قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

المساعدات الإنسانية ضئيلة وتصل ببطء وأحياناً متأخرة

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
TT

قصف روسي عنيف يزيد من معاناة خاركيف

لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)
لاريسا: «لن يمروا» (الشرق الأوسط)

ليلة جديدة من القصف المكثف شهدتها مدينة خاركيف الأوكرانية. هي الليلة الثانية على التوالي التي تتعرض فيها المدينة لمثل هذا القصف العنيف الذي استخدمت فيه القوات الروسية صواريخ متوسطة المدى وراجمات الصواريخ والمدفعية الأرضية. وكما جرت العادة، ردت القوات الأوكرانية بالمثل على القصف الروسي.
ويبدو واضحاً مما يحصل على الأرض أن هذا القصف هدفه تفريغ المناطق من سكانها ودفعهم للمغادرة نحو الجنوب، وتعميق أزمة النزوح واللجوء، ووضع الحكومة الأوكرانية أمام معضلة أكبر من معضلة الحرب ذاتها، بإغراقها والدول الغربية معاً بأمواج من النازحين واللاجئين. وثمة من يرجّح أن يستمر ذلك طويلاً حتى الوصول إلى حل سياسي أو نهاية عسكرية للحرب.
في النقاط المدنية الأخيرة قبل الوصول إلى مستديرة شارع سومسكا الذي يصل الأراضي الروسية بمدينة سوما، في أقصى شمال مدينة خاركيف، لا تزال آثار المعارك التي شهدتها الأيام الأولى للحرب ماثلة. فرغم إزالة الدبابات الروسية المحترقة والمدمرة فإن إسفلت الشوارع يشهد على شراسة الاشتباكات.
وفي المنطقة نفسها، لا تزال المنازل تتعرض للقصف كل يوم؛ إذ تأتي القذائف من الشمال والشرق؛ حيث تتمركز الآن القوات الروسية على مسافة بضعة كيلومترات فقط.
كانت خاركيف تضم حوالي مليونين من السكان، بمن في ذلك الطلاب، واليوم يعيش فيها حوالي نصف مليون إنسان فقط. الأغلبية نزحت، والباقون ينقسمون بين من أراد البقاء للقتال أو تقديم المساعدة، ومن لم يتمكن من الخروج لأسباب مالية. ورغم كل التقديمات التي توفرها الحكومة للسكان، فإن الأوضاع المعيشية لا تزال تمنع كثيرين من المغادرة. كبار السن لم يجدوا طريقة للخروج، أو أن أوضاعهم الصحية لا تساعدهم. الفقراء الذين كانوا يعانون من الأزمة المالية قبل الحرب وجدوا أنفسهم الآن بلا أي معين؛ بقوا في أماكنهم. ومن تدمرت منازلهم لجأوا إلى دور عبادة قريبة، أو حتى إلى مراكز لرجال الإطفاء.
المساعدات الإنسانية لا تكفي هنا، فهي أولاً تصل ببطء، وأحياناً متأخرة بفعل تعقيدات الانتقال من مدينة إلى أخرى في ظل التقدم الروسي. وثانياً، هناك إشكالية توزع السكان في المدينة؛ حيث لا يزال عديد من الناس في منازلهم في مناطق خطرة، ولا تفضل السلطات الذهاب إليهم لتوزيع المساعدات عليهم؛ لأن ذلك يتسبب في تجمع المدنيين، ويمكن أن يعرضهم للخطر بعد ضرب القوات الروسية متجراً يوزع الخبز منذ أيام. ثالثاً، هناك عدم قدرة من السلطات على الإحاطة بكل متطلبات المناطق المتضررة من الحرب. ورابعاً، هناك مشكلة الفساد الذي تمكن من الحصول على حصته من المساعدات، مما يعني حرمان جزء من السكان من حصصهم.
في مأوى للعجائز، تقول إحدى النساء المسنات ما إن عرفت بقدوم صحافي: «لدينا كل شيء، كل شيء على ما يرام هنا». هذه العبارة تشي بأنها تشير إلى العكس تماماً. فقد جاء الصحافي برفقة فريق تطوعي لإيصال المساعدات للمأوى. وبعد ليلتين متواصلتين من القصف العنيف لا يمكن أن يكون أي شيء على ما يرام.
لاريسا أكثر واقعية. هي تسعينية من أصول إيطالية عاشت كل حياتها في أوكرانيا. كانت معلمة في مدرسة ثم في سجن، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي تقاعدت عن العمل، وهي الآن في غرفتها في المأوى تتابع الأخبار أحياناً، وأغلب الوقت تتحدث مع من يمر بها في الغرفة: «لن أرحل من خاركيف. لقد عشت كل حياتي هنا وسأموت هنا». لاريسا لا تعلم، على الأرجح، أن لا تحضير لعملية إجلاء للعجائز من المأوى، وأن المأوى يعاني من نقص في المواد التموينية، وإن كان القيمون عليه يحاولون ما بوسعهم الحصول من الهيئات التطوعية على ما يكفي حاجة المقيمين، ويعملون على حمايتهم في الدور السفلي. ولكن الخروج من خاركيف ليس متاحاً لهم الآن.
«لن يمروا»، تهتف لاريسا بالإيطالية، ثم تتحدث عن نفسها وعن الفترة التي كانت تمارس فيها التعليم، وترحب بالتقاط صورة لها قبل أن يغادر الفريق التطوعي، وليس دون أن تعيد هتافها الإيطالي الشهير: «لن يمروا».
قريباً من ساحة شوفشينكو توقف الشرطة عربة وتفرغها من حمولتها. تضع الحمولة على الرصيف ويقف رجال الشرطة ليتحدثوا مع السائق. كان الرجل يبيع المنتجات الزراعية المسروقة من الحقول. حالياً أغلب الحقول تعتبر مناطق خطرة، ويتولى أفراد الجيش جمع المحاصيل وتوزيعها مجاناً على المتطوعين لإعطائها للسكان، ولكن هناك دائماً من يحاول التكسب في ظروف مشابهة.

