه بالانضمام إلى روما الصيف الماضي وكيف بدأ حديثه معه بهذا السؤال البسيط: «هل تريد الاستمتاع ببعض الشمس أم تريد البقاء تحت المطر؟»، ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي كان أكثر عمقاً من ذلك بكثير، وهو كالتالي: هل كان أبراهام مستعداً للتخلي عن الراحة والألفة في إنجلترا من أجل الحصول على فرصة لصناعة اسمه في مكان آخر مختلف؟ لقد سجل أبراهام أهدافاً عديدة مع تشيلسي - 30 هدفاً في جميع المسابقات خلال الموسمين السابقين- لكنه رأى أن فرصة مشاركته في المباريات تتضاءل بعدما أعلن المدير الفني الجديد للبلوز، توماس توخيل، أنه لا يثق به ولن يعتمد عليه بشكل أساسي.
لكنّ الانضمام إلى روما كان يعني أن يكون أبراهام هو المهاجم الأساسي للفريق، وارتداء القميص رقم تسعة الذي كان يرتديه المهاجم البوسني إدين دزيكو. وكان مبلغ الـ40 مليون يورو (34 مليون جنيه إسترليني) المتفق عليه بين روما وتشيلسي هو أعلى مبلغ يدفعه أي نادٍ في الدوري الإيطالي الممتاز للتعاقد مع أي لاعب الصيف الماضي. وبقبول هذه الخطوة، لم يكن أبراهام يخطو نحو ضوء الشمس بقدر ما كان يخطو نحو الأضواء والنجومية.
لقد تألق أبراهام بشدة في الملاعب الإيطالية. وعلى الرغم من صيامه عن التهديف في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما خاض سبع مباريات من دون أن يسجل أي هدف، سجل المهاجم الإنجليزي الشاب 21 هدفاً في جميع المسابقات، قبل أن يحسم روما ديربي العاصمة لصالحه بفوزه على جاره اللدود، ضيفه لاتسيو 3 - صفر (وهو ما يعادل أرقام الموسم الأول لكل من غابرييل باتيستوتا وفينشنزو مونتيلا، رغم أنه ما زال يتبقى شهران على نهاية الموسم الحالي). وعلاوة على ذلك، سدد أبراهام سبع كرات في العارضة والقائم، وهو ما يعني أنه كان من الممكن أن يرفع حصيلته من الأهداف لولا سوء الحظ.
وكان هدفه في الدقيقة التسعين في مرمى فيتيسه آرنهم الهولندي هو الذي أوصل روما إلى الدور ربع النهائي لبطولة المؤتمر الأوروبي. ولم يكن هذا هو الإنجاز الأكثر سحراً للاعب الذي كان جزءاً من فريق تشيلسي المتوج ببطولة دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي فحسب، لكنه كان بمثابة مؤشر واضح على ما يمكن للاعب القيام به عندما يكون فريقه في أمسّ الحاجة إليه. وعلاوة على ذلك، أحرز أبراهام هدف الفوز في مرمى أتالانتا، الذي يعد منافساً قوياً لروما على المراكز المؤهلة للمشاركة في البطولات الأوروبية الموسم المقبل، في بداية الشهر الجاري.
وكان الشيء الوحيد الذي ينقصه في الموسم الأول مع روما هو التسجيل في مباراة الديربي أمام لاتسيو. وانتهت مباراة الدور الأول لهذا الموسم بخسارة روما أمام لاتسيو بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وهي المباراة التي شهدت الاحتفال الشهير من جانب المدير الفني الإيطالي ماوريسيو ساري بطريقة النسر. وكان مورينيو يشعر بالقلق من توقيت المباراة، حيث قال بعد الفوز على فيتيسه: «أنا سعيد لأننا نجحنا في التأهل، لكنني أقل سعادة لأن لدينا لاعبين على أرض الملعب سيتعين عليهم اللعب أيضاً أمام لاتسيو، الذي يدخن لاعبوه السجائر في المنزل مع ساري!».

أبراهام يفتتح ثلاثية روما في الديربي (إ.ب.أ)

لكنّ ساري تعامل مع الأمر بروح الدعابة، وقال إن مورينيو تأخر بعض الشيء في التصريحات، مضيفاً: «لقد توقفت عن التدخين منذ بضعة أيام». لكن من الواضح أن ساري لم يكن لديه مثل هذه الردود الجاهزة للصعوبات التي واجهها فريقه بمجرد بدء المباراة. وإذا كان من المفترض أن يكون روما هو الفريق الأكثر إرهاقاً، فإن أبراهام باغت لاتسيو مبكراً وأحرز هدفاً في الدقيقة الأولى من عمر اللقاء. فبعد أن ارتدّت الركلة الركنية التي لعبها لورنزو بيليغريني من العارضة، كان المهاجم الإنجليزي يقف في مكان مثالي ليضع الكرة في الشباك.
ويعد هذا هو أسرع هدف في تاريخ مباراة الديربي بين روما ولاتسيو، حيث جاء في الثانية 56. ولم يتوقف أبراهام عند هذا الحد، لكنه أحرز هدفاً آخر في الدقيقة 22 ليرفع رصيد أهدافه هذا الموسم إلى 23 هدفاً. وبهذا الهدف، كانت المباراة قد انتهت بالفعل، حيث سيطر لاعبو روما على مقاليد الأمور تماماً. وكان من الممكن أن يُكمل أبراهام الثلاثية عندما أرسل له بريان كريستانتي كرة طولية متقنة أمام المرمى في بداية الشوط الثاني، لكن أبراهام سدد الكرة بعيداً عن القائم الأيمن.
وأضاف لورنزو بيليغريني الهدف الثالث قبل نهاية الشوط الأول من ركلة حرة رائعة، حيث وضع الكرة ببراعة في أعلى الزاوية اليمنى لدرجة أن حارس مرمى لاتسيو توماس ستراكوشا، تمكن فقط من لمسها بأطراف أصابعه وهي في طريقها للمرمى. وأشار مورينيو بشراسة إلى جمهور روما وطالبه بالتوقف عن ترديد هتافات «أوليه» التي بدأ يرددها قبل نهاية الشوط الأول، واستجابت الجماهير لإشارات المدير الفني البرتغالي على الفور. لقد تعرض مورينيو للكثير من الانتقادات الإعلامية هذا الموسم، لكن جماهير روما كانت مقتنعة تماماً بالعمل الذي يقوم به لدرجة أنها سامحته على انتقاداته اللاذعة للمدير الفني المخضرم زدينيك زيمان.
وكان زيمان، المدير الفني السابق لروما والذي يعد معشوقا لجماهير النادي بسبب كرة القدم الهجومية التي كان يقدمها واستعداده لقول حقائق غير مريحة لمسؤولي النادي، قد صرح الأسبوع الماضي بأن ساري يقوم بعمل أفضل من مورينيو. ليردّ المدير الفني البرتغالي على ذلك قائلاً: «لا تتوقعوا أن يرد مدير فني حاصل على 25 لقباً على شخص فاز مرتين في دوري الدرجة الثانية!». وشهد الموسم الأول لمورينيو مع روما نتائج مختلطة، وحتى بعد الفوز على لاتسيو لا يزال روما متأخراً بفارق ثماني نقاط عن المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، وتشير تصريحاته بعد المباراة إلى أنه لا يعتقد أنه يمكن سد هذه الفجوة في المباريات الثماني المتبقية. فهل لا يعد هذا فشلاً بالنسبة للفريق الذي بلغ الدور نصف النهائي للدوري الأوروبي الموسم الماضي، وأنفق أكثر من 120 مليون يورو على الانتقالات منذ ذلك الحين؟
ومع ذلك، تجب الإشارة إلى أن نتائج روما تتحسن بمرور الوقت، حيث لم يخسر الفريق أي مباراة في آخر تسع لقاءات بالدوري، حتى لو احتاج الفريق لعدد من الأهداف الحاسمة في الأوقات القاتلة من تلك المباريات. أما الأمر الأكثر تشجيعاً فيتمثل في رغبة مورينيو المتزايدة في الاستعانة بعدد من لاعبي فريق روما للشباب، والذين يقدمون مستويات مثيرة للإعجاب. لقد لفت نيكوما زالوسكي، الظهير البالغ من العمر 20 عاماً، الأنظار في رابع مشاركة له في التشكيلة الأساسية للفريق.
وربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو أن الأفراد الرئيسيين في قلب هذا المشروع يبدو أنهم يتكيفون سريعاً لأساليب مورينيو. لقد قدم بيليغريني أفضل موسم له مع روما على الرغم من غيابه لفترات مختلفة بسبب الإصابة والمرض. كما يقدم أبراهام مستويات تفوق أكثر التوقعات تفاؤلاً قبل بداية الموسم. إنها ليست مجرد مسألة إحراز أهداف، حيث إن التزام أبراهام الشديد بتطبيق مهامه في الضغط العالي على لاعبي الفرق المنافسة كان سبباً أساسياً في نجاح الطريقة التي يعتمد عليها الفريق.
وبعد استدعائه لقائمة المنتخب الإنجليزي في نوفمبر (تشرين الثاني)، أشاد المهاجم الشاب بمورينيو وقال إن الفضل يعود إليه في تحويله إلى «وحش». وتُظهر الأرقام والإحصائيات إلى أن معدل استخلاصه للكرات أعلى بـ20% على الأقل من أي وقت آخر في مسيرته الكروية، وأكثر بـ50% من موسمه الأخير في تشيلسي.
وخلال مقابلة صحافية مع شبكة «سي بي إس» قبل مباراة الديربي، اعترف أبراهام بأنه لا يزال «مفتوناً» بمورينيو على الرغم من أنه يراه كل يوم، مشيراً إلى أنه كان المدير الفني لتشيلسي عندما تم تصعيده من فريق الناشئين إلى صفوف الفريق الأول في عام 2015. وقال أبراهام: «لم أخبره بهذا قط، لكنني ما زلت أنظر إليه على أنه مثل أعلى». في الحقيقة، بدأ عدد متزايد من الناس في روما ينظرون إلى أبراهام بنفس الطريقة، فبعدما أحرز المهاجم الإنجليزي الشاب هدفين في مرمى لاتسيو، فإن ذلك يعني أنه الأكثر تسجيلاً للأهداف في عام 2022 بين جميع لاعبي الدوريات الخمس الكبرى في أوروبا إلى جانب روبرت ليفاندوفسكي. وبعد نهاية المبارة، ظلت الجماهير تهتف باسم أبراهام مراراً وتكراراً بينما كان يقف مع زملائه في الفريق لتحية الجماهير. وقال أبراهام في مقابلة صحافية بعد نهاية المباراة: «لا أستطيع أن أصف الشعور الذي انتابني بسبب ما قام به الجمهور». وبالتالي، من المؤكد أن ما يقدمه أبراهام حالياً في إيطاليا أفضل بكثير مما كان سيقدمه لو استمر في بلاده تحت المطر!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.