أوضاع استثنائية
رجال الشرطة هنا على درجة من التوتر. يقول عدد من المتطوعين إنهم غير مدربين للحروب والتعامل مع أوضاع استثنائية. في الماضي القريب لم يكن للشرطة أو عناصر الجيش أي نفوذ. اليوم بعد اشتداد الحاجة إليهم والضغط الذي يعيشونه وبقائهم في مدينتهم، أصبحوا أقسى في التعامل مع الناس، وصارت مهماتهم أكبر وأوسع.
يتوزع الدمار الجزئي على مناطق مثل شارع ماتوشينكو أو منطقة سلافيتسكا. هناك، في المنطقة الأخيرة، وفي إحدى دور العبادة، يتجمع حوالي 50 شخصاً في القبو يصلّون وينامون مفترشين الأرض، ويتدثرون بأغطية أتوا بها من منازلهم المدمرة، أو المواجهة للقوات الروسية، ويأتيهم متطوعون بالقليل من الطحين والمواد الأولية للطهي.
في دار العبادة هذه، يستخدم النازحون المطبخ المرتجل، ويعدون طعامهم بأنفسهم. الأغلبية هنا من كبار السن أيضاً، إضافة إلى بعض ذوي الاحتياجات الخاصة. لم يتمكن هؤلاء من مغادرة خاركيف، وبعضهم يقول إن الله سيحميهم من كل شر، وإنهم يفضلون البقاء في المدينة.
يتحدث فلاد (30 عاماً) المتطوع ضمن فريق محلي صغير عن الوضع المالي للنازحين: «لقد استنزفتنا الأزمة الاقتصادية، وبعدها أتت كارثة (كورونا)، واليوم مع الحرب وجد عديد من الناس أنفسهم من دون أي مال أو قدرة على الانتقال من مكان لآخر». يضيف أنه يعتقد أن كثيراً من كبار السن كانوا سيغادرون المدينة لو توفر لهم ذلك، وأن عديداً أيضاً من الشبان كانوا سيأتون من أماكن أخرى ليتطوعوا هنا، لو سمحت لهم ظروفهم الاقتصادية.
فلاد الذي أنشأ مع 25 من رفاقه مجموعة خاصة تتلقى المساعدات وتوزعها على الأماكن الأكثر سخونة في شرق وشمال خاركيف، كان يعمل في هندسة الصوت والإضاءة للاحتفالات قبل وباء «كورونا»، ثم أنشأ شركة للتعقيم في ظل جائحة «كورونا»، ومع بداية الحرب خسر كل شيء، وبات وعائلته يعيشون في مكتب شركته بعد تعرض الحي السكني حيث كانوا يعيشون للقصف.
يعرّف فلاد بيفغيني (32 عاماً) الضابط في الإطفاء الذي يشترط عدم التقاط الصور أو الفيديو أو تحديد مكان اللقاء، قائلاً: «في المكان توجد عائلات مدنية، ونحن أصبحنا هدفاً للجيش الروسي».
تحول أحد مراكز الإطفاء المستحدثة إلى مركز للنزوح أيضاً، يضم اليوم 50 طفلاً مع أهاليهم، إضافة إلى كبار السن وبعض ذوي الاحتياجات الخاصة وعناصر الإطفاء. «تحولنا إلى عناصر مساعدة بكل شيء، أحيانا نحاول تأمين أماكن نزول الصواريخ غير المنفجرة، حتى لو كانت مجرد بقايا. مهمتنا اليوم منع أي كان من الاقتراب من هذه البقايا أو الصواريخ، بانتظار أن تأتي قوة مختصة من الجيش لإزالتها»، كما يوضح يفغيني وهو يقف أمام المركز المستحدث.
لا يملك يفغيني رقماً دقيقاً للإصابات المدنية: «هذه من مهمات الشرطة، ولكن نعلم أن عدد الضحايا الذين قتلوا هنا منذ أول يوم للمعارك إلى الآن يفوق 300 إنسان. قد يكون الرقم أكبر لأن هناك مناطق طلبت النجدة ولم نتمكن من الوصول إليها، إذ إن القوات الروسية تقطع الطرق علينا».
يتحدث الضابط في الإطفاء عن إزالة بعض بقايا الجثث دون معرفة أصحابها، كما يشير إلى أناس لا يزالون تحت الأنقاض في بعض المناطق، ويوضح أن هناك ما لا يقل عن 60 طلباً للمساعدة كل يوم، ما بين إطفاء حرائق أو إزالة ركام من أماكن مدمرة. «لم نعد نعمل في كل دائرة خاركيف، لقد قلّصت القوات الروسية من نطاق عملنا بعد سيطرتها على طرق رئيسية، ولكن في دائرة عملنا فإن عددنا لا يكفي لتلبية كل الاتصالات».
تتعمق مشكلة خاركيف يوماً بعد يوم، وبينما يسعى لتركها من يقدر على ذلك، فإن هناك فئات لن تتمكن من الرحيل مهما اشتد القصف الروسي. هؤلاء سيدفعون، على الأرجح، ثمن البقاء غالياً مع الوقت، إذا ما واصل الروس قصفهم العنيف أو حاولوا من جديد اقتحام هذه المدينة الأوكرانية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended